فاطمة الناهض
(الإمارات)

السيدة الصغيرة التي جنّت- حلم قديم -
اقتربت ميثة من المكتب أكثر، وضعت يدا على الزجاج الشفاف للطاولة الفخمة، تسند بها ثقلها، والثانية امتدت الى رأس المدير المذعور، سحبت الغترة والعقال بهدوء ؛ وضعتهما فى سلة الأوراق الانيقه؛ تناولت فنجان القهوة البارد وسكبته على رأسه . ظلت الخيوط السوداء تقطر على جبهته وانفه وتنساب فى انهار رفيعة الى مساحات أخرى من وجهه وهو مصعوق بالدهشة، غادرته ملكة النطق وابتعدت عنه نعمة الحركة. عدلت ميثة "شيلتها" برقه، وقبل ان تغادر الغرفة التفتت اليه بخبث مدروس قائله: الاستقالة، على مكتبي.

اى استقالة؟؟
أيقظتها الكلمات المسطحة من غفوة جامحة، سحبت إذنيها معا..ورفعتها عن الأرض حتى تلاشت آخر خيوط الحلم الجميل. نظرت للفّراش الواقف أمامها بفضول؛ منحته نصف ابتسامة: فنجان قهوة مرّه يا أبو محمد، وودعته عيناها.. بحنو غير عابئ بالفضول الذي تسلقه، فيما كانت ابتسامتها تتسع وهى تستعيد تفاصيل حلم اليقظة اللذيذ، ثم ما لبثت ان غاصت بين الأكوام الهائلة من الأوراق المتراكمة عن يمين، وعن شمال.
قائظ وصل آخر النهار، لايحمل من مواصفات الربيع غير التسمية، الصق أجزاءها "بالجلاّبية" الحريرية بفوضى مثيره، فراحت تهتز عند كل خطوة يدنو بها الكعب العالي ، صوب مهرتها الحديدية. تتباعد الأجزاء وتحتك يبعضها بقلق تفرضه طبيعة المكان، المكتظ بأشد أنواع الخيول فتكا، ومن كل جنس ولون. تسلل اليها قلق عابر، راحت تتلفت بحذر،تلاحقت أنفاسها، فراح صدرها يعلو ويهبط باضطراب لا يخفى على النظر، فيكاد يلوى أعناقا؛ ويدير رؤوس.
ألقت بنفسها فى رحم بارد منعش ، واستقبلت النسمات الاصطناعية بارتياح وكانت النوافذ مازالت مغلقه،فأغمضت عينيها.
يمكن ان تجلس هكذا، بقية اليوم.تنعم بالأحلام والصمت؛ وتترك الخارج يمزق بعضه بالألسنة والهراوات. مال على نافذتها عود من القصب، وجذع شجره، كيف تآلفا، لاتريد ان تعرف،: هل من خدمه؟ فجرّ سكينتها الفضول الذئبي، فغادرت الاصطبل الاسمنتى دون ان ترد، وتمنت ان ينبت لها جناحان.
" لو انني".. تصمت.

تتناثر سحب بيضاء فوقها بتشكيل ديناصورى بديع، فتبتسم. وحين دفعت باب المنزل بيدها؛ تدافعت صوبها المآتم والأعراس وأعياد الميلاد. رمت "شيلتها" الرقيقة على أول مقعد وأدارت ظهرها للمرأة الوقور ، التي تحبها ، -والتي هي مثلها، سليلة أحلام متحفزة على الدوام -،بعد ان قبلّت رأسها وتربعت على الأرض بانتظار الطعام. " لو انني قلت للعجفاء ذات الوجنتين البارزتين والفك المفترس؛ انها لاتملك أسباب الحياة والموت، لمجرد انها خرجت من خابية للذهب ، بدلا من رحم رحيم، وأخرجت من حقيبة يدي مرآتي الصغيرة ذات الوجهين.. ووضعت الوجه المكبر للملامح أمام استطالة وجهها العابس وصرخت: انظري، انت هكذا ايضا فى الداخل.. وجمعه الذي فصلته من العمل لأنه لم يبع نفسه لك ،وجد عملا أفضل، فموتى فى ثيابك. موتى.".. ارتفع صوتها قليلا: موتى.. موتى!
تضع الخادمة صينية الطعام أمامها وتركض مسرعة الى المطبخ ، لتخبر أخرى ، ان السيدة الصغيرة .. قد جنت.
صنعت من الأرز كرات صغيرة، كومتها على جانب صحن الخضار.. أهراما تنهار كلما ارتفعت.

حلم جديد :
"دون ان ترفع رأسها عن الملف، ودون ان تدير وجهها للسكرتيرة والموظف الجديد الواقفين أمامها أمرت المرأة ان تنصرف، وتترك الرجل المحاصر بالرهبة والقلق، يفترسه الانتظار على مهل. يغرق فى وساوسه ، فتستدير بكرسيها الضخم وتواجهه: ومتى عملت مسؤولا فى الرقابة يا أخ؟ يبتلع الرجل لسانه، لكن عيناه الجاحظتين قالتا:انت ؟ردّت عيناها بتشف محموم: وما أروع ان أكون انا، وتكون انت، هنا، اتارجح بمقعدي، وتتعارك ركبتاك امامى، وتفقد نصف شعرك فى اليوم التالي. استرد لسانه: فى الحقيقة.. أعادته الى مكانه: فى عين الحقيقة،كنت جروا صغيرا فى قسم الرقابة، تشاركني المكتب، وتحاصرني بالنباح، تملأ أدراجك بالدناءة واللعاب والقاصرات، وتحرم الناس رحمة المعرفة.اشد الأيام تنكيلا ، حين تغمض عينيك وتؤشر. وارحمها، حين تنظّف مكتبك، وتلقى بكل ما عليه على يميني، فلا التفت صوب يساري قبل أذان العصر. تراخى الرجل بانكسار: تغيرت الأمور..قصمته نصفين: كثيرا، جدا!"
غسلت يديها دون ان تضع فى فمها شيئا، وتخففت من بعض ما عليها لتدخل الفراش. فاجأها حجم صدرها حين مرت بالمرآة. توقفت.

- حلم يتكرر-
" ابتسم الرجل الودود من داخل المرآة، وبمحبة ، راح يتابع انحناءات جسدها الممتلئ: لقد بدأت تظهر عليك عوارض حمل جديد يا حبيبتي، تضحك فى حياء: لنجعله الأخير، خمسة يكفون يا علّى، يضمها بحنان دافق ويقبّل جبينها: اثنان آخران فقط!" زوبعة تقترب من صومعة غلالها النفيسة، تعيد ثيابها بسرعة، ويغادر الرجل المرآة مثل خيط دخان. يقتحم الإعصار مساحتها المستباحة أبدا، دون استئذان، تتطّير وتستقبل أوامر العاصفة:أم سعيد تريدك لولدها، ستأتي هذا المساء، ارتدى أجمل ما لديك وتعالى. وافقت باضطراب،كنست بقايا الإعصار بدمعتين ودخلت تحت الا غطيه.
تذكرت كيف طردوا "عليّا" حين جاء لخطبتها، والى أين اتجه. تعرف الآن ،بعض أسباب الدكتوراه المنتشرة فى البلد.

-حلم يتحقق.-
لمرة وحيدة غير مسبوقة، مشحونة بالشجاعة، ومثقلة بالخلاص، لم تحلم ،تكلمت ميثه، وخرجت أم سعيد من المنزل وهى تصطدم بالجدران من ثلاث لاءات بائنه شهرتها ميثة فى وجهها، قبل ان تلفظها البوابة الضخمة الى الشارع، فيما راحت السيدة الوقور، التي تتلهف لرؤية ميناء المخفورة بالفتنة الطاغية، وسط قبيلة من أحباب الله،تتلعثم وتتخبط، وهى توشك على الضحك من عدم التصديق.
ملأت ميثة البيت عصافير وحمائم.. تنطلق بكل اتجاه، تتصادم فى أفق الحرية الرحب. وحين أوت لمخدعها، بعد ان داخلتها قوة الصحو، فأيقظت فيها المحاربين والشموس،رأت ان تزور المدير أول دخوله المكتب، قبل ان يحتسى قهوة النهار، وتجمع الغربان التي تنعق فى إذنه طيلة أوقات العمل؛ بدل ان تعمل،وتتركها تمزق بعضها أمامه،فان لم يصدق، ستمد يدها الى فترته وعقاله وقهوته الباردة . ورأت ان تعيد العجفاء الى حجمها الطبيعي، قبل نهاية اليوم. ولم يبق غير الجرو الذي ستعد له دواءه كما ينبغي.

اليقظة -
كان من الممكن ان يتناقل الناس فى الصباح الذي يسبق الحقيقة، شائعة ان امرأة شجت رأس أخيها بمزهرية،حين حاول ان يسترها بالزواج، حتى كادت تودى بحياته ، لولا ان السيدة الصغيرة، التي جنّت،ماتت بين يديه و قبل ان تستيقظ تماما من نومها ..حين سحبها من شعرها الأسطوري وراح يقوض ما صنعه الخالق ، بقبضته الحديدية، بغضب دام ووحشية تستعر،ثم رماها على الأرض، على مرأى من الخادمات المفجوعات،وأمها التي غطت وجهها بكلتا يديها وهى ترى الطمأنينة الساحرة التي ارتسمت على وجه القتيلة.ودخلت فى غيبوبة صاخبة من العويل الذي سمعه آخر بيت فى الحي الهادئ، ولم تفهمه الا الثكالى.