بيان آل دخيل
(السعودية)

أمين صالحالسينما لم تدخل ضمن النسيج الثقافي العربي حتى الآن
الكاتب يشعر أنه ضعيف وهامشي خارج الكتابة
أفتقد الأمان.. والواقع صار لي أكثر توحشاً
أرجع الروائي والكاتب البحريني أمين صالح، سبب اتخاذ مخرجي الأفلام السعوديين لـ»يوتيوب» نافذة لعرض أفلامهم، إلى «بحثهم عن مجالات العرض والتلقي المباشر للآراء».
وقال إن تجارب السعودية في إخراج الأفلام تطورت، مشيراً إلى أن هناك «إمكانية وموهبة قادرة أن تتطور، وأن تخلق أشياء جيدة ومهمة» لو أتيحت لها الفرصة، وتلقت الدعم. ووجه سهام نقده إلى بعض المثقفين العرب، الذين ما زالوا «يعتبرون السينما مجالاً ترفيهياً يقدمه مراهق لجمهور مراهق»، مؤكداً أن «السينما فكر وفلسفة، وفيها رؤية جمالية، وحساسية عالية تجاه الأشياء». وتحدث صالح، الذي حاورته «الشرق»، عن دراسته غير المكتملة للسينما في فرنسا، وعشقه للكتابة بأشكالها المختلفة، وأثر أصدقائه على نصوصه.. وفي ما يلي نص الحوار:

هروب إلى «يوتيوب»

* يلاحظ أن هناك هروباً من الشباب السعودي إلى استخدام «يوتيوب»، كقناة تواصل للعالم، نظراً لافتقارهم لشاشات العرض. ما رأيك؟

السينما لن تظل كما هي، صالة وكراسي، بل ستصبح في المنازل، فالعرض يتغير، خصوصاً أن الذي ساهم في تطوير السينما التكنولوجيا. ولجوء المخرجين السعوديين إلى «يوتيوب» هو بحث عن مجالات العرض والتلقي المباشر للآراء، فهو حالاً يسمع رأي مليون شخص في عمله، وأعتقد أنه مجال أكثير ديموقراطية من السينما.

حاجة أفلام المملكة

* كونك كنت في لجنة تحكيم في مسابقة الأفلام السعودية عام 2006، وانتقدت التجارب السعودية آنذاك. هل لاحظت تطوراً من ذلك العام إلى اليوم؟

نعم، بكل تأكيد، فهناك تطور وإمكانية وموهبة قادرة أن تتطور، وأن تخلق أشياء جيدة ومهمة. فقط لو تتاح لها الفرصة، وأن تلقى دعماً، سواء كان ماديا، أو معنويا.

* من هو الداعم؟

نتمنى أن يلقوا دعماً من وزارة الثقافة، لكن إذا كانوا غير موافقين، فما العمل؟

* هل هناك شيء معين ينقص السينما السعودية المفقودة غير افتقار صالات العرض؟

يحتاجون إلى ممولين، ولابد من دعم حكومي لهم إذا لم يقم به القطاع الخاص.

* هل هناك ميزة استشففتها في التجارب الشبابية السعودية؟

الشيء الجيد فيها هو التنوع والتفاوت حتى في المستويات. وأرى تجارب كوميدية جميلة، أحياناً أعمال درامية وبوليسية، وهذا التنوع لصالح السينما، ونشجع عليه.

* وما هي أبرز السلبيات؟

التعميم صعب.

* هل هناك فيلم سعودي حاضر في ذاكرتك؟

فيلم «عايش» لعبدالله عياف أحببته كثيراً، وهو من الأفلام الجيدة، وكذلك تجارب بدر الحمود ملفتة، وذاكرتي لا تسعفني ببقية الأسماء، وأتمنى ألا يزعل مني الآخرون.
العرب والسينما

* قلت في إحدى مقابلاتك، منذ سنوات: «المثقفون العرب، في غالبيتهم، لم يكترثوا كثيراً بالسينما كحقل ثقافي استثنائي، بل نظروا إليها كمجال ترفيهي بحت لا يستحق الاهتمام، ويمكن تجاهله، أو حتى ازدراءه، بل إن بعضهم صار يتباهى بعدم مشاهدته الأفلام، وتبديد وقته الثمين في التعرف على ما ينتجه هذا الوسط». ما زالت نظرتك للمثقفين العرب كما هي؟

نعم، السينما لم تدخل ضمن النسيج الثقافي العربي بشكل عام، وإلى الآن يعتبرون السينما مجالاً ترفيهياً يقدمه مراهق لجمهور مراهق، في الوقت الذي نجد أن المخرجين بلغوا تسعين عاماً وهم يقدمون أعمالهم.
السينما فكر وفلسفة، وفيها رؤية جمالية، وحساسية عالية تجاه الأشياء، ليس من الممكن أن نأخذ الجانب الترفيهي فقط، ونحكم على السينما أنها ترفيهية، أو تافهة، لابد أن تدخل ضمن النسيج الثقافي.
وأندهش، كيف ينظر المثقف إلى السينما، هذه النظرة التي لا تختلف عن أي إنسان آخر.

* نظرتك تشمل البلاد العربية كافة.

نعم، مع تفاوت في الدرجات والمستوى.

مجالات متعددة

* تكتب قصة وسيناريو وتمارس الترجمة والنقد. كيف توفق بين كل هذه المجالات؟

هذه كلها أشكال كتابية، فالقصة والرواية والترجمة والسيناريو والمسرحية أشكال في الكتابة، وليست أشكالاً خارجية. أنا لا أعزف بيانو مثلاً، كلها كتابة، وبالتالي أنا أعتقد أن هذه الأشكال تصدر من منبع واحد، ألا وهو الكتابة، وأهم شيء عندما أنتقل من مجال إلى مجال، ومن حقل إلى حقل، هل أكون موفقاً في الانتقال، وهل المجال نفسه يرحب بي، ويقول أنت مرحب بك.

* هل رحبت بك المجالات التي دخلتها من واقع التجربة؟

- لأنني أستقي من آراء الآخرين. مثلاً، عندما كتبت للتلفزيون، امتدحني الناس، والمخرجون رغبوا في أعمالي. إذن، هذا دليل على أن الأمور جيدة. ولو افترضنا أنها رفضت، وقالوا عملك سيء، وأعمالك لا تصلح لدراما تلفزيونية، سأوافق وسأعتذر لتدخلي.

* إذن، أنت تترك الحكم للآخرين.

تقريباً، وفي الوقت نفسه، الإنسان يشعر أنه بالفعل قال شيئاً مهماً، ولم يأتِ ليستعرض قلمه وعضلاته، بل يريد أن يعبر.
أنا أريد أن أعبر فقط عن الصورة، وأكتب الحوار، لا أن ألجأ إلى الرواية، وأذهب للسينما، أو التلفزيون، إذا رأيت أن الفكرة تصلح لرواية وقصة، هذه مجالات تثري التجربة ولا تشوشها. لكنني كنت في البداية متخوفاً.

* متى كانت هذه البداية؟

منذ زمن سحيق، حتى سألت أحدهم، هل هذا يؤثر؟ قال بالعكس هذا يثري التجربة، فالأشكال تتفاعل فيما بينها، ولا تتصادم. وعندما أكتب القصة أرى نفسي ماشياً بسلاسة معها، ومع الدراما التلفزيونية.
تنفس بالكتابة

* قلت في مقابلة لك: «شيء واحد فقط تعرفه: أنك، بالكتابة، تتنفس، تحيا».

يشعر الكاتب دائماً أنه ضعيف جداً خارج الكتابة، وأنه هامشي ومهمش. هو ينظر لنفسه أنه شخص عادي جداً، وضعيف وهامشي، في لحظة الكتابة. يشعر أنه قوي ولديه طاقة، وقادر على أن يفعل أي شيء. وكما تعرفون، عندما يكتب يحرك خيوط الشخصيات، ويشعر بأنه يأتي بأشياء، ويحس بالعظمة والقوة وبشيء خارق. أما خارج الكتابة فلا يشعر بكل ذلك.

* هل سمحت لك الكتابة بتحقيق أحلام وأهداف لم يقدر لك الواقع فعلها؟

لو تسألون أي كاتب سيقول ذلك صعب، إلا إذا كان سيكتب مذكراته. لكنه عندما يؤلف أحداثاً، فهو بالتأكيد سيستمد من ذاته وواقعه، لكنه سيضيف بالضرورة، مستقياً من المخيلة والذاكرة والتجربتين الثقافية والحياتية، كل هذه العناصر تدخل في عملية الكتابة.

تأثير الأصدقاء

* لاحظنا صداقاتك الحميمة، كيف تؤثر هذه الصداقة على نصوصك وأفكارك؟

تعودنا في البحرين منذ بداياتنا، أن نكتب النص ولا ننشره قبل أن يقرأه كذا صديق، ونتحمل النتيجة لو كان رأيه قاسياً. وكم من النصوص مزقناها فقط لأنها لم تعجب أحد الأصدقاء، أو رأى أن العمل ضعيفاً.

* كم نص مزق أمين صالح؟

كثير! وإلى اليوم، عندما أكتب نصاً أعرضه على قاسم حداد، وهو كذلك يفعل الشيء ذاته. والمسألة ليست مسألة عدم ثقة، فهناك قلق عند الكاتب، حتى ولو كانت تجربته طويلة، إذ يشعر بخوف وقلق. واكتشفنا أن الإنسان كلما تقدم به العمر يصبح أقل تماسكاً، وهشاً أكثر. وكنا نعتقد العكس، بمعنى أن الإنسان عندما يكبر يكون متماسكاً وقوياً، فاتضح لنا العكس.

طقوس كتابية

* هل هناك طقوس معينة تمارسها من خلال الكتابة؟

سابقاً، كنت أفعل ذلك. كنت أكتب بالورقة والقلم وفق طقوس معينة، وأحياناً عندما لا تأتي الفكرة أتظاهر بأنني نائم، معتقداً أن الكتابة ستأتي. أما الآن، مع الكتابة على لوحة المفاتيح، واستخدام جهاز الكمبيوتر، فالسيجارة هي أحد طقوسي، لكنني تركت التدخين أيضاً. وأحياناً أترك الكتابة، وأذهب للمشي. ولا أمارس أي طقوس اليوم، بل أباشر الكتابة فقط.

كتابة السيناريو

* قلت إنه لا فرق عندك إن كتبت سيناريو لمسلسل، أو مسرح، أو فيلم.

لا فرق بالنسبة للشكل الكتابي، لكن التقنية تختلف، حيث نركز على الحوار في المسرح، وليس من خلال الأحداث. بينما في السينما يمكن الاستعاضة عن الحوار بالصورة، كون التقنية مختلفة، كل وسط يختلف عن الآخر في التقنية.

* أيهما أقرب إليك؟

السينما أكثر، لكن في كل مجال أشعر بمتعة معينة، ولا أعمل شيئاً مرغماً.

مشاركة في الإخراج

* هل تتدخل ككاتب سيناريو في اختيار الشخوص، أو في عملية الإخراج؟

إطلاقاً، الكاتب لا يحق له التدخل إلا إذا أخذ رأيه المخرج. والمخرج أحمد المقلة أحياناً يطلب مني أن أرشح الممثلين، ويقارن بين ترشيحه وترشيحي، وإذا التقى الرأيان، يتصل بالممثل، وإذا اختلفنا يعتمد على رأيه، لأنه المخرج، وهو من سيتعامل مع الممثل.

* هل عرض في الشاشة عمل من نصوصك، ولم ترض عنه؟

حدث كثيراً. وكنت أقول للمخرج أن الممثل لم يكن جيداً، أو أسأت اختياره، وأطلب منه أن يسمع كلامي، ولكنه في الغالب يقول بأنه لن يسمعه.

* كم مرة تشاهد الفيلم الواحد؟

عادة مرة واحدة. لكنني معتاد أن أحتفظ بالأفلام الجيدة التي أشعر بأنها تؤثر فيّ. وأرجع لمطالعتها من وقت إلى آخر، لكن نادراً، لأن عدد الأفلام هائل، وإلا من المفترض أن يُشاهَد الفيلم أكثر من مرة، لكن ذلك صعباً.

* هل تركز على جانب واحد في مشاهدتك؟

لا أذهب برغبتي، أترك للفيلم أن يأخذني.

* هل تأخذك النصوص؟

العناصر مختلفة. أحياناً تشدني القصة، وأحياناً الممثل، وأحياناً الصورة.

أهمية الخيال

* ما رأيك في الأعمال التي تخلو من الخيال؟

هذه مشكلة، وسيقع المخرج، أوالكاتب، في الوثائقية والتقريرية، وينقل أشياء الواقع كأي تحقيق صحفي. الكتابة شيء آخر، ودون عنصر الخيال لا يمكن أن تتحقق كتابة إبداعية جيدة، فالمخيلة عنصر أساس في التجربة الأدبية والفنية بشكل عام.

دراسة الإخراج

* هل فكرت يوماً أن تعمل عملاً آخر إلى جانب كتابة النص؟ أي أن تكون مخرجاً مثلاً.

- في السبعينيات، ذهبت إلى فرنسا لأدرس الإخراج، لكن الظروف المادية لم تسمح، ورجعنا بخيبة كبيرة، ومنها قطعت العمل، واكتفيت بالكتابة.

* ألا تفكر اليوم؟

الآن لا مجال. لأن الإخراج يحتاج إلى العضلات والقوة والحركة والشباب.

فقد الأمان

* ما الذي يفتقده أمين صالح في الوقت الحالي؟

أفتقد الأمان. الواقع صار بالنسبة لي أكثر توحشاً، ولم يعد هناك تقبل للآخر، ولا حوار، الحوار معدوم تماماً. هناك محاولة فرض الرأي على الآخر، في الوقت الذي يدعي فيه الجميع الديموقراطية، نجده أمام أي اختلاف بسيط، يثبت أنه غير ديموقراطي على الإطلاق.

* تتكلم عمن تحديداً؟

الناس جميعاً.

جريدة "الشرق"
26/5/2012