حياة (الكابتن ألكسندر) الذي كان أيضاً رينيه شار الشاعر وبطل المقاومة

اسكندر حبش
(لبنان)

رينيه شار وبيكاسو
(رينيه شار وبيكاسو - 1865)

كان يحمل في داخله، العديد من العواصف الرهيبة التي تأتي لتضاف فوق عمق سديمي. كان مثل عملاق طليق عاشقا للنساء والحب، مهووسا بالشعر. عدا ذلك، ماذا نعرف عنه في حقيقة الأمر؟ مرّ ذات يوم، وبسرعة، عند إخوته السورياليين. اعترف أنه نظم المقاومة الفرنسية ضد النازيين في منطقة (البروفانس) (كان لقبه الكابتن ألكسندر). وبعد ذلك؟ قبل ذلك؟ من هو هذا الشخص القابع خلف آلاف الوجوه الثائرة باستمرار؟

رفض رينيه شار (الشاعر الفرنسي: 1907 1988) بشكل دائم وقاطع أن نهتم بحياته الخاصة، مذكرا بوجوب قراءة شعره. من هنا يشكل كتاب لوران غريلسامر الصادر حديثا بعنوان (البرق على الجبين) (منشورات فايار)، والذي يروي فيه سيرة رينيه شار، (حدثا) ثقافيا، بمعنى أننا للمرة الأولى، أمام كتاب يفتح لنا أبواب هذه القلعة الحصينة ليدخلنا إلى (أقبية أرشيف)، لم يكن يعلم أحد بوجوده أصلا. سيرة ترتكز على الأرشيف الخاص، على عشرات المئات من الرسائل الخبيئة لنجد عبرها أفضل أسماء القرن المنصرم: صداقاته مع أندريه كايات وبول ايلوار ونيكولا دو ستايل، (أخوّته) مع ألبير كامو وجورج براك وبيكاسو، أحاديثه (الملائكية) مع سان جون بيرس وجورج باتاي ومارتن هيدغر.

كان رينيه شار يميل دائما إلى (حزب) الاختلاف، من دون أن يشارك أحدا، إذ غالبا كان ينعزل في مسقط رأسه (لوبيرون) بعيدا عن الجميع. يحمل تنفسه كل شيء في طريقه، كما أننا غالبا ما نقع تحت تأثير قدرته المزلزلة. ألم يكن شخصا غير عادي في الشعر كما في الحياة؟ ألم يكن معجونا بكيمياء الكلمات منصتا بلا انقطاع إلى العناصر المختلفة؟ كتب ذات يوم: (إننا كائنات غير محكومة. المعلم الوحيد الذي يلائمنا هو البرق. برق يضيئنا أحيانا، وأحيانا يشطرنا إلى نصفين). من هنا قضى رينيه شار حياته، سائرا والبرق على جبينه. من هنا، أيضا، شكل وحده هذه (المملكة المتوحدة)، الفريدة، التي لم يعرف أحد الدخول إليها، لأن شار كان يؤمن دائما أن على الشاعر أن يترك (آثارا) في مروره لا براهين: (وحدها الآثار تجعلنا نحلم).

بيد أنه كان لا بدّ من سيرة لهذا البرق. لا بدّ من كتابة حياة رينيه شار. أي أن نهتدي بهذه الآثار كي نبحث من خلالها عن البراهين. وهذا ما أخذه على عاتقه وبشكل دقيق الصحافي في جريدة (لوموند) الفرنسية لوران غريلسامر، الذي سبق له أن أصدر كتابين/سيرتين، كان آخرهما العام 1998 عن الفنان نيكولا دو ستايل، الذي عرف نجاحا كبيرا وشهرة واسعة عند القراء كما عند النقاد. يبدو كتابه هذا وكأنه كتاب بعيد عن أن ينتهي، من هنا استعماله صيغة الحاضر (بالفرنسية) وليست الصفحات التي تصل إلى 560 صفحة من القطع الكبير، إلا حجما معقولا لهذه السيرة التي (تُقرأ)
(وأستعمل هنا التعبير الانكليزي readable)) والتي لا نشعر معها بالسأم مطلقا:
فالمؤلف يبرهن حقا عن ابتعاده عن كل (خساسة) في التعاطي مع حياة شار.
لذلك تبدو الجدية واضحة بقوة، في هذا الكتاب: العديد من الأحاديث مع أناس عرفوا رينيه شار، تنقيب عميق ومكثف في أرشيف الشاعر الذي فتحته ماري كلود شار، زوجة الشاعر، أمام كاتب السيرة.

الذئب

(الذئب، كان قرينه). هذه هي أولى كلمات الكتاب، واللازمة التي لا تنفك من أن تتكرر طيلة النص. هذا ما كان عليه رينيه شار بالفعل، بالأحرى كان هو من يصف نفسه بهذه العبارات. القوة، الشجاعة، الافتخار، الوحدة. هذه هي صفات الذئب. ويضيف غريلسامر على شار صفة أخرى: كان مهووسا بفكرة الموت منذ الطفولة. من هنا هذه الروحانية الافتتانية بالجمال التي تبدو أحيانا وكأنها (قبر مضاد). أضف إلى ذلك، هذا الميل إلى الراهبات (الكرمليات)، الذي لم يكن يشكل عنده أي انزعاج، بل يمتزج مع ميله اللاهب إلى الأنثوية. حول هذه النقطة، بقي غريلسامر متحفظا وان ذكر بعض أسماء هاته النساء المختارات. كل ذلك يضعنا أمام نوع من التعاقب ما بين القوة والعذوبة، بين النرجسية والكرم، بين حالات الانفعال والغضب والشفقة والرحمة، بين أحلام يقظة تصاعدية والحس الطيب العارم. هناك الكثير من الأحلام المتيقظة في حياة الشاعر، الكثير من (الايروس) المعلق، من العطش الأرضي، مثلما يروي غريلسامر.

في القرية القريبة من (الفونتين دو فوكلوز) حيث ولد العام 1907، جعلته وحدة الذئب هذه، (تحت كنف أم قوية)، غير متعاطف مع وسطه البورجوازي الريفي: عاشر الهامشيين، مرممي السكة الحديد، البائعين الجوالين، البحارين، فيجد المراهق نفسه عاملا في بعض المهن الصغيرة العائدة للفاشلين. لكنه في ذلك الوقت، كان يقرأ بودلير، المركيز دو ساد، (الخيميائيين)، قراءات كشفت عن وجود هذا الميل الأدبي، الذي كشف النقاب عنه، في العام 1928، بول إيلوار حين قرأ (هذه الموهبة الشابة)، التي قرّبها من السورياليين. في هذا الفصل، (يولم) غريلسامر لقرائه مشاهد عديدة من حياة هذه المجموعة من الفنانين والكتاب. لم يتكيف الذئب مع هذا المحيط الجديد وبقي واحدا بعيدا عنهم، إلا أن صديقة (محبّة للخصام) وحّدته مع إيلوار؛ بين الشعراء الحقيقيين كل شيء يصبح مشتركا: المسكن والبوح وحتى (نوش) الجميلة (هكذا كان اسمها).

تمضي السنون، ليصل عام 1933، الذي شكل عام القدر، بالنسبة إلى شار. في تلك السنة يصل الشاعر إلى برلين ليكتشف فيها وحشية النازيين غير المسبوقة. تراءى له وهذا ما أثار حماسته وحفيظته أن الحرب القادمة، لن تكون أزمة إضافية، جديدة، بين بلاد أو طبقات ااجتماعية، بل ستشكل تهديدا حقيقيا على حياة الحضارة بأكملها. وعلى الرغم من ذلك، لم يرغب في كتابة شعر سياسي: علينا أن لا نمزج بين الدنيوي والمقدس. عند عودته، يغادر باريس للإقامة في (البروفانس) حيث تعرض هذا (الثائر) لرقابة الشرطة المستمرة، تزوج من فتاة يهودية إلا انه كان عشيق فتاة سويدية. في تلك السنة، تندلع الحرب العالمية الثانية، يقاتل على محور الإلزاس، تستسلم فرنسا، تبدأ المقاومة الشعبية، الهجومات الأولى ضد المحتل النازي في العام 1941. كانت الحرب بالنسبة إلى الشاعر البرهان عن الواقع الحقيقي الذي (أزهر) صفاته الملكية والذي برّهن عن مناعته وحصانته. في هذه الفترة بالذات يصبح اسم شار (الكابتن ألكسندر). لقد قرر رجل (كهوف فرنسا)، أن يقف في وجه هذا البلد الذي جعله (الماريشال بيتوش) بلدا مسطحا. كانت في رأسه قاعدة واحدة: (علينا أن نتصرف كبشر بدائيين، وأن نفكر كاستراتيجيين). ويطول الشتاء. بدأ يحصل على السلاح من طائرات كانت تلقيها بالمظلات. وعد الخونة بالموت وكان يطعم العصافير في الحدائق التي كان يمر بها. (للعندليب، أحيانا، في الليل، نشيد القاتل. عبره، يتعرف عذابي على نفسه).

في العام 1944 يتم استدعاؤه إلى الجزائر العاصمة، لمقابلة الجنرال ديغول على انفراد، الذي وجد فيه شخصا (سمجا). لم يجد ديغول الكلمات المناسبة. لم يكن شار يرغب في الانتماء إلى أحد سوى إلى بلده. واستمر في عمليات المقاومة، كأحد قادتها. قبل ذلك اللقاء بأسابيع، قتل الألمان شاعرا شابا يدعى روجيه برنار. حيّاه الشاعر بالقول: (أقبلك، يا رفيق الغابات المدهشة).

بعد التحرير يرفض أن يلعب أي دور ظاهر في الحياة العامة، مفضلا الابتعاد والانزواء في مسقط رأسه، ليكتب. في شهر شباط من العام 1945 يصدر له عن منشورات (غاليمار) كتاب <> ليجعل منه واحدا من كبار شعراء فرنسا ومن أكثرهم شهرة.

ما بين عامي 1947 و1955، يعيش شار 8 سنوات من السعادة. على الرغم من (هيأته التي تشبه هيأة المحاربين) إلا أن تواضعه كان يجلب الجميع إليه، كان يقعون تحت تأثير (سحره)، يدهشهم، من هنا كانت (الوفود) تتدافع لتقرع على باب منزله وهي ترتجف وتخرج من عنده (وكأنها أصيبت بضربة شمس). فترة عرف فيها رينيه شار العديد من العلاقات العاطفية (الصغيرة والكبيرة)، كانت أيضا، هذه الفترة، زمن الصداقات الكبيرة مع براك والبير كامو وجورج باتاي ونيكولا دو ستايل الذي لم يتوقف شار يوما عن إعلان إعجابه الكبير به.

مريض وهم

ومثلما هي العادة، لا يعرف المرء كيف يبقي السعادة قريبة منه. فهذا العملاق كان (مريض وهم) وكائنا بركانيا متفجرا يميل إلى (الدراما) في كل يوم من أيام حياته.. مشّادات أدبية وجدالات لا تحصى. تنافس مع أراغون الذي تباعد بينهما أدنى الأشياء: كان هو الملك الحقيقي للشعر إلا أن أراغون هو من كان (يحكم) هذه المملكة. كان أراغون يغني الأيام الآتية المليئة بالسعادة، (التي تغني) بينما كان رينيه شار يعرف ان (ناس) الغد سيكونون تعساء بدورهم وأكثر من (ناس اليوم). دخل رينيه شار في (معركة) مع زمنه إذ كان يجد ان الطبيعة تضيع بسبب التكنولوجيا، من هنا دخوله في معركة يائسة وخاسرة ضد نصب الصواريخ الذريّة في مرتفعات (الألبيون).

سنوات شار الأخيرة كانت أكثر هدوءا. جاءه الاعتراف بقيمته الأدبية الرفيعة من روسيا وألمانيا والولايات المتحدة واليابان، وان كانت إرادته و(قوته) بقيتا صلبتين كالفولاذ حتى ساعاته الأخيرة. في العام 1980 كانت بداية حب (سري) جديد دام لسبع سنوات مع امرأة أصبحت في ما بعد ماري كلود شار، وذلك قبل 4 أشهر من رحيل الشاعر. هذا الزواج الذي تم الكشف عنه فجأة حرّك الكثير من الأقلام والحماسة. ربما وجد شار أخيرا طريقة جمع فيها ما بين الحسابات العقلانية وبين شغفه. لقد استلمت هذه المرأة مهمة الاعتناء بمؤلفات الشاعر وما تركه وراءه. مهمة تقوم بها على أكمل وجه: والدليل، هذه الفعالية التي تتجلى أمامنا في هذا الكتاب.

السفير
2004/03/19