ملحق النهار- الأحد 17 اغسطس 2008

روى احد الشبان الذين شاركوا في تشييع محمود درويش في رام الله، عن علاقته بالشاعر، قال انه كان يحمل صورته خلال تظاهرات الانتفاضة الأولى، فسأله مرةً جندي اسرائيلي عن الصورة، فأجاب انها صورة عمه. لم ينتبه الجنود الى صور درويش التي كان يحملها فتية الانتفاضة، الى ان تعرف اليها احد الضباط فمزّق الصورة، ومنذ ذلك اليوم صارت صور محمود درويش تُمنع في التظاهرات.
الشاعر الذي احدث ازمة في الكنيست الاسرائيلية بسبب قصيدته، "عابرون في كلام عابر"، والذي اثارت العلاقة التي نسجها في شعره بين الفلسطيني والأرض، حسد الجنرال الاسرائيلي السفّاح ارييل شارون، اعاد في حياته وموته، الاعتبار الى الشعر والثقافة، في وصفهما الروح التي لا حياة للانسان من دونها.

ذهب الشاعر الى الموت كي يكمل الغياب بالقصيدة، كاشفا دفعةً واحدةً عن ألقه الشعري الباهر، الذي جعل فلسطين استعارة كونية، والكلمات افقاً. حمل درويش الى قبره في رام الله كل سنابل الجليل، واضاف الى قصيدته "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" اسمه مكتوباً برائحة الخبز، وبدايات الحب، حتى صار الشعر يقول عن نفسه باسم الشاعر: هذا الشعر لي.

هذا العدد الخاص من "الملحق"، ليس رثاء، انه احتفال بالشعر والصداقة والحب. تحية صغيرة من بيروت المكتوبة "من تعب ومن ذهب واندلس وشام"، الى شاعر فلسطين والعرب الكبير، الذي ستبقى قصائده جزءا من صباحاتنا، وصوته جزءا من ارواحنا.

تحية حب الى محمود، الصديق، الذي وحّد الجليلين الفلسطيني واللبناني بشعره، والذي صار اليوم ذاكرة في الذاكرة، ووجعا في جدار حلمنا المنكسر.

"الملحق"

***********

الاتحاد بالمعنى

أردناه معنى وها هو بالمعنى يتحد.
المعنى هو بناء ملكوت مجرّد ذهني فكري قيمي غير قابل للموت بموت الاشخاص ما دام قابلاً للتوالد أو للتجدد والامتداد. المعنى هو ما يُشهره الانسان في وجه الكوارث، فردية أو جمعية، وفي وجه العدم
.
والشعر في الثقافة العربية هو واحد من العمد الكبرى لهذا المعنى. هذا ما مثّله درويش بشكل مدهش، ومثّله أيضاً شعراء فلسطينيون وعرب كبار.
لا يصح، في كلمة سريعة يمليها الهلع، الكلام على الثقافة وأعمدة المعنى. لكن يمكن القول بإيجاز إن محمود درويش ذهب في اتجاه ترميم المنظومة الرمزية القيمية والجمالية التي هددها الشتات الفلسطيني، بل التي كانت هدفاً أول بين أهداف العدوان على البنى والذاكرات والمعاني الانسانية الفلسطينية.

درويش أعطى الرموز حضوراً حياً. لكن العلاقة مع الجمهور الذي استقبل هذه الأنسام والإشارات الباعثة للحياة ظلت ملتبسة، وتتوجب دراسة علاقات التجاذب بين درويش وجمهوره. ذلك أن درويش لم يذعن ولم يأخذه الطرب إزاء تلك العلاقات. وكان قادراً أن يستدرج جمهوره الى مواقع متقدمة في البحث عن المعنى.

ما لا بد من الاشارة اليه أنه لم تكن لبعض النقاد والقراء المتعمقين في شعر درويش (وأنا منهم) متطلبات الجمهور عينها. غير أن الحالة الدرويشية لم يعد يحدها الشعر ومعاييره. هي حالة تفيض عن المعايير. وكان هو أول من يقاومها. لكنني شاهدة على أنه متى حضر الجمهور في أمسية، دخل الجميع - وبينهم نقاد كبار عرفتهم - دخلوا الحالة الدرويشية.

علاقة جمهوره به كانت علاقة ببشارة، بسرّ متعالٍ، بمعنى قدير مستعاد. جمهور درويش حقيقة اختبرتها بنفسي في إحدى أمسياته في المغرب. لم يقرأ يومها قصائد مفضلة لديّ أو لدى نخبة القراء. لكنني كنت أبكي، وعديد بين الجمهور يبكون. كان هناك جمال سري، علاقة باطنية سرية مع الجمهور المتعطّش. فهمت يومها لماذا يتصرف قراؤه كأن ما يتصل بتطور شعره يخصّهم قبل غيرهم وقبل درويش نفسه، ولماذا يعترضون على محاولاته لإقامة مسافة معهم. لذلك حين اصف بعض شعره بالملحمية فإنني لا أغفل عن تلك العلاقة المميزة بالجمهور.

وربما ساعدت هذه العلاقة السرية بالجمهور على التقاط درويش للإيقاع الملحمي، إيقاع الكوارث الجمعية ورؤى الانبعاث.

هكذا، منذ وقت مبكّر، اتّجه نشيده نحو الملحمية. بدأت تباشير هذه الملحمية مع بعض القصائد الطوال، لتتكامل وتتوهّج في "مأساة النرجس وملهاة الفضة". هنا يكتب محمود درويش مأساة الاقتلاع والرحيل، متكلماً على ماض في المستقبل، على ماض في زمان معلّق، زمان بلا اتجاه. "عادوا". ولم تكن عودة. "عادوا": نشيد يستقصي امتحان الهجرات وأسفار العذاب واختراق بحار الموت؛ يستحضر أصوات المنفيين، حتى ليغدو كل شعب منفيّ حاضراً في نشيده؛ يغدو كل شعب مشرّد وكل حق مغتصب حاضراً في أوار التجربة الدرويشية ومدار المحن الفلسطينية.

كان شديد الوعي لمأسوية دوره. لرهان الجمهور الهائل على هذا الشعر. كان يصرخ، لا ليتحرر من الرسالة، بل ليكشف عري عالم لا شعر فيه. ليكشف الجنون الذي لا يداويه الشعر ولا يشفع به.

تجاوز أساطيره كلها منذ السبعينات حتى أيامه الاخيرة. تمرد على الالقاب والعناوين. مضى فوق حد السراط ضد الأطر والشعارات. حياته بذاتها كانت تداخلاً بين الفاجع والملحمي، قبل أن يتجه نشيده نحو الملحمي الفاجع.
جاء نشيده ملحمياً على مستوى البناء والسياق والأفق؛ أما على مستوى العبارة والصورة والايقاع، فهو يحتفظ بكامل غنائيته. وفيما كان يتحرك في أفق جماعي، ويستحضر رؤى تاريخية مأسوية لشعوب تتنافى وتنتج حضارات يفني بعضها بعضاً، كان ينظم مفردات الحياة الفلسطينية وملامحها الأليفة. كان يرسم الأفق الملحمي بلغة الخصوصيات، بلغة تؤسطر اليومي وتهمس بالشخصي الحميم.

في هذا النشيد اشتعل غناؤه بأشواق آتية من الازمنة كلها، من الجهات كلها؛ في هذا النشيد ارتفع هيكل الجوهري من الحي اليومي، ورُسم الفاجع بلألأة الينابيع وارتعاش الفراشات. صارت الاشياء صفات، صارت الكلمات دروباً وبراري.
مع ذلك فإن التصدّع لم يغب. ففي داخل الصورة حضر التوتر؛ ذلك أن التصدّع انكشف في أساس العالم واساس منطقه، مهما كان الشعر تأسيساً للوعد، للحركة القادرة على تحقيق اللقاء وتجاوز الصدوع.

وفي السنوات الاخيرة صار الشعر عنده احتفالاً بالغامض الملتحف بالأفق، القادم من الذاكرات كلها، من طبقات الوعي الملتبس. صار الشعر عنده عيداً مقدساً، فيه تُستعاد الوحدة البدئية، ويُستعاد الجوهري من الدمار. ودائماً كان الشعر عنده منارة بعيدة في جنون العواصف، كان وعد قارة الحب الآتية. ومع أنه أخذ يتجه نحو المرهف اليومي، نحو الأليف الحميم؛ فإن أفق اللوحة بقي مفتوحاً تتلامح فيه ظلال الكوارث وقوافل الغياب.
في قصائده الباقية لنا، دائماً سترفّ أضواء، أضواء أمل، أحلام بإنسان آخر ربما، انسان ينسى تاريخ التذابح حول لون البشرة وأسماء الاجداد؛ ينسى تاريخ التذابح لاقتسام السماء، ويبحث عن وجه أبهى للانسان.
للشعر أعطى محمود درويش هذا الشرف كله، ولنا كقراء، أعطى نعمة الدخول في خبايا هذا السر المتجدد

خالدة سعيد

***********

ذكاء القلب

على مدى عقود من الزمن نعمتُ بصداقة محمود درويش. من بيروت السبعينات الى بيروت القرن الحادي والعشرين، نما هذا التواطؤ وتطور عابراً البحار والبلدان والتجارب.

خلال حصار بيروت صيف 1982، كانت اللقاءات شبه اليومية. لم تكن فرصتي للافلات من شقتي وقد تحولت الى مقر للرفاق وغرفة عمليات عسكرية. وانما اللقاءات فسحات استثنائية للصداقة والتضامن والأمل. وكان محمود قد انتقل حينها من شقته الى أحد فنادق شارع الحمراء حيث الماء متوافر للحمّام اليومي، والكهرباء بالكاد تنقطع، وعلى البار بيرة مثلجة وعازفة على البيانو. هكذا أخذنا نرجم الحصار بالموسيقى والشعر. وفي غرفته في ذاك الفندق تلا عليّ وعلى سعدي يوسف الآيات الاولى من تلك الملحمة التي سوف تسمّى "مديح الظل العالي": "إقرأ بإسم الفدائي الذي خلقا/ من جزمة أفقا". وفي تلك الغرفة انعقدت حلقات الوداع بين رفاق السلاح والقضية الواحدة على اختلاف بلدانهم العربية. وحده محمود يرفض مغادرة بيروت: أنا شاعر لست بمقاتل. لكنه سوف يضطر الى المغادرة بعدما احتلت القوات الاسرائيلية المدينة.

تشاء صدف حياة كل منا أن نعود لنلتقي في باريس بعد عامين وفي أسرة تحرير "الكرمل". وخلال آحاد باريس الهانئة عندما تنعقد الجلسات حول الكبّة النيئة اللبنانية تعدّها نوال عبود يرطّبها كأس عرق، يصرّ محمود على أن يزيّن الكبّة بـ"الحوسة" الفلسطينية (قليّة لحم وبصل) يطبخها بنفسه. يغازل جنى اليافعة:
"جُ تيم" وتجيبه: "موا أوسّي". ولإسم جنى آنذاك عنده ذكريات.
وعندما أصيب منه القلب في المستشفى النمسوي ومات ميتته الاولى لثوان سألت:

- ما الموت؟
- لونه أبيض.
اردفت:

- انتبه الى قلبك. انه عضو عادي عند سائر البشر. أما القلب عندك فهو أداه انتاج.
فانطلق في تساؤلات طفلية عن غرائب الاحدية والعدد في الجسم البشري: كيف يعقل أن يكون للمرء مليون شعرة وقلب واحد فقط!

رقّصنا الساحة في إشبيلية مع الياس صنبر وفاروق مردم لحضور مؤتمر للمثقفين الاسبان بدعوة من خوان غويتسولو. وطيّرنا الحمام بعدما خرجنا من مخزن الالبسة وقد اختار كل منا، عن غير انتباه، السترة الجلدية عينها التي اختارها الآخر. ولم يرق لمحمود التشابه فلم يطل به الامر حتى أهدى سترته الى أحد الاصدقاء
ولِمَ لا؟ "إن التشابه للرمال وأنت للازرق".
من "ايامنا" معاً اننا اعتزمنا رحلة الى اليمن على أمل تنفيذ مشروع فيلم عن امرئ القيس يكتب محمود السيناريو ويخرجه الصديق ميشال خليفي. قررنا أن نسير على خطى الشاعر الامير في دوعن، ببلاد حضرموت. وصلنا صنعاء والجو متوتر بين الحزبين الحاكمين. وبين الرئيس ونائبه. وكالعادة، بل فوق العادة في تلك المرة، توتر محمود الى أبعد حد قبل أمسيته الشعرية. لم يكن يعرف ماذا يتوقع من الجمهور اليمني. ولكن بقدر توتر محمود، كان انفراج الناس الذين تفاءلوا بأن شيئاً لن يحصل لأن محمود موجود بينهم. فتوافدوا بكثرة للقاء الشاعر. مع ذلك، لم يطق محمود المكوث اياماً في الفندق بعدن في انتظار طائرة الى وادي حضرموت فقفلنا راجعين، فلا اقتفينا آثار شاعر "قفا نبكِ" ولا ذقنا عسل دوعن.

محمود اليومي

لطالما عجبت كم ان محمود لا يشبه سائر الشعراء، أو انه لا يشبه على الاقل الصورة النمطية الشائعة عن الشاعر. لا أثر فيه للبوهيمية. لا لحية له. ولا شارب. وهو حليق كل الوقت. ليس حزيناً ولا مكتئباً. أو انه لا يريك وجهه اذا ما سيطر عليه الغمّ. أنيق منتهى الاناقة. نظيف. جميل. ومجامل أحياناً. منظّم ودقيق في مواعيده بطريقة مدهشة. ثابت في طقوسه. يكتب صباحاً على مكتبه. يكوّر يده أمام الورقة، مثل الاولاد ايام الامتحانات، يخفي ما يكتب عن فضولي غير مرئي يتلصص عليه. أو يريد أن ينقل عنه. سألته لماذا. قال لست أدري. ربما خفرا. وربما لأني لست واثقاً من أني سوف أبقي ما كتبت. لا يتردد في تمزيق قصيدة لم تصل الى مستوى يريده. ولا يتردد في اهمال قصيدة اذا ما قرأ قصيدة أفضل منها. مزّق قصيدة في رثاء بابلو نيرودا بعدما قرأ قصيدة إيتل عدنان "بابلو نيرودا شجرة موز".

بعد الغداء والقيلولة، يقرأ بنهم. الروايات خصوصاً. لا يخفي انه يحلم بكتابة رواية. ولكنه يسارع الى الاعتذار لأنه لن يجيد كتابة الروايات. وهو محقّ في ذلك. فعلى نحو غير إرادي، يتحول الكلام بين يديه دوماً الى موسيقى.
في المساء يمارس الصداقة. يشرب في السهرات ولكنه لم يصل مرة الى السكر، على حد معرفتي، ولا يطيل السهر على كل حال. هذا شاعر لا مهنة له الا الشعر، وإن امتهن الصحافة للقيام بالأود. نادراً ما يترك وراءه نصاً بخط اليد. نادراً ما يكتب الرسائل. لا يريد أن يبقى منه إلا شعره. ليس يريد أن يبقى منه شيء إلا الشعر.

الـ"أنا" والـ"هنا"

وخزته فلسطين الى الشعر منذ شهق الطفل: "من اين جاؤوا؟" وصرخ غاضباً في وجه أهل لم يستطيعوا منع انفصال الجسد عن المكان الاول. ولسعه الضابط الاسرائيلي بسوط الهوية عندما رفض تسجيل اسمه في عداد أبناء قريته ظناً منه أن الفتى الاشقر الشعر من أبناء جلدته. فردّ الفتى: "سجّل! أنا عربي!". مذذاك وشعر محمود درويش يشتغل على استعادة وصل الجسد بالمكان. فعلى وقع جدلية الـ"هنا" والـ"أنا" ولدت شاعريته ونمت وخصبت ونضجت وجمُلت وتأوجت.

"المكان الرائحة الاولى/ قهوة تفتح شباكا غموض المرأة الاولى /ابٌ علّق بحراً فوق حائط/ المكان/ خطوتي الاولى الى اول ساقين اضاءا جسدي/ المكان المرض الاول... /والمكان/ هو ما كان وما يمنعني الآن من اللهو/ المكان الفاتحة/ المكان السنة الاولى. ضجيج الدمعة الاولى/ التفاتُ الماء نحو الفتيات. الوجع الجنسي في أوله، والعسل المُرّ...".

وإن يتسامح الشاعر مع مكان ليس هو "ما كان"، فقد يتسامح مع بيروت، الخيمة الاخيرة والنجمة الاخيرة. وإذ حرم بيروت، حرم المنفى والوطن معاً ("لا منفى لي/ لأقول لي وطن/ الله يا زمن).

ومع ان مفتاح شعر محمود هو جدل الهنا والأنا، يظل الشاعر عصياً على التصنيف. رومنطيقي؟ يجوز قول ذلك في وجه من أوجه إنتاجه المتعددة. مثل الهنود الحمر، يلجأ الى الطبيعة ليقاوم بها آلات القتل التي يحملها الرجل الابيض. يقاوم بالشجرة والحصان والقمر. لكن الطفل الذي فيه يريد أن يعبث بكل شيء حتى بالطبيعة: "لو استطيع أعدتُ ترتيب الطبيعة/ ههنا صفصافة وهناك قلبي/ ههنا قمر التردد/ ههنا عصفورة الانتباه/ هناك نافذة تعلّمكِ الهديلا/ وشارع يرجوكِ أن تبقي قليلا"). شاعر غنائي؟ لا يكفي. فهو عطف اوديسة العودة الى حيث الأم تنتظر على إلياذة فلسطينية أودعها "ايام" شعب بأكمله. ذاكرة شعب. نعم. ولكنها مفتوحة على المستقبل لا متشبثة بالماضي.
كُتب على محمود درويش أن يكون "شاعر القبيلة" فلم يكتفِ بالنطق بإسمها، صار مربيها ومعلّمها. رفض أن تذهب القبيلة بالصوت الفردي. بل ارتفعت نبرة صوته الفردي فوق ضجيج القبيلة. يريدونه نواحا بكاء، فيما هو يربّي الأمل مثلما يربّي المزارع النحل. ازعم أن هذا الرجل هو أبرز مفكر سياسي عند الشعب الفلسطيني. ليس فقط في معرفته الاستثنائية بالصهيونية ودولة اسرائيل، وحسّه العميق بنبض شعبه، بل بفضل قوة المخيلة عندما الشعر يجد حلولاً استعصت على السياسة وأهلها، كما قال ماياكوفسكي. لقد اجبر محمود درويش الفلسطيني ليجبر الاسرائيلي على أن يتأنسن. وفرض بالشعر حق شعب في ارضه.

يجوز القول إن الشعر لا يستطيع الكثير في نزاع مع اسلحة الدمار. ولكنه مع ذلك يستطيع. فمن يعرف حالات عديدة نشبت خلالها أزمات وزارية حول تدريس قصائد لشاعر بحدّة الازمة التي نشبت داخل الحكومة الاسرائيلية اذا انقسمت بين مؤيدي تدريس شعر محمود درويش في المدارس ومعارضيه. وأي انتقام، ولو رمزياً، للضحية من جلادها أبلغ من أن يضطر الجلاد آرييل شارون الى الاعتراف بأنه يقرأ شعر محمود درويش ويعجب به.
أما السلطة فاقترب منها ولكن من دون أن يتماهى معها أو ان يخدمها. ولسان حاله: ما أضيق الدولة/ ما أطول الرحلة/ ما أوسع الثورة.
ثم انه ليس مجرد شاعر هوية. الهوية عنده مفتوحة على الامام والأمل والتقدّم، الثالوث الذي يقضّ مضاجع الما بعد حداثيين. أليس هو القائل في قصيدة "طباق" التي بها رثى إدوارد سعيد: "ان الهوية بنت الولادة ولكن/ في النهاية إبداع صاحبها/ لا وراثة ماضٍ"!

ذكاء القلب

محمود درويش هو الذكاء الذي ليس هو مجرد عقل. والقلب الذي ليس هو مجرد عاطفة وشعور. والموهبة المصقولة بالثقافة وبشغف لا يشبع الى المعرفة. وهو كتلة أحاسيس ترفعها المخيلة الى أرقى مستويات النبل والجمال. الجمال لذاته وبذاته.

شعر محمود درويش هو ذكاء القلب.

ندّابون عدميون يتساءلون: ماذا قدّم العرب للثقافة العالمية؟ ببساطة، قدّمنا محمود درويش.
دعك من التخليط. هذا شاعر لا يعوَّض. وانسان لا يعوَّض. وصديق لا يعوَّض. ولا حاجة الى البلاغة واللعب على الكلمات عن الموت. فالمعنى هو عند المتنبي العظيم، أكبر ملهمي محمود: إن الموت ضرب من القتل.

محمود درويش قتيل. وهذه جريمة لا عقاب عليها. وكل ما كتبه محمود عن الموت يدور مدار هذه المأساة: الموت هو الجريمة الوحيدة التي لا مكان لها في القانون الجزائي. انها الجريمة الوحيدة التي لا عقاب عليها!

فواز طرابلسي

***********

ستحيا فينا كما تشتهي لغتك

يقولون: علينا أن ننتظر موت الشخص لنستطيع أن نتبيّن قيمة حياته بعدما توقف المسار.
لكنك، بشعرك ورمزيتك، تجعل مستقبلك مفتوحا بعد موتك، لأنك ستحيا فينا وفي أجيال آتية كما تشتهي لغتك. تحديتَ الموت وراهنت على زمن آتٍ يضاعف حضورك عبر قرّائك، عبر صوغك لأحلام شعبك ونفاذك إلى مسالك النفس، ومحاورتك للآخر، ومواجهاتك مع الموت
...
رحلتَ منذ الصبا على جناح الكلمة وفضاءات الشعر اللاتنتهي. استحضرتَ الطفولة وبكارة الأصباح في وطن يحلم بالحرية والعيش الهنيّ. عانقتَ البطولات اليومية لأبناء فلسطين وبناتها وتغنّيتَ بالأرض السيدة، وغصت في بلّور الأساطير وساءلتَ لغزيّتها وخضتَ غمار التراجيديا لتستكشف أصل المأساة ولعنتها القدرية.

ابن فلسطين أنت، فلسطين المشدودة إلى صخرة سيزيف في عالم يُغمض العين على من يستعمرون بالقوة شعبا يتشبث بأرضه وحقه في الوجود. يغمضون العين عن متاهة المأساة التي تبدأ من ظلـم يحميه تواطؤ الماسكين بزمام السلطة في عالم يبشر بمبادئ إنسانية ويقترف عكسها.

وأنت، الشاعر المصبوب من شغف وضوء، كان عليك أن تعيش مغامرة الكتابة لحسابك الخاص، أن تنوّع البدايات، أن تستدرج اللغة في تلاوينها وموسيقاها لتقترب من شفافية تسرق الوجدان قبل السمع، وتحرك الفكر فيما هي تناغي مشاعر الذات العميقة... الصورة ونقيضها، الكلمة ومقاماتها المتداخلة. وأنت بإحساسك الذكيّ تناغم الأوتار: تقطف الغيم، تسرج الخيل، تمتطي فرس الماء و"تؤثّث النهار بدخان من لازورد" وتعتلي شجر السنديان "لتطلّ على شقوق المكان"...

تسرج مخيلتك وتتوغل في الأعالي ونحن وراءك نستدل بأثر خطاك مشدودين إلى مغناطيس الصور والاستعارات التي تشقّ هجير اليوم العربي وتبدد بعضا من عتمة لياليه المستدامة.

تكتب وترتّل، قرار صوتك الشجي يهدهدنا، قصائدك تتتالى، وأنت تكبر في أعيننا وعيون العالم...

وفي لحظات التعب والفسولة وفقدان اليقين، تتباطأ خطواتنا وتتحرك دودة اليأس في دواخلنا فيأتي صوتك ليقول بلساننا: "ونحن نواصل ما يشبه الموت نحيا. وهذا الذي يشبه الموتَ نصْرُ".

لكنك حين عايشت الموت عن قرب وبدأ صراعكما يراوح بين مدّ وجزْر، عناق وتحدّ، مناجاة وسخرية، أحسسنا أنك تتوغل في سموات لا تقوى عليها أجنحتنا الطينية. وحدك كنت: مفتح العينين والقلب، متوحدا، متحفزا، واجهتَ تجربة الموت، بارزتَ "ملك الملوك المعظم عاهل الموتى القوي" و"قائد الجيش الأشوري العنيد"، بارزتَهُ فارغ اليدين، سلاحك الشعر الشغوف بالاستمرار على هذه الأرض، صائحا في وجهه: "وأنا أريد، أريد أن أحيا وأن أنساك/ أن أنسى علاقتنا الطويلة...".

منذ ذاك، تباعدتَ عنا، انطلقت وراء مصيرك المتفرد. تآخيتَ مع جدلية الوجود والعدم، الحضور والغياب، وأصبحت طائر الفينيق بامتياز: من رماد آلامك ومراوغتك للموت تستولد قصائد تذكّرنا بالوجه المأسوي الآخر القابع في أجسادنا الهشة العليلة.

اكتملت الرؤيا: مأساة تعانق أخرى، شعب يُقـتّل وجسم يصارع الموت، الموت القاتل المتسلل عبر الردهات... عانقَ شعرُك الأوج: عين على الأرض وأخرى مصوّبة نحو السماء. تكتب شعرا ونثرا كأنك تكتب من وراء القبر، فتطلّ علينا من عالم أُخرويّ، ثاقبَ النظرة نافذ البصيرة.

لا أحد، كما قلتَ، يستطيع أن يمنع شاعرا ينتمي إلى شعب مقهور، مهمش، من أن يحلق عاليا في سماء الإبداع معانقا قضايا الإنسان وأسئلته الكونية. تهمس في أُذن العالم: "إني أصالح نفسي فتدخل كل الشعوب مدائحَ خمري".
وهويتك، كما قلتَ، هي في صيرورتك. وأضيفُ: هي سرُّ الوردة اليتيمة في البراري المتوحشة وقطرةُ ماء في قاع رمل متيبّس. هي ما يحفزنا على أن نعيش في زمن سديمي بلا أفق أو نوافذ، متحدّين العماء، مصرّين على أن نبتدع لحنا أو نصا أو لوحة لنقاوم العقم وأعداء الحياة...

ولِمَ لا أقول إن الهوية هي "عسل الشهوات" الذي يجعلنا نرفض الرجوع إلى أجسادنا الثابتة كما كتبتَ ذات يوم؟

من صلب جداريتك خرجتَ موقنا بتعدّد "الأنا" واستظلال أكثر من ذات بالذات الواحدة، لأن الهوية مترحلة بطبيعتها لا تكاد تعرف مستقرا. وعبر دفق شعري يزاوج الملحمي بالغنائي والمنطقي بالعبثيّ، انطلقتَ تذرع أركان جداريتك لتمسك بالعناصر المضمرة التي تراكمت في أعماقك، بعدما نبش الموتُ مكمنها، فاستطعتَ أن تتخطى شرَكه لتقترب من الذات الجديدة فيك، الذات التي تخايلتْ لك من خلالها أصقاع مجهولة هي العتبة المفضية إلى برزخ مخيلة تشيّد التعدد وتعانق الإنسان المدفون تحت ركام الظلم والعنف والتسلط... رحلتك إلى المجهول عبر مصارعة الموت، بلورتْ أفقا ممكنا لـ"أنسنة" ما تبقّى من العائشين في عالم من دون بوصلة.

قرأتُ بين سطور جداريتك، تعلقك بانبعاث الفرد الواعي، الجسور على طرح أسئلة جذرية شمولية. الفرد الواعي لقيمته الذي لم يعد يرضى أن يُستعمـَل حطبا في معارك لا تتكشف إلا عن سراب، ونكون فيها نحن طعاما لوليمة هزائمهم. غدونا نردد معك في "الجدارية": "كأني عندما أتذكر النسيان تنقذ حاضري لغتي./ كأني حاضر أبداً/ كأني طائر أبداً/ كأني مذ عرفتك/ أدمنتْ لغتي هشاشتها على عرباتك/ البيضاء، أعلى من غيوم النوم/ أعلى عندما يتحرر الإحساس من عبء العناصر كلها...".

منذ ذاك، تأكد لدينا مرة أخرى أن اللغة المبدعة، المنعتقة من عقابيل الماضوية وتأويلات المتفيقهين، سدنة المعابد، هي السبيل إلى تشييد وطن الفرد الواعي المتطلع إلى تغيير علائق الاستبداد والاحتقار. يغدو وعي الكينونة عبر مواجهة الموت، جسرا لوصل ما انقطع، لترميم الهوية وضخّها بدم المستقبل وجسارة التحدي. أليست اللغة الشاعرة الهشة التي تتهجّى الخرائب المحيطة بنا، هي الطريق إلى تحرير "الإحساس من عبء العناصر كلها"؟
أيها المحمود تمهّل إذاً، لا تُمعن في الغياب. غرباء نحن في أول النهار وعند الأصيل، على السرير وأمام الشاشة الصغيرة، أمام سيل الخطب المتخشبة وعبر مشاهد التقتيل وتدمير البيوت واحتراب الإخوة...

أيها المحمود تمهّل وتذكّر أن هناك من جعلوا شعرك جزءاً من قوتهم اليوميّ، يسترجعون من خلال نسائمه "شهوة لغتك" التي تسعفهم على رفع التحدّي ليعيشوا لأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".
لا تمعن في الغياب أيها المحمود، وابعثْ قصائدك من وراء القبر، كلما استطعتَ إلى ذلك سبيلا

محمد برادة

*******

مقالة في تمهيد وفصلين وما يشبه الخاتمة

محمود درويش، في مهرجان الشباب في صوفيا، كاميرا محمد دكروب (1968).
 
في مهرجان الشباب العالمي في صوفيا، أيام الشباب، محمود درويش (من اليسار) ومحمد دكروب (في شبابه) وسميح القاسم (1968).

لقائي الاول مع محمود درويش له، في ذهني، دلالات عديدة، تذهب في مداها الى ما قبل هذا اللقاء/ المفصل، وتتواصل مفاعيلها الى مدى سنوات العمر. كان هذا قبل اربعين عاماً من هذه الايام. وكنّا في عنفوان الشباب وزهوه، فالتقينا بمصادفة واقعية في مهرجان عالمي للشباب أقيم في العاصمة البلغارية صوفيا، عام 1968. على انني كنتُ قد التقيت محمود درويش قبل أن ألتقيه وذلك عبر أخباره وأشعاره التي ينشرها هناك في فلسطين التي احتلها الصهاينة وأطلقوا عليها اسم "اسرائيل".
كانت أشعاره تتسلّل إلينا في شكل قصاصات مقتطعة من صفحات جريدة "الاتحاد" ومجلة "الجديد" اللتين كان يصدرهما الحزب الشيوعي في فلسطين، وكان محمود محرراً بارزاً في "الاتحاد" ومسؤولاً عن تحرير مجلة "الجديد" الثقافية. لكن أشعار محمود درويش وسميح القاسم، وعدد من رفاقهما انطلقت في انتشار واسع في أنحاء العالم العربي بعد هزيمة حزيران 1967، فرأى فيها الناس العرب شعلة أمل وإصرار وتمرّد وسط اليأس الشعري العربي في تلك الفترة، فأطلق عليه الناس العرب والصحافة العربية صفة "شعر المقاومة العربية في فلسطين".
وكان الشاعران الفلسطينيان الموهّجان بصفة "شعراء المقاومة" هذه، ضمن الوفد الذي أرسله الحزب الشيوعي في فلسطين للمشاركة في المهرجان، فقوبل الشاعران العربيان من بعض "المتحمسين" النزقين في الوفود العربية بنوع من العداء التعصبي، الأعمى فعلاً، والضيّق الأفق، الذي تبيّن لاحقاً مدى إساءته ليس فقط الى الشاعرين المقاومين، بل للقضية العربية عموماً وللشعب الفلسطيني نفسه في الاساس!
تجاوز الشاعران الحادث المؤسي، والتقيا بالعديد من القيادات الشبابية العربية، في لقاءات تضامنية. على اننا معاً، الكاتب الصديق الياس شاكر، وزوجته العزيزة حياة، وكاتب هذه السطور، تقصّدنا أن نذهب الى المبنى حيث محمود درويش وسميح القاسم، وتبيّن انهما يعرفان عنّا، كما نعرف نحن عنهما، الشيء الكثير.

قال محمود ان أعداداً من مجلتنا "الثقافة الوطنية" وجريدتنا اليومية "الاخبار"، كانت تتسرّب إليهم عبر الاسلاك الشائكة، وعلى رغمها، وان صحافتنا هذه كانت نافذتهما الى العالم العربي، والشريان الذي ينقل اليهم حركة الأدب والفكر والكفاح.

أذكر انني قلت له: "يا محمود، أنت اسطورة عندنا"، وأذكر انه ابتسم بحياء مغلّف بسخرية ناعمة، قال: "أنا انسان عادي جداً، ما أقوم به يقوم به الكثيرون، ولكن صوتي كشاعر يصل الى مسافات أوسع".
هكذا قال، بلهجة صدق قال. ولكن، ألم يكن درويش يهجس، يومها، بما كان يعتمل ويمور ويختزن في داخله بأنه لم يكن مجرّد انسان عادي، وبأنه ينطوي على شاعر غير عادي، وبأن صوته، كشاعر وكانسان سيصل الى الأوسع والأعمق مما كان هو وكنا نحن نتصوّر؟

تواصلت لقاءاتنا ونشاطاتنا الثقافية المشتركة: في صوفيا، في موسكو، في بيروت خصوصاً، وفي عواصم عربية ومؤتمرات ثقافية عديدة.
محمود يعلن انتماءه:
ماركسي فلسطيني عربي
محمود كادح فكر وشعر وثقافة، وشعلة حب لا تنوس إلا لتزداد توهّجاً وتأجّجاً. حياته سلسلة من الانجازات والتغيرات والتحولات التي يعيشها، ويعانيها، يغوص في عناصرها وتلاوينها، يصنعها وتصنعه. ويظل، دائماً، في نار الابداع وأنواره. ومنذ ذلك الزمان الاول، تساءل الكثيرون، هنا، إما بفضول معرفي، وإما لاسباب لا تتصل بالفضول ولا بالمعرفة ولا بشرعية السؤال: هل كان محمود درويش شيوعياً وينتسب الى الحزب الشيوعي، هناك، قبل أن يغادر فلسطين؟! لكن السؤال الاكثر تعقيداً هو: هل ظل محمود شيوعياً، أو حتى ماركسياً، أو منتمياً الى تيار فكري سياسي ما، بعدما غادر فلسطين؟ وأين محمود درويش، الشاعر اساساً، من هذا كله؟

طبعاً، الاجوبة التقريبية تتطلب دراسة متأنية في التحولات وعواملها، على الصعد السياسية والفكرية والثقافية والانسانية والشخصية، وعلى صعيد التحولات في شعره، وفكره الشعري، أولاً وأخيراً وفي الاساس.
على أن مجال قولنا، هنا والآن، أكثر بساطة ووضوحاً وتحديداً من كل هذه التساؤلات الاشكالية.

***

في موسكو، قبل أربعين عاماً بالتحديد (عام 1968) كان محمود درويش يتلقّى دورة دراسية في معهد الماركسية اللينينية الحزبي المعروف، علنياً، باسم "معهد العلوم الاجتماعية". وكنتُ هناك، فرأيت أن أجري معه حديثاً ثقافياً أردت منه أن يكون وثيقة أدبية وانسانية عن حياة محمود وشعره وكفاحه ورؤاه المستقبلية. وأزعم ان هذا الحديث هو أول حديث ثقافي أجراه كاتب عربي مع محمود درويش خارج فلسطين، وقبل أن ينوي ربما مغادرة فلسطين الى القاهرة، فالبلدان العربية.

وكان هذا الحديث المتميّز والرائي يحدس ربما بما سيصيره محمود درويش وشعره في السنوات اللاحقة المشحونة بعصف تحولاته وتطويراته الشعرية (أنصح بقراءة هذا الحديث المنشور في مجلة "الطريق" اللبنانية، ضمن عدد خاص صدر تحت عنوان "أدب المقاومة في فلسطين"، بتاريخ تشرين الثاني - كانون الأول 1968. والحديث بعنوان "محمود درويش: حياتي وقضيتي وشعري". هذا اذا أتيح للقارئ الباحث أن يعثر على هذا العدد الخاص الذي صدرت منه طبعة ثانية في الشهر التالي لصدوره.

في تضاعيف سؤال عن التيارات الأدبية الفكرية والسياسية التي تأثّر بها درويش في تلك الفترة، قال كلاماً واضحاً: "وصرنا نقرأ مبادئ الماركسية التي أشعلتنا حماسة وأملاً، وتعمّق شعورنا بضرورة الانتماء الى الحزب الشيوعي الذي كان يخوض المعارك دفاعاً عن الحقوق القومية ودفاعاً عن حقوق العمال. وحين شعرت اني أملك القدرة على أن أكون عضواً في الحزب دخلت اليه في العام 1961، فتحدّدت معالم طريقي وازدادت رؤيتي وضوحاً وصرت أنظر الى المستقبل بثقة وايمان، وترك هذا الانتماء آثاراً حاسمة على سلوكي وشعري". هذا هو كلامه نفسه، بوضوح وحسم، وبدون حذر أو غمغمة أو التباس. لكنه قال هذا قبل أربعين عاماً. فهل ظل عند قوله أم ان تحولاته الفكرية والشعرية غادرت زمان هذا القول، أم انها غيّرت في فهمه الحديث لهذا القول في سياق التحولات الزلزالية الهائلة التي هزت العالم كله؟ هذا موضوع جدال مؤجّل.

فلأواصل الحديث، الآن، في ذلك السياق نفسه: فذات عام من تلك الستينات تولّى محمود درويش مسؤولية تحرير مجلة "الجديد" الثقافية الاسبوعية التي يصدرها الحزب الشيوعي في حيفا. وفي واحدة من افتتاحياته للمجلة يتحدث عن أصداء شعرهم المقاوم في الداخل الفلسطيني كما تتجلّى في الصحافة العربية. وختم حديثه بهذا القول: "كل هذا يدفعنا الى تأكيد أهمية مجلة "الجديد" وهي المنبر الوحيد للكلمة الحرة الذي يجتمع عليه أدباء القضية العادلة. "الجديد" هي العنوان الصحيح لمؤرخ الأدب العربي في هذه البلاد (فلسطين). فلنسعَ جميعاً لمساندة هذا المنبر لكي تعلو كلمتنا أكثر، فأكثر".
نعود، هنا، الى السؤال نفسه: هل غادر محمود انتماءه بعدما غادر فلسطين؟ طبعاً لم يبادر محمود، لاحقاً، الى الانتماء الى أي حزب شيوعي في أي بلد عربي، ولكنه ظلّ على علاقات ودّ وعلاقات محاورة ومجادلة مع سائر قيادات هذه الاحزاب. حتى انه، على حدّ علمي، لم ينتمِ الى أي فصيل فلسطيني، ولكن قضيته الكفاحية - في أساس الاساس - ظلّت قضية فلسطين، حريتها وتحررها، وظل على شغفه العارم بالقراءة والاطلاع والهوس المعرفي، مطوراً فكره السياسي الفلسفي على السواء، يتفاعل مع كل توجّه تقدمي مستقبلي حداثي وعقلاني في مختلف تيارات الفكر في العالم، وفي الاخص - أقول في الاخص - مع ما يراه متقدماً في التيارات المتعددة للماركسية التي تتوالد مجدداً، تقرأ دروس التجربة والانهيار، وتعمل على تجديد نفسها.

***

ليس في مقدوري التكهّن بالزمان الذي بدأت فيه فكرة الخروج من فلسطين - المأسورة داخل السجن الاسرائيلي الكبير - تراود ذهن محمود درويش، لكني متأكد ان محمود صار يرى بوضوح، وهو داخل السور الاسرائيلي، ان قدراته الابداعية، كشاعر اساساً، يستحيل ان تخرج الى فضائها وتبني عماراتها الفنية الانسانية داخل السور، ورأى ان خروجه ليس يعني خروجاً من المعركة، بل سيكون مواصلة المعركة في المدى الأوسع والأعمق، وانطلاقة نحو الشاعر الآتي، الشاعر الفاعل، الشاعر الانساني الذي في امكان درويش أن يصيره، والذي هجس به في حديثه ذاك معي، في ذلك العام البعيد (1968) قبل انتقالته الحاسمة الى خارج السور، قال: "وطموحي عبر الشعر؛ ان أنقل قضية شعبي الى الصفحات التي تستحقها من ديوان الشعر الانساني، شاعراً انسانياً بملامح فلسطينية".

لعل الذين انتقدوا خروجه وهاجموه وتهجّموا عليه، في ذلك الحين، ونعتوه بشتى التهم، تأكد لهم - بما اعطاه محمود درويش من عمارات شعرية صارت جزءاً جميلاً مكوّناً في كنز الشعر الانساني - ان قرار محمود ذاك كان هو الصحيح والضروري له، ولفلسطين، ولنا، وللشعر، أي: لكينونة محمود درويش الحقيقية.
نعود الى بداية الحكاية: كيف استطاع محمود المغادرة؟

كان في موسكو، وعلى حدّ علمي سافر الى الهند للمشاركة في مؤتمر تضامني انساني ما. هناك اتفق مع من اتفق، وغادر الهند، ليس رجوعاً الى موسكو، بل ذهاباً الى القاهرة، حيث الاستقبال الهائل والضجيج الأكثر تعدداً والأكثر هولاً: أناس معه، أناس ضده، وآخرون يحيّرهم هذا الالتباس، شاعر القضية صار هو القضية!!

على ان هذه الاختلافات والتناقضات كلها كانت على هامش جماهيرية الشاعر الهائلة في العالم العربي، والجماهير (الجماهير، بدون مبالغة) كانت توّاقة وشغوفة، بل جائعة، في زمان الهزيمة، الى الاستماع الى شاعرها.
عن قصيدة "سجّل، أنا عربي"

ولكن، هناك قضية صار لها حكاياتها ودلالاتها وطرائفها ايضاً: "سجّل... أنا عربي!". مطلع قصيدة لمحمود بعنوان "بطاقة هوية"، وقد اكتسبت كلمات هذا المطلع معاني وتفاسير خارج قيمتها من حيث هي شعر! وتحوّل هذا السطر نفسه الى شعار، وفعل تحدّ، ومجابهة للحاكم الاسرائيلي، هناك، في الداخل الفلسطيني، ولكن جماهيرنا، خارج فلسطين، أضفت على القصيدة هذه المعاني نفسها التي تفاعلت معها طبيعياً الجماهير داخل فلسطين. وانتشرت القصيدة في عالمنا العربي بشكل عاصف، ونشرتها أكثر الجرائد في مختلف البلدان العربية.

لكن الطريف في أمر هذه القصيدة، المضحك المبكي والدافع الى التفكّر الساخر والغاضب معاً، ان أكثر الجرائد العربية التي نشرت القصيدة حرصت بوعي وليس بدون وعي، ان تحذف سطراً واحداً محدّداً من هذه القصيدة، ثم الزعم العام بأن هذا السطر بالذات كان "يسقط سهواً" من القصيدة في أكثر الجرائد التي نشرتها على رغم ان الإسقاط "السهو" لهذا السطر كان يخلّ بالوزن والقافية والسياق والمعنى.

القصيدة هذه أوردها درويش بلسان فلاح فلسطيني فقير، متجذّر في الارض، وله "أطفال ثمانية، وتاسعهم سيأتي بعد صيف!". فهي إذاً ليست بلسان محمود درويش نفسه، الشخص والشاعر، وان يكن في اهاب هذا الفلاح المكحكح المعتّق، الصخري الموقف والملامح، معالم من نفسية محمود درويش ومن موقفه، في الاساس.

لنقرأ معاً هذا المقطع من القصيدة كما هو في الاصل، وقبل أن يُسقَط ذاك السطر "سهواً":

"سجّل
أنا عربي
ولون الشعر... فحميُّ
ولون العين... بنّيُّ
وميزاتي:
على رأسي عقالُ فوق كوفّية
وكفّي صلبة كالصخر...
تخمش من يلامسها
وأطيب ما أحب من الطعام
الزيت والزعتر
وعنواني:
أنا من قرية عزلاء... منسيّة
شوارعها بلا أسماء
وكل رجالها... في الحقل والمحجرْ
يحبّون الشيوعية
فهل تغضب؟".

وأنتم – أيها القراء الكرام – هل "حزرتم" الآن أي سطر بالذات كانت اكثر الجرائد العربية تحرص، بانتظام، ان تحذفه، أي: أن تُسقطه سهواً؟
هو سطر من كلمتين فقط، خطيرتين جداً: "يحبّون الشيوعية"!!

فهل هو حرصٌ على حماية الجماهير العربية من هاتين الكلمتين المخيفتين، ام هو حرص "أخوي" على الحاكم الإسرائيلي من خطرهما عليه، والعياذ بالله؟! بعض الظرفاء يفسّر المسألة بأن هذا السطر بالذات غير شعري (وهذا صحيح) ولكن: هل هذا فعلا هو السبب؟! على ان الأكثر طرافة، وغرابة، يتجلّى في حكاية اخرى من بطولة هاتين الكلمتين، ومن إخراج صديقنا العريق صاحب "دار العودة": فعندما جمع هذا الصديق دواوين محمود درويش، الصادرة حتى العام 1971، وقرّر إصدارها في مجلد واحد بعنوان "ديوان محمود درويش" طلب مني أن اكتب مقدمة للمجموعة، فكتبتها بحبّ لمحمود وحماسة لشعره. وكانت قصيدة "بطاقة هوية" أو "سجّل، أنا عربي" هي ضمن هذا المجلّد بالذات، ولكن هذا الصديق العريق حرص – ايضاً وأيضاً - على حذف هذا السطر بالذات، حرصاً على سلامة الذات أو على "السلامة العامة"!

- فلماذا هذا، أيها الصديق؟
- والله، سقط السطر سهواً، أيها الصديق!
وتابعت القصيدة رحلتها وحكاياتها وإشكالاتها حتى وصلت الموسى الى ذقن شاعرها وشاعرنا محمود درويش نفسه!

فخلال شهر تموز من العام 1972، نظّم "اتحاد الكتاب اللبنانيين" وكان يرئسه في ذلك الحين الصديق الحبيب الراحل سهيل ادريس، موسماً للشعر العربي الحديث تحت اسم "الشهر الشعري" قدّم خلاله خمس أمسيات لخمسة شعراء عرب هم: محمود درويش، نزار قباني، خليل حاوي، بلند الحيدري ومحمد الفيتوري. ما يعني حديثنا هذا هو امسية محمود درويش وصراعه الحميم مع جمهوره، بسبب هذه القصيدة بالذات، وبداية معارك درويش الحميمة لتطويع هذا الجمهور لما يريده الشاعر، والشعر، وليس لما يطلبه المستمعون! فهذه هي المرة الأولى يواجه بها محمود درويش جمهوراً عربياً واسعاً، بعد خروجه من فلسطين ولجوئه الى القاهرة. ولا شك ان الجمهور العربي الذي سبق ان تفاعل مع شعر درويش من خلف الأسلاك الشائكة الاسرائيلية، ووجد في هذا الشعر إضاءة فنية كفاحية في ليل الهزيمة بعد حرب حزيران، هذا الجمهور جاء يستمع الى محمود درويش الذي سبق أن عرف شعره، وسبق ان جعل منه اسطورة، جاء ليستمع الى تلك القصائد التي عرفها، والتي رأى فيها أضواء أمل يبحث عنه. على ان الشاعر نفسه أراد غير هذا: أراد ان يقدّم الى الجمهور محموداً آخر، جديداً، ومختلفاً، وأراد ان يؤكد نفسه شاعراً في الدرجة الأولى من دون ان يجعل من "القضية" التي حملها، ولا يزال يحملها، عكازاً لجماهيريته وشعره. بمعنى ا نه لم يرد جمهوراً للشعر من خلال "القضية" بل أراد وعي الناس للقضية عبر الشعر الشعر، وليس من خلال الشعارات! لهذا، قرأ محمود شعراً من مرحلته الجديدة الأخيرة، بعد خروجه من اسرائيل، ورفض ان يلقي أي شيء من مرحلته السابقة. من هنا كانت الملابسة، وبرز التصارع الحميم بين الشاعر وجمهوره. برز هذا منذ البداية: فقد استقبل الجمهور شاعره بدوّي هائل من التصفيق الحماسي، وأحسّ الشاعر انه مطالب بأشياء تنسجم مع هذه الحماسة الحماسية وتتجاوب معها. ولكنه قال، بهدوء: "أشكركم جداً وأرجو التخفيف من هذه الحماسة العاصفة... ولنحاول ان ندخل عالم الشعر". وبدأ محمود درويش، الجديد، يلقي شعره الجديد. شعره صعب هذه المرة، وبنائيته جديدة، فيه مقاطع موزونة، وفيه مقاطع بدون وزن وبدون قواف، فيه حوار، وفيه ما يشبه المسرح الحديث، فيه تركيب فنيّ ولغوي معقّد، وفيه مرارة مأسوية لم يعهدها الجمهور عند محمود درويش سابقاً. اما "القضية" فهي هنا، منظوراً إليها بشكل آخر، ومن زوايا اخرى. وأخذ الجمهور يدخل مع محمود في هذا الجو الآخر، المأسوي، والمثير للقلق، وللتفكير، والذي يحمل الدهشة خلف الدهشة، والذي يبدو كأنه مشحون باليأس، وهو في العمق مشحون بالإحتجاج على كل ظروف التيئيس، وبادانة أسباب الهزائم، في الواقع الخارجي وفي أعماق كل فرد عربي.

وكانت قصيدته الجديدة "سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا" هي ذروة في الحداثة عنده، في تلك المرحلة، وذروة في التعقيد، بالنسبة الى شعره. وكانت طويلة، وكانت تحمل رؤية محمود الجديدة الى القضية من خلال تجربته الجديدة، والاليمة، بعد خروجه من اسرائيل. هذه القصيدة الصعبة بالذات، هي التي أثارت اعمق التفاعل والتجاوب بين الشاعر وجمهوره، وهي التي حازت أكبر الاعجاب، من الجمهور، او من المعلقين في الصحف، ومن الكتاب والشعراء الذين حضروا الأمسية. لعل هذا الواقع يثير الدهشة، لكنه يدلّ على ان الجمهور قادر على التجاوب مع الشعر الحديث، وقادر على استيعاب النماذج الصعبة والمعقدة منه "شرط ان لا تكون تجربة هذا الشعر مستمدة من الذهن فقط"، كما قال محمود درويش نفسه في حديث مع مجلة "الاسبوع العربي" في ذلك الاسبوع.

على ان الملابسة الأساسية، أو التصارع الحميم بين الشاعر وجمهوره، برز عندما أخذ بعض الحضور يصرخ، مطالباً الشاعر بأن يلقي قصيدته القديمة الشهيرة "سجل، انا عربي". رفض درويش استجابة هذا الطلب، وتابع القاء قصائده الجديدة فقط، وعاد هذا البعض الى المطالبة بالقصيدة نفسها، فرفض الشاعر، وكان بادي الانفعال، فهو مصرّ على ان يقدّم الى الناس ما لم يعرفوه منه سابقاً، وان يقدم نفسه في مجابهته الجديدة.

الواقع ان محمود درويش لا يفهم الشعر تطريباً، يُلقى بحسب الطلب، بل يفهم الشعر موقفا ومجابهة تحددها الظروف الجديدة، وروح المرحلة، بالاضافة الى ان قديم الشاعر فنياً صار قديماً. فالشاعر الآن امام جمهور مختلف، وظروف مختلفة، لهذا فقد اختلف مسار شعره باختلاف موضوع المجابهة، وباختلاف الجهة الموجه اليها التحدي. فهو هنا، في البلدان العربية لم يكن في جو التحدي المباشر للعدو، المحتل، بل هو في جو من الأوضاع المختلفة، وفي مجابهة كل الظروف والضغوط التي تمنع الجماهير من المجابهة الحاسمة للمحتل. وهنا مأساة الشاعر، وهنا بعض سرّ الاختلاف في شعره بين مرحلتين. من هنا رفضه لهذا الطلب، لأنه يرفض ان يصرخ في وجه الناس العرب: "سجل، انا عربي". وقد قدّم درويش نفسه تفسيره هو لرفضه هذا، خلال حديثه مع مجلة "الاسبوع العربي"، قال: "أفسّر لك لماذا لم استجب طلب بعض الجمهور في قاعة الأونيسكو لالقاء قصيدة "سجل، انا عربي": أن أقول "أنا عربي" في اسرائيل، هو عصير التحدي للسلطة الاسرائيلية لأنها تضطهدني بسبب انتمائي القومي، وإصراري على التمسك بأسباب اضطهادي يُعتبر تحدياً ثورياً الى حد ما. انا لا اقول "انني عربي" لكي أعبّر عن اعتزاز وتفاخر، اقولها لأعبّر عن رفض عدوّي. لأعبّر عن مقاومتي للعدمية القومية.
سأكون مضحكاً لو وقفت امام مئة مليون عربي وأقول لهم: انا عربي! ماذا يعني لهم ذلك؟ يعني انني متعصّب ولست ثوريا. ان تكون ثورياً في العالم العربي هو ان تتمرّد على عيوبه وتخلّفه".

بدا لي، منذ تلك الأمسية الصاخبة ثم الهادئة ان محمود درويش حسم قراره، بأن يقول للجمهور جديده الذي انجزه من القصائد، الحديثة، التي تنسجم مع المناخ الذي أراده هو للقاء الشعر بالجمهور. اعتزم منذ تلك الأمسية، ان يسير بهدوء – وبحكمة فنية محكمة – في اتجاه جذب الجمهور ليس فقط الى الاستماع الى الشعر الحديث الذي لم يعرفه هذا الجمهور قبلا، بل ان يعوّده على التلقي الصعب.

محمود يشتغل على فنّه بدأب واستمرار، ويعطي فنه اكثر الوقت. هو يقابل الأصدقاء بحساب دقيق، يقابل حتى الصديقات بحساب متسامح. لا يهدر الوقت في المقاهي إلا في اوقات الضرورة. يقرأ كثيراً، في كل شيء وكل فن، ويتابع بعمق واتساع مدى التحولات في حركة الشعر في العالم. يغوص في قديم الشعر كما يغوص ويجول في جديده. يتأمل في الراهن الفني والحياتي، ويجهد دائماً في استشراف الآتي.

فاذا كل عمل جديد ينجزه يكون جديداً بالفعل، لا يشبه غيره ولا يشبه العمل الذي سبقه. كل عمل جديد له يحمل تحولا جديداً في فنه.

هذا التنوّع الخصب ليس مجال حديثنا هنا. ولكن يحق لي ان أسائل النقد العربي الحديث: الى أي مدى قارب بعض الأسرار والبنى في هذا التنوّع الخصب، وقرأ في تحوّلاته الشعرية والفكرية والفلسفية والانسانية؟ في يقيني ان النقد العربي الجديد سيشتغل طويلا على شعر محمود درويش، في ا نتمائه وتحوّلاته، ليس فقط بين ديوان أو كتاب وآخر، بل بين عمل وآخر من انجازاته الفنية.

ما يشبه الخاتمة

كتابة الأخير "في حضرة الغياب" هو من إنتاج موته الأول أو الثاني. ففي العمليتين اللتين أجريتا لقلبه، قبل هذا الكتاب، دخل محمود درويش في عالم الموت، كأنه رأى ما رأى، وكأنه مات لكنه عاد.

كتب واحداً من أجمل كتب النثر العربي، أو الشعر العربي، لا أدري. كتاب تحار في تحديد نوعه وموقعه بين النثر الفنيّ العالي المستوى، الذاهب في العمق الى أقاليم بعيدة بعيدة. أو بين الشعر الذي يتجلّى في اهاب جديد، حداثي، مختلف، حديث ومعتّق في لغته، متنوّع الرؤى متعدد المستويات. ثم تحار في تحديد القول الذي يحمله، أو الرؤية.

هنا شاعر لا يكفّ عن التساؤل، الانساني الفني المعرفي، ولا عن مساءلة ما هو غيب في هذا الكون. شاعر لا يسير بك الى الاستقرار اليقيني، بل يحرّضك على التفكّر والتجادل مع الذات، واستيلاد التساؤل من التساؤل، كأنه على التخوم بين كون في تحوّلات دائمة، وغيب ملتبس هو عنصر مكوّن من عناصر هذا الكون وجدلياته وأسراره التي تجدّد أسرارها.

فهل غادر محمود درويش ماركسيته التي أشعلت حماسته في بداية بداياته، أم هو يتوغّل بعيداً في تشعباتها وفي اعماق هذه التشعبات، ويدخل الى كونها الفلسفي؟

اذا عدت الى صفحات كتبها ماركس في مناخاته الفلسفية وتفكّره في جدليات الكون والانسان والحركة والتحولات، فقد تجد نفسك حائراً بين يقين يدفع بك الى ما يشبه الركون، وحركة فكر شمولي تدفع بك دائماً الى مساءلة الكون كيف يصار الى تجديد حياة الناس وتحريرهم من القيود، وأن تردّد مع محمود درويش، الرائي:

"على هذه الارض ما يستحق الحياة. على هذه الارض ما يستحق الحياة".
فقد تجد تلاوين وتنوعات لهذا القول، مع كل إعادة قراءة في كتاب محمود درويش الاخير
محمد دكروب

*************

عن غياب النجم

الأصل اللاتيني لكلمة Disaster ليس إلاDis-star ، أي غياب النجم. من أضاع نجمه فقد بوصلته وسياقه، ولا معنى خارج السياق، وهذا هو الكابوس في عينه. لقد خسرنا اليوم نجماً كانت بوصلته تدلّنا إلى فلسطين، وإلى الشعر والجمال.
منذ عملية القلب الأخيرة، وأنا أخشى قدوم هذه اللحظة. هكذا هو الأمر عندما نحب، ذلك اننا نخشى الخسارة، لأن القلب هشّ، وقابل للانكسار كالبلور على الرخام. لكن، كيف تعدّ قلبك لموت مفاجئ؟ كيف تدرّبه على الخسارة قبل موعدها؟ وأي احتياطات في وسع القلب اتّخاذها في انتظار شبح موت مقبل من بعيد؟ هذه هي طبيعة القلب، يقودنا ولا نقوده، ويرفض محاولات التدريب والترويض، ويأخذنا إلى النهايات المفتوحة بحلوها ومرّها.
سأعتذر لك عن بعض ضحالتي اللغوية، وبعض الافتقار الى الأصالة. لا أستطيع أن أكتب عنك إلاّ بكلمات مضمّخة بعطر لغتك، موشومة برسمها، مستعيناً باستعاراتك، ومتّكئاً على مجازك. صحيح أنه بعدما فاض نهرك، وانتحر في بحر اللغة، أصبحت الكلمات والمعاني جزءاً من هذا البحر وملكاً للعامة
. لكن فيضك كان كبيراً، وكان إيقاعه خاصا، ونكهته مميزة، بحيث لا يستطيع السابح فيه، إذا كان نظيف النيّة، إلاّ أن يتعرف الى ملامح لغتك، وأن يستشعر رائحة النهر في البحر، وأن يرى ألق النبع. من الصعب على نفسي أن تتعرف إلى نفسها، وعلى لغتي أن تجد مفرداتها، من دون أن تتورط في عالم المعاني الذي شاركت في صنعه بقلم وورقة.

كيف نفهم المنفى، بمعزل عن روايتك ورحلتك الشخصية، وما قلته في المنفى وعنه، وعن الهنا والهناك؟ كيف نغرس في الوجدان حرب لبنان الأولى والكينونة الفلسطينية، وشعور الوحدة والتيه من دون "مديح الظل العالي" و"ذاكرة للنسيان"؟ كيف نؤسس لحقّنا في الوجود من دون سجالاتك الذكية؟ كيف نشرب قهوتنا من دون أن نستذكر غزلك بالقهوة، وكيف لا نتبارى في حمل صينية القهوة لأن "حامل القهوة، حامل الكلام"؟ كيف نمرّ بمطار من دون أن نستذكر مطار اثينا، وكيف سيكون الكرمل الذي لم تتوقع ميتة أحلى وأسمى وأشهى من ميتة فيه، وقد كرّست حياتك لترسّخ اسمه في الذاكرة عبر مجلة "الكرمل"؟ كيف نغازل المرأة الجميلة من دون أن نسمع همسك الناعم: "وانتظرها... بصبر الحصان المعدّ لمرتفعات الجبال" و"بذوق الأمير البديع"؟ كم من الصبايا سيفرحن لأنّهن يحملن اسم ريتا، ولهن قصيدة حب حاضرة؟ كيف نراقب الفراشات بحياد شاعريّ بعدك؟ وكيف لا نتحيّز إلى جمال زهر اللوز؟ كيف لا نستعيد الفرح كلما انكسر القلب وتعثّر الحظ لأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"؟

لقد وسّع محمود درويش هامش المناورة اللغوي والمعنوي، فأعطانا فسحة للحركة، ومنطقة للكرّ والفرّ، منطقة محرّرة مجازياً من الاستيطان، من الأسطورة الصهيونية. منطقة نرفع فيها علماً، ونفرح ساعةً وننبهر بالجمال.
بين ديوان وآخر كنا ندخل حالة انتظار. نسأل أنفسنا إلى أيّ قمة جديدة سوف يأخذنا هذه المرة. لقد كذّب الأطالس التي أقنعتنا بالسبع القارات، إذ اكتشف قارات أخرى أكثر جمالاً، ومحا الفرق اللغوي بين الاكتشاف والاختراع.
لم يأخذنا إلى البعيد من المفردات، بل دعانا لنتفرّس من جديد في المألوف والعادي منها، ومن قلب العادي أبدع الاستثنائي، ومن خيوط باهتة رسم لنا لوحات من قوس قزح، ومن المألوف صنع الدهشة. مع كل نص نشعر وكأننا نعاتب الكلمات، فهي ذاتها التي ألفناها عشرات السنين أو ظننا أننا عرفناها تفاجئنا بوجه آخر، وتضغط على وتر مختلف من أوتار القلب. تستأذننا الكلمات من عملها اليومي العادي، وتخرج في نزهة برفقة محمود وتعود إلينا جديدة تماماً، فنوشك أن لا نعرفها. تخفي الكلمات وجهها بحجاب، وتأبى إلا قلم محمود ليرفعه، ولنكتشف، تحت أنفنا مباشرة، بحراً زاخراً بالمعاني والصور والمشاعر، كنا قد غفلنا عنه في غمرة بلادتنا وروتين إيقاع حياتنا. نقف على حافة عتاب الكلمات فتقول لنا ما قاله محمود للعاشق المتسرّع: "تأنّ وانتظرني، خذني برفق وتفرّس فيَّ أنا كما أنا، وليس في حمّى البحث عمّا قبلي أو بعدي، عمّا ورائي أو أمامي".

سيتزاحم النثر والشعر على محمود، وسيغار النثر من الشعر كثيراً، لأنّ محمود، كما في حياته، لم يقبل زواجاً أحادياً، بل أصر على مغازلة الشعر والنثر معاً. محمود ناثراً ليس أقل منه شاعراً. وبين هذا وذاك ستفتقده فلسطين وشعبها، فهو الصوت والرمز.

إلاّ أنّ أهم رسائل محمود كانت ولا تزال فهمه الخاص لعلاقة الشعر بالوطن، والجمال بالأخلاق، والعلاقة بين كليهما من ناحية وبين السياسة من ناحية أخرى. لقد أصرّ على اعتبار كتابة الشعر مهنة لها أصولها وقوانينها وإيقاعها ومتطلّباتها. إن التزاماً كمثل هذا هو ضرورة فنية وأخلاقية وسياسية في الوقت نفسه. ما كان واضحاً هو إصراره على التعامل مع الجمال والفن باحترام يليق بهما. كل فعل جميل هو فعل مقاوم لأنه يجعل الحياة أجمل وتستحق أن تعاش. الجمال وطن والوطن جمال. هو وطن لأننا أمامه ننسى أنفسنا وننغمس كلياً فيه، وتقصر المسافة بين الذات والموضوع، وينتهي الاغتراب عن العالم. ولا يكون الوطن وطناً إلاّ إذا أنهى حالة اغترابنا عن العالم واستشعرنا تماهياً معه. لا معنى للوطن إذا لم يكن في مقدوره أن يأخذ بيدنا إلى الحرية أولاً وإلى الجمال ثانياً.

لقد صدّق محمود استعاراته وأغرته الفراشات كثيراً، ومن فرط حبّه لها ذهب مع قلبه الى المنازلة، كما تذهب الفراشات إلى الضوء. إلاّ أنّ محمود لم يذهب بسذاجة الفراشة إلى موته، وإنما برشاقة الفارس الشجاع، وهو في عزّ عطائه وشموخه. مات دفعة واحدة لا بالتقسيط. ولأنه سقط من القمة، ولأن روحه كانت من البلور، تطايرت الشظايا لتطاول كل واحد منّا، جريحاً بمقدار الحب الذي نكنّه له.

هكذا فهم محمود العالم والمقاومة: الجمال والحب هما الرصاصتان المؤهلتان لاختراق قلب الموت. لقد صوّب وأصاب وانتصر على الموت. أنظروا دواخلكم تجدوا محمود في انتظاركم، مصغياً إليكم بتأنّي العاشق الذي لا يملّ.
خسرت فلسطين رمزاً ومدافعاً عن حقّها في الاسم والوجود، وخسرت اللغة ابناً مشاكساً بحبّ وأباً معطاء، وخسر الجمال حليفاً عنيداً، وفقد الشعر جناحاً يرفّ به
رائف زريق

******

بين النسب اللغوي ومسّ الحياة

لن يحني الموت هامتك العالية، ولن يكون لمثلي إلا أن يظل في حيرته: كيف أخاطبك؟ كيف يخاطبك من لم يحب يوماً فيض صورك واستعاراتك المكتظة بالصنعة، ولا ايقاع القوافي المصفّدة كأغنيات لا ارتجال فيها؟ كيف يقول لك، من لم ينادك يوماً: يا أستاذ، يا محمود، يا شقيقنا، يا رجع ذاكرتنا ويا صدى الحلم... كيف يقول لك إنه لم يعشق مما أتيته شيئاً… فقط قامتك ونظرتك الحاسمة الواثقة، حين تتلو بصوتك النحاسي الكئيب النبرات كلماتك، عن الأرض والسجن والام والنساء والمشمش والمنفى والآخر والذات...
وفلسطين التي جعلتها، بقدرتك، عذبة كالشجن، وكالالم غزيرة وممتنعة. كيف أخاطبك سوى كغائب، حيث الغياب اكتمال احترامك وتوكيد المسافة التي تسمح للنظر أن يعانق نخلتك الطويلة؟

محمود درويش بالطبع شاعر منبر، اعتلى الآلاف منها ولم يفارق شفته السفلى بعض خجل يناقض نظرته، وشاعر نبرة يتكئ كثيراً، في القائه، على حروف العلة والادغام، موكّداً باستمرار كلماته، واذ يتسارع لفظه، فإنه لا يفعل ذلك سوى لتصعيد الدرامية التي يجسدها صوته فوق ما تشكلّه الكلمات.
حتى حين سعى درويش إلى المزيد من الكتابة، في كل تصانيفها، فإن صوته ظل يرنّ فيها أو ظلت ترنّ فيه ذاكرته العميقة، التي شكلت فعلاً نسيج شعره. كل الرموز والاستعارات والتشابيه التي سعى فيها الى مقارعة هذا الشاعر أو ذاك، أو الى تشريب العربية بأنساغ شعرية مختلفة، ذلك كله يظل مستعاراً كألق الموج، ويبقى مراجع وشم على نواشر اللغة، التي هي عربية درويش، والتي هي ايقاع ولعب وفخاخ.

أبدى درويش طويلاً امتعاضاً نقلته صفحات الجرائد من تصنيف شعره كشعر مقاومة أو شعر حرب... شاعر القبيلة لم يكن يريد مثل هذه المكانة، بل اراد أن يكون شاعراً حراً فحسب. حين رفض، على ما يقال، القاء "سجِّل، أنا عربي"، كان يعلن تراجعاً عن فهمٍ للشعر، وليس تراجعاً عن موقف سياسي اتخذه في آونة ما. غير ان القاءه ما اختلف، من قبل ومن بعد. غيّر درويش منسوب المباشرة السياسية، في بعض الاحيان، وظل في احيان أخرى شاعر مناسبات (صبرا وشاتيلا، الدرة، غزة...)، مجاهداً لرفعها في الخطاب من مستوى الأخبار الزائلة المتلاحقة في الإعلام إلى مستوى المأساة الإنسانية الخالدة الأسى. لكنه لم يعف عن قول مثل "آه فلسطين، يا اسم التراب ويا اسم السماء، ستنتصرين..."!!

لم تكن لدرويش فكاهة نزار قباني، وإن لم يكن أقل فتنة منه. ضحكه الشعري كان حامضاً، قارصاً، معجوناً بسخرية قاتمة ومتألمة. أما لهوه بتعابير الفلسفة والنقد فلم يتجاوز اللعب إلى المساءلة، ولم يعرف خفة بورخيس اللاهي مثله بالأنا والأنت والذات والآخر والأزمنة المتضمنة. فمن أين تظل تنبع هذه الفتنة غير ناضبة؟
ربما من مشاطرتنا لدرويش ذاكرته الايقاعية، حيث قام جمهوره على الأرجح بتجاوز التباس المضامين والافكار الدرويشية وارتباكها أحيانا إلى "بيت القصيد"، أي قيام درويش بمنح لغتنا من جديد ايقاعاً يضاهي ارثنا القديم، علياً وأبا الطيب وأبا تمام... أدخل درويش كلامنا كله، آلاف المفردات وصولاً إلى "الموبايل"، الى معجنه الشعري، ومنحها شرف التذبذب على موجة اللغة المقدسة، أما يعني ذلك أيضاً شرفنا المصون من جديد؟ مع درويش يعاود الأحفاد الشعور بشرعية أنسابهم الرفيعة.

هنالك أيضاً بيت آخر للقصيد لدى الشاعر، الذي ما أنصفه مستوى وقلة ما أنشد غناءً من شعره (باستثناء مارسيل خليفة الذي أطلقته كلمات درويش بقدر ما حملها ربما) وضعف الألحان التي حاولت مجاراة تدفقه (ولنا في ما غنّاه خالد الهبر أو اصالة نصري، أو ماجدة الرومي من شعره أمثلة على مثل هذا الضعف المتكلف). محمود درويش هو أيضاً صائغ شعارات، في مسيرة العرب التي باتت تختزل إلى تظاهرة. بالشعار يصنع درويش موقفاً، ويغدو الشعر طرفاً وصاحب موقع سياسي، ويصبح أيضاً صوتاً للكثيرين من بيننا. من "سجّل، أنا عربي" ونبرتها السجالية، إلى "حاصر حصارك"، أو "اخرجوا من أرضنا، من برّنا، من بحرنا، من قمحنا، من ملحنا، من جرحنا"، وصولاً إلى "أنت، منذ الآن، غيرك" و"على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

غير أن في شعارات محمود درويش ما يتجاوز صنمية الشعار في المظاهرة، ليستمد قوته من حقيقة الشعر، أي من نسبته واسناده إلى حياة وتجربة وقامة تقوم بانتزاع ماسة الشعر من مسّ الحياة باللغة.

مرةً ثانية، نقع، وراء رنين الكلمات القوي كصنج آسيوي، على الحياة والحاضر. في هذا التقاطع ربما سرّ ألق درويش الذي لن يخبو، لأن تيار العيش الساري في عروقه كان من القوة أن اقتلع جواهر كثيرة من لجج اللغة، ولأن عظمة تجربته الفردية الإنسانية، والتي هي تجربة شعب كامل يبحث عن اسمه و"ينزف وطناً"، ستظل تخيّم على الشعر في بلادنا ظلاً يحارب الظلام، وفتنة تقاتل الفتنة، ونبيذاً مصهوراً بشمس تلوح وراء نظارتيه

فادي العبدالله

******

خلع قلبه ورحل

رحل محمود درويش قبل نهاية الاسبوع. سلّم قلبه وعاد ادراجه من غرفة باردة في احد مستشفيات هيوستن.
نوابنا كانوا يناقشون البيان الوزاري.
اسرائيل كانت تقفل المعابر مع قطاع عزة.

سفارة الولايات المتحدة في بيروت كانت تعلن انها في صدد تسهيل هجرة المزيد من العراقيين.

دفن صاحب "سجّل، انا عربي" في رام الله مع جائزة ترضية. اما الهوية حيث يذكر العمر والجنس ولون الشعر فهي في انتظار اجل غير مسمّى.
فليقبع سعيدا في قبره الذي يطل على القدس.

السلطة الفلسطينية اعلنت الحداد ثلاثة ايام. قامت بالواجب الكلاسيكي.
كذلك العرب من المحيط الى الخليج.

عفواً، ليس كل العرب. قام بالواجب حفنة من الذين سيضيعون يوما بعد يوما أكثر مما هم ضائعون. وكما في كل وداع، هبّوا وصفّقوا للراحل الكبير. وذرفوا ما طاب لهم من الحبر.

هذه الحفنة، على ما يبدو، هي آخر من تبقّى من سلالة الشعوب التي تجيد الرثاء.
فالمسافة بين القضية والمقاومة جعلت "الارض خارج ارضها". وجعلت القضية خارج المقاومة.
قبل فعل الموت كإشهار لا بد منه، كان الفلسطينيون يحاولون الهروب من جحيم غزة الى أتون اسرائيل.
قبل موته احصى الرجل ضحايا حروب الاخوة. وكالعادة وجد ان عددهم أكبر من ضحايا العدوان الغاشم.
كانت كل اسباب الموت متوافرة من دون حاجة الى جسد منهك او قلب يفاوض ليعلن استقالته.
غادر محمود درويش طاولة المفاوضات. ترك قلبه وحيدا في غرفة باردة وفي غربة باردة.
لعله غادر الى غربته الاخيرة ليتوقف حيث يستطيع. ففي ارض الوطن الموعود لا مكان للتوقف. الامكنة مخصصة فقط للدفن.
بين موته ودفنه كانت رواتب الموظفين الفلسطينيين التابعين للسلطة تحاول المرور من الضفة الى غزة.
وكانت الحكومة اللبنانية تستمد الثقة من جلسات شتم ماراتونية.
الماراتونات الاخراجية لمهزلة الثقة، كانت قد حصدت ما تيسر من حروب الاخوة. الضحايا الذين سقطوا على طريق الضغط والابتزاز كانوا السبيل الوحيد للتعبير عن الديموقراطية.

ربما انفجر قلب محمود درويش من دون مساهمة المرض وهو يتابع هذا الكم من الديموقراطية القاتلة حيث يكون الديكتاتور غائبا او متواريا خلف الباب.
قد يؤلف قصيدة عن التقاذف الثقافي الذي يتبادله اللبنانيون عندما يتوقفون قسرا عن التبادل الدموي كما هي الحال في فلسطين او العراق.
قد يحجم عن القصيدة التي سيقرأها كل من منتحلي الوطنية في كتابه.
شعب فلسطين عندما شرذم الكتب حصد العاصفة.
ما دامت الكتب تتشظى فسيبقى الحصاد عواصف وأعاصير.
لم يعد هناك من يقول: "انا انت في الكلمات/ يجمعنا كتاب واحد/ لي ما عليك من الرماد، ولم نكن في الظل الا شاهدين ضحيتين/ قصيدتين/ قصيرتين/ عن الطبيعة، ريثما ينهي وليمته الخراب".
لم يعد هناك من يقول. لم يعد في الحناجر وعلى الالسن الا معزوفة التخوين والرفض، سواء في لبنان او في العراق او فلسطين. لم يعد في الايدي الا صواعق التفجير.

ولّى زمن البندقية عندما هلّ موسم التصفيات في ساحات "انا او لا أحد".
الغريب انه في غياب الديكتاتور كلٌّ يقرأ في كتابه. الغريب ان الكتاب الواحد لا نحمله الا مرغمين مقموعين. نحمله ولا نقرأه. نحفظه عن ظهر قلب ولا نقرأه.
الرجل خلع قلبه ورحل مديرا ظهره لعجلة الحياة التي تدور. وكل من يدور فيها يقرأ في كتابه.

العجلة لا تدور. نحن ندور في حلقة مفرغة.

وفي كل دورة يسقط واحد ليتم استبداله بآخر من حملة مشاريع الحقد والعنصرية.
نحن ندور في فراغنا والآخرون يذهبون.

يذهبون. يرحلون. يقفلون عنا حياتهم.

ويبقى تبادل اطلاق النار بين منطقة المنكوبين وجبل محسن.

ويبقى صراع المنكوبين على النفوذ حجة لوأد مشروع الدولة الفلسطينية.
وتبقى معارض الموت مفتوحة على مصاريعها للاستقواء على الداخل.

لم يعد يمكن التجييش بأرخص من الجنة.

لا لزوم للسؤال: "ماذا بعد الموت؟".
هم يحفظون "خريطة الفردوس أكثر من كتاب الارض".
هم لا يسألون: "ماذا سنفعل قبل هذا الموت؟".
لا تزال حيواتهم "حصصا من الصحراء مختلفا عليها بين آلهة العقار".
الارض بضاعة كاسدة. كما ان "البلاد تبعد الآن عن بابها النبوي". البلاد تجاوزت الابواب النبوية.
فتحت على حسابها فردوسا وجهنم من حواضر كل بيت.
هل يعقل بعد هذا كله ان يبقى محمود درويش على قيد الحياة؟ هل يعقل ان يطلب من الموت ان يعود سالما؟
هذه المرة كان لا بد من غنيمة. هذه المرة لم يكن من داع لإنتظار اسباب الرحيل.
صحيح ان شيئا لم يتغير حتى يموت محمود درويش.
ربما لأن شيئا لم يتغير. وربما ربما لن يتغير.
كان يجب ان يموت
سناء الجاك

*******

وقت مستقطع بين الحجارة والرمل

قلت لنفسي لو اني جرحت يدي او ساقي، جرحاً كتلك الجروح التي يهواها المنتحرون، ليس عميقاً بالقدر الكافي لكنه حاد وغزير، إلى حد ان الألم الذي ينتج منه يتحول مع الوقت اكثر قسوة من الموت نفسه، لو اني جرحت يدي، فهل تتفاقم الغربة؟
من عسير المصادفات ان الاطباء في هيوستن كانوا في اللحظة التي يجرحون صدر محمود درويش املاً في انقاذ حياته، كان الشاعر، بصدر مجروح او جرح ملتئم، يخاطب ألمه في انتظام الجندي. الالم، هو رفيق الغريب. أكان في هيوستن ام في باريس، ام حتى في بيروت. رفيق الغريب لأن الغريب يحسن التحدث اكثر ما يحسن إلى ألمه. في لحظة مثل هذه، يصبح الألم ذاكرة للجسد.

"لم تكن البروة (كفرشوبا) قرية ذات شأن في تاريخ فلسطين (لبنان)، لكن ذلك الغروب (الصباح) الدامي جعل من كفرشوبا (البروة) المنسية ملحمة شعب صابر. وحين جلسنا على حجارتها ذات صباح، عرفنا الجريمة التي ننال عليها كل هذا العقاب، وادركنا ان الحجارة هي الوقت، فجلسنا عليها نغني للوطن".
الوقت لم يكن كله حجاراً فحسب. كان ثمة ايضاً بحور من تعب ورحيل، واكياس عواصف مهملة عند الزوايا، واعداء يحسدون ضحاياهم. وكان على المرء ان يربح الوقت. لأن الشعراء مثل الجنود لا يربحون الحروب. هل غلب الوقت محمود درويش؟ ومتى رفع الشاعر راياته البيض؟ تباً للأسئلة الخطأ. فمتى لم تكن بيضاً رايات محمود درويش؟ هكذا يكون الشاعر وهو يعيش في زمن ما بعد الكارثة. رافعاً راياته البيض، ليس لأنه مستسلم، بل لأن ثمة زمناً ولد قبل ان يولد وأورثه الكارثة. هذه المناديل التي تلوّح للوداع هي رايات بيض، وهذه العيون ايضاً. إذ كيف يطيق وداع الاحبة والأمكنة من لم يرفع راياته البيض عالياً؟ كيف يمكن المرء من دون مثل هذه الرايات ان يرحل من زمن إلى زمن، كل مرة راكباً ايلولاً جديداً؟ وليكن الأمر استسلاماً. لا بأس. استسلمنا لوهن الجسد في الغربة، واستسلمنا للمرض في مستشفيات غريبة وبيضاء. بيضاء، بيضاء، بيضاء، حتى لتكاد تشفّ عن شرايين قاطنيها، عن الدم الذي يعبر بطيئاً وشبه بارد في الشرايين. بيضاء، لأنها لم تكن تملك قلباً اصلاً.

وها نحن هنا، نرفع راياتنا البيض، لكلٍّ منا اندلسه ايها الراحل. لكل منا بيروته ايضاً. ولك وحدك ان تقف على تلة في رام الله، وتصيح: يا ليتني... يا ليتني... يا ليتني كنت حجراً هناك! ابيض ومرقوماً، ومرفوعاً كما لو انه لا يهزم ولا ينحني. من الذي قال ان السرو لا يحسن الانحناء. وحدها الاحجار تحسن ان تبقى منتصبة امام العواصف.

ها نحن هنا، لكلٍّ منا راياته، وألمه، وحين يفكر المرء في نفسه قليلاً، لا يستطيع ان ينسى هول الوقت. الوقت الذي يطيح وعودنا كلها. الوقت (الموت) الذي ننتظره منذ الولادة، لكنه يفاجئنا دائماً لأنه لا يحسن التكرار. فج وعميق ووعر، كمثل رعاة جبليين، ونحن نقع تحت عصاه. ونحاول جهدنا ان نؤخر حلولها.

ها نحن هنا. كثيرون ماتوا قبلنا. كثيرون لا يحصون، بعضهم اعزاء وأحبة، وبعضهم لم نكن نكنّ لهم الود. لكنها المرة الاولى، لا نجد كلاماً مناسباً. هل في وسع ايٍّ كان ان يقول في محمود درويش كلاماً اقلّ من الشعر العالي؟ نظرة سريعة إلى ما كُتب في وداعه، تثبت انه كان مستحيلاً على العقل، ومستحيلاً على المنطق. لكنه كان ايضاً الوحيد الذي يحسن ان يصنع للكوارث منطقاً ويصنع من الفجيعة تاريخاً.

تلك هي محنة ان تكون فلسطينياً، لأنك منذ ولادتك ستعيش في الوقت لا في المكان. الوقت الذي عبر، واصبح حجارة، والوقت الذي سيأتي ولا يزال رملاً. وبين الحجارة والرمل ثمة بحور كثيرة ينبغي ان تقطعها، وان تجوع وتعطش ثم تنجو. تنجو ليس كما ينجو الناجون فتنتهي الحكاية بخاتمة سعيدة. تنجو لتدخل من جديد في هول الوقت الذي ينتظرك بعد كل نجاة. تلك صعوبة ان تكون فلسطينياً. بالتأكيد. لكنك ايضاً ستحسد الفلسطيني على الحزن الذي يرافقه كظله. كم واحداً منا لوّحت له مناديل الامهات والشقيقات وهو يغادر؟ كم واحداً منا اختبر حجم الحنين؟ لا احد قطعاً. ثمة في لافلسطينيتنا ما يجعلنا دوماً ابناء امكنة. نغادرها غاضبين، نغادرها خائبين، لكننا لا نغادرها ونحن نبكيها. فلسطين، بين كل البلاد تلك التي لا تستطيع مغادرتها، لأنها تقع في الوقت. والوقت ليس حجارة وحسب، انه القلب. القلب الذي يرمي لنافذة تحيته الاخيرة، والقلب الذي يعوي ويعد البراري بالبكاء الحر.

ان تكون فلسطينياً. هذا ما لم نكنه يوماً. وهذا ما نحسد محمود درويش عليه. كان فلسطينياً ولم نكن نستطيع الارتفاع إلى شجنه العالي. شجنه الذي ينمو مثل اشجار الكرز، عالياً وهشاً وشهياً.

رحل محمود درويش. وابتداء من الساعة التي رحل فيها، لم يعد في امكاننا ان نوازيه. له 175 سنتيمتراً من التراب في تلة تشرف على رام الله. يقولون انه احبّ المدينة. احبها؟ ربما، محمود درويش احب مدناً كثيرة، لكن جلّها كان خؤوناً. رام الله المحبوبة هناك في ذلك البلد البعيد جداً. بعيد ولا نريد ان نصدّق اننا نستطيع ان نرمي حجارتنا إليه. ان نحمّل تلك الحجارة رسائل نكتب فيها: هذا حجر من لبنان، ونود ان نضيفه إلى احجار فلسطين. هكذا نعاون اهلها على مهمة قتل الوقت المستحيلة. وهي مستحيلة فقط هناك. رام الله المحبوبة بعيدة كثيراً، ربما لأن ترابها يحتضنه. فنحن لا نستطيع ان نوازيه او نلتحق به.

بين الفلسطينيين الكثر الذين نعرفهم ويعرفهم العالم، لم يكن درويش يدبّر الوقت بالضحك. كان طافحاً بالحنين إلى حد انه لم يعد يملك مساحة فائضة. الضحك عدو المنطق، لأنه يولد من الرحم ذاتها. لكن الضحك ايضاً هو وسيلتنا لاختراع المكان. حين نضحك، تصبح البلاد بلاداً. بلاد ناقصة، لكنها تبقى بلاداً. هذا ما رأيناه في اعمال فنانين فلسطينيين كثيرين. لكن محمود درويش لم يكن ضاحكاً، كان يريد ان يثبت ان الحنين مستقبل، وليس مجرد حزن عابر تمحوه الضحكات.

ايضاً لم يكن يتقن الغضب. الغضب الذي يملأ المرء إلى حد الانفجار. لم يكن يتقن الغضب، لأن الغضب إقرار بموت المستقبل. هكذا تعلّمنا من بعض ما كتب، وهكذا كان يحسن ان يحيي الموتى ويبعث الروح في الرماد مستخدماً طاقته الهائلة على الحنين: كانت بيروت خيمتنا ونجمتنا.
لو اني جرحت يدي او ساقي، جرحاً كتلك الجروح التي يجيدها المنتحرون، فهل كان في وسعي ان اقترب اكثر من تلك الأرض؟ كثيرة هي الجروح التي تصيبنا. لكن احداً لا يختبر الجرح الذي يجعله اقرب من تلك الأرض سوى المنتحرين. هل طعن محمود درويش قلبه؟ ومتى كانت الطعنة الأولى؟

بلال خبيز

******

"اريستوقراطية" النثر الدرويشي

ليس من باب الثناء او من باب الرثاء، عليَّ القول اني قرأت كتاب "ذاكرة للنسيان" لمحمود درويش متأخراً، في طبعته الثانية بعد "حرب تموز" 2006. لم اكن اعرف من الكتاب الا اسمه وهو لطالما وظِّف في كتابة المقالات والتعليقات. ربما الايديولوجيا ابعدت عنا ما هو جميل. ما لفتني ان دوريش يكتب النثر بأريستوقراطية اكثر عمقا من الشعر. كتب "ذاكرة للنسيان" عن المدينة التي احبها (بيروت) والتي عاش في ظل حصارها وهو غادرها في أيلول 1982 ولم يزرها حتى 1999. كان يظن أنه شفي من حبها من خلال كتابه المذكور الذي يتضمن نصوصا عن علاقته الملتبسة بهذه المدينة.
سجل محمود درويش بنثره الشعري ومن بين الأنقاض والخراب، ما يجب ألاّ يمحوه النسيان من أشكال المواجهة في بيروت عام 1982، في خضم الاجتياح الاسرائيلي. قال: "أريد رائحة القهوة. أريد خمس دقائق. أريد هدنة لمدة خمس دقائق من أجل القهوة. لم يعد لي من مطلب شخصي غير إعداد فنجان القهوة. بهذا الهوس حدّدت مهمتي وهدفي. توثبت حواسي كلها في نداء واحد واشرأبت عطشى نحو غاية واحدة: القهوة". كتب محمود درويش هذا النص الساخن بلغة متوترة، وبأسلوب يجمع بين السردي والشعري والقصصي والإخباري. وفيه تتقاطع شظايا سيرة شخصية مع حوادث الحرب، حين يقف الفرد عارياً أمام مصيره وربما وجد طريقا للنسيان من خلال النثر. لكن اي نسيان. انه الذاكرة المتقدة.

يرفض درويش المفاضلة بين النثر والشعر لان لكل منهما جماليته: "أليس النثر هو حقل الشعر المفتوح. أليس الشعر هو نثر الورد على الليل ليضيء الليل". منذ بواكيره، نافس فيه الناثر الشاعر، وكان توأمه. انبثق الشعر من فائض النثر: "في ظنّك أنك تخطّيت العتبة الفاصلة بين الأفق والهاوية، وتدرّبت على فتح الاستعارة لغياب يحضر وحضور يغيب بتلقائية تبدو مطيعة وتعرف أن المعنى في الشعر يتكون من حركة المعنى، في إيقاع يتطلع فيه النثر إلى رعوية الشعر، ويتطلع فيه الشعر إلى أريستوقراطية النثر". انه القصد من المعنى، غموض سخي بحسب الكاتب المصري خيري منصور، غموض يأخذنا الى أريستوقراطية النثر... مقابل رعوية الشعر. إنه فهم جمالي يذكّرنا بتعريف جورج لوكاش للرواية باعتبارها ملحمة البورجوازية، لكن في أوروبا وحدها. هل اجمل من معنى اريستوقراطية النثر وادهاشه، النثر في ظله العالي؟! هكذا يكون ايقاع المعنى، وهكذا يشفط الشاعر القارئ الى كلماته او عباراته او نصه او عزلته او برج احلامه.

محمود درويش الشاعر يحب الرواية والنثر، يقرأ الرواية اكثر من الشعر، بل انه "يحب النثر، ويرى فيه جمالية أكثر من الشعر أحياناً". قال في حوار صحافي: "لديّ حنين نحو النثر، وأتمنى ان أفشل شعرياً لأتجه الى النثر، لأنني أحبه وأنحاز إليه، وأعتبر ان فيه أحياناً شعرية متحققة أكثر من الشعر نفسه". من أجل إبراز التواشج الحار الذي يربط الشعر بالنثر في إطار المشروع الإبداعي الدرويشي، تستشهد الباحثة الاردنية تهاني شاكر في كتابها "محمود درويش ناثرا" بمقطع شعري من ديوان "حالة حصار" يقول فيه درويش: "الى الشعر: حاصر حصارك/ الى النثر: جرّ البراهين من معجم الفقهاء الى واقع دمرته/ البراهين. واشرح غبارك/ الى الشعر والنثر: طيرا معاً/ كجناحيْ سنونوة تحملان الربيع المبارك".

عنى النقاد بشعر محمود درويش واجروا حوله دراسات كثيرة لكنهم لم يلتفتوا إلى نثره، فالحديث عن هذا النثر يكاد يكون مغيبا في النقد (باستثناء المقالات عن كتابه "في حضرة الغياب")، مع انه بدأ ينشر إنتاجه النثري منذ عام 1971 حيث صدر له في ذلك العام "شيء عن الوطن"، ثم توالت كتبه النثرية، "يوميات الحزن العادي" و"وداعا ايتها الحرب وداعا ايها السلام" و"ذاكرة للنسيان" و"في وصف حالتنا" و"عابرون في كلام عابر"، فضلا عن الرسائل المتبادلة بينه وبين سميح القاسم. وثمة من يقول ان أبرز المشكلات التي تواجه الدارس في بعض كتبه النثرية اختلاط الفنون فيها أو عدم تحديد الفن النثري الذي ينتمي إليه الكتاب.

يتمرد نثر محمود درويش على التصنيفات. انه بحث عن الجمالية سواء في الايقاع او في العبارات او المعاني، يخرج على دائرة التعليب المسبقة. نقرأ من كتابه "في حضرة الغياب": "ضع قمرا على كل صفصافة، وفتاة على كل نافذة، وغزالا على كل نبع، ودع القصيدة تبني الجهة الجنوبية من العدم... إن أوجعك المنفى ولم يقتلك". بل هو يلجأ الى ما يمكن تسميته الشذرات او العبارات التعريفية:

* التفاحة عض الشكل بلا عقوبة المعرفة.
* الأجاصة نهد مثالي التكوين لا يزيد عن راحة اليد ولا ينقص.
* العنب نداء الشكر أن اعتصرني في فمك أو في الجرار.
* التين انفراج الشفتين بإصبعين لتلقي المعني الايروسي دفعة واحدة.
* التين الشوكي. دفاع العذراء عن كنزها.
* الكرز اختصار المسافة بين شهوة العينين وصورة الشفتين.
* السفرجل مشاكسة الأنثى للذكر تترك غصة في حلق الخائب.
* الرمان اختباء الياقوت في التورية.

أليس في هذه العبارات ذروة النثر وذروة الشعر وذروة قصيدة النثر؟! في هذا الكتاب يصالح درويش النثر مع الشعر، مطبّقاً مقولاتٍ كان قالها في دواوين سابقة: "ستعثر الأنثى على الذكر الملائم/ في جنوح الشعر نحو النثر"، "أحبّ من الشعر عفويّة النثر"، "لعلّ السهل نثرٌ/ لعلّ القمح شعرٌ".
لم يكن تفصيلاً هامشياً أن تشدّد معظم المراجعات التي تناولت "في حضرة الغياب"، على شعرية النثر ونثر الشعر، فضلاً عن صيغة النصّ الشعري المفتوح. وليس مردّ هذا أنّ درويش يمزج بين قول شعري تفعيلي وقول شعري نثري، فحسب، بل أيضاً، لأنّ هذه الكتابة قد تكون ذروة جديدة في ما ينهمك به درويش منذ سنوات طويلة: جَسْر الهوّة بين وزن الشعر ونثر الشعر.
يقول درويش: "وإن سألوك عن قوة الشعر قل ليس العشب هشاً كما نرى، ولا ينكسر منذ أخفي ظلّه المتواضع في سر الأرض، وفي العشب على الصخر إعجاز الكلام النازل من غيب، بلا ضجيج وأجراس، العشب نبوءة عفوية لا نبي لها إلا لونها المضاد لليباب، والعشب نجاة المسافر من بشاعة المنظر، ومن جيش يطوّق الطريق إلى الممكن، والعشب شعر البديهة السلس الممتنع السهل والسهل الممتنع، ودنوّ اللغة من المعنى واقتران المعنى بضيافة الأمل".

الشعر بالنسبة الى محمود درويش يصعب تعريفه. لكن هناك ثوابت في تعريفه مثل الإيقاع. الإيقاع ليس الوزن، بل هو طريقة تنفس الشاعر وموسيقاه الداخلية. يعتبر أن الإيقاع ليس حكراً على الوزن. وقد يتأتى من العلاقات بين الحروف والكلمات والدلالات حتى في نص نثري. لذلك لا نستطيع كتابة قصيدة نثر موزونة. خلافه ليس مع قصيدة النثر التي أحبها كثيراً، خلافه هو مع الادعاءات النظرية التي تقول إنه لا شعر ولا حداثة خارج قصيدة النثر. يُقال إن قصيدة النثر مشغولة بالتفصيلي والهامشي واليومي. هذا لا يكفي لتعريف قصيدة النثر، لأن هذا قد يُكتب إيقاعياً وبالوزن التقليدي أيضاً. هذا ما قصده حين قال "إني أستطيع أن أستوعب خطاب قصيدة النثر في قصيدتي الموزونة". أفاد درويش كثيراً من قصيدة النثر، علاوة على انفتاحه على ما يُسمّى "نثر الحياة"، وهو اكد اكثر من مرة انه ليست لديه مشكلة مع قصيدة النثر، ولا مع النثر.

يبدو درويش عندما تقرأ اعماله النثرية ناثرا اكثر منه شاعرا وعندما تقرأه كشاعر يبدو اكثر من ناثر، ويعترف درويش ان قصيدة النثر كسبت معركتها من اجل الشرعية، ولكنه اثار الانتباه الى ان تيار هذه القصيدة او بعض ممثليها يريدون جعلها الشكل السائد. درويش يدعو الى ديموقراطية في الشعر، الى شعر تختفي فيه التصنيفات ويدمج الاجناس الادبية في ما بينها، وهو في هذا السياق يقول انه يكتب نثرا لكنه يرفض ان يسمّيه قصيدة نثر لانه ضد التصنيفات التي تقيّد الشاعر في شكل من الاشكال، وهو يدعو الى الانفتاح في الحكم على اعمال الاخرين، ويعتقد ان اي قائمة لأهم ما كُتب في العقود الاخيرة من شعر عربي ربما تكون من نصيب قصيدة النثر ولكن هذا لا يعطيها او يعطي ممثليها الغاء الاشكال الأخرى. فكما كانت مجلة "شعر" رائدة في دفع قصيدة النثر وتقديمها، كانت مجلة "الآداب" رائدة في دعم الشعر الجديد او قصيدة التفعيلة. ولا ينكر الشاعر هنا ان قصيدة النثر تتوافر على الايقاع مثل قصيدة التفعيلة. ايا يكن الايقاع بقول داخلي او عالي النبرة، فالمشكلة في كيفية ضبطه او دوزنته كما يُضبط العود او الوتر الموسيقي لانتاج اجمل الالحان.
بحسب احد النقاد لم يكتب درويش قصيدة نثر واحدة فحسب، بل ستّ قصائد! ولست أقصد المزج بين تفعيلة ونثر في المقطع الواحد ذاته، بل أقصد هذا بالضبط: قصيدة نثر متكاملة، مستقلة، خالصة، قائمة على النثر وحده. ففي مجموعته "أحبك أو لا أحبك" 1972، تتألف قصيدة "مزامير" الطويلة (أكثر من 350 سطراً) من 12 قصيدة، نصفها قصائد نثر، بل إنّ هذه القصائد أطول من شقيقاتها الموزونة، وثمة الكثير من العناصر الفنية التي تغري الدارس المعنيّ بالرصد والمقارنة بين مادّتَي كتابة شعرية، من الشاعر ذاته وفي القصيدة الطويلة ذاتها. اراد الناقد تحدي كتّاب قصيدة النثر الذي يعتبرون انفسهم من المكرسين في كتابة النثر وكل من عداهم هو دخيل عليها، بل اراد الناقد القول ان الكتابة ليست في التصنيفات بل في جوهر المعنى.
ينبغي قراءة محمود درويش بعيداً عن زمن الرثاء وبعيدا عن زمن الايديولوجيا، حينذاك نعرف اين يكمن صفاء الشعر واين ظله العالي!
شوقي نجم

******

مفتاح للقراءة العارية

كان محمود درويش طوال حياته في حالة تناص مع الموت. استدخل نصوصه الكثيرة في نص واحد هو نص الغياب المفتوح على صمت كبير. لم يتركه يكتب نفسه بل كان يسبقه إلى كتابة ذاته. كان يموهها بالإستعارات ويزيّنها بالكنايات ويفتح لها أبواب الفكاهة ويطلقها في سموات الأناشيد المتواضعة فيشتهي الموتُ ذاتَه المسرودة في شعر درويش فيحاول أن يمتلكها ويسيطر على أوصافها وأسمائها. هكذا نشأت مراودة مغرية يقدم فيها الموت والشاعر كل ما يملكان من إغراءات.
يقول الموت للشاعر: سأصفك كما أشاء وستكون لي دوما. يردّ الشاعر: سأجعلك دوما تشتهي أن تكون ما أكتبه عنك. هذه المراودة الطويلة والشاقة أنهكت الموت وأنهكت الشاعر فقررا عقد هدنة طويلة داخل الأبد. نعلم أن الشاعر استطاع أن يربح لعبة الإغواء هذه، فقد دخل الموت في الصورة التي رسمها له الشاعر ولم يعد يستطيع أن يكون "الموت" بل مجرد موت أليف ومجمّل وعادي ومألوف ومأهول بالمجازات والإستعارات. صار موتا صغيرا يمكن أن نلتقيه في البسيط والمألوف ولم يعد يملك من مكان سوى الذاكرة تحل فيها كتابته على يد محمود درويش في قلب التلقي. الآن صار الموت في تناص مع الشاعر.

نعلم الآن أن محمود درويش قد مات، لذا فإن كلمات متحررة من أسر الرجل ومن أسر القضية التي لطالما حوصر بإلزامية أن يكون مدّاحها، ستنزل إلى مساحة القراءة. هذه الكلمات عارية وتستدعي الورود التي اعتبر الكثيرون ان مجرد ظهورها في قصيدة لدرويش يعني خيانة القضية. لقد مات الرجل فصارت القراءة ممكنة. جثمان الشاعر مفتاح القراءة العارية التي كان يشتهيها دوما ولم يحصل عليها، وكان يعلم دوما وبدقة شعرية عالية أن حضوره هو العائق الكبير الذي يمنع مشروع التأويل من الحراك. حضور الشاعر ثرثار وعامر بالفائض من العواطف والنياشين.

ستنزل الكلمات العارية من جسد الشاعر ومن صوته إلى جحيم القراءة. سترقص بفرح وحشي حول الجثمان، فلا أحد يشدّ أذنها ويؤنّبها ويراودها عن صمتها بجمال السرد وإغواء التركيب. ليست مجبرة على الخيانة. لقد مات محمود درويش فانفتحت جحيم القراءة العارية.
في أثر الفراشة
نختار قراءة كتابه الاخير، "أثر الفراشة"، وقصيدة "على محطة قطار سقط عن الخريطة" التي كتبها قبل أسابيع قليلة من رحيله في محاولة للكشف عن كتابة درويش في مراحلها النهائية.

تبدو كتابة اليوميات التي تضم الشعر والنثر بالنسبة إلى شاعر مثل محمود درويش نوعا من مناقشة شعرية لسلطة المفاهيم المتعاظمة للحرب التي هي فعلا اليوميات الحقيقية المكتوبة بفظاظة تحوّل الكلام إلى ضعف دائم. تتوسل يوميات درويش المكتوبة بين صيف 2006 وصيف 2007 بصيغة الرغبة في إعادة التعريف لتبرر نفسها. تعمل هذه الإعادة على طرح سيرة الأشياء والناس والمكان بوصفها غير قابلة للحرب ولا تستطيعها أصلا ليس بسبب الهشاشة والضعف وإنما بسبب طبيعتها التي لا تستطيع الحرب المثول في أصولها. تحتاج الحرب إلى طرفين وإذا انتفى هذا الشرط فلا تكون الحرب حربا بل مجزرة.

ينطلق الشاعر من جدل التعريف وكشف المفاهيم فيقيم دوما في العرض الواضح لسير مخفية تحت ركام تصورات الأهل والأعداء على حد سواء. فهو يعلم أن السيرة التي يكتبها الإخوة تبقى ناقصة أما الأعداء فيعملون دوما على صناعة الإختلاف وتطويره ليصبح تناقضا مطلقا لا يمكن دفعه إلا بالقتل. يعمل الشاعر على الشبه ويعلن في كتابه هذا الصادر عن "دار رياض الريس للكتب والنشر"، كما في كتبه السابقة، أن هدفه هو إظهار الشبه وإبرازه حتى يصبح القتل ليس مجرد اعتداء من طرف على طرف آخر يسميه العدو بل يصبح خنقاً للذات بحرمانها أسباب تماسكها. هكذا تصبح القسوة اللامبالية التي تجتهد إسرائيل المعسكرة يوميا في تبريرها خطرا جماعيا يهدد كيانيا الفلسطينيين والإسرائيليين. يصبح البحث في الطفولة وأسماء الأشجار وعناوين الورود والنفس الذي تتركه الأمكنة ليشربه أبناؤها بعد خرابها، حياة إنسانية يمكن تقاسمها إذا كانت الجغرافيا لا تسمح بذلك. يبدو الشتات الإلزامي الذي تفرضه الحرب الإسرائيلية نوعا من محاولة لدفع الخطاب ليكون متشتتا بدوره بحيث يمكن إدانته بوصفه بلا جذور وبلا حدود ولا يستطيع الدفاع عن نفسه. تبدو هذه الكتابة التي يصر درويش على تسميتها بـ"اليوميات"، محاولة لفتح مسارات الكتابة على حدود واضحة تطمح دوما إلى الإكتمال والتماسك.

هوس التعريف
يندفع الشاعر إلى صب مشاهد تتبنى صيغة البطاقات الشخصية كوسيلة لشعرنة الكتابة وشحنها بواقع آيل إلى التلاشي تحت وطأة محو ثقافي وعسكري. تظهر الكتابة كأنها تاريخ الوقائع الذي لا يسبقها بالتنبؤ أو يليها بالتحليل أو يواكبها بالسرد بل يحضر فيها بقوة من التماثل يجعلها حياة شخصية. ينفصل عنها الشاعر لضرورات المراقبة لكنه يعلم أنه لا يستطيع اللعب كثيرا في هذا المجال. فهو ليس متفرجا إنما ضحية، لذلك لا يسمح لهذا الإنفصال بأن يكون إلا داخل حدود الوحدة. المشهد دوما أنا تناقش مصائرها الممتدة في مصادر من شمس وسماء وتراب وناس ومجازر تحاول الدخول إلى الشرعية من بوابة كنايات ممتنعة.

يعمد درويش إلى تأسيس وجود كتابي من خلال نسف كناية الحرب وجرها إلى معناها الباطن الذي يعرّيه. يعلن دوما إنها المجزره وهذه براهيني. يعلم أن المهمة شاقة وأن المشكلة لا تكمن في القاموس فقط وأنه لا بد من إعادة تعريف شاملة. يقول في قصيدة "البنت الصرخة": "على شاطئ البحر بنت. وللبنت أهل/ وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتان وباب.../ وفي البحر بارجة تتسلى/ بصيد المشاة على شاطئ البحر:/ أربعة، خمسة، سبعة،/ يسقطون على الرمل، والبنت تنجو قليلاً/ لأن يداً من ضباب/ يدا ما إلهيةًً أسعفتها، فنادت: أبي/ يا أبي! قم لنرجع، فالبحر ليس لامثالنا!/ لم يجبها أبوها المسجى على ظله/ في مهب الغياب/ دم في النخيل، دم في السحاب". يحرص الشاعر على تحديد الإطار المكاني الذي يحضن التعريف. فشاطئ البحر هو مكان النزهات الوادعة الآمنة، ما يعني أن المتنزه هو ابن المكان وصاحبه. هذا الوضع يجعل البنت كائناً من وداعة وسلام. يتتابع المشهد التعريفي في خطوات نشيدية تستخدم صيغة تقديم الأبطال في الحكايات والأساطير لتتخفف منها وتستبدلها بالمألوف المرفوع باستحالته إلى مرتبة الأسطورة. لذلك حين يقول إن للبنت أهلاً وللأهل بيتاً، فهو يضع صراع التعريفات في أوجّه. فدائرة التعريف التي يرسمها الشاعر هي دائرة مكتملة العناصر تقيم فيها حياة واضحة اليفة مكتفية بنفسها. البارجة تقتل لكن البنت تنجو قليلا. ليس هناك من نجاة قليلة من موت ما، فالموت فعل محكم وتام ولا يحتمل أي نقص. الفسحة التي تسمح للبنت بتقليل موتها هي الفسحة التي أعطاها لها التعريف. وهذه الفسحة تتصعد لتصبح يداً من ضباب ثم يداً إلهية. لا ينسب الشاعر القوة التي تغيّر واقع الأشياء إلى الغيب ولكن إلى واقع التعريف الذي كان منشده وليس صاحبه. وهو واقع يسمح عرضه بخلق استحالة مضادة، لاستحالة التقليل من نهائية الموت. تصبح المعادلة مفتوحة على بنية أخرى تحتمي بالأصول الثابتة والمعرّفة ضد سلطة المحو بجعله غريبا، وتاليا يصبح فعل القتل الواقعي الذي يمارسه فعلا قابلا للتقليل منه. البنت القتيلة هي بنت مكان وزمان واضحين. قتلها لا يستطيع تغيير هذه الحقيقة التي تمنع المحو من أن يتم وتجعله دوما أسير نقص يتنامى الى درجة أن من الممكن أن يذوب ويتلاشى. فالقتل لا يترك أيّ علامات، فليس هناك جثة لكن الأب مسجّى على ظله، أي ذاهب إلى حضور أوسع وأكثر ديمومة ليقيم فيه. أما الدم فهو دم شاهق ومستعل ومتصعد، وتاليا هو ليس مهدورا ومهرقا بل دم متحول إلى سيرورة لمعنى يتماسك دوما من خلال تكرار القتل. كلما ارتفعت وتيرة القتل استطاع هذا الدم إيجاد صيغة يحمي بها التعريف الواضح للبنت وأهلها: مكانهم هو ها هنا في الآن وفي الماضي وفي كل مستقبل ممكن. عندذاك ينحلّ فعل القتل أجزاء لا يمكنها تكوين أيّ تمام أو صناعة أيّ خطاب. فهذه ليست حربا. إنها صيد وتسلية، أي مجزرة. وليس القتل إلا بعض حيلها. هدفها الأساسي منع التعريف البسيط والواضح من أن يكون سلطة لا يمكن اختراقها. تهدف المجزرة إلى السيطرة على العناوين والأسماء والصفات، من هنا عرف الشاعر كيف يقود حروبه المضادة. لذا يعلن في "العدو": "يرانا ولا نراه، لا لأنه شبح، بل لأنه قناع فولاذي لفكرة... لا ملامح له ولا عينان ولا عمر ولا اسم. هو... هو الذي اختار أن يكون له اسم وحيد :العدوّ!"

مجاز يتقشر
يسعى الشاعر إلى توضيح حقيقة مفادها أنه كان هنا دوما، ولكنه لم يكن وحده قط. يستعين بما تتيحه اللغة من ضم الأكوان الشعرية التاريخية في لحظات عابرة للتاريخ. هكذا يستعير لغة عباسية في سياقها وقوتها ليجر اللغة إلى ساحة المعركة لتدافع عن بلاد يراد لها أن تكون مجازا غامضا ولكنه يريد دوما أن يفكك المجاز. تقول قصيدة "على قلبي مشيت": "على قلبي مشيت، كأن قلبي/ طريق أو رصيف أو هواء/ فقال القلب أتعبني التماهي/ مع الأشياء، وانكسر الفضاء/ وأتعبني سؤالك أين نمضي/ ولا أرض هناك... ولا سماء/ وأنت تطيعني... مرني بشيء/ وصوّبني لأفعل ما تشاء/ فقلت له: نسيتك مذ مشينا/ وأنت تعلتي وأنا النداء/ تمرد ما استطعت عليّ، واركض/ فليس وراءنا إلا الوراء!". تتكثف اللغة في هذه القصيدة وتصلب لتصير أرضا يمشي عليها الشاعر. هذه اللغة كانت متماهية مع الأشياء، متفقة معها، وكان الشاعر يطيعها دوما. لذلك كانت عاجزة عن صنع المصائر وبقيت تقيم في حيز مجازاتها القاتلة عنه وعن نفسها وعن أبنائها. مثل هذا التصور يقود إلى القبول والإستكانة. هكذا تصبح اللغة سجنا ومقصلة بدل أن تكون وردة. يحتال الشاعر على هذه المعادلة بتفخيخ الأسلوب فيعمد إلى صب قرار تقشير مجاز اللغة التي تصف فيه نفسها بأن العلاقة معها علاقة طاعة مزدوجة في قالب شديد الإحكام وينتمي في بنائه إلى عصر آخر. هكذا يحارب الشاعر بزمانه كله ضد سطوة مجاز الحاضر الذي يصرّ على أن البلاد هي مجاز قد أغلق، وتاليا فليس المكان والناس حاضرين إلا بوصفهم نوعا من أدوات داخلية له. يقشر الشاعر المجاز بأدوات أسلوب يشحنه بأفكار الحاضر. فهذا الوراء يهب أسلوبا وذاكرة ولكنه لن يكون حصارا. هكذا يهجم الشاعر على الأمام بمجاز قد شفّ وتوضّح. مجاز بسيط يعلن أنه كان هنا في هذه الذاكرة وهو يعرفها ويجيد استعمال أدواتها ولكنه ليس فيها الآن. هذا الخطاب ليس موجها إلى العدو فقط ولكن إلى الإخوة أيضا، ما يجعله شاملا مستقويا بمجاز قد تعرّى وصار اسمه بلادا واضحة، ولغة تعرفنا، نطيعها فتهبنا أوصافنا وأسماءنا وملامحنا وحدودنا وكل ما يستحق العيش من أجله.

"على محطة قطار سقط عن الخريطة"

كان درويش قد قال في "مديح الظل العالي" بوضوح: "لا ليس شعرا أن ترى قمرا ينقط خارطة"، لانه يعلم أن الخرائط حين تستبدل بالصور الشعرية عنها فسوف تموت. الخرائط اجمل من القصائد، ولعل القصائد، في حالة ضياع الخرائط، تجتهد في محاولة استحضار الخرائط وإعادة رسمها. أخذنا إغواء الحنين إلى الأشياء المفقودة حتى بات هذا الحنين يتفوق على موضوعه فلا يسمح له بالحضور إلا مكللاً بتمويه قاس. مثل هذا التمويه حين ينتمي إلى المجال الشعري يصبح مجالا لتغييب تسعى ثقافة الإحتلال إلى نشره وتعميمه. فالبلاد التي تنقط خرائطها بالأقمار هي بلاد جميلة بقدر ما هي وهمية وبلا حدود ولا مرجعيات، وتاليا لا مجال للدفاع عنها او للعيش فيها. بلاد تستقبل الزوار في حيز المنفى فقط، وليست وظيفة الشعر تزيين فلسطين كمنفى إنما الدفاع عن حدودها بالصور الواضحة من دون أن يصبح هذا الدفاع تسجيليا.
ما يطمح إليه محمود درويش وما دافع عنه في مراحله الكتابية هو توكيد الفكرة التي تعلن أن عيش الفلسطيني هو الاسطورة الكبرى التي يجب كتابتها، وأن كل استحضار لأساطير أخرى ممكن طالما ظل مقيما في الإستخدام الثقافي العام الذي يعمق الأسطورة الأصل وهي الفلسطيني في عيشه اليومي والبسيط المرفوع دوما إلى رتبة مستحيل ينجز بوتيرة يومية شاقة وصبورة.

في قصيدته "على محطة قطار سقط من الخريطة"، يفتح فكرة الجغرافيا على العبث. فما يرشح من الخرائط هو السفر، اي أن ما تستطيع الخريطة أن تهبه هو طردك منها. تسمح لك بأن تتذكرها وبأن تهواها، ولكن في اللحظة التي تحاول ضمها، تحيلك كائن منفى غير مسلح بأدوات السفر وعدّته ولا حتى بأهدافه، فتصبح ليس المسافر إنما كائن السفر أو الكائن/ السفر. المشكلة مع الخرائط أنها لا تستقبل الكلام ولا يؤثر فيه. الشاعر كائن كلام فكيف يراوده ويستعطفه، وكيف يقنعه بفتح حوار معه؟! الوسيلة الوحيدة الممكنة تحويله إلى خرائط من كلام تتأسس عليه وتدخل فيه فتحضنه ولو في العدم والغياب.
هذه خلاصة حيلة الشاعر في واحدة من قصائده الأخيرة. يقول المقطع الاول من القصيدة: "عشب، هواء يابس، شوك، وصبار/ على سلك الحديد. هناك شكل الشيء/ في عبثية اللاشكل يمضغ ظله.../ عدم هناك موثق... ومطوّق بنقيضه/ ويمامتان تحلقان/ على سقيفة غرفة مهجورة عند المحطة/ والمحطة مثل وشم ذاب في جسد المكان/ هناك أيضا سروتان نحيلتان كإبرتين طويلتين/ تطرزان سحابة صفراء ليمونية/ وهناك سائحة تصور مشهدين:/ الاول، الشمس التي افترشت سرير البحر/ والثاني، خلوّ المقعد الخشبي من كيس المسافر". العناصر التصويرية التي يستخدمها درويش في هذا المقطع تدل على ان السفر قد مات، وهذه التفاصيل البصرية التي يوزعها ما هي إلا شواهد قبره القديم. العشب والهواء اليابس والصبار تقول الكثير عن طبيعة هذا السفر، فهو كان منذورا للفقر والمرارة. كانت أهدافه هي تركيب الشكل ومحاولة العثور على علامات وإشارات تتيح البدء برسم الخرائط بالكلام، ولكن بدا كل شيء منذورا لعبث العدم العارم الظهور لأنه محاط بنقيضه الوجود.

لا نقطة انطلاق ممكنة. هناك الوقفة التي تستعيد تلك الوقفة الأصلية المحفورة في التركيب الشعري العربي وهي الوقوف على الاطلال. يتماهى الشاعر مع زمنه العابر ويحيا خراب المكان وحرائق الخرائط في كتلة واحدة فيرصد تحولات المكان إلى طلل دائم ويدافع عن وقفته أمامه وعن حقه في رصد التفاصيل بنفسه ولو في حالة الخراب هذه. يسعى إلى الإحتفاظ بالمكان لتكون خريطة ممكنة يوما. هذا الرصد المحموم لتفاصيل المكان لا يخفي الألم بقدر ما يفصح عن الرغبة في البناء ولو انطلاقا من ترسيم حدود الخراب وتفاصيله. السروتان النحيلتان تطرزان فضاء أصفر عابقاً بالمرض ولكن ما الذي ستنقشه السروتان؟ لن يكون صورة الغريب ابدا بل صورة ما مأخوذة من قلب حكايات البلاد. هذه البلاد تقدم صوراً متناقضة وغير قابلة للتفسير إلا بالشعر. تتداخل صورة أفول البلاد وغياب الشمس عنها مع صورة البقاء التي يؤكدها خلو المقعد الخشبي من كيس المسافر. للبلاد إذاً عشاقها، والشاعر لم يجهز نفسه للسفر. إنه مقيم في قلب البلاد باحثاً عن النقطة التي منها ستنبثق الخرائط الواضحة.

يقول في مقطع آخر من القصيدة نفسها: "كان القطار سفينة برية ترسو... وتحملنا/ إلى مدن الخيال الواقعية كلما احتجنا إلى اللعب البريء مع المصائر". هذا القطار هو في حالة رسو وحركته هي ارتداد إلى الداخل، إلى حيز واقع مبني بمادة الخيال، لأن العيش العادي صار هو المستحيل الأكبر في ظل التشتت والإحتلال.

هذا السفر المقصود ما هو إلا نوع داجن من منادمة المصائر.

يعلن الشاعر في مقطع آخر "للحقيقة ههنا وجه وحيد واحد ولذا... سأنشد": "أنت أنت ولو خسرت. أنا وأنت اثنان/ في الماضي، وفي الغد واحد. مرّ القطار ولم نكن يقظين، فانهض كاملا متفائلا،/ لا تنتظر احدا سواك هنا. هنا سقط القطار/ عن الخريطة عند منتصف الطريق الساحلي./ وشبّت النيران في قلب الخريطة، ثم أطفأها/ الشتاء وقد تأخر. كم كبرنا كم كبرنا/ قبل عودتنا إلى أسمائنا الأولى".

الوجه الوحيد للحقيقة الذي ينشده الشاعر مفاده أن الخسارة لا تعني ضياع الذات بل هي سبب تماسكها العابر لإكراهات التحقيب الزمني. هنا العودة هي استعادة القدرة على النظر إلى النفس والإيمان بها والتخلص من كل ما يشوبها من وهن ونقص. يكون القطار منفيا والخرائط المحترقة ستجد ما يطفئها وستجد العودة براهينها وأسبابها في الاسماء الأولى التي تعني أن المكان ممتلك بالكامل لأصحاب هذه الأسماء الأصلية.

يعلن الشاعر في المقطع الاخير من القصيدة :"كل ما في الأمر أني لا أصدق غير حدسي".

لمَ كل هذا الرثاء. لقد صدَّق الشاعر حدسه وعاد إلى الأرض. عاد إلى منفاه المفضل. دخل في صمته الكبير حيث كل الاصوات تتجاوب
شادي علاء الدين

*******

المساء
ما قبل الأخير

ليل العروس رام الله لا يشبهه ليل. كلّنا أمام الشاشة الصغيرة، نطلّ على أهل المكان كي نرى عن كثب، كيف يقرأ محمود درويش الشعر في مكانه. هو عالٍ كالرمح، على كتفيه ثلاثة عصافير تعزف على العود، من حوله قلوبٌ فلسطينية تخفق بفرحٍ نادرٍ واستثنائي، وحياله نتسمّر نحن أمام الشاشة الصغيرة، مترقبين الهدايا.

"بالزنبق امتلأ الهواء كأنّ موسيقى ستصدح"، يقول محمود درويش في إحدى قصائده الأخيرة غير المنشورة بعد، فينهمر الإيقاع ملتبساً بنبض القلوب. ثمة صوت للحبّ إذاً، ونستطيع سماعه من وراء الشاشة الصغيرة، مثلما سنستطيع رؤيته عندما تُنشر القصيدة.

مع درويش تتبادل الحواس وظائفها، فنرى الإيقاع ينبع من يديه، تتحركان في الهواء فتتسع السماء. ونشاهد الكلمات تطير أعلى وأبعد ثم لا تحطّ إلا في قلوبنا، لأنّ هذا الزواج بين الكلمات والإيقاع ليس إلا صوت الشاعر من قلبه، حين يقرأ في مكانه.

صوت محمود درويش هو قلبه الذي لم يتوقف عن الخفقان. إن أحداً لا يقرأ الشعر مثله، فالكلمات تحيا بنبضه، وتنساب وتتمايل بجرس سحري شخصي، ثم تندفع وتنهمر كنهر يتلوّن بما يفيض من خيال آسر، يضفي على معانيها معنىً عربيّ النبر صافياً.

حين يمتزج صوته بأوتار العود في ليل رام الله، تتغير الموسيقى وتنقلب الأدوار، بين النغمة ورجعها، بين الإيقاع وجرسه، فلا نعرف من البادئ بينهما:

الماء يبكي، والحصى، والزعفرانْ
والريح تبكي:
"لم يعد غدُنا لنا..."
والظلّ يبكي خلف هستيريا حصانٍ
مسّه وترٌ، وضاق به المدى
بين المُدى والهاوية،
فاختار قوس العنفوان.

ليل العروس رام الله لا يشبهه ليل. حين امتزج صوته بأوتار العود في القصيدة الأخيرة في المساء ما قبل الأخير، اتسعت رام الله فكأنها الدنيا، وشعّ زهر اللوز و"انحسر الضباب عن التلال"
ديمة الشكر

*******

في الشعرية

قد لا يكون في وسع الناقد، كل ناقد، أن يقارب الأدب، أو الفن، من منطلقات موضوعية، حيادية صرفة، إلاّ بشقّ النفس، وأحياناً بـ"تكذيبها". إذ لا بدّ أن يكون ثمة منطقة خفية في عقل الناقد ووعيه، تملي عليه "خفةً" ما تجعله ينصرف الى إخضاع الوسائط النقدية وتوسيطها لتكون في خدمة عقله الأدبي. وإذا بدا على الناقد في عكوفه على بعض الاعمال الأدبية او الفنية، أنه ينأى كثيراً عن مثل هذه "الخفة" الباطنية، عن مثل هذا التواطؤ الدفين، اللذين لا يفسدان للنقد قضية، فلا بدّ أن يكون عكوفه مصاباً بشيء ما، قد أسمّيه نقصاناً، قد أسمّيه علّة، قد أسمّيه كذباً أبيض، أو شيئاً من هذه كلها، لكنْ من دون كثير إفراط في إطلاق الأوصاف والتسميات. هذا في المطلق، فكيف في التحديد؟! أي، هل يستطيع الناقد أن يكون حيادياً - حتى إذا أراد - في حال عكوفه على أعمال أدبية، من مثل أعمال محمود درويش؟! ثم إذا استطاع، هل يستطيع أن ينجو من "مضمون" هذه الاعمال؟ ثم إذا استطاع، هل يستطيع أن ينجو من الشاعر نفسه، أي من حضوره في أعماله، وفي مضامين أعماله؟ حتى إذا استطاع، هل يستطيع أن ينجو من فلسطين هذه الأعمال، من إرثها، من حاضرها، من رنينها في طيّات روحه وجسمه؟
أمثل الآن في هذه المنطقة بالذات، وأنا أحاول أن ألامس شعرية محمود درويش، كبديل من إفشاء الحب أو كتابة الرثاء. أزعم أن النقد ينجو لكني عارفٌ كم عليه أن يتواطأ ليبدو أنه ينجو. فها أنا منذ البداية، أراني أقع قصداً في بعض التباسات هذه الإشكالية المشار اليها، ومشقاتها، حتى قبل أن أقع، فأقول "شعرية محمود درويش"، وأقصد شعرية أدبه. فهل من نجاة؟!
نعم، ولا. الإيجاب والنفي، قد يكونان شرطين توأمين لكل قراءة محتملة لهذا الأدب، فما ان ينفصلا حتى نراهما يتلاصقان متآخيين كتآخي الشكل والمضمون في كل شعرية مهيبة. بل كانضمام الشكل على مضمونه حتى ليصير هو المضمون. أو العكس. فيصير الواحد هو الإثنين معاً في وحدة حال ومصير، كوحدة الحال بين الجريح وجرحه، بين القلب وحامله، أي بين الأرض وصاحبها الوحيد.

هذا نوعٌ من الحياد الواهي يريد أن ينأى عن التصنيف المسبق. عن المديح والرثاء معاً. لأنه يريد أن يطمح الى ما هو تحتهما، أبعد منهما، على مسافة مختلفة عنهما، حيث، على ما أزعم، من شأن الشعرية أن تتخذ لنفسها مساحةً محترمة – شبه أولى - في مفهوم الرؤية الشعرية، والصناعة الشعرية، وقيادة دفة القصيدة، أقلّه في المرحلة الثانية من إنتاج درويش (ابتداء من "ورد أقل")، حين صحّح لنفسه منطلقاته الشعرية مباشراً الشعر من الأنا. أقول الشعرية، قاصداً أنها أَولى في النص من "شعرية" القضية، ومن "شعرية" الإرث والأرض والشعب، ومن "شعرية" الإيقاع والموسيقى، وسواها من شعريات مسبقة، مسقَطة، ليست، على ما أريد وأزعم، في متن الشعر ولا من شروطه المغلقة، وإن تكن من روافده. أقول الشعرية، حيث لا أعطي تحديداً دقيقاً لها، إنما أزعم أنها تؤدي دورها، وأنها تلعب لعبتها، وأنها ترقص رقصتها، بعد أن تكون "سلّمت" الكثير من شعريات القضية والإرث والأرض والشعب والإيقاع والموسيقى، وأنا أضيف الوزن والتفعيلة، الى شعرية العمل الشعري بالذات. أريدني أن أقول إن محمود درويش هو صاحب عمل، هو هذا الشعر الذي أنأى به عن المديح والرثاء، لأنه ليس فقط شعر القضية والإرث والأرض والشعب، والشكل، إنما أكثر أكثر: شعر الشعرية بالذات.
لكني لا أستطيع أن أنفي ما أنفي. لأني إذا نفيتُ كأني أكون أتعامى، أو أطيش، أو أتحزّب. فأن أقول إن درويش صاحب عمل، فأنا أعني أنه شاعر يعمل لا شاعر يشعر فقط. وإذ يعمل، فإني أزعم أنه يشغّل موهبته الكبيرة وذكاءه الفذّ، ليكونا في حفلة "موضوعه"، حيث ينبري معاً وفي آن واحد، عقله وذهنه وفؤاده ولغته وأدواته وإيقاعاته وموسيقاه وغواياته ورنين خطاباته وإطلالاته، فيأتي بكل عدّته وعديده، وبأحماله الخارجية، وهي أحمال جمة ومرهقة، ويأتي بكل موروثاته، ليجعلها معاً على مائدة عمله، ليصنع منها عملاً شعرياً.

كل تأويل سوى ذلك، أو لا يأخذ في الاعتبار هذه "العملية" الشعرية المعقدة لدى درويش، أخذاً متيناً، كأنه كمن يقع في شطط نقدي ليس إلاّ.
أقول الآن بالكيمياء. وبدون تحديد لها. فلا يستطيع ناقد، أو شاعر آخر، سوى الناقد، وهو الشاعر إياه الذي يكتب، أن يضع تحديداً، أو أن يصادر التحديدات. في التعريفات التعميمية، الكيمياء هي ما يأتي، أو هي شُبِّه بما يأتي: كأنْ يؤخذ جسم فيوضع في إناء مع جسم آخر. وأكادني أقول أيضاً على سبيل التقريب الذهني ليس إلاّ، ما يأتي: كأن يؤخذ جسم فيوضع في إناء مع روح. كلاهما، الجسم والجسم، أو الجسم والروح، يُزعم أنهما مادتا الكيمياء، ومن شأن هاتين المادتين، إذا التقتا، وتآلفتا، وتحابّتا، وتصاهرتا، وتزاوجتا، وامحت الواحدة في الأخرى، والعكس، فمن شأنهما أن تصنعا "حياة" ما بهذه الكيمياء. هذه ليست عملية محض عقلية، أو علمية، أو حتى عشقية. خطأ، كل زعم كهذا. بل هو خطأ ينطوي أيضاً على إجحاف في حق الشعر.
فالموهبة ليست علماً. والذكاء الشعري ليس علماً. والعاطفة ليست علماً. وقس على ذلك أموراً وأمزجةً ومناخات ومعطيات شعرية تتدخل في العملية الكيميائية بـ"نسبة" أو بأخرى، لتصنع هذه "الحياة" المشار اليها قبل قليل، والتي أعود فأسمّيها الشعرية.

علامَ تقوم شعرية درويش هذه؟ شعريته الكيميائية هذه، ما هي عناصرها، بل ما هي مقادير عناصرها، والنسب، وعلى أيّ نارٍ توضع، وفي أيّ وقت، وتحت أيّ ضوء، ومتى تُرفَع من على القِدر، وهل توضع في خلاء، أم في عتمة، ووفق أيّ درجة محددة من البرودة والحرارة؟ ومتى يصحّ ختمها وإعلانها وإرسالها لتكون في صفحات الكتب وبين أيدي القراء وتحت عيونهم وفي آذانهم، فتعيش في معزل عن صانعها؟ وهل يمكن أن تعيش على هذه الحال، كشعرية بذاتها، فلا يحتاح أحد الى أن يومئ بالقول إنها شعر الشاعر الفلسطيني وشعر قضيته، ولهذا هي شعرية عظيمة؟!

أعتقد أنها تعيش، وهي عائشة. لكن هل أسمّي بعض العناصر التي تؤسس لقصيدة درويش؟: الموهبة مثلاً، الموضوع، النشيد، الغنائية، الملحمية، الأسطورة، الحكاية، الاستعارة، الكناية، غواية اللغة، الإيقاع، الرنين، الموسيقى، أسرار الأوزان والتفعيلات والأوزان والتفعيلات الناقصة، وأسرار النثر، وإيقاعاته؟ هل أسمّي عناصر أخرى؟ الذهن مثلاً، وسواه؟ هذا لأقول إن مسألة الشعر معقدة جداً، وهي لدى درويش معقدة أكثر، وهي على ما أزعم، أكثر من كيمياء، لأن الشاعر أكثر من كيميائي في الضرورة. هذه مسألة تقع في صلب "عمل" درويش الشعري، وأعني في صلب تجربته الشعرية. ثم أعود لأكرر: خصوصاً في المرحلة الثانية من هذه التجربة الشعرية، وأحدد: ابتداء من "ورد أقل"، حين راح يباشر درويش الشعر من الأنا، وإن تكن هذه الأنا من بحر الجماعة، وفي بحر الجماعة. ولو أن درويش لم ينصرف الى ذلك "العمل"، لكان علينا أن نتخفف من تعقيدات كثيرة يُشتبه في أنها في صلب أسرار "الخلطة" الكيميائية الفذة التي كان يتولاها درويش بدأب وموهبة وذكاء وذهن كثير، خلال العشرين عاماً الأخيرة من عمره البشري ومن عمره الشعري. ولكان علينا، في الأساس، أن نرتاح من مزاعم الحياد النقدي والموضوعية في مقاربة قصائده. كنا، ببساطة، لنقول فيه، وعنه، أي في شعره، وعن هذا الشعر، ما نقوله في شعر لوركا النضالي، أو شعر نيرودا، أو شعر ايلوار، أو شعر ناظم حكمت، وسواهم كثر في العالم
. وهنا. وكنا لنقول إنه شعر القضايا، ولا تهمّنا كثيراً، على المستوى الشعري، أحوال هذا الشعر، وإن تكن القضايا تهمّنا. وإن تكن هذه القضايا هي قضايانا.
لكن درويش اليقظ جداً، المتنبه الحواس والعقل، والكثير الذكاء، كان يعرف "غواية" ذلك الشعر الأول، بل "مقتله"، وهو شعر القضايا، والى أين يفضي، وكيف يُصنَّف، وبأيّ أوصاف يؤخذ، وكيف لا بدّ أن يخبو، شأن كل التجاء في الشعر الى غير الشعر ليحتمي به، ويُرفَع على الأشهاد. لم يكتف درويش بأن يعرف، بل وظّف معرفته هذه توظيفاً صارماً، لتكون في خدمة الشعر. وأقول: في خدمة الشعرية. فأيّ توظيف، وكيف؟ لأجيب: هذا هو السرّ الدرويشي بامتياز. سر شعريته الخاصة، التي لا تصادر الشعرية لكنها تختطّ لنفسها شعرية من نوع خاص. ثمة بالتأكيد، في العالم وهنا، شعريات ذهنية وعقلية ولغوية، مهما اشتدّ ذكاؤها الكيميائي، تبقى منشدّةً الى رابطها الأساسي الذي ليس هو الروح. هذه ليست حال الشعرية لدى درويش، ولا أجدني مأخوذاً بها. ثمة في المقابل، شعريات، في العالم وهنا، تُعطى كمواهب كبرى، وتشقّ دروبها في الشعر من كونها مواهب كبرى، وذكاءات حدوسية وغريزية كبرى، وبذاتها، من غير أن تعير كثير اهتمام بأشغال الذهن والتصنيع والتوليف، لأنها غير محتاجة احتياجاً شديداً الى هذه الأشغال بحيث تصبح شغلها الشاغل أو تصير مطبوعةً بها. هذه شعرية عظمى، وأنا أشعر بالانتماء الى هذه الشعرية، وعلى مقربة منها تتغاوى شعرية درويش، وهما لديَّ كشقيقتين، أو كبنتي عمّ، لا فرق، وإن تكن شعرية درويش أكثر أخذاً بالصناعة الكيميائية.

سرعان ما أراني أقول في درويش، أعني في شعره، إنه "صاحب شعرية شعرية". أي: شعرية تأخذ مواصفاتها من الشعر وتنتمي الى الشعر، وإن تكن حادة الذكاء والمعرفة والثقافة والصنعة واللعب بأدوات الشغل والعقل والتوليف، موليةً غنائيتها المرهفة وموسيقيتها الجمة المكانة المستحقة. للتوضيح، هي ليست شعرية متبرئة من "شيء" آخر (القضية، الأرض، الشعب...)، لكن هذه الشعرية هي الأساس وهي البوصلة وهي القائد في هذا "الشيء" الذي لا تتبرأ منه ولا تنفض يديها من حبره، وإنما تأخذه بيدها الى الشعر، وتضمّه تحت جناحيها، وتترفق به، خفوتاً مضمراً وإعلاء نبرة، مرةً هنا ومرةً هناك، حيث "يطبخ" الكيميائي "الطبخة" التي يعتقد أنها الأنسب والأفضل لهذه الشعرية. وفي هذا الشعر، يحيا هذا "الشيء" الآخر، تحت سلطة الأنا، وتتحقق حياته التي يجب أن تتحقق في الواقع، معاً وفي آن واحد، ولكن بأدوات الواقع ومعطياته: بالمقاومة، وبالكفاح، وبالسياسة، وسواها. فلا يطالَب الشعر بأن يكون "شرطه الشعري" مقاوماً ومكافحاً وسياسياً، بأدوات المقاومة والكفاح والسياسة، ولغتها، ومعطياتها. وهذا ما عرفه درويش معرفة ذكية للغاية، وهذا بالضبط ما مكّنه من أن يصنع لنفسه شعرية معروفة به. وإذا كان يموت الآن فهو يموت تاركاً للشعر هذه الشعرية الفذة، وتاركاً في الآن نفسه لأهله، وشعبه، وأرضه، وقضيته، ولنا، هذه الفلسطين الشعرية التي ليس من فلسطين توازيها على أرض الواقع إلاّ استعادة فلسطين.

***

كان في ودّي أن أبكي على الورق مثلما بكيتُ في قلبي عندما عرفتُ. كان في ودّي أن أكتب قصيدة حبّ فيكَ. أن أرثيك يا محمود لأني أحببتكَ. بل لأني أحببتُ شعركَ وشعريتكَ، ولأني أتطلع بإعجاب شعريّ ونقديّ كبيرين الى "قطبتكَ المخفية" في صناعة هذين الشعر والشعرية. غير أنكَ يا محمود تعرف أني أحبّكَ، وتعرف أني أحبّ شعركَ وشعريتكَ، بما هما وبما فيهما، وإن أحياناً من بعض مسافة. والسلام
عقل العويط

*****

مات الشاعر

1

في آخر مكالمة هاتفية، سألني محمود درويش عن رأيي في قصيدته الأخيرة "لاعب النرد"، فقلت له، كعادتي في ممازحته، انه صار يكتب مثل الشعراء، واخبرته حكاية عن ابي العلاء المعري. قلت ان شاعر المعرة، كان في نقده الأدبي يسمّي كل الشعراء بأسمائهم، ولكنه حين يصل الى ابي الطيب المتنبي لا يسمّيه، بل يطلق عليه اسم الشاعر، مع ال التعريف. سمعت ضحكته آتية من البعيد الأميركي. وعندما سألته عن الجراحة التي سيجريها في الشريان الأبهر، قال ان الطبيب اكد له ان الخطر لا يتجاوز الواحد في المئة.

هل صدّق الشاعر طبيبه، ام انه قرر الذهاب الى الموت بدل انتظاره؟
لا يملك احد الجواب عن هذا السؤال، فالشاعر كان يملك براءة الأطفال التي تخفي مكرهم. ولم يبح بسرّه الأخير الى أحد. كان يروي لأصدقائه انه لم يعد قادرا على احتمال قنبلة موقوتة في صدره وانه قرر اجراء العملية، على الرغم من نصائح طبيبه الفرنسي، الذي اجرى له جراحة مشابهة من حيث خطورتها عام 1998، كانت نتيجتها قصيدة كبرى عنوانها "الجدارية".

منذ عشر سنين، يعيش محمود درويش في "حضرة الغياب". يقف عاجزا امام شريانه المعطوب، ويكتب اجمل دواوينه ونصوصه استعدادا للموت. عندما اعطاني مخطوط عمله النثري الذي يرثي فيه نفسه، اصبت بالذهول. سألته ماذا يفعل بنفسه وبنا؟ ثم قلت له، مازحا، ماذا نكتب بعد موتك؟ فروى لي حكايته مع كمال ناصر بعد اغتيال كنفاني.

لو سأله صحافي عن دلالات نصه هذا، لكرر عليه اجابته في "الجدارية"، بأن الفنون قهرت الموت، لكن الشاعر كان يعرف انه سيموت وهو يهزم الموت، لذا قرر ان يلاعب الموت ويتلاعب به، في الصراع الكبير بين موسيقى الكلمات، وصمت الغياب.

روى درويش انه فوجئ بالشاعر الفلسطيني كمال ناصر يدخل عليه مكتبه في مركز الأبحاث الفلسطيني غاضباً وهو يحمل مقال الرثاء الذي كتبه الشاعر بعد اغتيال كنفاني. رمى كمال ناصر المقال على الطاولة، وسأل معاتبا: ماذا ستكتب عن موتي، بعدما كتبت كل شيء في هذا المقال؟

عام 1973، حين اغتال الاسرائيليون كمال ناصر وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار، كتب محمود قصيدة العرس الفلسطيني، حيث "لا يصل الحبيب الى الحبيب الا شهيدا او شريدا".

ينطلق سؤال القلق الدرويشي من فرضية المعلّقات: "هل غادر الشعراء من متردمِ"؟ كأن الشاعر العربي كان يقف مذهولا امام "الصاحب" او الجنّي الذي يملي عليه كلاما جديدا، على رغم ان الشعراء الذين سبقوه قالوا كل شيء. لكن درويش لم يستسلم لذهوله بكلامه الجديد وحدسه الشعري المدهش، وطراوة زهر اللوز في موسيقى شعره، والماء الذي يرقق كلماته، إنما اضاف اليها قدرته الواعية على تلخيص الشعر العربي الحديث بأسره، قبل ان يرفع اشرعته للسفر الى كل الشعر، من قدماء اليونان الى نيرودا.
كان فيه شيء من المتنبي، الذي لخّص شعر زمنه. لكن الفرق بين الشاعر الحديث والشاعر القديم هو ان الأول رفض السلطة عندما اتته من دون جهد، بينما ارهق الثاني حياته كلها بحثا عن سرابها. وان الأول كان بداية الشعر الذي يصنع الأرض على رغم غربته عنها، بينما بقي المتنبي تائها في وعود الكلمات. لم يجد درويش الأرض التي صنعها بكلماته قبل ان تتحول الى واقع ملموس. بقي درويش في فلسطين التي عاد اليها من دون عودة حقيقية، غريبا في بلاده، على رغم انه كان سيد الكلمة فيها، في وصفه اميرا للكلام، وهي الصفة التي اطلقها الخليل بن احمد على الشعراء. كان غريبا لأن فلسطين صارت غريبة عن نفسها.

اثنان صنعا اللغة الفلسطينية، الأول روائي من عكا، صار لاجئا في سوريا ثم في لبنان، وتشظى جسده في الحازمية بالقرب من بيروت، والثاني شاعر من البروة في قضاء عكا، لجأ الى لبنان عام 1948، ثم تسلل بعد عام امضته العائلة في ثلوج جزين، عائدا الى الجليل. كنفاني صنع حكاية العودة الافتراضية الى حيفا، بينما لم يعد درويش الا الى جزء من وطنه. كان كنفاني صانع بدايات اللغة، بينما بلور درويش الحكاية في نفس غنائي- ملحمي. ولم يكتمل التأسيس الا حين اضاف اليه ادوارد سعيد فكره النيّر وثقافته الموسوعية المدهشة، ونكّهه اميل حبيبي بالسخرية السوداء في "متشائله".
المؤسسان ماتا انفجارا، كنفاني قتله الاسرائيليون ودرويش انفجر من الداخل. الاول لم يخش الموت، والثاني ذهب الى مغامرته الأخيرة مع الموت بإرادته.
"ماذا لو خسرنا الجولة يا صاحبي"؟، اردت ان اقول، وانا ابدي رفضي ثم ترددي امام قرار اجراء الجراحة في هيوستن، تكساس.

الحكاية بدأت في بيروت، منذ عامين. جاء محمود حاملا معه صور الأشعة لشريانه الأبهر الذي توسع الى حدود خطر الانفجار. ذهبنا الى اطباء القلب في "اوتيل ديو"، ومستشفى الجامعة الأميركية، وكانت الآراء متطابقة حول الخطر الداهم، وحول صعوبات الجراحة، بعد جراحة اجريت منذ ثمانية اعوام، وكادت تودي بالشاعر.

ثم ذهبنا الى باريس، ليلى شهيد اخذت موعدا من الطبيب الفرنسي الذي اجرى الجراحة الأولى، وكان تقديره ان الشريان لم يصل الى حدود الانفجار، وطمأننا من دون ان يخفي الخطر الذي يلوح في الأفق. يومذاك احتفلنا في مطعم "الكوبول" الباريسي بالسمك. جاء اللقز مستسلما ومشويا، وضعنا فوقه زيت الزيتون وشربنا النبيذ الفرنسي الأبيض، واحتفلنا بالنجاة.
لكن الموت بقي كامنا، واطل برأسه من جديد مع بدايات هذا الصيف. ذهب الشاعر الى باريس في تموز، وسمع من طبيبه كلاما مخيفا. ضحك وهو يروي لي ان الطبيب اخبره ان شارل ديغول كان مصابا بالمرض نفسه، وان الرئيس الفرنسي الراحل فضّل انتظار الموت رافضا اجراء الجراحة. "يعني دار درويش زي دار ديغول"، قال الشاعر ممازحا طبيبه. لكنه بعد شيء من التردد قرر الذهاب الى هيوستن في رفقة اكرم هنية وعلي حليلة، لاجراء الجراحة الخطرة.
سألته عن احتمالات الخسارة، لكن الرجل لم يجاوب. رأيت في ظلال عينيه الرماديتين الخضراوين، حيرة من لا يعرف كيف يجيب عن سؤال لن يكون في استطاعة الخاسر سماعه.

مرةً سألته عن لون عينيه، كان ذلك بعد رحلتنا الى جزين. يومذاك ذهبنا معه، باسكال فغالي وماهر جرار وانا، الى البلدة التي اتاها طفلا لاجئا عام 1948. كان يبحث عن ذكريات الذاكرة، في البلدة اللبنانية التي جاءها في السابعة من عمره، بعد سقوط قريته البروة مرتين في ايدي الاسرائيليين. مشينا في الطرق لكننا لم نهتد الى البيت الذي عاشت فيه العائلة. وسط البحث التفت اليّ وقال: "بلاش ذكريات، الكبّة النية افضل من الذكريات"، وذهبنا الى مطعم يشرف على واد سحيق، وأكلنا الكبة، وشربنا العرق البلدي، واستمعنا الى حكايات الكبة النيئة الجليلية التي تصنعها حورية، والدة الشاعر. وعادت ذكريات الذاكرة لتروي عن القرية الفلسطينية، التي جرف الاسرائيليون بيوتها واقاموا على ارضها كيبوتسا لليهود اليمنيين، وكيف وجدت العائلة العائدة تسللا نفسها في العراء، فذهبت للاقامة في قرية دير الأسد، قبل ان تنتقل الى قرية الجديدة. اخبرنا عن المغنّي الأعمى، الذي عثرنا عليه في ديوان "لماذا تركت الحصان وحيدا؟"، وعندما سألته عن سقوط البروة مرتين، قال انه لا يذكر ذلك لأن النكبة تتراءى له ككابوس طفولي غامض الملامح.
سقطت البروة مرتين. في 11 حزيران 1948، اجتاحها لواء كرملي وطرد سكانها الذين التجأوا الى الحقول المجاورة. لكن اهل البروة قرروا العودة الى قريتهم من اجل حصاد محاصيلهم، فعادوا الى القرية بالعصي والمعاول وما تيسر من اسلحة في 22 حزيران، لكنهم اضطروا الى تسليم القرية الى جيش الانقاذ، الذي انسحب منها بعد اسبوع تحت ضغط عملية "ديكل".

لم يبق من تفاصيل الحكاية سوى الواقع الوحشي الذي جعل الشاعر يصرخ: "وانا اسيل دماً وذاكرة اسيل".

هذا التزاوج الذي صنع من الذاكرة دما، هو الحكاية التي صاغها درويش، حاملا رائحة القمح الجليلي، كي يطلب الى مشيّعيه ان لا يضعوا على نعشه سوى سبع سنابل وشقائق النعمان: "فيا موت انتظرني ريثما انهي/ تدابير الجنازة في الربيع الهش/ حيث ولدت، حيث سأمنع الخطباء/ من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين/ وعن صمود التين والزيتون في وجه/ الزمان وجيشه. سأقول: صبّوني/ بحرف النون، حيث تعبّ روحي/ سورة الرحمن في القرآن. وامشوا/ صامتين معي على خطوات اجدادي/ ووقع الناي في ازلي. ولا/ تضعوا على قبري البنفسج، فهو/ زهر المحبطين يذكّر الموتى بموت/ الحب قبل اوانه. وضعوا على/ التابوت سبع سنابل خضراء ان/ وجدت وبعض شقائق النعمان ان وجدت...".

لن اسأل الخطباء لماذا لم ينفّذوا الوصية، فحين نخون الموتى نكون في اكتمال الخيانة، لكن علاقة تشبيه الذاكرة بالدم من خلال الفعل وليس عبر اداة التشبيه، هي المؤشر الى الحكاية الفلسطينية، والى مأساة البروة، وهي واحدة من مئات القرى الفلسطينية التي دمرت وازيلت من الوجود.
لم اسأله اذا كان قد سرق القمح من ارضه التي طُرد منها. فالشاعر لم يكن روائيا كي يسرد، بل كان شاعرا يلخّص العالم ويعطيه لغته.

كانت الذاكرة مرسومة على عينيه الخضراوين الرماديتين. سألته عن لون عينيه، فنزع عويناته ونظر اليّ، ثم نظر الى الأصدقاء والصديقات المتحلقين حوله، وقال انه يحار في تحديد اللون، فهو يحب الخريف على رغم انه ولد في الربيع، وقال ان الاخضرار الرمادي فيه الكثير من تلاوين الخريف، حيث يختلط الأخضر باحتمالاته.

لا ادري لماذا بدأت برواية حكاية لون العينيين، ربما لأني اردت ان اقول شيئا عن علاقة الطفولة بالمكر، وعن شعوري الملتبس وانا ارى كيف كان الشاعر قادرا على الانتقال بينهما بسهولة ورشاقة.

لكن الحكاية تجددت منذ عامين، حين اتى الشاعر الى بيروت حاملا ملفّه الطبي، الذي اوصله الى هيوستن. منذ تلك اللحظة لم اعد ارى سوى الطفل الخائف من القدر. ليس صحيحا اننا لا نخاف، لكن هذا الطفل اتى الى بيروت حاملا معه كتابه المدهش "في حضرة الغياب"، كان يخبئ "اثر الفراشة"، ويستعد لانجاز مجموعة شعرية جديدة، نشر منها قصيدة "لاعب النرد"، وهي احدى ذراه الشعرية.

روت ليلى شهيد انه في لقائه الأخير مع طبيبه الفرنسي سأل الى متى يمهله الشريان الأبهر اللعين؟ قال انه لا يريد شيئا سوى القليل من الوقت من اجل انجاز ديوانه الجديد.

هل اعتقد الشاعر ان ديوانه انتهى فذهب الى جولته الأخيرة مع قلبه؟ ومن قال له ان الديوان انتهى؟

ذهب الشاعر الى معركته الثالثة مع الموت باختياره. لا، لم يذهب الى الموت، لكنه سبق الموت الى موته. رضي بإجراء عملية تمييل للشرايين، ودخل الى العملية الجراحية الكبرى حيث تم استئصال 30 سنتيمترا من الشريان الأبهر واستبدالها، لكنه اوصى بأن لا يتركوه حيا في شكل اصطناعي. كانت ذكريات التخدير الطويل في الجراحة الباريسية قد تركت بصماتها المخيفة على "الجدارية"، حيث خيّل للشاعر انه سجين يتعرض للضرب، ورأى الممرضين والأطباء على شكل جلاّدين ومحققين يقومون بتعذيبه.
المفارقة المدهشة ان جميع اعضاء الجسم الحيوية اصيبت بالعطب جراء انفجار جلطات الكولسترول، التي انهمرت في كل مكان. وحده القلب استمر ينبض ويعمل في شكل طبيعي. لو يستطيع القلب ان يحكي؟ لكن القلب لا يحكي الا شعرا، ولم يكن هناك في غرفة العناية المركّزة من يفهم لغة الشعر وايقاع نبضات القلب، كي يروي لنا ما قاله الشاعر وهو يبحر في البياض الأسود الذي يشبه ثلج المتنبي في رحلته الوحيدة الى جبال لبنان.

قال مارسيل خليفة جملة مفيدة. قال ان قصائد درويش تحمل معها موسيقاها، كأنها ليست في حاجة الى تلحين. هذا هو عروض الشعر الدرويشي. انه موسيقى القلب، التي تعيد نسج عروض الخليل وتصنع منها اغنيات للموت لا تموت.

2

حين استعيد تهديدات ادوارد سعيد بأنه سيكتب رواية كبرى، وكيف انتهى المشروع الى كتابة سيرته الذاتية الرائعة "خارج الحياة"، اكتشف اني لم افهم الا متأخرا معنى قرار إدوارد سعيد التخلي عن كتابة الرواية. فالرواية هي حقل الابطال الهامشيين والفاشلين بامتياز، اما المذكرات فهي حقل الناجحين. حين شرع ادوارد في كتابة سيرته التي صدرت بترجمة عربية ممتازة وقّعها فوّاز طرابلسي، لم يكن يمتلك الوقت للنجاح من خلال الفشل، فقدّم الى الادبين الاميركي والعربي سيرة ذاتية فذة ومدهشة في قدرتها على التقاط التفاصيل، ورسم المصائر.

لكن الشعر يمتلك الحيلة التي لا يمتلكها اي فن كتابي آخر. هذا ما علّمنا اياه مالك بن الريب حين رثى نفسه:

"تذكرت من يبكي عليّ فلم اجد
سوى السيف والرمح الرديني باكيا
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني
واين مكان البعد الا مكانيا"

يتفوق الشعر، لأنه يستطيع ان يروي الحكاية مثلما تفعل الرواية تماما، عبر الايهام بأن الحكاية يمكن ان تبدأ من البداية، كما ان الشاعر يستطيع ان يخاطبنا من غيب ما بعد الموت، اي ان يتابع الحكاية حتى بعد نهايتها. الصوت النبوي الذي يمتلكه الشعر هو جذر القطيعة بين الأدب والدين في الثقافة العربية الكلاسيكية، لكن هذه مسألة تحتاج الى مبحث خاص بها.

روى محمود درويش بداياته باقتضاب شديد، لكنه حين كتبها شعرا، تركها في الغموض الذي يليق بالشعر، واقام حوارا بين الرجل والطفل.
"عد طفلا ثانية/ علّمني الشعر/ وعلّمني ايقاع البحر/ وأرجع للكلمات براءتها الأولى/ لدني من حبة قمح، لا من جرح، لدني/ وأعدني، لأضمّك فوق العشب، الى ما قبل المعنى/ هل تسمعني: قبل المعنى/ كان الشجر العالي يمشي معنا شجرا لا معنى/ والقمر العالي يحبو معنا/ قمرا/ لا طبقا فضيا للمعنى/ عد طفلا ثانية/ علّمني الشعر/ وعلّمني ايقاع البحر/ وخذ بيدي/ كي نعبر هذا البرزخ ما بين الليل وبين الفجر معا/ ومعا نتعلم اولى الكلمات/ ونبني عشا سريا للدوري/ اخينا الثالث/ عد طفلا لأرى وجهي في مرآتك/ هل انت انا/ وانا انت؟/ فعلّمني الشعر لكي ارثيك الآن الآن الآن/ كما ترثيني"!
كان المثنّى حيلة درويش الأخيرة لاكتناه العلاقة بين البداية والنهاية، الشاعر الحديث ينقسم اثنين، لا ليبكي، إنما ليكتشف سر العلاقة المعقدة بين الموت والحياة. لذا يدمجهما في نسيج رؤيوي، ويحوكهما في خيطان متقاطعة.
تقول الحكاية ان ابن البروة الذي اقام في دير الأسد ودرس في كفرياسيف كان شاعرا منذ طفولته، وفي حكاية اخرى انه كان يعشق الرسم. ابن اللاجئين في وطنهم، الذين تحولوا من فلاحين الى عمّال مياومين، لم يكن يملك ثمن اقلام التلوين فقرر ان يصير شاعرا. تقول الحكاية ان ابن الثانية عشرة دعي الى القاء قصيدة في المدرسة. كتب قصيدة عن طفل فقد بيته واستولى الغرباء على ارضه. لم يكن الطفل يعرف ان قصيدته سوف تلقى في مناسبة ذكرى النكبة التي يسمّونها هناك عيد الاستقلال. استدعي في اليوم التالي الى مقر الحاكم العسكري، حيث تم تهديده بمنع ابيه من العمل، "ساعتها فهمت ان الشعر اكثر جدية مما اعتقد، وكان عليَّ ان اختار بين مواصلة هذه اللعبة وبين التوقف عنها، وهكذا علّمني الاضطهاد ان الشعر قد يكون سلاحا".

في حكاية اخرى ان الفتى بدأ الكتابة بنسخ كتب الأدب العربي المعاصر على دفاتره، لأن الكتب كانت نادرة جدا.

اذكر اننا كنا نسهر مع الكاتب المصري الكبير يوسف ادريس. قلت لمحمود ان ادريس يشبه الكتّاب، بكتفيه العريضتين وسمرته وعينيه الخضراوين، وانها المرة الأولى التقي فيها كاتبا لا يخيّبني، فالكتّاب في العادة، لا يشبهون ما نتخيله عنهم. نظر اليَّ درويش وسألني: "وانا، ألا اشبه الشعراء"؟ قلت: "لا، فأنت تشبه نجوم السينما"! في تلك الأمسية التي لا تنسى، قال يوسف ادريس شيئا عن ضرورة ان يكون التشبيه دقيقا، واعطانا مثلا من احدى قصصه، حيث يقول: "يتشابهون كحبات المطر". التفت اليَّ درويش موشوشاً بيتاً من "احمد الزعتر" يقول: "ان التشابه للرمال وانت للأزرق". سألني يوسف ادريس ماذا نقول، فرويت له السطر، فغمغم كلاما غير مفهوم. لكن الشاعر تدارك الموقف بأن روى انه كان ينسخ قصص يوسف ادريس على دفاتره، وانه من خلال النسخ تعلّم الكتابة.

في حكاية ثالثة ان البداية كانت مع قصيدة "بطاقة هوية"، وان صرخة "سجِّل انا عربي" جعلت الشاعر ضميرا لشعبه، وصوتا للمأساة الفلسطينية. وان الشاب الذي انتقل الى العمل في حيفا وصار رئيسا لتحرير "الجديد"، ومحررا في "الاتحاد". كان احد ابناء "جهينة"، وهو الاسم الذي كان يوقّع به اميل حبيبي. وان ابناء حبيبي كانوا يتشابهون في انتسابهم الى التيار الواقعي الذي اسسته مجلة "الطريق"، مع انطون تابت ورئيف خوري وحسين مروة.
في تقديمه كتاب الرسائل المتبادلة بين درويش وسميح القاسم، وصف حبيبي الشاعرين، بأنهما كشقّي برتقالة. وعندما ذهبنا الى براغ لاجراء حوار مع حبيبي للعدد الأول من مجلة "الكرمل"، فوجئت بالاستاذ يتتلمذ والتلميذ ينظر الى استاذه بعيني الطفل الذي كانه. بعد "بطاقة هوية" جاءت "عاشق من فلسطين". يومذاك تبلور المشروع الشعري الفلسطيني في وصفه تأسيسا للغة جديدة، واستعادة للأرض باللغة.

في حكاية رابعة ان درويش صار شاعرا كبيرا بعد خروجه من الجليل. مرّ بالقاهرة قبل ان يأتي الى بيروت ويلتحق بمنظمة التحرير الفلسطينية. في مؤتمر اتحاد الكتاب الفلسطينيين الذي عقد في الجزائر عام 1977، القى درويش قصيدته "كان ما سوف يكون"، في رثاء راشد حسين. يومذاك شاعت تسمية الشاعر العام. اعتقد ان معين بسيسو هو الذي اطلقها، كي يقول انه الى جانب القائد العام ياسر عرفات، يقف اليوم شاعر عام اسمه محمود درويش. كان مزيج الغيرة والخبث والاعجاب يقف خلف اطلاق هذه المداعبة، لكن أحداً لم يفاجأ بأنها كانت حقيقة لا تنطبق الا على شاعر "احمد الزعتر".
في حكاية خامسة، ان الشاعر الذي صقلته تجربته البيروتية وفتحت امامه آفاق التجريب الشعري، وخصوصا مع ديوانه "محاولة رقم 7"، اخذته باريس وعزلتها الى آفاق القصيدة الجديدة، التي بدأت مع ديوانه "ورد اقل"، لتصل الى اكتمالها في ملحمته الغنائية الرائعة "لماذا تركت الحصان وحيدا؟". يقول النقد ان درويش الناضج، دخل في "مشمش" الأربعين، بكامل اجتهاده الشعري، وانه وهو ينقّب في "لسان العرب"، ويسافر في القراءة، اكتشف صوته الجديد، ودخل في معادلة الغنائي الذي يتشكل في داخل البعد الملحمي، مقدما رؤيا شعرية فذة، تقوم على تحويل القصائد القصيرة المكثفة الى فواصل في نسيج ملحمي يروي المأساة التي تشخصنت.
في حكاية سادسة انه يجب ان نعود الى شخصية ريتا كي نفهم البداية. ظهرت ريتا للمرة الأولى في ديوان "آخر الليل"، وستسحب ظلالها على كل تجربة درويش الشعرية، ولن تختفي الا بعد "الجدارية". بصرف النظر عن الأساس الواقعي للعلاقة القصيرة التي ربطت بين درويش وشاعرة اسرائيلية رفض ان يبوح باسمها، ولن ابوح انا ايضا به، فإن ريتا، سوف تتحول رمزا، لا لاستحالة الحب بين عدوّين، ولكن لأنها ستكون اطار انقسام الأنا نصفين. هنا سوف يعود درويش الى اكتشاف مثنّى امرئ القيس، وسوف يرسمه كلحظة تراجيدية انسانية. خصص درويش ديوانا كاملا للحب، انطلق فيه من ريتا، ليصل الى شفافية العلاقة التي تصنعها الرغبات والمشاعر. "سرير الغريبة"، هو احد اجمل قصائد الحب واكثرها التصاقا بالتجربة الذاتية. مع ذلك، رفض الشاعر في مرثيته، "في حضرة الغياب"، ان يستعيد حكاية حب واحدة، او ان يشير الى تجربتي زواجه بكل من رنا قباني وحياة بلحيني، كما رفض ان ينجب اولادا، وقدّم لنا خلاصات غامضة عن حب لا يتجلى الا "في غياب كثيف الحضور". فالانسان بحسب درويش "يخترع الحب عند الضرورة".

لم يكن درويش يروي عن قصص حبّه الا نادرا، وفي شكل لا يترك مجالا لأي سؤال، وكان يخشى من تلك المرأة المجنونة، التي اتت الى احدى امسياته لابسةً فستان العرس الأبيض وصارخةً بأنها زوجة الشاعر، مما اضطر درويش الى الهرب الى الكواليس ريثما أُخرجت المرأة من القاعة.

كلامه الدائم عن ضرورة الهرب من النساء لم يكن صادقا، وحده شعره يكشف مكابداته مع الحب، لأن "اصدق الشعر اكذبه"، مثلما قالت العرب.

في حكاية سابعة، ان نجومية درويش الباهرة، تبلورت عبر العلاقة، التي كانت دائما ملتبسة، مع السلطة، وخصوصا مع ياسر عرفات. عرفات حضر زفافه الأول، كشاهد وبديل من الأب الغائب، وكانت علاقتهما اشبه بالعلاقة بين رمزين. لعبة الرمز التي سادت طويلا تخللتها لحظات صعبة، كان تطويق "القوة 17" التابعة للقائد العام مركزَ الابحاث عام 1979 احدى محطاتها الأكثر سخونة، مما دفع درويش الى الاستقالة والذهاب للعمل في تونس في "الاليكسو"، كما اجبرتني انا ايضا على الاستقالة من عملي، والبدء برحلة العمل الصحافي.

كانت علاقة درويش بالسلطة شبيهة بعلاقته بالسياسة، كان يعرف ان يحتفظ بالمسافة الضرورية التي يحتاجها شعره. عمل على بناء شخصيته الرمزية على رغم برمه بها، واقترب من السلطة على رغم رفضه لها. لعبة معقّدة لا يتقنها الا من وظّف ذكاءه الحاد وحدسه في خدمة مشروعه الشعري. نقده لأوسلو واستقالته مع شفيق الحوت من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، لم يحولا دون سفره مع عرفات الى جنوب افريقيا، او "العودة" الجزئية الى رام الله، رافضا منصب وزير الثقافة الذي عرض عليه.

كان يحلو له ان يطلق على اصدقائه لقب "الأمير"، لكن اناقته ولطفه ونبله، جعلت هذه الصفة لا تنطبق الا عليه. ولأنه امير في سلطة الكلام، كان يحسن اقامة العلاقة مع السلطات، وكان يتقبل انتقاداتنا اللاذعة في بعض الاحيان بصبر، وينهي الخلاف بنكتة تلتمع فلا نستطيع صدها.
لم نكن نحب هذا الجانب فيه، لكننا اعتدنا ان نتقبل وجوهه المتعددة، لأننا كنا نعرف ان وجهه الحقيقي هو شعره الذي لم يتوقف سحره منذ اربعين عاما.
في حكاية ثامنة ان الشاعر بدأ بعد الجراحة التي اجريت له في باريس، وكادت تودي بحياته. عندما زرته في المستشفى الفرنسي احسست برهبة النهاية. كان الشاعر ينام في فراش الموت. لكنني لم انتبه الى انه كان يستعد للبدء من جديد، وان قصيدته الكبرى "الجدارية"، سوف تكون ميدان تبلور علاقته بثلاثة اقانيم: المثنّى والحصان والموت. سوف يأتي من بعدها اصفى دواوينه، "لا تعتذر عما فعلت"، وسوف ينتقل من "حالة حصار"، الى "كزهر اللوز او ابعد"، وسيذهل النثر بمرثيته المدهشة، قبل ان يأخذنا الى "اثر الفراشة".

كنت اخاف من عزلته في عمان. اسأله كيف يحتمل عزلته، فيخبرني عن سعادته بالوحدة، ويسخر من خوفنا عليه. وكان الشاعر يخاف. انا لا اتحدث هنا عن الخوف من المرض او الموت، بل اتحدث عن خوف آخر، لم يخطر لي على بال. كان محمود يخاف قبل امسياته الشعرية. هل يصدّق احد ان سيد المنابر الذي كانت الالوف تتدفق لسماعه في بيروت وحيفا ورام الله ودمشق وتونس والدار البيضاء، كان يصاب بالغثيان ويرتعد قبل ان يصعد الى المنبر، كأنه مجرد هاو؟! بقي محمود درويش يتعامل مع الشعر ومع قراءته كأنه يكتب للمرة الأولى، وكأنه يكتشف ان الكلمات تولد على يديه جديدة وشفيفة، فيخاف من هذا السر الذي لا يستطيع احد الاحاطة به.

حاولت ان ابحث عن بداية يبدأ منها السرد وتبدأ معها الحياة، فاكتشف ان هناك احتمالات لا تحصى للبداية، لكن احتمالها الأكبر هو حين تمتزج بالنهاية، فتصير النهاية بداية، او تصير عتبة لبداية جديدة. لذلك لن اصدّق موت الشاعر. سوف اعتبر موته مجرد استعارة للحياة. منذ اليوم سيبدأ الشعر رحلته متكئا على الشعر وحده، وسوف ينتصر الشاعر على الطفل، تاركا لنا عبء البحث في المثنّى عن وسيلة لاعطاء المعنى لحياة لا معنى لها.

3

عندما استفاق محمود درويش من التخدير الذي اعقب الجراحة عام 1998، طلب قلماً وورقة. قال انه كان خائفا من ان يكون قد نسي اللغة. لذا صرخ في جداريته: "... من انا؟ هذا سؤال الآخرين ولا جواب له. انا لغتي انا/ وانا معلّقة معلّقتان... عشر، هذه لغتي/ انا لغتي، انا ما قالت الكلمات:/ كن/ جسدي فكنت لنبرها جسدا".

كانت لعبة درويش صريحة منذ البداية، لذا لم يعبأ بما قيل عن التزامه وعن تخليه عن شعر المقاومة، والى آخر الدروس التي يلقيها سفهاء هذه اللحظة المنقلبة. لأن محمود لم يكن يوما باحثا عن صفة لشعره. كان شاعرا فقط، والشاعر هو من يلخص زمنه ويكثفه ويفارقه ويعيد تأليفه. هذه هي اللعبة. لذا اقول ان الشاعر لم يكن في وارد كل الكلامولوجيا التي صاحبت شعره، لأنه كان يرى في نفسه ناياً للقصيدة. ذنبه انه فلسطيني، وان نكبة شعبه لم تتوقف منذ ستين عاما، وانه ابن تراجيديا العرب في العصر الحديث، لذا صار شاعر الأرض والحلم. كان مشروع درويش الشخصي الوحيد ان يصير شاعرا، وفي هذا السياق حمل فلسطين الى الشعر جاعلا منها استعارة كونية كبرى، واخذ الشعر الى فلسطين، كي يعطيه مذاق زيتون الجليل، ونكهة الجمال الممزق بالمحن. لذا كان خوفه الوحيد على اللغة، وليس على الجسد. هناك في المستشفى الفرنسي، حين كان الشاعر محاصرا بآثار التخدير التي ادخلته في الهلوسة، فاجأني بمناقشة ادبية تفصيلية، قبل ان يعود الى خوفه من السجن الذي جاءه من ذاكرة معاناته مع القمع الاسرائيلي. قلت له بعد ذلك ونحن نحتسي النبيذ الأحمر في منتوفا في ايطاليا، ان كلامه في المستشفى ذكّرني بأبي العلاء في "رسالة الغفران"، حيث دخل شاعر المعرة في مناقشة ادبية ولغوية مع شعراء العرب في رحلته الى ما وراء العالم. هوس الشعراء هو الشعر، ولا شيء آخر. اعرف ان في كلامي هذا شيئاً من التعسف، لأن مسيرة الشعراء والأدباء لا تبدأ هكذا. يبدأون في شروط زمنهم ولغته، لكنهم يكتشفون ان الأدب لا يخاطب الأحياء فقط، بل يخاطب الموتى ايضا، وانهم يحملون في داخلهم تاريخ الأدب كله. هذا يحصل في النهاية، اي في مراحل النضج التي هي اسم آخر لبداية الرحلة الأخيرة الى الموت. تختلط النهاية بالبداية، بل تصير النهاية هي البداية الحقيقية. "ومثلما سار المسيح على البحيرة/ سرت في رؤياي لكني/ نزلت عن الصليب لأنني اخشى العلو/ ولا ابشر بالقيامة". المسيح بدأ في لحظة الصليب، قبل ذلك لم يكن مسيحا، والشعر يبدأ لحظة الصعود الى الصليب، حيث تصير النهاية تأويلا للبداية، وبدايتها الفعلية.

في منتوفا حيث شاركنا في ندوة عن الأدب العربي المعاصر، جاء محمود درويش حاملا "جداريته". وكي اخفف من وقع النبرة الحزينة، قلت انني في شبابي حفظت الكثير من شعره لأسباب عملية، اذ كنت استخدم هذا الشعر وسيلة لغواية الفتيات، وان هذه الوسيلة اثبتت انها ناجحة جدا. لم اقل انني لا ازال الى الآن احفظ هذا الشعر للسبب نفسه ولسبب آخر يتعلق بسيكولوجيا ابطال الروايات، اذ لا استطيع ان اتخيل خليل او منصور من دون شعر يؤهلهما لاحتمال الحياة. ضحكت القاعة، قبل ان تستمع الى درويش يطلب من الجمهور ان لا يصدّقني، فنحن من جيل واحد قال، وقال ايضا انه لا يكبرني الا بست سنوات، سبع سنوات صححت له، وضحكنا. يومذاك جاءتني ميليا في المنام وقالت مخاطبةً منصور: "هالبلاد مش ارض، هيدي كلام معجون بالقصص، من وقت ما مشي المسيح على الارض صار التراب مصنوع من احرف وكلمات، في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. يعني هو الكلمة، والشعر اعلى درجات الكلام، وبكرا يا حبيبي بعد شي خمسين سنة لمن بيولد بهالارض شاعر عظيم ساعتها بتصيروا تعرفوا ان الحرب ما رح تربحوها الا بالكلمة يللي هي اقوى من السلاح". جاء الشاعر يا ميليا ومات يوم السبت الماضي، فهل عرفوا ما اردتِ لهم ان يعرفوه؟
عندما مات ادوارد سعيد، رأى الشاعر نسرا: "نسر يودّع قمته عاليا/ عاليا/ فالاقامة فوق الاولمب/ وفوق القمم/ قد تثير السأم/ وداعا/ وداعا لشعر الألم".
وعندما ودّع حبيبته رأى الغريبة: "لم يبق مني سواكِ، لم يبق منك/ سواي، غريبا يمسّد فخذ غريبته: يا/ غريبة، ماذا سنصنع في ما تبقّى لنا من/ هدوء... وقيلولة بين اسطورتين".

وعندما رأى حصان امرئ القيس، انتصبت اللغة امامه ألفاً: "... توتر يا حصاني، وانتصب ألفاً ولا/ تسقط على السفح الأخير كراية مهجورة".
وعلى حافة الموت اعتصر الليل في كلماته: "هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدة/ حرفا فحرفا، ونزفا فنزفا/ على هذه الكنبة/ بدم اسود اللون، لا هو حبر الغراب/ ولا صوته/ بل هو الليل معتصرا كله/ قطرة قطرة، بيد الحظ والموهبة".
والآن، وانت حيث انت، سوف نقول لك: "على هذه الأرض ما يستحقُ الحياة: على هذه الأرضِ سيدةُ الأرضِ، امّ البداياتِ امّ النهاياتِ. كانت تُسمّى فلسطين. صارت تُسمّى فلسطين. سيدتي: استحقّ، لأنكِ سيدتي، استحقّ الحياةْ".

4

ثلاثة ماتوا، وكانوا يلخصون في حياتي الصداقة والحب والذكاء وحلاوة العيش ومتعة الثقافة والمعرفة والفن.

الأول جاء من القدس، ودرس في مصر، وهاجر الى اميركا، وكان يتوقد موهبة وعقلا ورؤية، مات بسرطان الدم في نيويورك، واسمه ادوارد سعيد.
الثاني من بيروت، لكنه من يافا ايضا، كان مؤرخا وصحافيا لامعا ومناضلا وحبيبا، قتلوه في بيروت وهو يحاول ان يمزج حلم لبنان بحلم فلسطين وسوريا، واسمه سمير قصير.
والثالث ولد في البروة وكان لاجئا في بلاده، جاء الى لبنان، واسس مجلة "الكرمل"، وحوّل الشعر قهوة للصباحات، والحلم وشاحا للحب. كتب موته قبل ان يموت بعد جراحة في الشريان الأبهر في هيوستن. كان امير الكلام، واسمه محمود درويش.
عندما يموت احد الأصدقاء يموت جزء مني، فكيف لي ان اتحمل مشقة ما تبقّى من الحياة وانا اشهد موت اجزائي!
ليس لي سوى ان استعير ما قاله الشاعر العربي القديم:
"ما ان جزعت ولا هلعت/ ولا يرد بكاي زندا
ذهب الذين احبهم/ وبقيت مثل السيف فردا"

الياس خوري

ملحق النهار- 16 اغسطس 2008