ما لا يعرفه إلاّ القلائل عن بدايات شاعر "لن"
3 قصص مجهولة "بقلم أنسي لويس الحاج"

لبنان: جان داية

أنسي لويس الحاج

حسناً فعل أنسي الحاج (1937 – 2014) عندما نشر دراسته عن شوبان وبيتهوفن وثلاثاً من قصصه القصيرة في مجلة "الأديب" خلال العام 1955، قبل أن تنشر مجلة "المجلة" البيروتية عنه في 15 شباط 1956 خبراً مفاده أن جعبة الأديب الناشئ ابن الثامنة عشرة تحتضن مخطوطة طويلة عريضة عن الموسيقى وفرسانها، ومجموعتين شعريتين أو بالأحرى ديوانين ضخمين، ومجموعة قصص قصيرة، وأخرى تعج بالمقالات المتمحورة على السيرة والنقد، إضافة الى ترجمته قصيدة "قلب هيالمار" للشاعر الفرنسي لوكونت دو ليل، ورسالته "التشجيعية" لصاحب "الأديب" ألبر اديب.
طبعاً، لم تطو مقالات "الأديب" و"الأحد" و"الحياة" و"المجلة" تماماً صفحة تشكيك القراء في قدرة طالب دون العشرين على كتابة تلك الكمية الهائلة من الدراسات والمقالات والقصص القصيرة، لكنها فتحت صفحة تشكيكية حول مقدرة الطالب على الكتابة النوعية الرفيعة سواء بالنسبة إلى اللغة الأدبية الجميلة، أو لجهة عمق المضمون والتمرد على المألوف. فقد امتزج إعجاب القراء بالتعجب حين قرأوا في أقصوصة "الدالية الشقراء" المنشورة في "الأديب" عدد آب 1955 عبارات اعتادوا على قراءتها في نتاج كبار القصاصين الخلاقين من مثل قول أنسي عن بطل قصته الفلاح أبو وهيب "وأضحى، وهو في أصيل حياته، رفيقاً لأرضه يتروق بصحبتها ويشرب من عينها ويريح خدّه على خدها الأسمر الطري، بل صارا صديقين شيخين أحلى ما يربطهما وثاق سرّي لا يفهمه إلاّ من أحب الارض حقاً"... أو تقويله لبطله تعليقاً على هجرة الفلاحين إلى العاصمة: "لهم المدينة ولي كرمي"... أو وصفه للحظات أبو وهيب المأسوية الاخيرة "وبغتة انطفأت الشمس وانتصب العجوز مذعوراً، فتوجه شعاع أخير بأكليل احمر، وهوى بلا أنة على الورق، ونام معه والعنب يتدلى فوق جبينه وعينيه... يد انطبقت على عنقود، وشفتان على حبة شقراء".
جمع أنسي في سير عمالقة الموسيقى بين المعلومة الدقيقة الطريفة والكلمة الأدبية الجميلة، فيقول عن شوبان وعلاقته بحبيبته جورج صاند "فكما أن شوبان كان امرأة بمظاهر رجل، كانت جورج صاند رجلاً بمظاهر امرأة، وكما أن شوبان مثال الموت، كانت جورج صاند مثال الحياة". ويضيف عن شوبان الموسيقي المريض: "وفي الوقت الذي خانته قواه، تملكت منه شرارة العبقرية في جنون خلاق".
في صيف 1955 مرت "الأديب" بأزمة كادت تصنّفها في لائحة الدوريات المحتجبة. فكتب أنسي لصاحبها رسالة نشرت في عدد تشرين الأول 1955، قال فيها عن المجلة وصاحبها: "هذه السفينة، سحبها الموج حتى فم الحوت. ما أقواه، لا أعرفه. لكن أعرف أن سفينته طوت ناب الوحش. قيل: خلصونا، محنة ومرقت. قلنا: اذا لطمت العاصفة دوحة من أرضنا، وقهرتها الدوحة، صار لنا وسط العواصف أعياد، ورقصنا نهلل".
يبقى سؤالان: أولهما عن سر تذييله مقالاته باسمه الكامل أي أنسي لويس الحاج، والثاني حول عدم نشره حرفاً واحداً من بواكيره في كتبه. طرحت السؤالين عليه في أحد لقاءاتي الدورية معه في جريدة "الأخبار" حيث كان ثالثنا المخرج الفنان أميل منعم، فأجاب عن السؤال الاول: "قسم كبير من كتاباتي الأولى وضعته في المدرسة. كنت في السابعة عشرة، وطموحي أن أنشر في كبرى المجلات الأدبية كـ"الأديب". استعنت باسم والدي كبطاقة توصية. كنت أرسل مقالاتي بالبريد معتمداً على اسمه كواسطة دعم. وأعتقد أن ذلك كان نوعاً من الانتهازية". جواباً عن السؤال الثاني اكتفى بالقول "علاقتي بنفسي تراوح بين حمى الدقة وهدوء الاستهتار".
وسرعان ما حذف أنسي اسم والده عن توقيعه عندما بدأ ينشر نتاجه في "النهار" عام 1956. لكنه عتّم بالكامل على بواكيره التي نوّه بها قلم تحرير "المجلة" ولولا بعض النصوص التي نشرها وقتذاك في "الأديب" وغيرها من دوريات بيروت في أواسط خمسينات القرن الماضي، لتعذر على دارسيه الإضاءة على الفصل الأول من سيرته الأدبية.
الدالية الشقراء (قصة من الجبل)

بقلم أنسي لويس الحاج
بين التخت والباب كرسي مخلع وطاولة عارية إلا من طاسة وقنديل وذباب يدندن ويحوم. المنزل العتيق برحه أهله إلى بيروت منذ الصباح ولن يعودوا حتى دغشة الغياب... وربما ليلاً.
في السرير عجوز أبيض السالفين معصوب الجبين، بخرقة مشرّبة شيئاً من ماء الزهر البارد يجفف بها حمّاه وكأنما يشدّ على صداع رأسه ليخنقه. تغطية الحفة كثيفة بالرغم من الحر الاحمر المتلبد في الحجرة الفارغة الدكناء... كفّاه تحت مؤخرة رأسه وعيناه على تلة عالية تبدو من الباب، هناك، على كرم من الدوالي فيها، تعشعش فيه العصافير ويشتهي عنبه جميع القرويين...
هو، أبو وهيب غرس هذا الكرم، دالية دالية، غرسه في شبابه، في أرض صيّرها والده مغلالاً وأوصاه بأن يكمل عمله بعد موته. هذه التربة أعطاها من كيانه دماً وحياة وسكب في تراب جِلالها عرقه بلا تمنين فأعطته خيراً وبركة. وعاش لها، مثلما يعيش العاشق لحبيبته في أول الحب، وعاشت به ومنه. ولكن الفرق بين عشقه وعشق إنسانين، أن حبّه دام، ودام متزايداً أبداً لا يعرف الفتور. وأضحى، وهو في أصيل حياته، رفيقاً لأرضه يتروّق بصحبتها ويشرب من عينها ويريح خدّه على خدها الأسمر الطري، بل صارا صديقين شيخين أحلى ما يربطهما وثاق سرّي لا يفهمه إلا من أحبّ الأرض حقاً.
وأبو وهيب ووالده المرحوم ممّن ارتقوا بالعمل والكد الى الرزق الميسور. فنحن عندنا في القرية، وفي أكثر القرى اللبنانية، طبقتان من الناس: واحدة من "الأشراف" أصحاب الدور القرميدية الضخمة وبيوت "العقد" والأرزاق العديدة والوظائف الأولى في المختارية والبلدية والقروية، وواحدة من "شركاء" يتسلمون أرزاق الميسورين ويعنون بأبقارهم وحميرهم وغلاّتهم ويسكنون الدور الواطئة ذات السقوف الخشبية، والتي لا "علية" لها! وعائلة أبي وهيب كانت في أول الأمر تعمل عند مختار الضيعة وتعنى بأرزاقه وبمواشيه.
ثم أتت الحرب الكونية الأولى وفتك الجوع والمرض بالناس عندنا، وكان نصيبها قوياً، في المنطقة الجنوبية حيث قرية أبي وهيب فأصاب التشرد معظم القرويين وأفقرت الحرب كثيرين من ميسوري القرية ممن اعتادوا العيشة الرفيهة فاقتضاهم الضيق إلى بيع بعض الأرزاق ثم كلّها. وكان والد أبي وهيب يدخر بعض المال ولم ترغمه الحرب على إنفاقه لأنه كان وعيلته معتادين فظاظة العيش فأصابه من هذه الأرزاق كرم المختار الذي عمل عنده زمناً. ولم يتشرد ذوو أبي وهيب أيام الحرب على الرغم من أنه هو تزوج في أثنائها وعيل، مما اضطره إلى العمل مع والده في الكرم وتجارة القماش.
ذلك أن هذه العائلة عُرفت بعنادها في مقاومة البؤس وبقدرتها على تحصيل المال وادخاره... هذا أول ما بدر لي كتفسير لبقاء أبي وهيب في القرية أيام الحرب، ولكنني فهمت في ما بعد، أنه لم يعدُ كونه تأويلاً ساذجاً!
... كنا رفيقين، يوم قصدناه النهار الأحد، أنا وحبيبي... رحنا نردّ زيارة ولديه لنا في بيروت، ونسأله عن أخبار الولد الثالث، وهيب، في أميركا، جبل الدخان المريض... نهارها، رأيت أن "أتفاصح" أمام الفتاة فأُريها أنني فهمان... أحنيتُ رأسي قليلاً وتبسمت ابتسامة كانت كلها لرفيقتي، وقلت:
عمي، لماذا لم تهرب مع جدي ومعظم أهالي القرية في الحرب عندما اكتسح الجوع أراضينا وانتشرت فيها الأمراض وداسها عسكر العدو هدّاماً لا يرحم؟
فأجابني بدهاء وهو يرنو إلى دواليه بفخر وفي عينيه بريق لم أفهم إذ ذاك مغزاه:
- بسيطة! افترِضْ أن لك حبيبة أبت أن تذعن لك في أمر... فما تفعل أنت حيال ممانعتها...؟
قلت ببساطة، وعيني تذوب في حلاوتها...:
- أحاول بجميع الوسائل ان أرغمها على موافقتي...
- معقول! وإذا كان طلبك في أن تصحبك إلى بلاد نائية تموت عندها أصداء القذائف وصور المشانق والهياكل العفنة... وإذا كانت حبيبتك هذه لا تقدر أن تقوم لتمشي، إذا كانت مقعدة! باردة، لا تتحرك!!!
وهنا، لم أفهم قصده، فرحت أنظر اليه مدهوشاً أنتظر منه إيضاحاً، فواصل كلامه قائلاً:
- لا تعجبا، يا عروسي، فمعشوقتي من هذا الطراز، الطراز الكسيج الأصم الأعمى. إنها جامدة، لكل من لا يرى الحياة إلا في الحركة، وهي خرساء أيضا، للذين لا يفهمون الكلام من خلال العطاء. انظر هناك، يا بني، حيث الدوالي تنتصب مثقلة بالعناقيد الشقراء، حيث الأرض الكسيحة هذه، وهذا الخير، فإن هناك يعيش حبيبي، ولخيره هناك مواليد...!
كنت قد سمعت عن هذا الرجل كثيراً، فمن قروي قائل إنه يتكلم كالحكماء وآخر إنه "فيلسوف" فعلاً، وآخر إنه لو قيِّض له وتعلّم في المدرسة لكان أضحى نابغة عظيماً! فحسبت أولا أن هذا كله لغط وإعجاب أبله، وبقيت في اعتقادي هذا إلى ذلك النهار، فصرت من بعده أكرر زياراتي إليه، وحدي، ألعب معه بالورق، والطاولة، والداما، ونأكل عنباً، ونتحدث. وطالما كنت أسمعه يردد "وجد الانسان لأمور ثلاثة: العمل، والحزن والفرح، ولا يمكنه أن يحيا إلا بها... إلا اذا كان معدم الشعور...".
ويقولون لك بعد ذلك، إذا شئت أن تتكلم عن القرية في شيء كن بسيطاً كأبنائها البسطاء، ساذجاً كعاداتهم وكلامهم! أنا لا أرى أين البلاهة في هذا الكلام لقروي شيخ. ولا أرى فيه سذاجة ولا قذفة حروف لا تعي عمقها... بل أعلم، ويعلم غيري معي من رفاقي، أن أستاذاً لنا في المدرسة يعلم أن رجلاً يدعى راسكين كان يقول هكذا، أو مثل ما قال أبو وهيب... فما أشبهك، أبا وهيب، بذلك العالم الانكليزي تخطّ يراعته ما يمليه دماغه ويقول قلبه ما تعلمك أرضك...!!
واليوم أبو وهيب مريض. تنتابه نوب قلبية تكاد في كل مرة أن تودي بحياته... وهو راضٍ بكل ذلك لأن ولديه اللذين يفارقانه ثلاثة فصول بكاملها، بجانبه يرعيانه ويسهران عليه. وهو راضٍ أيضاً لأن أرضه بعافية، لا تشكو العوز في شيء. لقد تعب في حرثها هذه السنة وأهرق من قواه فوق العادة كأنه خشي أن يكون هذا العام آخر أيامه مع الأرض الطيبة، والمعول المتين، والثورين، والسكة. والحجرة المظلمة هذه التي رضي بها دون الغرفتين الأنيقتين العاليتين، لا يقرفه شيء فيها، لأنه تعوّد العيشة تحت سقفها المنغمس في ظلمة الأوساخ والعتمة. كل ما يريد أن يهنأ ولداه وعائلتاهما، وأن يصيّفوا وينبسطوا ولا يعكر عليهم الباعوض نومههم أو تقرص الدبابير أطفالهم أو العقارب... ويريد أيضاً أن يدعه ولداه يشتغل في أرضه فما يزيحانه بإلحاحهما عليه بالنزول إلى المدينة وبيع الأراضي والبيت و... و... ولن ينسى، في سعادته هذه، الرسالة التي تأتيه مرة كل سنة، من وهيب التاجر الكبير، في البلاد البعيدة...
* * *
كفّاه تحت مؤخرة رأسه وعيناه على تلة هناك، على كرم من الدوالي فيها، يبعثر أنظاره على ما يمكنه أن يبصر من العريش ويوقفها ملياً على عريشة انفردت قليلاً عن أخواتها وبانت للعجوز جليةً، عنبها أشقر، وورقها اصطبغ قبل الأوان بأرجوان خفيف. ومن حين لآخر، ينتفخ صدره الأسمر فيصعّد زفرة كئيبة وتتدحرج دمعتان كبيرتان على خديه الأجعدين، وما يحس بهما حتى تصلا الى الشفتين فيشعر ببرودة لذيذة ويستمرئ طعماً ناعماً فيه نكهة مالحة خفيفة... ويمضي زمن، وتبقى الدمعتان وتبقى مسحة الكآبة.
وفجأةً علا محيّاه احمرار قوي وتشنجت عروق رقبته وارتجفت شفتاه فأفلت يديه عن رأسه وانتزع بعنف أغطيته... ماذا لو يزور الكرم؟ لقد خلا المنزل من الفضوليين فلن يراه أحد خارج السرير ولن يرغم على التزامه في أثناء غياب أهل الدار. ودمدم: "تباً لهم من ظالمين! أنا ما بي؟ صداع بسيط هو في طريق الزوال.
ومع هذا يريدون ألاّ أخرج!! والكرم والدوالي أبداً أمام ناظري تسمّرني وتغويني... لكن لا بأس، ذهبوا وهذا الأهم. لهم المدينة ولي كرمي، أريد أن أفعل به ما أشاء...".
كان يعلم أن جني العنب قد حان وأن ولديه وأحفاده سيقصدون هذا الأحد إلى سوق الضيعة ليبتاعوا سلات جديدة، أو يشترونها من المدينة، هذا المساء. اذاً فهو لن يرى عناقيده عن كثب إن لم يسارع الآن إليها. وأمامه ساعات فراغ... وهو يريد أن يبذل جهد الجبابرة ليصل إلى فوق، حدّ البيت، على التل الصغير فيعيش في اليقظة التي كانت تراوده دائماً في أحلامه المتشوقة...
وتسلل من التخت. فأحس بكل شيء يدور حوله، لكن الرغبة كانت أقوى من ضعفه البدني، فتمسك بالكرسي المخلّع حيث هجعت ثيابة السوداء وهجعت عليها الحفة من غبار. وارتداها بتعب. ثم تراءى له أن قواه تخونه وهو يفتش عن عصاه خلف الباب، لكنه ظل واقفاً ولم يهو، بل كان يتمايل كالسكران كلما حاول أن يخطو خطوة. وكانت رجلاه ترتعدان وقسمات وجهه بادياً عليها الشحوب والعياء، فما إن ظهر على الباب حتى بهر عينيه نور ساطع ما كان ليعهده، بل كاد يُمحى من ذاكرته بتاتاً في ظل الجدران المعتمة وفي السرير في أثناء الثلاثين يوماً التي قضاها فيه... ومشى نحو الخارج محرّكاً خطواته بطيئة. حرّك القدم اليمنى قليلاً وعينه على الأرض ثم تقدم بالأخرى رويداً رويداً، كالطفل الخائف يتمرن على المشي وفي نفسه شعور دفين مبهم بحدث ينتظره ويعرف أنه عظيم.
ولم يجد بداً من الجلوس على درجات المدخل فأحسّ بالشمس الباسمة تدغدغ رمشيه وتهدئ من روعه فيقوى على النهوض والمشي بخطى قصيرة كأنه يزحف. ومرّ بساحة الدار فأفزع الدجاج، ورغبة منه في ألاّ يلتقي أحداً شرع يسلك درباً وعراً طويلاً بينما كان بوسعه أن يصل إلى الكرم بممرّ قصير سهل العبور. وزوّدت حمّى رغبته عضلاته البالية بطاقة فائقة: أن يرى داليته المصطفاة، فذلك يؤهّله لأن يقهر الموت.
... وانتهى إلى آخر الممر فأجاز نصف الطريق. على الهضبة المجاورة، رأى قرويين يعملون. هؤلاء كلهم يعرفهم، ويعرف أيضا أنهم الآن ربما يفكرون به، برنّة معوله المفقودة، بالعتابا الحنونة التي كان يغنّيها مجروحة، حزينة، ضعيفة... فوق، رأى الصنوبرة الهرمة الحامل فأيقن أن الدالية لم تعد بعيدة! فتنفس الصعداء وبسم بسمة الفوز.
كانت قريته الجنوبية تمتد على أخضر ندي، صامتة، آمنة، تهجع... وتراءت لأبي وهيب تحت تأثير وهج شمس الخريف، سيقان الأشجار بين المنازل، تتهاوى أعناقها بخفة ثملة بعطر في الهواء يحبّه الشجر، وتحبّه الغابة، ويحبّه أبناء الأرض... وعن يمينه، على مدة نظر، كان جدول منقوش بوهج الذهب الباهت تتراقص عليه بطيئة غمامة مغناج. كل هذا رآه بسرعة خاطفة، فقد صعد نظره حيث الدالية الشقراء، قرب الشمس تماماً، عند الآلهة.
وشعر بخفة جديدة، برشاقة الشباب تعاوده، وأخذت يده اليمنى تشدّ على عصاه بعصبية غريبة واليد الأخرى ترتعش وتمتد عنيفة نحو المرمى القريب بينما ملأ قلبه الفرح وعلت ثغره ابتسامة قريرة. عندما صار على خطوات من العريشة هوى بغتة إلى الحضيض، ولم يحاول النهوض فبلغ إلى تحت دالتيه زحفاً على بطنه الضامر تارة وعلى ركبتيه ويديه طوراً. وبدأ يتنفس بسهولة وهو ممتدّ بين صفّين من جفنات العنب تدغدغ قلبه نفحة من سعادة لا توصف.
ولم يستند الى جذع العريشة خشية أن يرضّها. فأمرّ بيديه المرتعشتين على الأوراق المحمرة يتلمس بنشوة ما بعدها نشوة العناقيد المتدلية ثريات من ذهب، من فضة، من بلور، من عقيق، حقنت بالشفق الدامي ولون القمر وشعور الليل المسترسلة... سوداء، ويمر عليها بشفتيه المكتظتين، أو يكاد يمر، فيتحسسها بنفسه المتقطع الساخن ويعود فيمسح منها بحذر آثار رهج أو كبريت... وكان يتمتم كلمات بلهاء، بل كان يهذي هذيان المحموم المنازع وأمام عينيه قبل النهاية بثوان، حلة جميلة، فيها من الأمل لون ومن النشوة لون ومن الحب لون ومن الفوز لون!
... وبدأت الشمس الكبيرة تنام وراء المنحدرات مضفيةً على العنب حبّات ياقوت أحمر. في ظل الدالية الحلوة، الشقراء، في ظلها العطر الموشّى بخيوط صفراء، تمدد أبو وهيب...
كانت التربة الرطبة تلفظ شذى قوياً كعطر النبيذ الجديد، اللذيذ.
وكان أبو وهيب يسكر بهذا العطر. وألحّت عليه الرغبة في أن يتذوق من عنبه شيئاً، من مواليد عريشته الحبيبة التي رعاها بحياة وأحبّها من قلبه، وعشقها، لأن ابنه التاجر، وهيب ذلك، غرسها بيديه طفلاً، وأكل عنقودها الأول، يوم حملته يد عفريت وطارت به إلى بعيد... فأخذ يلتقط "الخصل" ويأكل.
وظنّ أنه ما زال في خريف صباه إلى أغنيات القطّافين وإلى جلبة العربات تنقل العنب المقطوف إلى المعصرة تحوّله نبيذاً يعتق ودبساً طيباً.
وبغتةً انطفأت الشمس وانتصب العجوز مذعوراً، فتوّجه شعاع أخير بإكليل أحمر، وهوى بلا أنة على الورق، ونام معه والعنب يتدلى فوق جبينه، وعينيه...
يد انطبقت على عنقود، وشفتان على حبة شقراء!
("الأديب"، آب 1955)

ساقط
ذلك المساء كانوا ثلاثة شبان: واحد مبتدئ بالتجارة، وطالب في مدرسة، وآخر داعس على عتبة الجامعة الكبرى. وكانوا يتحادثون في كل ما يخطر لهم من حوادث أثيرة إلى قضايا عائلية وعاطفية إلى ما ينتظرهم غداً عندما ينزلون إلى الدنيا بمسؤوليات ومهام وجبال من الهموم على المناكب.
فالأول، عادل، كان يقول إنه سيواصل دروسه سنة أخرى فقط فينصرف إلى التجارة ويعمل في شركة ما فيؤمّن مستقبله ومستقبل أخويه الصغيرين؛ فإن له أخاً يكبره يكاد دخله لا يفي بحاجاته الفردية... وهو ميّال إلى الانكليزية لأنها سهلة الادراك، كما يقول، معممة أكثر من سواها، ومتداولة كثيراً في أيامنا؛ وبكلمة، لأنها لغة تجارية من الطراز الأول. وهذا يهمه طبعاً لأنه متعلق بعمله.
أما الثاني، ناجي، فهو طالب في مقتبل العمر يهوى الكتابة بطبعه ويحلم بالشهرة الذائعة وبانتشار اسمه وتآليفه في كل صقع... وهو حاضر البديهة، ممشوق القامة، غريب الأطوار... وسأله أحد الإثنين عما ينوي فعله غداً، فأجاب:
- هذا ما لم افكر به بعد... ولا حاجة بي الآن اليه، فالأيام طويلة بيني وبين المسؤوليات، وهي تقلب كل شيء وتأتي كل ساعة بجديد.
إنه على حق. الأيام طويلة تحميه من الأعباء القاسية، وما زال طليقاً، لا زوجة تربط رقبته بقيد ولا عيلة تحني ظهره نفقاتها ومشاكلها... ما زال في كنف والديه ينعم بالدفء وبنسيانه مرارة الحياة.
كان الليل قد لوّح بعينيه على الشفق الأحمر، ودغدغ هدباه الشبابيك، وكانت تمر من حين الى آخر بالنافذة عندهم في المنزل، أزواج الوطاويط العشواء سريعة تكاد في رفيفها أن تضرب يد الرفيق الثالث، فؤاد، المدلاة الطويلة...
وسأله عادل:
- وأنت، غداً نتيجة امتحانك النهائي... ماذا في رأسك عن المستقبل؟
- لا شيء... صور محطمة، مهمشة.
- كيف! أما تنوي مواصلة عملك؟
- بلى...
- اذاً...؟
- لكن الجيوب يا عادل، الجيوب فارغة... أبي عنده خمسة أطفال يجب تعليمهم... وأنا الكبير. وغداً يُقال أبي من عمله... وأجرة البيت والكسوة، والمدرسة، والمصروف كله...؟ مستحيل!
- اذاً لن تكمل... حرام! قالها ناجي.
- لا تقس عليّ، أرجوك، اعرف أن هذا غير لائق بي. ولكن الحياة، هي، لا تعرف. سترى أنني لن أترك الثقافة، سأدرس الفلسفة وحدي، ثم أدرس ليسانس...
- ليسانس...؟
- ... في الأدب.
- هه!! وماذا تفيد؟
- قد أصبح صحافياً... أديباً. أو معلماً في مدرسة.
- وكيف قلت إن في رأسك صوراً محطمة عن الغد؟ إنك تعرف ما تريد وتسعى اليه.
- أعرف، أجل؛ إلا أن المستقبل لا يزال في دماغي. أخاف منه. لا يستقيم في مخيلتي. لا أدعه يستقيم. أحطمه كلما حاول.
- لماذا تخاف؟
وحدق به ناجي وهو يسأله. حدّق به بعينيه العميقتين السوداوين، يتحداه وكأنما يقول له "كفى تعظيماً لآرائك، تجعل من حياتك مأساة كي نجلّك، وأنت فارغ مدجل!".
كان فؤاد يفكر بذلك. فقد فهم النظرة هكذا، ولطالما رأى هذه الثقة في عيني ناجي خلال أحاديثهما... يحسبونه ممثلاً!!
- في حياتي عامل لا يخوّلني القيام بمسؤوليات ضخمة... في حياتي عقدة.
- دعنا من الألغاز! اذاً تحب الكتابة. أجل، نعلم ذلك. ولكن هل ستظل تكتب على الرغم من توسط الحال؟
- من الفقر، قل... أجل يا عادل، سأظل أكتب.
- وتكتب ماذا؟
- كل ما يريده قلبي ويثور به دمي.
دقيقة صمت.
ثم نظر إليه عادل وأخذ يصعد بنظره من رأس فؤاد إلى قدميه مدهوشاً، وقال:
- أما تأكل؟
- قليلاً، لماذا؟
- أراك نحيلاً جداً يا صاحبي. كل جيداً ولا تسهر. أما يقول لك والدك شيئاً عن كتاباتك؟
- ينهاني. وأعرف أنه على حق...
- اذاً لا تشغل فكرك بعد الآن بالكتابة. ما زلت فتى. وأنت كما تقول، مقدم على خوض الحياة. أمامك ذووك، ولإعانتهم تلزمك العافية والبدن الصحيح. لا ترهق جسمك كثيراً... أنا ابتدأت مثلك أكتب، ثم رأيت أن ذلك يلهيني عن دروسي، فخلّيت القلم... هذا أجدى... خصوصاً في مثل حالك.
- أنت حقاً قوي! أقولها لك صادقاً، فإما أن تكون مغرماً بالحرف عابراً، وإما أن تكون جبّار الإرادة الى هذا الحد، تدفع ما لا يجديك نفعاً، ولو آلمك ذلك، وتنظر الى الحياة واقعياً غير هيّاب.
- لا بل أنا الثاني. وسترى أني متى مكّنتُ أشغالي وصار لي معاش عال سأعود أكتب وأنشر وأهوى القلم.
- أحسدك!
- على مَ؟
لأنك تقدر أن تتخلص منها.
- منها...؟
- الكلمة...
- وأنت يا فؤاد... أنت تستطيع أيضاً! جرِّب...
- لا يا أخي. ما أكتبه يعيش في عروقي، يسهر معي الليالي، ويأكل خبزي القليل الناشف... أنا محشش.
- أوهام!
- أنا محشش، أقول لك. الأدب في دمي كريات بيضاء تأكل الحياة مني لأنير... إنه أفيون في أنفي... بغي ساحرة على ركبتي. أعبدها. تستنزف مني حمرة الخدين وتعطيني حمّى ترتجف في أعصاب الحروف، على أوراقي.
كانت عروق رقبته تنتفخ وعيناه تلمعان ببريق جنون والحمرة تعلو شفتيه الشهائين... كان يرتجف... وكان يخيّل لصديقيه أن الشعر في رأسه أيضاً يرتجف.
- إذا مرّ يوم وما كتبت، أختنق... أنا لست مغروراً، لا، اعلما ذلك. لكنني عاشق من دمي. وعشق الحرف مميت، للذين يفهمون الحرف نوراً في الطريق.
وقال ناجي:
- معك حق. وهذا ما أشعر به أنا احياناً. كأن فيّ شيئاً يجب إفراغه، وإلا ضاق صدري.
وأعقب عادل باهتمام:
- لكن يا فؤاد، صحتك لا يجوز إهمالها. أهو من دواعي الكتابة أيضاً أن يهدّ الانسان بدنه؟
- أنا أدفع ثمن الكلمة...
كانت الوطاويط ما تزال تلعب أمام نافذة الثلاثة، وعلى الشرف المجاورة أناس يضحكون ويأكلون بزراً ويتكلمون على الناس...
- أحب الوطاويط.
وسها فؤاد دقائق ثم نظر إلى رفيقيه فرآهما مطرقين:
- بماذا تفكران؟
- بالشوك، قال ناجي.
وقال عادل:
- بالمستقبل... دعنا نذهب الآن يا فؤاد، فلعل لديك عملاً نلهيك عنه.
- الى اللقاء.

* * *

يطلع الصباح على الناس بأفراح وأعياد وبهجات، والصباح في منزل فؤاد لم يطلع ذاك النهار بالضوء: كان تعباً، منهوكاً، مريضاً... والصباح ذلك، لم يكن في قبضته خير ولا في فمه ضحكة... كان عابساً، يحمل باليد مخرزاً لئيماً وباليد الأخرى أغلالاً من حديد.
ومشى إلى قلب فؤاد في سريره الضيق، يحمل له شؤماً، يقول له، "رسبت في الامتحان... ساقط!"
"ساقط... ساقط...".
لا، بل الساقطون من يخفقون مع نفوسهم في العراك مع نفوسهم، يحاولون قهر العوسجة فيها، ويرتدّون مقهورين.
"ساقط... ساقط...".
لا! لا، لست ساقطاً! أقول لكم في قلبي جمال عظيم ينتصر، أنا قوي قوي كشمشون، دعوني أشرح...
"عيب.. يا ذلك!".
أوغاد! هذه الحكاية، من قصّها؟ تضحكون من أنفسكم، ومن الناس أيضاً، وتجعلون من الأبله منارة، وتقولون من لا يهتدي به ساقطاً يكون ومخذولاً وناقصاً!
"لا تثر... انتهى كل شيء... ماذا سنقول لأصحابك... لعادل، وناجي، ورياض؟ كيف ستقف أمامها، هذي التي تعشقها بصمت، وتقول لها في أوراقك الصفراء، يا كافرة؟! وأمك... أبوك الطيب الحزين... إخوتك الصغار الذين كانوا البارحة يرنّمون انشودة فوزك؟ انتهى كل شيء... كل شيء...".
("الأديب"، تشرين الأول 1955)

الحفلة الأخيرة
بكت ليلتها حتى الشهيق وما عرفت النوم حتى وجه الصبح. كان يوسف، زوجها، قد ضربها عشية البارحة ونزل فيها لبطاً وركلاً ولكماً فأدمى وجهها وترك في ذراعيها وفخذيها وظهرها بقعه السوداء الواسعة... مثل كل مرة... عند كل سكرة ونرفزة... ينخبط دمه لأقل صدمة، لقشة كلام، فتجحظ عيناه، ويفوه بكلمات بلهاء مثل وجه أمه، ويضرب الكراسي ببعضها ويرميها أرضاً، فتكون مقدمة لضرب الزوجة، ومقدمة مهيجة مخيفة.
ليس يشكو ضيقاً في المادة. مهما قيل في سكناه بيتاً كالمقابر. فهو ملاّك قدير وموظف لا يقل دخله الشهري عن الست مئة ليرة. ومأكولهم كذلك، لا ريب في فخامته، وملبوسهم، بقدر الامكان، جيد، وبالنسبة لأهل الحي، فاخر فاخر.
إلا أنه هو، وقح... وقح و"مفتول".
ولم يكن ليثنيه عن عادته القبيحة المجرمة كون ابنته شابة جميلة، وبرسم الزواج أيضاً، وكونه أباً لثلاثة صبية كبيرهم بلغ منذ أسبوع السابعة عشرة وأضحى أطول من أبيه... ولا كذلك كون حماته تعيش معهم في البيت وتشهد بأمّ عينها استشهاد ابنتها بعد كل علقة سكر، ومعركة كراس.
يوسف هذا صنع نفسه بنفسه. والده عمار بسيط يقضي نصف وقته مريضاً. ضاقت يده أيام الحرب فأخذت زوجته تعمل عند الناس، غسالة، خبازة، مسّاحة، وتعمل كل شيء أحياناً، وتكون صالحة لكل عمل، في سبيل الأولاد الشبان الأربعة، الذين يضيرهم جداً أن يطلعوا بدون حرف. عوّدتهم على الكفاح الشخصي، والعمل الطويل، فنشأوا أربعتهم في كرامة وصمت الجيران، وتدبروا مستقبلهم بدون وسيط – كما تشهد الأم، وعينها دامعة – فهذا يعمل عند مهندس، وذاك يدير محل تجارة، وذاك صاحب مطعم، وذلك، يوسف، شبه "فنان" يعمل سكرتيراً لأحد أصحاب دور السينما.
لعل الخمرة عرفت طريقها إليه بسبب بيئته الماجنة في سوق العمل، المستهترة بالقيم، أو لعلها كسبته على اثر انفراده في المنزل، في ساعات الفراغ وهي كثيرة في عمله هذا، عندما كان يغيب في تأملات نائية صامتاً كئيباً غريباً، راعباً بسحنته القمراء وزجاج نظارتيه اللماع، لا أحد يمكنه التحدث معه، فيفهمه، ويناقشه، ويلذّه كلامه، إلا زوجة عبلة لا يعنيها من وجودها سوى أن تحبل وتعلك "وتصمد". فلم ير بداً أول الأمر من كأس بيرة، مع حبّتين فستق يقضي معها السهرة في فناء الدار... ثم صار الكأس قنينتين. والمازة صحون بندورة وبزورات وخيار... ثم صارت البيرة لا تكفيه... العرق، العرق وحده يكوي الكبد، ويلذّ، وينشي...
وكانت مراحل مع العرق، بطحات برمتها تموت عند نهاية كل أسبوع في سلة المطبخ. عقب ذلك سنة فتزاوج العرق والبيرة، تزاوج العقرب في رأسه والأفعى.
وزوجته، مريانا هذه، المنكودة الحظ، التي راح شؤمها يفزعها من بلادها سوريا، من باب توما الحي الضيق في دمشق، لتجيء الى هذا الجحيم تتعذب بدون ذنب – هي وأمها التي صارت أحطّ من خادمة، وجارية – بدون ذنب، أجل، اللهم إلا بلاهتها وفراغ دماغها مما يسلّي أمثال بعلها الكبير الدماغ، صارت بعد طول معاشرة منقولة كزوجها، وكزوجها أصبحت، هي المرأة العبلة الغشيمة، تحدثك في كل شيء وتقحم نفسها في كل مجلس تحضره فتروح تؤيد هذا وتشرح عن ذاك وهي تخنخن وتلكن وتهفت – خصوصاً في غياب يوسف وغياب عينه الساهرة الموجعة الآمرة – وعندما يكون زوجها في مجلس ما توافقه في كل شيء حتى ولو قال إنه منذ ساعة كاد يصبح رئيس دولة.
وتزورهم في البيت، أي وقت شئت، فلا تصدمك قلة تهذيب ولا تعود بخفّي حنين، مكسوفاً. لكن تشعر برهبة في الجو، بخوف دائم، بقلق قاتل، بضيق يقبض على العنق ويخنق. لا أحد يستطيع أن يتكلم بما يريد، أن ينشرح... الزوج بالمرصاد... عيناه تقدحان لؤماً في تحفزهما... الزوجة خائفة من هفوة تصدر عنها وتكون شؤومة... الأولاد مكبلون... الكلبة ساكتة، هاجعة، والبيت واطئ، مظلم... والصراصير فيه كثيرة... والكلام جواهر...
هذا في النهار. أما ليلاً، فنادراً ما يكون يوسف هادئاً. وعندما يأتي زوار ليلاً ويكون هو في حال مخجلة، تحاول مريانا وأمها بشتى الطرق أن تحافظا على اتزان السكران أو بإتيان شيء يفهم الزائر على اثره أن وجوده غير مرغوب فيه... واذا لم تنجح أية وسيلة من هذه، قبعت الزوجة في زاوية متوارية، خائرة تحت جبال من الخجل والخيبة والفضيحة، وهربت الحماة إلى المطبخ "تبرّ" وتصنع القهوة، وتقضي حياتها بين البابور والمزبلة و"لكن" الغسيل والممسحة، لكأنها بدورها ممسحة.
وليست هذه العيشة بأمر عادي. إنها لا تطاق. ولا يتحملها إلا الحمار والجمل العتيق المحنك. وهكذا مريانا، إنها دابّة من الطراز الأول، على الرغم من صغر أذنيها وصباحة محياها ودورة الثديين... تأكل القتلة في الليل، ويصبح النهار، فيلفاها طريحة حد زوجها، تضاجعه هذيانه وحمّاه... فكأن فيه جاذبية لا تقاوم... لا، بل فيها مستنقع لا يمتلئ، يجب إرواؤه دوماً وأبداً...
إلا أن الليلة غير ما هي في العادة... الليلة الماضية فوق الركل واللبط واللكم، أضاف يوسف ضرب العصا، عصا الخيزران السميكة، وطرح الزوجة أرضاً، وقعد عليها، وبدأ حملته الطويلة الشاقة اللذيذة.
- أمك... أبوك... بنت الفاجرين: أمك قحباء، أمك كلبة، حمارة، بغلة...
وأمها تنصت من وراء الباب، في المطبخ، وترجف كضياء الشمعة.
ولم يكن يوسف يشتم كثيراً قبل ذلك. كل ما كان يقول: دينك، حرامية، بنت الحرامية. اليوم تغيّرت الحال... أضاف إلى قائمة الشتائم سبّات غليظة معبرة... وتساءلت الحماة: ما عساه صنع الليلة وأثاره الى هذا الحد؟ لعله شرب فوق العادة... لعله سمع من "الخواجا" عبارات قاسية، فجاء يتشفى بمريانا، وبأمّ مريانا.
لا، ليس هذا...
لعب القمار... الليلة... حتى انبعجت جيوبه واصفرت... وما كان قبل يلعب البوكير ولا البكارا ولا الرامي... الليلة سقط في التجربة... كان قد قبض أجرة البيت: مئتين. فذهب مع الرفاق وظل معهم حتى نصف الليل. فعاد وحيداً، فارغاً، جيوبه منبعجة من الطفر.
وشرب، في نصف الليل، بطحة كاملة، ممزوجة بالبيرة. وسهر حتى الثانية، على بطن زوجته، ينزل ضرباً بالعصا، وبيده الزرقاء.
لم يكن يضرب عن لا وعي. كان ينتقم من شيء، من البلاهة، والتفاهة، والفراغ، الجاسمة كلها في المرأة تحته، في عينيها الواسعتين، وكلامها الأجوف البليد.
بكت ليلتها حتى وجه الصبح، وما نامت، على غير عادتها، فالآهات تتلو الآهات، والتفكير متواصل: "ماذا سيحل بي؟ هيه، يضربني؟! سنرى... وجهي، عدت لا أعرفه... يداي مكسورتان... ظهري أزرق، كله بقع. بطني ممعوس، مبعوج، سنرى!! هذه المرة، فيّ أو فيه...".
وتبكي... كأن دموعها ذلك الليل انغرفت من بحر... كأن شعورها فاض، ورهف، وأثبت وجوده بعد كبت، وبلاهة سنين بكاملها... كأن حجراً وقع في هوة رأسها وقلبها السحيقة.
من زمان والضيق ينتاب صدرها، فترتمي في التخت تصرخ ألماً، وتتمطى كالبهيمة... قال لها الطبيب إنه الربو... الزعل يضنيها ويجرّها الى الموت... وما نفع كلامه شيئاً. لم يجرّ إليها الموت غير يوسف، سكره، قماره، عربداته.
ستذهب إلى الطبيب، لا سيأتي هو إليها، وتدلّه على يوسف، وتخبره عنه. سيقول للبوليس فيقبض هذا على المجرم وتكون الخاتمة...
أجل...
وأفاق يوسف بغتة وآثار السكر على وجهه. وسألها لماذا تبكي. فلم تجب... فاقترب منها ليرى، ففهم كل شيء، فهم أنه وحش، ومجرم غير عادي، وجاموس...
ودنا منها أكثر فأكثر، متملقاً إياها حتى صار على حديد التخت... فأخذ يديها بيديه، وراح يكلمها. ومضى أسبوع، فشفيت مريانا أو كادت. وخلال ذلك نسيت أن لها زوجاً سكيراً يضربها بعد كل سكرة، ومعركة كراس، في كل ليلة، حتى يعميها.
إلى أن كان مساء... مساء فرح بهيج... فجاء يوسف واقتعد الكرسي في فناء الدار، وأمامه قنينتان، واحدة حمراء وواحدة بلا لون، وفرش الطاولة بصحون الخيار والبندورة والبزورات، متأهباً للحفلة، وقال لمريانا بنبرته الآمرة القاطعة:
- صار لنا زمان لم نعيّد... تعالي اجلسي يا امرأة!
("الأديب"، تشرين الثاني 1955)

لبنان: جان داية

أنسي الحاج رحل الشاعر والكاتب الكبير انسي الحاج بعد صراع مرير قاس مع المرض كان اقعده قبل نحو شهرين. الشاعر الكبير الذي كان من اعمدة "النهار" وصاحب باع طويل في النهضة الشعرية والثقافية اللبنانية والعربية ترى "النهار" نفسها مفجوعة بفقده اسوة بكبارها الذين فقدتهم وتتقدم من عائلته ومن سائر محبيه ومدمني ادبه وشعره و"كلماته" ومن الزميلة "الاخبار" ومن جميع اللبنانيين بالتعازي الحارة بفقد هذا المعلم الشعري والصحافي الكبير.

أنسي الحاج في سطور

من آل الحاج من بلدة قيتولي، قضاء جزين، الجنوب. مولود في بيروت في السابع والعشرين من تموز 1937. تلقى علومه في مدرسة الليسيه الفرنسية ثم في معهد الحكمة في بيروت. بدأ ينشر وهو على مقاعد الدراسة، مقالات وأبحاثاً وقصصاً قصيرة في مختلف المجلاّت الأدبية في منتصف الخمسينات، وكان على اهتمام خاص بالموسيقيين الكلاسيكيين. تزوج في العام 1957 من ليلى ضو، ورزق منها ندى ولويس. احتفط بشعره ولم يبدأ بنشره إلاّ في أواخر الخمسينات. بدأ العمل في الصحافة في العام 1956 في جريدة "الحياة"، ثم في "النهار" مسؤولاً عن القسم الثقافي، ابتداء من 9 آذار 1956، العدد 6209. وتولى كذلك مسؤوليات تحريرية عديدة في "النهار" وأصبح رئيس تحريرها منذ العام 1995 إلى أيلول 2003. في العام 1964 أصدر "الملحق" الأسبوعي لـ"النهار"، الذي ظل يصدر عشر سنين حاملاً مقاله الاسبوعي "كلمات كلمات كلمات". مقالاته، بين "النهار" و"الملحق" ومجلات لبنان الأدبية، لا تحصى، جمع بعضها في ثلاثة مجلدات صدرت عن "دار النهار" في العام 1988. أشرف على اصدار "النهار العربي والدولي" في بيروت. شارك في تأسيس مجلة "شعر" وفي اصدارها، وكان أحد اركانها منذ 1957 حتى توقفها في عهدها الاول، ثم في عهدها الثاني. وفي اعدادها الاولى، ظهرت له كتابات نقدية ولم ينشر قصائد. أول ما نشر قصائد فيها كان العام 1958. وكل قصائده المنشورة هي قصائد نثر. في العام 1960 ظهرت مجموعته الشعرية الأولى، "لن"، "دار مجلة شعر"، مع مقدمة كتبها بنفسه في موضوع قصيدة النثر خاصة والشعر عامة. الحرب الأدبية التي أثارتها "لن"، اشترك فيها الشعراء والكتاب من العالم العربي كله، وكانت حداً فاصلاً في تاريخ الشعر العربي المعاصر. في العام 1963 صدرت مجموعة "الرأس المقطوع" عن "دار مجلة شعر" في العام 1965 صدرت مجموعة "ماضي الأيام الآتية" عن "المكتبة العصرية". وفي العام 1970 صدرت مجموعة "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة" عن "دار النهار للنشر". في العام 1975 "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" عن "دار النهار للنشر" وفي العام 1983 أعاد طبع كتابيه الأولين: "لن" و"الرأس المقطوع" عن "الدار الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع". أصدرت له "دار الجديد" دواوينه الخمسة الأولى في العام 1994، وصدر له ديوان "الوليمة" لدى "دار رياض الريس" في العام 1994، وبالفرنسية في باريس لدى "دار أكت سود" في العام 1997 أنطولوجيا "الأبد الطيار" التي أشرف عليها وقدّم لها عبد القادر الجنابي، وأنطولوجيا "الحبّ والذئب الحب وغيري" في الألمانية في العام 1998، ترجمة خالد المعالي وهربرت بيكر. صدرت له "خواتم 1" في العام 1991، و"خواتم 2" في العام 1997 لدى "دار رياض الريس". في نيسان 2007 صدرت أعماله الكاملة في ثلاثة مجلدات لدى "هيئة قصور الثقافة" في القاهرة.
في الستينات ساهم في إطلاق الحركة المسرحية الطليعية في لبنان من طريق الترجمة والاقتباس، وكانت ترجمته لمسرحية "كوميديا الأغلاط" لشكسبير بلغة حية ومتحركة (مسرحية) وفصحى، همزة وصل بين الجمهور والمسرح الجدي، قديمه وحديثه. لكن نجاح هذه اللغة، ظهر، أكثر ما ظهر، مع ترجمة لمسرحية "الملك يموت" لاوجين يونسكو في العام 1965. ترجم ايضاً للفرق المسرحية اللبنانية (بعلبك – منير أبو دبس – برج فازليان – شكيب خوري – روجيه عساف – نضال الاشقر...) مسرحيات "العادلون" لكامو، "القاعدة والاستثناء" لبرشت، "احتفال لزنجي مقتول" لأرابال، "نبع القديسين"، "رومولوس الكبير" لدرونمات، و"الآنسة جوليا" لسترندبرغ.
إلاّ أن أقوى اندفاعاته، على صعيد المشاركة في الحركات الفنية، ربما هي اندفاعته مع الأخوين رحباني، اللذين كان بدء معرفتهما الشخصية به في حزيران 1963، على اثر مقال كتبه عن فيروز، رافضاً مبدأ المقارنة بين صوتها وبين أصوات مطربات أخريات، معتبراً أن في صوت فيروز، فوق الجمال والبراعة، "شيئاً أكثر" كما سمّاه، هو العامل الغامض الذي لا يستطيع أحد له تفسيراً، والذي سيظل يحيّره، كما يظل كل "شيء أكثر" في الخليقة يحيّر العقل والتحليل. الواقع أن هذا المقال لم يكن الأول الذي كتبه أنسي الحاج عن فيروز. ففي العام 1956 كتب في مجلة "المجلة" مقالاً عنها بعنوان "فيروز".
ترجمت له قصائد عديدة الى الفرنسية والانكليزية، واستوحى بعض المسرحيين قصائد له فأخرجوها (منهم يعقوب الشدراوي وريمون جبارة)، كما استوحى بعض الموسيقيين قصائد له في أعمال موسيقية.
وكثيرون من الرسامين اللبنانيين والعرب (بول غيراغوسيان، رفيق شرف، منير نجم، جان خليفة، وضاح فارس إلخ...) اقترنت رسوم لهم بقصائد له.

تحت حطب الغضب

ما عدت أحتمل الارض
فالأكبر من الارض لا يحتملها.
ما عدت أحتمل الأجيال
فالأعرف من الأجيال يضيق بها.
ما عدت أحتمل الجالسين
فالجالسون دُفنوا.
ريشةٌ صغيرة تهبط من عصفور
في اللطيف الربيع
تقطع رأسي.
مُتعبٌ ومليء متعبٌ وجميلٌ متعبٌ تحت حطب الغضب
لأني بلغت المختار
لأن امرأة ربّتني على ترابٍ شفاف
لأني عثرتُ على الحدود
فتحتُ الحدود.
لأني وجدتُها وألغيتُ الحدود.
لم يعد لي صبرٌ على من ورائي
ولا على الأحياء السابقين.
عندما حصلتُ على الأكثر من أحلامي حصلتُ على الأكثر من الصحراء
وبعدما صعدتُ العرش والشجر الخالية منه الدنيا
حواني شجر البَرْد
ولم أتحكم لكني تعبت.
ولن يبكيني أحد
حقاً
ولن يرتعشوا لغيابي
حقاً كما كنت حاضراً
ولن يستوحشوا مثل برج
ولن يموتوا عليّ موتاً يضاهي حياتي.
أخذتُ ما يؤخذ وما لا يؤخذ وتركتُ ما يُترك وما لا يُترك
وإني خرجت
وامرأةٌ باقية بعيدة
تكلّمني تلامسني
وكم أرغبها وكم أيضاً وراء الموت!
والى المهتمين:
أنا أعظم مَن عاش
لأني أعظمكم في الأُنس والمنفى
بل لأني أعظم كائن عاش
كالنسر في البَصَر كالحبر في العمى
عظيماً في الصيد وفي الغفلة
وشاهدتُ نجمتي فأخبرتكم خلاصتها
بسرعة النمر وبياض الحمام
حتى تعبت وغضبت
لأني تجاوزتُ الفنون والعلوم
واختصرتُ ظاهر العقل وباطنه
وملكتُ العَصَب وبدّدته
وكسرتُ الصاروخ والروح
ثم اقترفتُ بكلامي ذنب التواضع
لأني فكرتُ أنه العالم يستحق التواضع
ووقع كلامي في شلاّل
وهو نادم غير نادم
لكنه يعلن لكم
كلامي يعلن أنا الكلام
منذ قليل ومنذ كثير
أنا الكلام وآخر الكلام
وأول ضرب على صدر الحياة
وسوف تفتح لكم الحياة
سوف تفتح الخزائن
سوف تفتح الحياة
ولن أكون بينكم
لأن ريشة صغيرة من عصفور
في اللطيف الربيع
ستكلل رأسي
وشجر البرد سيحويني
وامرأة باقية بعيدة ستبكيني
وبكاؤها كحياتي جميل.

ماذا صنعتَ بالذهب
ماذا فعلتَ بالوردة

قولوا هذا موعدي وامنحوني الوقت.
سوف يكون للجميع وقت، فاصبروا.
اصبروا عليَّ لأجمع نثري.
زيارتكم عاجلة وسَفري طويل
نظركم خاطف وورقي مبَعْثر
محبتكم صيف وحبيَّ الارض.
مَن أُخبر فيلدني ناسياً
الى مَن أصرخ فيعطيني المحيط
صار جسدي كالخزف ونزلتُ أوديتي
صارت لغتي كالشمع وأشعلتُ لغتي
وكنتُ بالحبّ.
لامرأة أنهضتُ الأسوار فيخلو طريقي اليها
جميلة كمعصيةٍ وجميلة
كجميلة عارية في مرآة
وكأميرة شاردة ومخمَّرة في الكرم
ومَن بسببها أُجليتُ وانتظرتها على وجوه المياه
جميلة كمركب وحيد يقدّم نفسه
كسرير أجده فيذكرني سريراً نسيته
جميلة كنبوءة تُرسَل الى الماضي
كقمر الأغنية
جميلة كأزهارٍ تحت ندى العينين
كسهولة كل شيء حين نغمض العينين
كالشمس تدوس العنب
كعنبٍ كالثدي
كعنبٍ ترجع النار عليه
كعروس مختبئة وراء الأسوار وقد ألقت عليَّ الشهوة
جميلة كجوزة في الماء
كعاصفة في عطلة
جميلة أتتني
أتت إليَّ لا أعرف أين والسماء صحو
والبحر غريق
من كفاح الأحلام أقبلتْ
من يناع الأيام
وفاءً للنذور ومكافأةً للورد
ولُمّعتُ منها كالجوهرة.
سوف يكون ما سوف يكون
سوف هناك يكون حبّنا
أصابعه ملتصقة بحجار الأرض
ويداه محفورتان على العالم.
انقلوني الى جميع اللغات لتسمعني حبيبتي
انقلوني الى جميع الأماكن لأحصرَ حبيبتي
لترى أنني قديم وجديد
لتسمع غنائي وتطفئ خوفي
لقد وقعتُها وتِهتها
لقد غِرتُها
أعيروني حياتكم لأنتظر حبيبتي
أعيروني حياتكم لأحبّ حبيبتي
لأُلاقيها الآن والى الأبد
لكم أنتم لتدقَّ الساعات
من سراجكم ليؤخذ نور الصباح
فأنا بريء وحبيبتي جاهلة
آه ليُغدَق علينا
لنوفّر لنجتنب
وليغدَق علينا
فحبّي لا تكفيه أوراقي وأوراقي لا تكفيها أغصاني
وأغصاني لا تكفيها ثماري وثماري هائلة لشجرة
أنا شعوبٌ من العشاق
حنانُ لأجيالٍ يقطر مني
فهل أخنق حبيبتي بالحنان وحبيبتي صغيرة
وهل أجرفها كطوفان وأرميها
آه من يسعفني بالوقت من يؤلف لي الظلال من يوسّع الأماكن
فإني وجدتُ حبيبتي فلِمَ أتركها...
ما صنعتْ بي امرأة ما صنعتِ
رأيتُ شمسكِ في كآبة الروح
وماءكِ في الحمّى
وفمكِ في الإغماء
وكنتِ في ثيابٍ لونها أبيض
لأنها كانت حمراء
وأثلجت
والثلج الذي أثلجت كان أحمر
لأنك كنتِ بيضاء
ورددتِ عليَّ الحب حتى
لا أجد إعصاراً يطردكِ
ولا سيفاً
ولا مدينة تستقبلني من دونكِ.
هذا كلّه
جعلتُه في ندمي
هذا كلّه جعلتُه في أخباري
هذا كلّه جعلتُه في فضاء بارد
هذا كلّه جعلته في المنفى
لأني خسرتكِ
إذ ملأتُ قلبي بالجنون وأفكاري بالخبث
فكتمتِ وانفصلتِ
وكنت أظنكِ ستصرخين وتبكين وتعاودين الرضى
ولكن كتمتِ وانفصلتِ
وكنت أظنّكِ ستعرفين أن نفسي بيضاء برغم الشرّ
وأني لعباً لعبتُ وحماقتي طاهرة
وكنت أظن أنكِ وديعة لتغفري لي
أنكِ وديعة لتقبّلي آثامي
أنكِ وديعة لأفعل بكِ كالعبيد
وكنت أظن أني بفرحٍ أظلمكِ وبفرحٍ تتنفسين ظلمي
وكنت أظنّ أني ألدغكِ فتتّسع طمأنينتي وأنقضكِ كالجدار فتعلقين كالغبار بأطرافي
لكني ختمتُ الكلام وما بدأتُه
وأتفجّع عليكِ لأني لم أعرف أن أكون لكِ حراً
ولا عرفتُ أن أكون كما تكون اليد للزهرة
فكنت مغنياً ولكِ ما غنّيت
وملكاً وأنتِ لم أملك
وأحبّكِ
وما أحببتكِ إلاّ بدمار القلب وضلال المنظر
وأحبّكِ
وطاردتكِ حتى أشاهد حبّكِ وهو نائم
لأعرف ماذا يقول وهو نائم
فحمله الخوف وروّعه الغضب
وهرب الى البرج عالياً
كاتماً قد انفصل
وأنا في جهلي أطوف وفي حكمتي أغرق
على موضعٍ أدور على موضعٍ أهدأ
وحبّكِ يقظان وجريح وراء الأسوار
وحبّي بارّ بعد الأوان
نار البِرّ تأكله بعد الأوان.
أحفظُ مظالمي وأُعطي مبراتي
أحفظُ مظالمي فمن يعطيني مظالمه
ومن يأخذ مبرّاتي ويعطيني الرجاء
لأني لم أعد ألمح نوراً في الغابة
تذهب الريحُ بالثلج وبالثلج تعود
جسدي كالخزف ولغتي كالشمع
اتخذتُ آفاقاً عظيمة وجعلتُها حفراً
اتخذتُ الليل فأطفأتُه والنهار فأسلمته
اتخذتُ الأكاليل فاحتقرتُها
اتخذتُ الحبّ فكسرتُه
اتخذتُ الجمال وكرجلٍ أفقرتُه
اتخذتُ الحبّ
اتخذتُ الحبّ الشبيه ببرّ لا يحدّه ماء
الشبيه بمياهٍ لا تحدّها برية
اتخذتُ الحبّ عوض كلّ شيء مكان كلّ مكان بدل الجوهر ومحلّ الشرّ والخير
أخذته أخذتُ الحبّ وشكوني
الذين صاروا في فاقة
وتعالت جفونهم الذين حسدوني
ونهش ضحكهم الهواء الذين تهكّموني
فماذا صنعتُ بالحبّ
وأخذتُ ذهب النساء وردة الذهب فماذا صنعتُ بالذهب وماذا فعلتُ بالوردة
انقلوني الى جميع اللغات لتسمعني حبيبتي
ثبّتوها على كرسيّ وجِّهوا وجهها إليَّ
أمسكوا رأسها نحوي فتركض إليَّ
لأني طويلاً وبّختُ نفسي ويأسي قد صار مارداً
أطيعي دمعكِ يا حبيبتي فيطرّي الحصى
أطيعي قلبكِ فيزيل السياج
ها هو العالم ينتهي والمدن مفتوحةٌ المدنُ خالية
جائعةٌ أنتِ وندمي وليمة
أنتِ عطشانة وغيومي سودٌ والرياح تلطمني.
العالمُ أبيض
المطر أبيض
الأصوات بيضاء
جسدكِ أبيض وأسنانكِ بيضاء
الحبر أبيض
والأوراق بيضاء
اسمعيني اسمعيني
أناديكِ من الجبال من الأودية
أناديكِ من أعباب الشجر من شفاه السحاب
أناديكِ من الصخر والينابيع
أناديكِ من الربيع الى الربيع
أناديكِ من فوق كل شيء من تحت كل شيء ومن جميع الضواحي
اسمعيني آتياً ومحجوباً وغامضاً
اسمعيني اسمعيني مطروداً وغارباً
قلبي أسود بالوحشة ونفسي حمراء
لكن لوح العالم أبيض
والكلمات بيضاء.

* من ديوان "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة"

أنسي الحاج شاعر الحرية والحب ورائد قصيدة النثر... رحل عن 77 عاماً شاعر الحداثة الذي يسابق نفسه إلى المستقبل

عبده وازن

الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠١٤

شاعر الليل الذي لم يكن يغمض له جفن إلا عند انبلاج الفجر، أغمض عينيه أخيراً على ليل الموت. بعد هذه الإغماضة لن يكون انسي الحاج الساهر الاخير الذي اعتاد أن يسامر عتمة العالم حتى اول الضوء، فيأوي من ثم الى نوم هو نوم الشعراء المشبع أرقاً ويقظة. لعله، عندما اغمض عينيه، صرخ صرخته الاخيرة «كم هذا الليل»، مثلما كتب مرة في إحدى قصائد ديوانه «الرأس المقطوع»، مدركاً ان هذا الليل ليس سوى «شمس العودة» التي اختتم بها قصيدته الملحمية «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع».
غاب أنسي الحاج عن سبعة وسبعين عاماً ودواوين وقصائد و «خواتم» و «كلمات كلمات كلمات» وأحلام هي احلام الكائن الذي حدق الى السماء بنظرة حارقة بينما قدماه على الارض. وبدا غيابه إحدى قصائده الاليمة التي كتبها بحبر الاحتضار المضني والارق والمواجهة الميتافيزيقية السافرة. هذا الشاعر الذي استهل تجربته صارخاً في ديوانه الاول «لن» صرخته المدوية: «نحن في زمن السرطان، هنا وفي الداخل» كان قدره ان يحل به السرطان وينتصر على جسده فقط، بعدما قضى عمره يواجه شبحه في ساحة الشعر والكتابة وفي معترك الحب والحلم. هذا السرطان الذي كان هاجساً وجودياً لدى انسي الحاج منذ ان سرق امه وهو فتى ثم زوجته ليلى، استحال معه بعدما عاناه في جسده، سؤالاً فلسفياً وشعرياً، سؤال الكائن المحتج والمعترض، الكائن الذي خبر الماوراء وهو مفتوح العينين.
سبعة وسبعون عاماً هي عمر قصير في حياة شاعر في حجم انسي الحاج التواق دوماً الى الحياة كما أرادها هو، حياة الحالمين الكبار والطامحين ان يروا المعجزة وقد حلت على الارض. في الايام الاخيرة التي خامر فيها لحظات الاحتضار الطويل والاليم، كان حين ينهض، يسأل متى يمكنه ان يكتب. هذا الشاعر الذي وجد في الكتابة قدراً كان يستحيل عليه ان يعيش بعيداً عنها. حتى خلال صمته اعواماً غداة اندلاع الحرب الاهلية، جعل أنسي من هذا الصمت أجمل نص يمكن ان يُكتب.
لا أحد كان يتصور ان أنسي الحاج الشاب، إبن الثانية والعشرين، سيفتتح في العام 1960، عام صدور ديوانه «لن»، زمن قصيدة النثر عربياً، وعهد الشعر الآخر، شعر الحداثة «الملعونة»، شعر الصراع بين الكينونة والعدم، شعر الحدس والنزق والهجس والجنون الحكيم والرؤيا والحواس «المخربة» وفق مقولة رامبو. أطل ديوان «لن» كصرخة مدوية في ليل العالم، صرخة تحمل في قرارتها اصداء القصيدة الجديدة، قصيدة المستقبل، قصيدة المواجهة السافرة، قصيدة اللغة المنبجسة من صميم اللاوعي والعماء المضيء، والمشرّعة على جماليات الحلم والكابوس والتوتر والتشنج. اما مقدمة «لن» فغدت للحين أول بيان لقصيدة النثر العربية، وهو بيان كتبه شاعرنا بدم الشعر وليس نظرياً، بعدما عاش تجربة هذه القصيدة بالجسد والروح. وما برحت هذه المقدمة المرجع - الشاهد الذي لا بد من العودة اليه عند الكلام عن قصيدة النثر العربية.
ولعل أكثر ما أثار استغراب قراء انسي الحاج الذين دأبوا على مواكبته منذ البدايات هو ازدواجيته، الظاهرة طبعاً لا الباطنة، كشاعر يواجه اللغة ويغرق في عمائها بحثاً عن الغريب والمجهول واللامألوف وكناثر او كاتب زاوية أو تعليق، يجاهر بانتمائه الى المدرسة النثرية الجمالية والى فن المقال الذي كان تبلور مع ادباء وشعراء هم صانعو هذه المدرسة وأبناؤها الاوائل من مثل مارون عبود وفؤاد سليمان وتوفيق يوسف عواد والياس ابو شبكة وفؤاد حداد (ابو الحن) وسعيد تقي الدين وسواهم... ولم يلبث مقال انسي ان تجلى في زاويته «كلمات كلمات كلمات» التي حملها «ملحق النهار» بدءاً من العام 1964. وفي هذه الزاوية التي استهلها شاعرنا وهو في السادسة والعشرين من عمره، راح يمارس اقصى احوال الحرية في الكتابة المحتجة والمتمردة والرافضة، ولكن على عمق ثقافة ومعرفة، وعلى حدّة نظر وصفاء موقف. وقد حرر انسي المقالة من أسر الصحافة، مرتقياً بها الى مصاف الابداع الحقيقي على غرار ما فعل الآباء الرواد الذين كان خير وارث لهم. وكم لقيت زاويته «كلمات...» التي استعار عنوانها من هاملت، طوال عشرة اعوام قبل ان يحتجب «الملحق» عشية الحرب عام 1974، من إقبال لدى القراء اللبنانيين والعرب، ومن ترحاب لدى الطلاب الجامعيين الذين وجدوا في صاحبها المثال النقي للثورة والرفض. في تلك السنوات كان انسي أحد صانعي معجزة الحداثة التي عرفتها بيروت في الثقافة كما في السياسة والفكر والفن والشعر والرواية. وعندما وقعت الحرب الاهلية، والاكثر من اهلية، جارفة بنارها احلام المدينة ورموزها، كان انسي الحاج واحداً من اوائل ضحاياها. ولم تكن الصدمة عابرة وبسيطة بل هي اصابت الشاعر في عمق وجدانه الشخصي. وأمام هول الكارثة ارتأى الشاعر ان يصمت ولكن صمت الفارس الجريح قبل ان ينهض من عزلته ويكتب. فالحرب التي أغرقت انسي في الصمت هي التي حفزته على العودة الى الكتابة، لا سيما الشعرية. وكتب حينذاك قصائد «وطنية» غير مألوفة، فيها من الرثاء «الإرميوي» (مراثي إرميا) ما فيها من حدة ونزق وعبث، ورجاء هو اليأس بوجهه الآخر. كتب يقول في احدى قصائده: «اجلس على عشب لبنان المحروق وكلي موت/ ولم يبق فيّ من حياة/غير الالم». هذا لبنان انسي الحاج، الوجودي الطابع والميتافيزيقي البعد، الاغريقي القدر، لبنان الموئل والمآل، لبنان القادر على النهوض من موته «لمجد النور ولأجل الظلال» كما يقول الشاعر.
كتب انسي الحاج قصائد حب لم يألفها الشعر العربي سابقاً إلا في بعض التجارب الصوفية والشهوية القديمة. كان شعر الغزل يحتل الواجهة بخاصة مع قصائد نزار قباني وارث الغزل العربي القديم والنهضوي، عندما اطلق شاعرنا قصيدة الحب متمرداً على الغزل الذي جعل من المرأة ورموزها موضوعاً يدور الكلام حوله ونادراً ما يخترقه. جعل الحاج من المرأة ذاتاً حية، يتماهى فيها الحلم والرغبة، الميتافيزيق والشهوة، وفي ظل حضورها أو غيابها تتآلف المتناقضات، الحسي والروحي، الرمزي والمدنس، الإثم والنعمة، اللعنة والخلاص.
في العام 1991 اصدر انسي الحاج كتابه «خواتم» وكان بمثابة الجزء الاول من كتابات لم تنته إلا مع رحيله. كانت «خواتم» تجربة جديدة هي بين النثر والشعر، النثر اللامع والبارق والشعر بصفته روحاً وحالاً ومقاماً. لم تكن «خواتم» كتابة بديلاً حلت محل الشعر الذي غدا انسي آنذاك مُقلاً فيه، بل كانت تجربة مشرقة خاضها الحاج شاعراً بجرأته المعهودة، وناثراً يجعل من لحظة الكتابة لحظة بارقة برق الشرارة التي تخترق العتمة. بدت «الخواتم» خلاصات الكلام وخاتماته، تأويلاً وترجمة لجوهر «الشذرة» ومعناها وظاهرها. وقد جمعت هذه «الخواتم» بين كثافة الشعر ومعجزته، وتلقائية النثر وطواعيته، وومض الخاطرة.
الآن ندرك كم ان انسي الحاج كان شاعر المستقبل الذي يسابق نفسه دوماً الى امام. الآن، لا سيما الآن، بعد رحيل الشاعر بالجسد لا بالروح والقلب، ندرك اكثر فأكثر ان انسي الحاج سيظل شاعر المستقبل.

الحياة- الثلاثاء ١٨ فبراير ٢٠١٤

جامع شمل الينابيع

سيف الرحبي

منذ ديوانه الأول «لن» في مطلع الستينات من القرن الماضي، مضى أنسي الحاج في مغامرته الشعرية الهذيانية، وهذه الأخيرة بالمعنى المفارق للكلمة كون الهذيان أنبل ما تأتي به الأعماق المضطربة. مضى في شكل مختلف ومفارق للشعريّة العربية قِدامة وحداثة، ومفارق لمجرى مجلة «شعر» بكل توجهاته الإبداعية.
أنسي الحاج حطّم بنزق جميل منظومة القيم اللغوية ومعانيها ودلالاتها فكرياً واجتماعياً، حيث أثبت التاريخ أن هذا المعرض على رغم بريقه الظاهري ولمعانه، ليس إلا كذبة وخدعة بصرية تتهافت مع أول ضربة للوقائع والتاريخ. يتمحور إنجاز الحاج الشعري حول هذا المسار الهدمي الصادق من غير شفقة ولا مجاملة، مروراً بديوانه «الرأس المقطوع»، ثم «ماذا فعلت بالوردة ماذا صنعت بالذهب؟» حتى ديوانه «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»... هنا استراح قليلاً هذا المترحل في تخوم القسوة واليباب، هذا المحب والكاره العميق...
في هذا الديوان القصيدة الطويلة، قصيدة الحب الذي ينزع إلى ملامسة الخلود وعبر إتكائه واستراحته في أحضان النشيد التوراتي أو ما يشبه ذلك... «إنهم يجمعون الحطب ليحرقوا الغابة، وحبيبتي لا تعرف أن تجمع غير شمل الينابيع».
ما زالوا يواصلون مسيرتهم غير المباركة لحرق الغابة والحياة وما تبقى من إنسانية وجمال. ويظل أنسي الحاج يواصلُ أحلامه وقرفه من عالم لم يعد قابلاً لأي ترقيع أو إصلاح... اتسع الخرق على الراقعِ ، واتسعت الهاوية أمام الشاعر الحالم، باتجاه العدم واللاشيء.
***

كتابةُ الليل
عبدالقادر الجنابي

في باريس، أواخر سبعينات القرن الماضي، كنت أنتظر أنسي أن ينتهي من عمله الرتيب في «النهار العربي والدولي»، لكي ننزل نهر الليل المتدفق بشتى أنواع البشر. نخرج، هو بمعطفه الأسود وقبعته الروسية الشكل، وأنا بملابسي العادية... كنت ألاحظ أن ثمّة علاقة بين أنسي والليل... وكأنَّ الليلَ ميلادُه، أعماقُه، مُحاورُه بصيغة الشخص الثالث لطرد نعاس ميتافيزيقيّ. فـ «الناس تنام في الليل وتعمل في النهار»، بينما هو ينام في النهار ويعيش في الليل. ولِمَ لا؟ «أليس النهارُ أيضاً ليلاً مصبوغاً بدهان الشّمس»!
لاحظت، في ما بعد، أن كلمة الليل تهمس كثيراً في بعض أشعار أنسي الحاج وخصوصاً في «خواتمه». لكنه ليس ذاك الليل الذي يتحيّن فيه الشعراء فرصة اللقاء بشياطينهم، وإنّما الليل بكل ثقله، وحجمه وبما يحمله من أسئلة وحالات من الأرق الشعريّ؛ بظلمته التي هي تعبير عن الأعماق بصور مدلولاتها. إنه ليلٌ آخرُ لا يسمح بسباق الانتهاء؛ إنه الجوهر، مركز الشعر، حيث ما إن تُغلق عينيك، حتى ترى. ومن شأنه أن يُفضي الى فجرٍ جديد؛ إلى حيث كلُّ شيءٍ يتوقّف، يتحرّك، يسبح، يُعيد انتاجَ نفسه. إنّه علامة صراع بين الأب والابن: «كان أبي نهاراً وكنتُ ليلاً»، فتتبدل الأدوار: النوم أرق، الأرق نوم، والليل يتجاوزهما في فترة تركيبيّة. ليلٌ يترامى رمزَ بحثٍ عن كتابةٍ ذات نزعة ملائكيّة في نظرتها، تعيدنا إلى فجر العالم «يوم كانت الأرض ملعباً للنفْس المُرهَفَة»، وها نحن نستيقظ في ناصفة ليل التساؤلات التي ننام معاً. إنّه الليل بامتياز؛ حلبة الصراع بين الكلمات والأفكار، تكون فيه نهايةُ الحلم موتَ الأنا، وبدايةُ سيادةِ الحلم ولادتَها الجديدة. ومن هنا، إنّ فعلَ التدوين، في كتابات أنسي الحاج، ليس عن الحلم وإنما عن التشاكل بين الكتابة والحلم؛ كتابةُ الليل علّ النقطة التي ينضم فيها الحلم بعالمِ اللاوعي الواسع؛ نقطة «التدامج بين الليل والنهار»، تنبجس من الرأس، ويغفو العالم في سريره الورقي، التنظير المعتاد.
في «آخر الليل» حيث «لا أحدَ لأحد»، كان لِلَيل أنسي الحاج ملائكته؛ إنّهم الأبرياء المنقّبون في تربة الظلمات عن بهجة الضوء؛ الاندماج بزحام باتت أحلامه محطة أخيرة في أمداء المكتوب. ملائكة بلا سماء، مصنفون بمختلف النعوت المبهمة: شحّاذون، عاهرات، ضائعون، حالمون، باختصار: محبّو كلِّ ما هو حيّ. كنّا نتساود معهم سوادَ الليل إلى أن «تتوهّج الحياة...». فيتنفس الصُّبحُ، بين أضواء المصابيح والشّمس... وينتهي فصلٌ من الدرس.

***

صديق في القصيدة والحرية

محمد بنيس

كل شاعر من شعراء السبعينات يتذكر الشاعر أنسي الحاج كلما أقبل على تأمل قصيدته. ذلك أن فعْله الشعري تحرك بيننا، من مشرق العالم العربي إلى مغربه. أتذكر الحوارات التي كانت لي مع أصدقائي المجايلين لي أو السابقين علي بقليل في المشرق، مثل قاسم حداد، بول شاوول، عباس بيضون، سيف الرحبي، عبدالمنعم رمضان، أو اللاحقين علينا، وفي مقدمهم أمجد ناصر. جميعنا كنا نستحضر شعر أنسي الحاج وما حققه من بناء عمل مفتوح على مستقبل القصيدة العربية، أو نسترجع ما مكننا منه في القصيدة التي نكتبها.
عندما أعود لأتأمل هذا التاريخ، أجدد تقديري الخاص لأنسي الحاج. انكبّ على كتابة قصيدة متمردة، من أفق شعري فرنسي أساساً، أو بالأحرى من أفق الدادائية والسوريالية، ثم كان في بداياته قريباً من أنتونان أرطو. «قصيدة النثر»، التي لم يفارق الرحيل إليها، كانت بالأساس تنهض ضد سبات لغة وضد هيمنة قيم. ضدية صادمة إلى حد أنها لم تعثر في زمنها على وعي نقدي يستقبلها، عدا بعض الكتابات المحدودة. كان إلى جانبه في اختراق القصيدة العربية كل من محمد الماغوط وشوقي أبي شقرا وجبرا إبراهيم جبرا.
ليس ذلك وحده ما جعلني أتابع بعناية أعمال أنسي الحاج منذ أخذت أعثر عليها ابتداء من السبعينات. لقد وجدت فيه الشاعر الذي لا يتخلى عن مواجهة ما يسلب الشاعر حريته. بذلك كنت حريصاً على أن أتعرف على بداياته، ثم متابعة ما ينشر من نصوص وأعمال. وفي كل قراءة كنت أحس بأن أنسي الحاج دائم البدايات، يأخذ القصيدة إلى حيث يفاجئ، من دون أن يلتفت إلى خارج القصيدة، في حياتها أو في علاقاتها الاجتماعية التي تنشأ هنا وهناك.
وكنت دائماً أحترم العزلة التي اختارها. في القصيدة وبنائها، في الحياة الثقافية وطقوسها، في الحرية وتمردها، أعطى أنسي الحاج كل واحد منا قصيدة ستبقى مشعّة في كتابة مفتوحة على الحرية والمستقبل.

***

الخارج على السياق

رفعت سلام

كان الشفَق. وثمة احتفال سري بانتصار القصيدة الجديدة، واندحار أساطين التقليد الثقافي. هي زهوة الانتصار العسير الذي امتدّ عقد الخمسينات بكامله، لتصعد قصيدة «التفعيلة» ظافرةً في بغداد والقاهرة ودمشق وبيروت.
في هذه اللحظة بالتحديد، خرج أُنسي الحاج «لن يدري أحدٌ من أين» وسط البهجة والزهو والنشوة الغامرة، ضدّ السياق، ليعكّر صفو اللحظة النادرة، بأفكار وتصورات ونصوص صادمة للحركة الشعرية العربية التي انتزعت بالكاد الانتصار بشقّ الأنفس.
هو ديوان «لن» الذي صدرت طبعته الأولى العام 1960، بمقدمته الشهيرة، التي أصبحت إنجيلاً حقيقيّاً للقصيدة التالية، «قصيدة النثر».
قصائد خارجة على ذهنية وخيال الشاعر التفعيلي، التي تؤسّس لمنطقٍ ما شعري، في بنية القصيدة وبنية الصورة الشعرية، لا يبتعد كثيراً عن المنطق التقليدي، وتأسيس لحدود التجديد الجزئي، التي تنقل محور القصيدة من مركزية «البحر» الوزني إلى مركزية «التفعيلة» (وثن الشعر الجديد)، باعتبارها المكوِّن الأوَّلي لـ «البحر». تجديد جزئي، لكنه كان يبدو- في ذلك الحين- لدى أنصاره «ثورة شاملة» هائلة، استدعت استخدام «الحرس القديم» (وبينهم أسماء مرموقة فعلاً) لكل أسلحة الترسانة الثقافية، وغير الثقافية، حتى المحرم ثقافيّاً منها (كاستعداء السلطات على الشعراء الجدد، باعتبارهم «عملاء» للغرب!).
لكنّ قصائد ديوان «لن» تكشف عن ذهنية وخيال آخرين؛ بلا أسلاك شائكة أو خطوط حمراء؛ هي فاعلية الخيال مطلق السراح تماماً، خارج كل منطق شعري يعرفه الشعر العربي، القديم أو الحديث؛ خيال يؤسس لعلاقات لم ترِد على بال شاعر، ويربط بين ما لا يرتبط في الواقع أو الشعر؛ يمنح الأشياء والعناصر سمات تتناقض مع سماتها الأصلية وتكوينها الجوهري، بل يعيد تشكيلها وصياغتها ومنحها فاعلية نوعية متحررة من فاعليتها السابقة؛ خيال يعيد تأسيس وتأثيث العالم وصياغته وتسميته، يعيد صياغة السمات والعلاقات واختراع حركية جديدة مفارقة للمكونات والعناصر المختلفة. ليس هو البصر، بل البصيرة.
مع هذا الخيال الفريد، تتجاوب فاعلية الذهن المفتوح على مصاريعه، بما يشارف الجنون واللاوعي. ذهن متحرر من كل ما هو تقليدي بالفعل، من كل ما هو مُسبَق في الشعرية العربية، على مدى القرون، ومن كل سلطة قبْلية لأي نص أو صوت شعري أو نقدي.
لكنّ المقدمة التي تصدرت الديوان لا تقل أهميةً وقيمةً عن النصوص الشعرية؛ بل هي- بأفكارها ورؤاها الصادمة آنذاك - التي كسرت إمكان «التجاهل» أو «التواطؤ بالصمت» على النصوص الخارقة، ودفعت إلى تلقي النصوص ضمن رؤية مغايرة، معاكسة للسياق العام، بلا إمكانية لـ «تأميمها»، على أي نحو.
رؤية ترصد أهم مكامن القصور في الشعرية العربية المهيمنة، سواء التقليدية أو «المحدثة- التفعيلية»، كقصور جوهري لا سبيل إلى إصلاحه، أو ترميم عيوبه؛ وتقترح - في الوقت نفسه - «قصيدة النثر» كأفق ضروري لإنجاز تطور حقيقي للشعر العربي.
هي المرة الأولى التي تُطرح فيها رؤية متسقة عن تلك القصيدة، في الكتابة العربية، بالاستناد إلى كتاب سوزان برنار الشهير؛ رؤية مفارقة لذلك الزمان، مؤسسة لما سيجيء ابتداءً من السبعينات الشعرية العربية.
ولا تراجع- في كتاباته التالية- عن تلك الرؤية والمنهج، كما فعل آخرون سرعان ما تنكروا لخطاهم وبصماتهم؛ بل هو مواصلة تأسيس وتطوير قصيدته النثر الفريدة، وترسيخ رؤاه المختلفة المتعلقة بالشعر والوجود.
أنسي الحاج: رمز الخروج على السياق.

***

المشتعل بنار الداخل

عيسى مخلوف

ليس المساء عتبة لشمس الغروب. إنه حيلة النهار العائد لا محالة. تنفتح يد الشاعر أمامنا كحقول القمح تحت شمس حارقة، وتغدق علينا.
يكتب أنسي الحاج، وهو المشتعل بنار الداخل، كمن يتنزّه على حافة الجحيم ويراوغ العدم. لا أقصد هنا الكتابة المتعلقة بالعمل المأجور ولا كتابة الموقف الآنيّ، سواء كان سياسياً أم عاطفياً، بل تلك المفتوحة على المجهول، الآتية من الأعماق تتآخى فيها أعتى البراكين وأصفى الينابيع.
إنها الكتابة التي تُختزَل في «لحظة استحضار الحياة استحضاراً أقوى، استحضاراً يجدد التعلق بها» وفق قوله. هذا الكلام يعزّز موقع الرجاء في قاموسه ولا ينفيه. وتكمن قوّته أيضاً في أنه يصدر عمّن رأى، بصفاء حدسه وبصيرته، حقيقةً تبعث على القلق. القلق والرجاء توأمان في سريرة هذا الذي يقفز في الهاوية بحثاً عن خلاص، عن البرق الخاطف الذي يستحيل الإمساك به.
منذ لقائنا الأخير في باريس، أي منذ سنوات طويلة، لم نعد نلتقي. بعض الشعراء والكتّاب، وهو واحد منهم، نلتقيهم في الكلمات التي يكتبونها، وهم فيها يعيشون أكثر من أيّ مكان آخر. بل إنّ الكلمات هي جسدهم الحيّ ووطنهم الحقيقي. إليها يهربون، وفيها يحلمون ويتوقون إلى الحرية.
النزِق والحانق، لكنّه الحانق على الحياة. العصَب والغضب. لكنه الغاضب من نفسه ويظن الآخرون أنه غاضب منهم. ينبجس ويتدفّق. كالماء المندفع يخترق التربة ويخرج منها.
لكن أين هي الابتسامة التي وجدناها، بالمصادفة، قرب الأجساد التي تشيخ والأعمار التي تمضي على غفلة منا؟ تلك الابتسامة لا تقول حقيقتها، بل حقيقة الجروح التي تختفي وراءها.
يد الشاعر مفتوحة أمامنا، وأمامنا البحر، هادئ ومنبسط، وفوقه النجوم، جميع النجوم بلا استثناء، تنظر إلينا وتُعَمّق حاجتنا إلى الصمت.

***

صباح العربية المتجدد

محمد علي فرحات

الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠١٤

كتبتُ ذاتَ يوم وأكررُ اليوم أن شعر أنسي الحاج لا يتفيأ بل يؤسس الظلال.
«غاضبُ يوم الأحد» في «ملحق النهار» كان المعادل الأدبي لثورة شباب عمّت العالم ووصلت الى بلادنا. هو غاضب يوم الأحد، لا ثائره، لأن للبنان خصوصية تحبط وتجعل أي ثورة غير ممكنة، ولكن، في الشعر، يحدث أحياناً أن نثور وننجح، كما في قصيدة النثر العربية التي انعقدت ريادتها لأنسي الحاج ومن بعده لمحمد الماغوط، ليتواصل موكب الوارثين عن حق وغير حق.
فلنقطع حبل هذا الكلام:
وصلني خبر أنسي وأنا في السيارة بين صيدا وبيروت، الجبل الى يميني والبحر الى يساري. لا أرى ما خلف القمم ولا ما يخبئ أفق البحر. أنا اللبناني أمام جمال بلادي وأفخاخ هذا الجمال إلى محو شرقي أو محو غربي.
أستعيد الستينات وبعض السبعينات و «كلمات كلمات كلمات» عنوان المرحلة، وقبل الـ «كلمات» كان شعره يولد في أروقة معهد الحكمة حيث العربية الأرقى، وفي «النهار» متابعة للشأن الثقافي تغنيه، وفي «شعر» تأسيساً مع يوسف الخال وأدونيس.
قال لي مرة ان الحياة أولاً، وقد أوفى بذلك سيرة وكتابة، لأن نصه لاحق للحياة وهو رسالتُها لا نعيُها. شيء من العظمة في شخص هذا الشاعر مصحوب بشيء من الزهد. انها خلطة أنسي الخاصة وليس في الإمكان تقليدها ولو في الصين.
أنسي الحاج لغته. قطرات متجوهرة بضوء الشمس. كما لو أنك في البحر وتلقي بقبضة ماء عالياً. انظر إلى قطراتها وأقرأها قصيدةً.
لغته التي ترفرف مثل طير، التي تحيي موات الروح وإن كانت تتناول حجراً أو شجراً يابساً في أول الصحراء.
تطوير للغة أهل النهضة العربية، تطوير على طريقته والتقاط لغير المعروفين في النهضة وإهمال متعمد للمشهورين.
أنسي الحاج شاعر الخوف على لبنان، وإن لم يعلن، وهو شاعر الضجر من الخوف على لبنان حتى القول بعبثية السياسة، وصولاً إلى تمجيد ضحية السياسة، الإنسان.
وداعاً أيها الزاهد، نحيا بثروة تركتها ولا تنضب.

***

عنف فتيّ لا يساوم

أمجد ناصر

كل شاعر عربي حديث (أبعد من التفعيلة والنثر) فيه شيء من أنسي الحاج حتى وإن لم يقرأه. كنت أظن أن لا شيء فيَّ من أنسي الحاج الى أن تبيِّنت (أبعد من اللغة والموضوع) أنه موجود فيَّ.
انه موجود في عروق الموجة الجديدة للقصيدة العربية الحديثة من دون العودة، بالضرورة، الى «لن» أو «الرأس المقطوع»، ولا «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع».
لأن كلَّ تمرد، كلَّ التواء، كلَّ معصية، كل عجرفة، كل تواضع، كل تشبث بالحياة، كل عناق عنيف للموت يحيل، تقريباً، إلى ذلك الشاعر اللبناني الأكثر صمتاً وتوارياً من كل الرواد. ذلك الذي يبدأ كما العصاة الكبار، بـ «لن» ، وبـ «رأس مقطوع « ينتفض حياة ولعنة في آن، حتى وإن مال في نتاجه الأخير إلى دعوة الطائع والعاصي إلى الوليمة.
لو كُتِبَ شعر أنسي الحاج الآن لبدا غريباً وصادماً للذائقة العربية المفتونة بالبلاغة والفخفخة الإيقاعية فكيف وهو يأتينا من خمسة عقود خلت أو أكثر، بالقرب من «العمودي»، وفي ذروة الانخطاف بقشرة السياسة وسطح الفكرة المغيّرة.
ففي حين كان دعاة التغيير يغيّرون الخارج كان أنسي الحاج يعمل على تغيير الداخل. بل يفجّره. يضع ديناميته في الجذر وينسف بعنف وهذيان. عنف فتيٌّ متطاولٌ، عنف الذي يعمل ما يجهل، ولكنه يحدسه، على شكل التواءات وخضات، في أعماقه. أقصد هذه المقامرة الخطرة مع الكلمات والمعنى كأنها روليت روسي يرفع الدم كلّه إلى الصدغ.
عنف شعري لا يقبل المساومة. كل شيء أو لا شيء. تقرأ «لن» فتسمع الانفجارات تتوالى في رحم الكلمة والمعنى. تقرأ فيلتوي لسانك ويوجعك حنكك. ترمي الكتاب بعيداً، ثم تعود إليه مصاباً بعدوى الهدم. أي لغة ناشزة هذه؟ وأي معان مقلقة ومنحرفة؟ تقرأ فتنزعج بدل أن تقرأ فتسرُّ. لأنك تقرأ ما لا تألف. والألفة سرور وطمأنينة. لكن هذا شاعر لا يطمئنك ولا يعدك برحلة مضمونة.
هكذا بدا أنسي الحاج بـ «لن» و «الرأس المقطوع». فماذا تتوقع من شاعر يبدأ بهذين: النفي والعنف؟
غير أن النفي الجذري ليس بعيداً من النبوّة . ليست نبوة جبران.. المتصالحة، السلامية التي تَعِدُ النفس بالراحة والخلاص بل نبوّة المتنبي. ذلك الصائح المحكي العاصي والعاصف الذي رأى الجسد والأرض يضيقان بالفكرة الثائرة والكلمات بالمعنى المتفلّت، والنفس بالمراد المجهول. أو «نبوّة» صاحب «الكتاب» التي تذهب مع المتنبي في رحلة دانتية فنرى الدم والرؤوس المجندلة ونسمع الأنين يتصادى بين المطهر والجحيم الأرضيين، وما كنا نحسب «أن الموت طوى هذه الجموع».
من الغضب إلى عِرَافة «ماضي الأيام الآتية» يمضي أنسي الحاج، إلى أن تأتي الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع فتحل النعمة محل النقمة، والبركة محل اللعنة والرجاء محل اليأس. فتصبح الحبيبة الوجه الآخر للتكوين.
الحبيبة هي التي تشْكُم عنف الفتى بشعر طويل حتى الينابيع، بحرير أنوثة كثيرة على رجل قادم من عنف الفأس فيرمي الفأس ويمشي وراء الرسولة ليتزيَّن بالغيرة على هذه الكثيرة، ثم ليتطهر من الغيرة بدعوة المنفيين إلى سلام المملكة..
تعالوا من أعماق اليأس ومشارف الصقيع (...) تعالوا المملكة مفتوحة ينادي أنسي الحاج منفيي الحب والرجاء الى الكنز.
الشاعر اللعين، العاصي، الغيور، المتطاول، شاعر الفأس والديناميت يرى ما يتلألأ في البعيد بعد الظمأ.
ليس السراب ما يلمع على وجه الصحراء. إنه الينبوع.
تأخرت الهدية يا أنسي الحاج.فالهدايا دائماً متأخرة. لأنها العيد.والعيد حلوى الانتظار.
أكتب هذه الكلمات وأجدُ أنسي الحاج يتسلل الى كلماتي. فلن تسلم من العدوى، عدو الحبّ، هذه المرة، وأنت تقرأ أنسي الحاج، أو تتحدث عنه.

***

وجه يبقى من مرحلة انطوت

أمين معلوف

الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠١٤

لقد أحزنني كثيراً خبر رحيل أنسي الحاج، الذي عرفته منذ زمن بعيد. عندما بدأت العمل في جريدة «النهار»، في بداية سبعينات القرن العشرين، كان أنسي الحاج يشغل منصب مدير تحرير، ووجدتُ أنّه لامتياز كبير لي أن أخطو خطواتي الأولى في هذه المهنة تحت رعاية شاعر كبير عرفته وعشقت أعماله الجريئة والمبتكرة.
في السنوات الأخيرة، لم أتمكن من لقائه في شكل دائم، ولكن حفظت دوماً ذكريات تلك الأيام الجميلة التي كان يبدو فيها كلّ شيء ممكناً بالنسبة إلى جيلنا، كما بالنسبة إلى وطننا. حينها لم يكن أيّ طموح مستبعد، وكانت الصحافة مزدهرة، والشعراء مبجلّين.
أنسي كان وسيظلّ وجهاً بارزاً من وجوه مرحلة سرعان ما انطوت.

***

مثل نسر يحلّق فوق القمم

حنان الشيخ

الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠١٤

لنذهب يا أنسي إلى ساحة البرج حيث أشجار البلح والضجيج وبن عازار. أراك تنزل من سرفيس، أتعرَّف على لحيتك المميزة النادرة، وألحق بك، «أستاذ أنسي! أستاذ أنسي!» الأستاذ أنسي يحب الطلاب؛ خصص لهم صفحة في جريدة النهار يكتبون فيها ما يشاءون؛ وإذا تدخَّل قلمه، فلتصحيح النحو والصرف.
«اسرع يا أنسي واكتب لي جواباً على رسالتي»
«إقرئي كل ما يقع تحت يديك؛ القراءة كغزل البنات، كلما أكلتِ منه كلما طلبتِ المزيد».
«هات يا أنسي حبة «سان سان» (بنكهة السوس) - التي لا تفارق جيبك - «إني بحاجة لأن أرطِّب حلقي؛ فالذي أسمعه منك عجيب، إذ لم أكن أعرف أن الذكور أيضاً يخافون من «امرأة الأب»، وأنك كلما رغبت نفسُك في أكل الزيت والصعتر في منتصف الليل، اختبّأتَ مع الصحن تحت الطاولة»؛ وبدوري أردّ عليه بحكايتي مع الثلاجة - فكلما كنت أفتحها نهضت «امرأة أبي» من نومها العميق مسرعةً إلى المطبخ فأختبئ تحت الطاولة».
في زيارة لك إلى لندن، أردتُ أن آخذك لتشاهد تمثال بيتر بان Peter Pan، لكنك فضّلتَ أن ترى الذئب تحت السماء الرمادية والأرجاء الرَّماديّة في حديقة حيوان لندن؛ أردتَ أن ترى ذئباً وحيداً خارج وكره، تحدِّق به ويحدِّق بك وكأنّكما تعرفان بعضكما بعضاً، وتقول: «علّه حدس أني متوحِّدٌ مثله».
«لنْ» و «الرأس المقطوع» أصبحا مبدأ لحزب جديد في لبنان، انضمّ إليه كل من تفاعلوا معهما هاتفين أنهم وأخيراً، وجدوا بوصلة تهديهم إلى الطريق. يتزايد أعضاء الحزب وهم يقرأون مجلة «شعر»... يتكاثرون كلما نشرت مقالاً، كلَّما جلست في مقهى، كلما فضضت ما يصلك من رسائل القرّاء والكتّاب وشعراء العالم العربي، بل مع كل مشوار من بيتك إلى السرفيس ومن الجريدة إلى السرفيس، فقامت دولة الثقافة والفن والأدب والشعر في لبنان، واتَّسعت وامتدت إلى الكثير من أرجاء الوطن الكبير.
دولة رأس مالها الإنسان؛ دولة كل ما تملكه أقلام وأوراق وسهر الليالي الطويلة، وقبل هذا كله، الإيمان بأن لكل فرد الحق في العيش الحرِّ الكريم. ومن أجل تحقيق هذا المبدأ والحق الطبيعي الذي من المفروض أن نرثه كلون أعيننا، حملت القلم وكتبتَ، نثرت وشعرت، حتى تؤكد وجود حياة، لأنك أنت من أكَّد للأجيال بأن الصمت والخنوع هما الممات. عايشت هموم الناس وشاركتهم مشاكلهم واحتفالاتهم؛ وجابهت الظلم والاضطهاد بحياد الصوفي، وتطرّف العاقل، وعنف الصادق وشجاعة الفارس، وتهوّر الشباب وعبثيته، وبراءة الطفل، وسخرية المسنّ، وتمرّد العَلماني على العنصري والمتزمت ديناً وعقيدة.
أذكر كيف كان اللبنانيون ومنهم أبناء الأقليات الذين خذلتْهم الدولة بغيابها، يتوجهون إلى مكاتب النهار طالبين مقابلة المحامي والقاضي النزيه، أنسي الحاج. وفي اليوم التالي نقرأ دفاعاته عنهم وعن حقوقهم ولو بإشارة في مقال.
حلّق أنسي نسراً فوق قمم الجبال ليرى المشهد على الأرض بكل تفاصيله، بعينيه الحادّتين، لينقضّ مثله ليحقق ما يستطيع من العدل للمواطن اللبناني أحياناً، ولزملائه أحياناً، في لبنان تارةً وخارجه تارة. كنت دائماً يا أنسي، تخشى الهيمنة، وظلم التقاليد، وتنفر من التزمت والتأخر، وأردت أن تكون شاهداً على عصرك بينما عيناك على المستقبل. كنت تبتهل للسماء أن تُمطر حتى تتوقّف الحرب، ثمّ تصلّي مرة أخرى كي تضع الحرب أوزارها لأننا كما كتبت مرَّةً لا نتقن حتى فن الحرب. في أحيان قليلة كنتُ أشعر أن اليأس تسلَّل إلى قلبك. ويظهر ذلك في أكثر من مقال لك. لكنّك لم تكن لتنسحب أو تنزوي، بل زاد تمرّدك وتصاعد تحريضك، لتكتشف ونحن معك، أن التمرّد يجري في عروقك، بل هو فصيلة دمك؛ وسرعان ما تعود أقوى وأكثر عناداً في طرح قضايا أهم وأكثر تعقيداً.
«ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلتَ بالوردة»! البذور يا أنسي تبقى حيَّةً داخل مياسم الورد اليابس، لتنبت وتتفتح ورداً جورياً مرة أخرى. كلماتك كانت الهواء والفراشات والنحل، تهبّ وتقلع وتهبط وتلقح. وكأنك سطّرت كلماتك بماء الذهب فاستحق عصرك اسم «العصر الذهبي».
أردتُ أن أصطحبك في لندن إلى تمثال بيتر بان، الصبي الشقيّ الذي يحلِّق في الهواء، ولا يكبر أبداً. إلى تمثالك أنت يا أنسي، فدهشتُه التي أبقت عليه صبياً كدهشة الشاعر أمام الجمال والحب والمغامرة.

الحياة- الأربعاء ١٩ فبراير ٢٠١٤

****

رحيل الشاعر الأنقى أنسي الحاج

أنسي الحاج (أرشيف "السفير")

أنسي الحاج رحل الشاعر الأنقى أنسي الحاج، واحد من الكبار الذين أسسوا قصيدة النثر العربية. هو الذي آثر العزلة والوحدة في منزله وحتى في مكتبه، ونأى بعيداً عن المهرجانات والاحتفالات والمناسبات والعلاقات الاجتماعية، استطاع أن يؤثر بشعره المسافر عبر الصحف والكتب، ثم عبر وسائل التواصل الجديدة، إلى كل العالم، فكان له مريدون في لبنان والعالم العربي، يتابعون قصائده وكتاباته وأنفاسه بلهفة...
كانت قصائده المبكرة، التي نشرت في "لن"، تنذر بولادة شاعر متميز وغريب و"شيطان"، يشاغب على الشعر الموزون، بجملة شعرية متشظية ونزقة وجارحة ومتفاعلة مع حس حداثي جديد، قصيدة ولدت مع اختمار الحداثة وتفتح ما بعدها،فكان الشاعر العربي الجديد بامتياز. الفرق بين أنسي الحاج وشعراء مجلة "شعر"، أنه بدأ تجربته الشعرية بقصيدة النثر بخلاف سواه. لذا قال عنه أدونيس "هو الأنقى بيننا". وكان الأنقى أيضاً بتعففه وابتعاده عن البطولات الشعرية وعن الاستعراض، وعن استثمار كونه شاعراً كبيراً، فلم يجنِ من شهرته مالاً ولا جاهاً، لكنه ولد شاعراً متميزاً لم يستطع شعراء شباب عرب بعده أن يكونوا مثله أو بمستوى ما قدمه في تجربته الشعرية الشبابية. واستمر أنسي الحاج شاعراً متميزاً وحاضراً وفاعلاً بقوة.
هنا نبذة مفصلة:

أنسي الحاج

- مواليد قيتولي 27 تموز 1937.
- والده لويس الحاج (1907 - 1995) رئيس التحرير السابق لصحيفة "النهار"
- والدته: ماري عقل (توفيت حين كان في السابعة) فتزوج والده مرة ثانية من أليس حنا نمور.
- تزوج عام 1957 من ليلى ضو ورزقا ندى ولويس.
- تلقى دروسه في مدرسة الحكمة والليسيه الفرنسية.
- بدأ يكتب وينشر مقالات وقصصاً قصيرة وهو على مقاعد الدراسة.
- عام 1956، وكان يعمل في جريدة "الحياة"، كتب مقالة في الصفحة الثقافية عن الأدب العربي، أثار النقمة والغضب عليه من رجال الدين واتهم بالشعوبية. انتقل بعدها إلى جريدة "النهار" وتولى رئاسة القسم الثقافي.
- عام 1957 التقى يوسف الخال وأسهم معـه في مجلـة "شعـر" وظهـرت لـه في الأعـداد الأولـى كتابـات نقديـة فقـط، ولم يبدأ بنشر قصائده إلا عام 1959.
- عام 1960 أصدر مجموعته الشعرية الأولى "لن" عن دار مجلة "شعر" مع مقدمة كتبها عن قصيدة النثر خصوصاً وعن الشعر عموماً. أثارت "لن" والمقدمة حرباً أدبية اشترك فيها العديد من الشعراء والكتاب في لبنان والعالم العربي.
- عام 1963 صدرت له مجموعة "الرأس المقطوع" عن دار مجلة "شعر".
-عام 1964 أصدر الملحق الأسبوعي لجريدة "النهار" وظل يصدره زهاء عشر سنوات.
- عام 1965 أصدر مجموعة "ماضي الأيام الآتية" عن "المكتبة العصرية".
- عام 1970 صدرت له مجموعة: "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة؟" عن "دار النهار".
- عام 1975 أصدر "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" عن "دار النهار".
- لم ينشر شيئاً أثناء الحرب الأهلية في لبنان، لكنه تابع الكتابة وكان يوقع باسم "سراب العارف"، وعاش أقسى أنواع الوحدة والصمت.
- اكتشف المدرسة السوريالية في أواخر الخمسينيات، بعد أن قرأ قصتها في كتاب لموريس نادو. لكنه لم يصبح سوريالياً.
- أمضى في باريس أربع سنوات (1977 - 1981) فرضتها عليه ظروف عمله. ولم يحاول في أثناء تلك الفترة أن يعقد أية علاقة أدبية أو اجتماعية.
- محب للعزلة والانفراد. لا يلبي دعوة إلى مهرجان ولا إلى ندوة، ولا إلى أمسية شعرية، ولا إلى مجرد لقاء. وهو إلى ذلك فقير لا يملك شيئاً من متاع الدنيا غير شقة بحرية مساحتها ثلاثون متراً مربعاً، اشتراها بالتقسيط أواخر السبعينات وعلى مدى سنتين. وليس عنده سيارة وبيته بالإيجار، وهو ذاته منذ أربعين سنة، بلا مصعد ولا ملجأ ومساحته 110 أو 115 متراً مربعاً.
- ساهم في إطلاق الحركة المسرحية الطليعية في لبنان، عن طريق الترجمة والاقتباس، فترجم مسرحية "كوميديا الأغلاط" لشكسبير، ومسرحية "الملك يموت" لأوجين يونسكو، كما ترجم "العادلون" لألبير كامو، و"القاعدة والاستثناء" لبرشت، و "نبع القديسين" و"رومولوس الكبير" لدورنمان و"الآنسة جوليا" لسترندبرغ. ترجم كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر.
- عام 1988 جمع مقالاته التي كتبها في الصفحة الأخيرة من "ملحق النهار" تحت عنوان "كلمات كلمات كلمات"، وأصدرها في ثلاثة مجلدات عن دار "النهار" .
- عام 1991 أصدر كتابه "خواتم" عن شركة رياض الريس للنشر، وهو عبارة عن نثريات شعرية وفكرية واظب على كتابتها في مجلة "الناقد".
- عام 1994 أصدر مجموعة "الوليمة" عن شركة رياض الريس.
- عين رئيساً للتحرير في جريدة "النهار" بعد وفاة والده في 19/3/1995.
- في 26 تشرين الثاني 1998 اقيمت له ندوة تكريمية في مسرح المدينة ببيروت لمناسبة صدور كتابه "الأبد الطيار" باللغة الفرنسية في باريس.
- في 17/12/1998 قرأ بعضاً من قصائده في معهد العالم العربي في باريس.
- استدعي إلى التحقيق القضائي بعد نشر مقالة في "النهار" للمقدم المتقاعد عدنان شعبان تعرض فيها لأجهزة الأمن السورية واللبنانية.
أقيل من جريدة "النهار" في تشرين الأول 2003.
- عام 2007 صدرت كتبه في طبعة شعبية في ثلاثة مجلدات ضمن سلسلة "الأعمال الكاملة" عن "هيئة قصور الثقافة" في القاهرة. ضم الأول: "لن" و"الرأس المقطوع" و"ماضي الأيام الآتية" والثاني: "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة" و"الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" و"الوليمة" فيما حوى الثالث "خواتم" بجزئيه.
- كتب في جريدة "الأخبار" صفحة أسبوعية تحت عنوان "خواتم 3" تنشر كل سبت.
توفي في 18 شباط 2014 بمرض عضال.

***

كبير السحرة

أحمد بزّون

تاريخ المقال: 18-02-2014 01:49 AM

أنسي الحاجهو فيلسوف وفنان ورسام وشاعر وقاص وباحث ومؤرخ... كل تلك الصفات دفعة واحدة، لكنها لم تكن بمجملها صفات ممتلئة، فالمبدع الإيفواري الأفريقي، فريدريك برولى بوابريه، الذي توفي من أيام في عاصمة شاطئ العاج "أبيدجان"، لم يكن فيلسوفاً على هيئة فلاسفة الشرق والغرب، ولا فناناً يعتنق مدرسة أو أطلق تياراً تشكيلياً، ولا واحداً من شعراء الحداثة الكبار في العالم، ولا باحثاً عالمياً أو قاصاً يمخر عباب تقنيات القص المعاصر... لكنه مع ذلك كان "الرجل الذي لا ينسى". كيف كان ذلك؟
ربما لم يُحدث الرجل تحولاً في العالم، إنما كان نبي قومه، وساحرهم وملهمهم، كونه أخرج شخصية "بيتي" القومية الأفريقية إلى الحياة، بعدما كانت شبه مطموسة، أخرجها من النسيان والذوبان إلى العلن، فهي تَعِدُّ قرابة 600 ألف نسمة. ولهذا السبب كان الاهتمام الدولي به، إذ كثيراً ما كانت منظمة اليونيسكو تبذل جهداً في إحياء اللغات القومية للشعوب الصغيرة وترميمها وصرف أموال في سبيل هذا الهدف، ليتسنى للعالم أن يتعرف على تاريخها وثقافاتها، فإن المبدع الراحل عن 93 عاماً استطاع أن يقوم وحده بهذه المهمة، فاخترع أبجدية للغة "بيتي" المحكية، تتألف من 448 إشارة، تؤلف كل منها مقطعاً. مع ذلك اعتبرت لغة "بيتي" سهلة وتصويرية، مشغولة بأسلوب قريب من الهيروغليفية، وقد استلهم مؤسسها هذه الأبجدية من الرسوم التي رآها على الصخور. ثم رسم العديد من اللوحات التي تبدو كأنها تؤرخ بالأشكال البصرية لهذا الشعب. وبعد ذلك كتب القصص بهذه اللغة، وأرّخ لقومه وعاداتهم وتقاليدهم.
لم يكن بوابريه فناناً تشكيلياً يخوض غمار التجارب اللونية أكثر مما كان فناناً غرافيكياً، وقد تأخر حتى اعترف به العالم فناناً، ثم هو انتظر حتى حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وأنهى خدمته في بحرية المستعمر الفرنسي، فكان معرضه الأول خارج بلاده عام 1989 في برلين، قبل أن ينطلق إلى مدن وعواصم أخرى مثل لندن وباريس، وشارك في بينالي فينيسيا وسيدنى وساو باولو واسطنبول وموسكو، وكان آخر معارضه قبل عامين في أبيدجان.
لم يكن بوابريه بعيداً عن فكرة النبوة، فهو كان يعتبره الجميع أشبه بالمنقذ، الذي انتشل قومه من الضياع، ورسم حدوده التاريخية والثقافية. بل قيل إنه ما قام بكل مهامه الجليلة لرفع اسم "بيتي" إلا بعد أن سقط عليه وحي أو ألهم تلك المهمة الجليلة. وهو قال إن أفكاره ولدت عام 1948، حين "انفتحت السماء أمام عينيّ ورسمت سبع شموس ملونة دائرة من الجمال حول الشمس الأم، فأصبحت الرجل الذي لا ينسى". وليس غريباً عن أفريقيا الفضاء الممتلئ بالروحانيات والخرافات والسحر، حتى أن المعرض الأول الذي خرج به بوابريه إلى العالم حمل عنوان " أرض السحرة". وهو في النتيجة لم يكن أمام شعبه إلا كبير السحرة

تاريخ المقال: 18-02-2014 03:16 PM

*****

الشاعر والوحش

عن "أ.ف.ب"- "النهار"

الياس الديري

أنسي الحاج بيني وبينك أنسي، قهرني رحيلك. وزرع في نفسي حزناً قاسياً كحدّ السيف. وحين غمَرتُك للمرّة الأخيرة وطبعتُ على جبينك العالي قبلة، أظنّك سمعتني أهجو ذلك الوحش الذي غدَرك، وجعلَك تُبكّر في الرحيل، وكنا لا نزال نفكّر في ما يلي في هذه الدنيا الفانية، وفي هذا الهجير الصحراوي، وسط ضحالة مريعة.
يا رفيق الزمن الجميل، يا صديق الأيام الصعبة، ستسامحني لأنني لست الآن في وارد الحديث عن الشاعر المُتمرّد، والكاتب المُبدع، والظاهرة التي شكَّلْت نجمتها وأنت في أول الطريق مع ذقن وشاربين وشعر طويل وصوت يرنّ مثل النحاس، وصيت لعنترة الكلمة سبق صيت عنترة السيف.
ولا عن ذلك الأبيّ الأنوف الأنيق الجميل الذي كُنتَه وحافظتَ عليه وعلى خصاله كلها، حتى خلال صراعك ونِزالك مع ذلك الوحش. فغلَبتَه مرّة، ثم مرّتين. ثم ضقت ذرعاً به.
همّي الآن، كل ما أرغب فيه وأودّه الآن أن أحكي مع أنسي. أُنسي ورسولاته بشعور طويلة حتى الينابيع. وبعشق تهتف له الأمكنة والليالي والصباحات، من سوق الطويلة إلى شارع الحمراء إلى باريس إلى الحمراء ثانية. فإلى الوحدة الصارمة الشروط. إلى الغربة التي لم نستفق منها إلا بعد اندثار كل الأوهام وكل ما ضحكنا له ضحك طفلين معاً، وكل ما طرّزناه على الأوراق والصفحات والجدران، وبشتى الألوان والألحان.
ثم إلى أمّنا الخالدة في نفوسنا وأجسادنا وأقلامنا وكلماتنا، السيّدة الأولى التي تختصر حركة الدوران للزمن والفصول والأعمار، والتي تُدعى "النهار".
لا أدري كيف حملت حالي بعد عودتي من وداعك، وسرت في اتجاه المكان الذي كان يقيم فيه مقهى "لاروندا"، حيث كنا نتجمّع لننطلق صوب مطعم مروش لنملأ بطوننا فولاً مدمّساً. غير أنني لم أهتدِ إلى معالم ذلك المكان. فزعلت، ويمّمت وجهي صوب سوق الطويلة حيث كانت تجثو تلك القرميدة التي استضافت "النهار" ردحاً من البدايات الصاخبة، وحيث كان مكتبك يلاصق مكتبي، فلم أجد معْلَماً واحداً من زمننا.
أين ذلك السلّم الطويل بدَرَجاته التي كانت تقاصصنا في الصعود والهبوط؟ كأن كل شيء تحوّل ذكريات من الأطلال.
لن يكون من السهل بَعْثرة كل هذه السنوات التي أمضيناها معاً، وبمرّها قبل حلوها. ولكن حتى المرّ منها كان يُضحكنا، ويدفعُنا إلى المزيد من العطاء والتضحية والمضيّ قُدماً في بحر هذه المهنة العاقّة الذي لا قرار له.
بل سيكون من الصعب والمستحيل معاً تصوّر أية نهضة فكريّة أدبيّة شعرية نثريّة، ما دام أنسي الحاج قد طوى جناح المغامرة والمنازلة ومضى، إنما على مضَض. وبغير رغبة منه، بل بحسرة وغضب.
لقد كان عنده الكثير ليقوله ويكتبه ويترنّم به، ويجعله يشعرنا بأن الدنيا، دنيانا على الأقل، لم تصبح ظلاماً كلها، ما دام أنسي الحاج لا يزال شاهراً قلمه، وشاهراً ضحكته التي تنشر الفرح على مسافات بعيدة.
لكن الوحش أبى إلا أن يغدره. وأبى إلا أن يزرع في قلوب البقيّة الباقية من إلأنقياء هاتيك الغصة التي لا تختلف عن الجمر.
حين تناولت قلم "البيك" لأحكي معك كتابةً، وجدتك تحضر بكل ما في أرجائك من هديل وهدير وغضب وسخرية وحب وشجاعة وثورة ورقّة، لأنك تعرف أن ما من رفيق آخر، استطعت الاهتداء إليه بعد نأيك وانحساري.
أحبّك أنسي، وسأظلّ أتفقّد أماكننا المفقودة إلى أن تتعب الشيخوخة من الضجر والفراغ.

*****

شعراء شبان يتحدثون لـ"النهار" عن أنسي الحاج الحرّ المتمرد المعلم

(من ارشيف "النهار") - "النهار"
18 شباط 2014 الساعة 20:56

فاطمة عبدالله

أنسي الحاج يُمكن لإستراحة أنسي الحاج ألا تُشبه استراحة الشمس هذا المساء. ألا تُشبه شيئاً يُحَسّ، أو تتداوله الأيدي. كالنسيم وهو يلفح مَن يشعر بالاختناق، أو عصفور يأوي الى عشّه ويرجئ الى الغد زقزقته. نُدرك ان الرجل عذّبه المرض. مرضُ ان يحتمل الانسان الأرض ويُذعن للعيش بين التفاصيل. أفدنا نحن من استراحته، إذ جعلنا نحتاج ان نحزن. ان نحتضن خيالاً أو قصيدة. ونكتب عنا بينما ندّعي ان الموت ملاذُ التوّاق الى سكينة، وان الحياة تستمر، فيما نحن في حاجة ماسة الى البكاء رفضاً لهذا الفراق. كنا نرجو للجمال ألا يرحل، أقله في هذا الزمن. لكنه يخذلنا.
ذلك قد لا يليق بنا ان نعرّض جمال أنسي الحاج لامتحان الرثاء. ما نريده من شعراء جيل شاب، حضوره فيهم، بعدما شكّل أخيراً في وجدانهم نزعة سهّل "فايسبوك" التعبير عنها. نسأل ألفراد الخوري، لوركا سبيتي، فوزي يمين، جنى الحسن، وزهرة مروة عن معرفتهم به وتأثيره فيهم. تندفع الصور ليكتمل التجلي، وإنما للقدرة ان تخون المرء أحياناً، فيتلعثم، ويخرج القليل مقارنة بالرجل المُحتَفى بصعوده الى العلياء، الغافي مثل طفل في جوار أمّ أوصته ان يكبر على مهل.

لم أشأ أن أعرفه
رآه الشاعر ألفراد الخوري، مرة، منذ سنوات عدة، قبل عيد الميلاد بيومَين أو ثلاثة، داخلاً إلى مجمّع الـ"ABC" من الباب الخلفي. "كان الليل في الخارج، دافئاً وغريباً، وكانت تصحبه صبيّةٌ بيضاء متوسطة القدّ". أخبِرنا عن اللقاء وكأنه الآن: "الصورُ تتلاطم في رأسي، ولا أستطيع. كان لرؤيته وقعُ ظهورٍ عجائبي، من الصنف النادر والحاسم، مع كلّ ما يستتبع ذلك من ارتباكٍ وذهول!".
يُكمل: "وقفنا عند الباب. "أنا بحبّك كتير، مغروم فيك،" قلتُ له. ضحك وقال، "أنا بشكرك، رْفَعْتلِّي معنويّاتي". لوّنني الخجل. لا أعرف ماذا قلنا. ضحكنا. صافحته. واختفى. بعدها، رأيته مراراً أمام منزله في الأشرفية، قرب دير اللعازارية. ومرةً، ذات مساء غريب، مجتازاً مدخل بناية "الكونكورد" في الحمراء، ببدلته الكحليّة ورأسه المردود إلى الخلف".
لم يشأ يوماً أن يعرفه، يُتابع: "حتّى عندما همّزنا، أنا وبعض الأصدقاء، لزيارته ودعوته إلى إهدن حيث ننظّم معرضاً للكتاب كلّ صيف، لم أشأ أن أذهب". أدمَنَ "خواتم" نهارات السبت على مدى سنوات، ولا يزال يحتفظ بسبوت "الأخبار" كلّها تقريباً، "مشقوعةً يلفّها الغبار والشغف". ويذكر الأيام التي لم يكتب فيها. "الأسابيع الأخيرة من حزيران عام 2008، مثلاً. كان يأخذ عطلته السنوية في هذه الفترة من كلّ عام". يُخبرنا بأي حدة وعنف وقعتْ عليه الجملتان اللتان تفتتحان مجموعة "الرأس المقطوع": "ذهبَ غرابٌ/ يحوّم فوق المسك الممضوغ والأجناس المطفأة./ أشعل الغلامُ المطلُّ لفافة الاستمناء الكبيرة"."لا أزال أذكر معلّمة اللغة الفرنسيّة تقرأ نصّ "أين كنتَ يا سيّدي في الحرب؟"، مترجَماً إلى الفرنسية طبعاً! لا أزال أذكر افتتاح معرض الرسام الراحل بيار فرشخ في إهدن بدايات صيف 2012. يومها قالوا لنا سيأتي. انتظرناه. لكنّه لم يأتِ. عرفتُ أنّه لن يأتي. وانتظرته. لم أشأ أن أعرفه يوماً. فقد كنت ألاقيه هناك، في المدى الليلكي، في تلك اللحظة المخطوفة، "قبل أن ينام وقبل أن نستيقظ".

العفوي الخائن زوجته
كان العام 2002 حين تعرّفت اليه الشاعرة لوركا سبيتي في "النهار". تساءلت: "من أنا لأستحق كلماته؟"، إذ وجدته يُشجعّها على المزيد من القصائد المُستفزّة، مقدّماً اليها فرصة نشر بعضها، فيما هي المُبتدئة الباحثة عن فُرص. "أحَبّ شعري"، تقول، "ولا سيما تناولي الموضوعات الجريئة". حظيت سبيتي، ضمن برنامجها "صوت الشعب" على لقاء شامل وإياه في 2012. "بدا الأمر مغايراً للمُتوقَع، فلم نتكلّم في الشعر". أخرجتْهُ من اطار قصائده، الى اليتيم الذي فقد أمه، والوحيد في مرحلة المُراهقة. "خالجه شعور بالراحة بينما يتحدّث. أخبرني عن زوجة أبيه، وعنه العاشق زوجته حتى النهاية، لكنه برغم العشق خانها، ولم يتوان عن ذكر ذلك. لمسَت عفويته وهو يتفوّق في الحوار. يا له من انسان جميل، جماله في ذاته قبل ان يكتُب. لم تُخبرنا قصائده ما أردنا معرفته عنه".

لامع متمرّد شكّاك كأوغسطين
وكأنه يغفو الآن، وبعد برهة سينهض حاملاً "خواتمه" الينا. الشعراء أيضاً موتهم مُتوقّع، وليس قول الشاعر فوزي يمّين انهم "يتركون كتبهم عذابات لنا"، إلا وصفاً رائعاً. انسحب تأثره به على تحصيله العلمي، فأعدّ عن "لن" و"الرأس المقطوع" رسالة الديبلوم، وعن كتب أخرى رسالة الدكتوراه. يراه شاعر "الطريق الصعبة". انطلق من مخاض الشعر وصولاً الى الخير، ولم ينطلق يوماً من مسلمات. "عشقته كونه شاعراً تمرّد على ارث الماضي ونال الحرية بكل تناقضاتها". التقاه مرتين، وظلّ يُفضّل التعلّق به عبر شعره. يُشبّهه بالقديس أوغسطين، "الشكّاك الرافض للسائد"، ويُخبرنا كم من الليالي أمضاها في صباه يقرأ شعره لأصدقائه. يصفه بالقادر على الحاق السحر بمن حوله، بالحرّ الهدّام اللامع. وليبقى حضوره مُجسَّداً خارج القصيدة ومقاعد الجامعة، أطلق اسمه على ابنه عشقاً وتيمناً.

العارف بالشخصية من الاسم وتاريخ الميلاد!
أهدته الكاتبة جنى الحسن روايتها "أنا هي والأخريات"، ولم تتوقع ان يذكرها في كتاباته، ويشجّع صاحبتها "بكثير من التواضع، كأنني وإياه أصدقاء من قبل". تُسميه "بريئاً"، كـ"الأطفال وهم يُدهشون بما تلمحه العين". راح يتقدّم في السنّ وهو لا ينفكّ يتكلم على أشياء تذهله. تجد فيه ما يُشبهها، "ففي شعره أحاسيس ندركها من دون ان نجرؤ أحياناً على الافصاح عنها". تتذكّر حين التقته، ورآها شابة فاستغرب لمسة كآبة في كتاباتها. احتجّ: "بعدا الحياة قدّامك". نلمح في صوتها غصّة، فالراحل باغته المرض باكراً، ولو لم يفعل لكان سيُكمل بكتاباته ان يُجمّلنا. "مرة، حين التقيا، سألني عن تاريخ ميلادي، وراح يُجري حسابات لكشف شخصيتي. بدا خفيف الظلّ، عصياً على العُمر. كانت معرفتي به قبل عام ونصف العام سبباً لأذرف الكثير من الدمع الآن".

"نلتقي"
هل علينا ان نُصدّق انه رحل الآن، وألا ننتظر جديده فجر كل سبت؟ يبدو كذلك. لم تكن الشاعرة زهرة مروة واثقة من لقاء آخر سيجمعها به. التقته يوماً في "الأخبار"، وحين همّت بوداعه، وقفت على باب مكتبه مُترددة أمام الانصراف، وقالت: "نلتقي"، من دون ان تُذعن لاحتمال لقاء آخر. ثم التقيا ثانية، وكان بينهما أحاديث عبر الهاتف، منها لتقويم القصائد، ومنها "ليُهدّئ من روعي أنا الفتاة القلقة". طالما فاجأها بروحه الشابة، وتشجيعه الشعراء الجدد: "نقّح عدداً من قصائدي ومزق عدداً منها أيضاً. شعرتُ أحياناً انه يفهم مغزى قصائدي أكثر مني. لقاءاتنا المتكررة حضّتني على تطوير نفسي وأغنتني ثقافياً. اننا شعراء هذا الجيل مدينون له كونه شكّل لكتاباتنا أباً روحياً. أكاد أنهار أمام رحيله".

النهار- 18 شباط 2014 الساعة 20:24

********

أنسي الحاج... شاعر الوردة والذهب لن يكون بيننا

أنسي الحاجأنسي الحاج شاعر قصيدة النثر الأشهر، وصاحب البيان النظري الأول لها في مقدمة ديوانه {لن} (1960). لا أدري الآن ماذا يمكننا أن نقوله عنه، وهل ثمة ضرورة أو جدوى من الكتابة عن الغياب والرحيل، ما دام صاحب العلاقة رحل وترك نصوصه. هل نصوصه تحمل سره في الغياب؟ في كل مرة يرحل شاعر أو فنان، أو لنقل إنه وهو على حافة الموت، نسارع إلى تدوين المقالات العجاف التي لا تنتهي... روتين فرضته الميديا علينا، ولا نحسن تغييره.

محمد الحجيري

جواباً عن سؤال حول كيف يوجز مسيرته، وجهّته إليه مجلة {كتابات معاصرة} (العدد 38، أغسطس- سبتمبر 1999) قال أنسي الحاج: {غالباً ما سردت الحكاية ذاتها. لا أعتقد أن ذلك يهم أحداً. أندم أكثر مما أفعل ولم أفعل إلا في غفلة من نفسي. وعندما لم يكن أحد يسألني رأيي في الأمور، كالحب والموت، قلت الحقيقة، ولم أعد أقولها دائماً حين صار هناك من يسألني}. ولد أنسي الحاج عام 1937، والده الصحافي الشهير لويس الحاج، كان كاتباً في مجلة {الآمالي}، ثم {المكشوف}، ورفيق درب كل من عمر فاخوري، صلاح لبكي، سعيد عقل، يوسف السودا، توفيق يوسف عواد وغيرهم الكثير.
توفيت أمه وهو في السابعة من عمره بداء السرطان، تاركة له إحساساً عميقاً بالذنب وأربعة أخوة... وحين تزوج والده مجدداً صار له أخوة آخرون لا يعرفهم. تعلّم في مدرسة الليسيه الفرنسية في لبنان ثم في معهد الحكمة. بدأ ينشر قصصاً قصيرة وأبحاثاً وقصائد منذ 1954 في المجلاّت الأدبية وهو على مقاعد الدراسة الثانوية. ولم تنشر له قصائد، لا سيما نثرية، إلا مع أواخر 1957؛ وهي السنة التي شهدت تأسيسه مع بعض زملائه؛ من أمثال يوسف الخال وأدونيس وشوقي أبي شقرا وفؤاد رفقة، مجلة {شعر} في ظل مناخ ثقافي ليبرالي حر، وشكلت هذه المجلة بترجماتها وطموحات روادها صدمة في الوعي الثقافي العربي.
كان الجمهور العربي معتاداً على الشعر الوزني الخطابي الإيقاعي والتفعيلي والنغمي والنمطي المتوارث، حين أتى فريق من الشعراء يقول رأياً مختلفاً ومغايراً في بناء القصيدة وشكلها مصدره وليس التراث العربي بل التنظيرات الأوروبية، بل مصدره اللغة الفرنسية القائمة على الانتهاكات لا المقدسات كما حال العربية. وشكَّل اطلاع شعراء مجلة {شعر} على كتاب الشاعرة والمنظرة الفرنسية سوزان برنار الموسوم بـ{قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا} نقطة انطلاق هؤلاء في استعمال مصطلح {قصيدة ‏النثر}، بل تحول الكتاب أقنوماً يحدد معيار قصيدة النثر كأنه وزن لها.
وعلاوة على تأثره بهذا الكتاب، ‏وإفادته منه، فقد تأثر أنسي بشعر وشعراء أوروبيين آخرين؛ كما صرح بذلك في حوار أجري معه، ونشر في ‏صحيفة {الحياة} اللبنانية. كان ثمة عداء صارم للتراث العربي وولاء للتراث الغربي لدى الحاج، وكرس العداء في مقدمة كتابه {لن}، وهو استدرك لاحقاً أنه لو أعاد كتابة المقدمة لكان أكثر طراوة. ويقول في مكان آخر: {عندما أعود إلى المرحلة التي كتبتُ فيها {لن} نهايةَ الخمسينيات، كانَ هاجسي الأساسي أن أقول أكبرَ قدرٍ ممكنٍ من الحقيقة التي عشتها وغصت فيها. لم أُردِ التزيين، أردتُ شعر التجربة الحيّة الحقيقية التي أعيشها. لم أُردِ التوصيف ولا صناعة الجمال، فكانت الكتابةُ كيانية. فحتى اليوم ما زالت هناك أمورٌ مُغلقةٌ في {لن}، وقصدتُ إغلاقها، وأعرفُ تماماً لِمَ أغلقتها؛ فهي مرعبة جدًّا، إذ وضعتُ الكوابيس كلّها وبعض التنبؤات... إلخ، بقالبٍ غامضٍ عن عمدٍ، لا لأنّني لا أعرف كيف أقوله. غيرُ ذلك تصبحُ الكتابةُ الأدبيّةُ بلاغاً}.

{لن}

أنسي الحاج ليس النبع الأول لقصيدة النثر العربية، فقد كتب قصيدة النثر قبله كل من سليمان عواد وتوفيق صايغ وآخرون، إلا أن إبداعه وتنظيره النقدي في هذا الإطار كانا ‏متميزين؛ ذلك بأنه أول من أصدر مجموعة شعرية تجرأ على وسم نصوصها بـ{قصائد النثر}. يقول عن تجربته الشعرية في ‏المجموعة المذكورة: {تجربة {لن} كانت صادمة بالمحتوى مثلما كانت بالشكل. الصدمتان متداخلتان. {لن} أول ‏كتاب يسمي نفسه {قصائد نثر}، لكنه ليس أول كتاب من نوعه... ثمة أدباء عرب كثيرون عالجوا الكتابة الشعرية ‏نثراً، لكنهم أطلقوا على نتاجهم مسميات مبهمة؛ كالقطع الوجدانية، أو الشذرات الفلسفية، أو النفحات الشعرية... ‏إلخ، من هؤلاء: أمين الريحاني، وجبران خليل جبران، ومي زيادة... تجربتي كانت بمثابة تأسيس نوع معلن ‏وشرعي. على صعيد المضمون لا أذكره إلا أنني أذكر دراسة خالدة سعيد عن {لن}. ثمة مقالات تحتضن كالأم. هذه ‏منها. لولا برهان الزمن لقلت: لولا دراسة خالدة سعيد لما كانت {لن}...}.
لا شك في أن الكتاب تحول {أقنوماً} بالنسبة إلى كثيرين بدءاً من عنوانه مروراً بلغته وزمن وصاحبه، وكان الديوان مشروعاً فردياً وبياناً شعرياً استتبعه الحاج بديواني {الرأس المقطوع و{ماضي الأيام الآتية}، واعتبر بعدهما {إبليس الحداثة}. لكن الحاج يبدو أنه تعثر في استكمال تلك التجربة أو ذلك المشروع، توقف عن كتابة قصائد تقوم على الانتهاكات ولجأ إلى تدوين قصائد فيها نفحة مقدسة وإنجيلية ومسيحانية وهي التجربة التي حظيت باهتمام شعبي أكثر من تجربته السابقة ربما لأنها تخاطب الوجدان على عكس تجربة {لن} التي يخاطب فيها الشاعر ذاته وقلقه وتوتره، وأقصد بالتجربة الجديدة {الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع} الذي قال عنه الشاعر سعيد عقل إنه {كتاب الحب الذي سيقرأه الجيل على أنه كتابه. الحب، فيه، مغنّى كما ولا أجمل، ومغنّاة فيه قيم تنبع منه فتزيده توهجاً ومعمارية. ونتذكر أن قلم أنسي، الذي من نار، هو معماريّنا الأمثل}. وثمة كتاب آخر للحاج على المنوال نفسه وهو {ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة؟}.
وكانت للحاج تجربة مختلفة في كتاب ملحق {النهار}، حيث كتب مقالات كثيرة تتميز بذائقة نثرية فريدة، صارت علامة من علامات الكتابة الصحفية الأدبية، وجمعها الحاج في كتاب {كلمات، كلمات، كلمات}. وصمت خلال الحرب، كان له موقف هو الصمت، إلى أن صدرت مجلة {الناقد} عن دار {رياض الريس} في بيروت في نهاية الثمانينيات، فبدأ كتابة مقالات فلسفية وجدانية شعرية شذرية تحت عنوان {خواتم}. وموازاة مع اهتماماته الأدبية إبداعاً ونقداً وترجمة، اشتغل الحاج في الصحافة منذ أواسط الخمسينيات؛ فكتب ‏مقالات في أشهر الصحف اللبنانية. وعام 1994 أصدر مجموعته {الوليمة} التي جاءت بعد انقطاع شعري دام أكثر من عشر سنوات، فنراه في هذا الديوان يميل إلى الاختزال واستخدام تعبيرات ذات مسحة رومانطيقية معطوفة على لغة نثرية واضحة وجلية، وفي نهاية ديوانه {الوليمة} كتب:

تريدون شعراً،
ومتى كان الشاعر يكتب شعراً
تريدونه في سره في تأليفه
تريدون تلك الظلال، وذلك التجديد
وتريدون الرموز والأشكال!
والموسيقى والصور!
اذهبوا اخرجوا من هذه الغرفة
كان شعر، ولم تكن عفوية
وكانت عفوية، ولم يكن شعر
وكان الشعر والعفوية فظل مكان
مكان اللا الامام
جائع
جائع
جائع تسمعونن جائع
واصبحت الطعام
أصبحت طعام الحب.

خلاف مع جبران تويني

حين غادر أنسي الحاج جريدة {النهار} عام 2003، فعل ذلك في خضم الهجوم الأميركي على العراق {الصدامي} بعد خلاف من الراحل جبران تويني، كان جبران متحمساً لإسقاط صدام، وكان أنسي معادياً للغزو الأميركي. بدأت القصة بخلاف مهني حول تغيير الصور التي اختارها الحاج للصفحة الأولى، وانتهت بما يشبه الخلاف الشخصي. كان جبران ربيب أنسي في شبابه وبداياته المهنية، غادر الحاج النهار وبدا لحظة المغادرة كأنه يغادر وحيداً. قلة وقفوا متضامين معه وهم من اليساريين أمثال الياس خوري وإميل منعم والراحل سمير قصير، إلى جانب عقل العويط، وبقي خارج الصحافة والنشر إلى أن انضم إلى جريدة {الأخبار} بعد تواصل مع زياد الرحباني الذي جمعه بأصحاب الجريدة. وبدأ الحاج يكتب شذرات {خواتم}، وقد فاجأ بعض مريديه بمواقفه التي كان يطلقها التي تتناقض مع مواقفه في مسار حياته السابقة. يقول عن تجربته في الأخبار: {كلّ أسلوبي تغيّر في مقالات الأخبار. أنا شخص آخر ربّما تكملة لـ{خواتم 1 و2 و3} التي نُشرت في مجلة {الناقد} وهناك مشروعٌ آخر مكمّل. في صحيفة {الأخبار} أكتب لقارئ لا أعرفه ولا يعرفني وربّما لم يسمعْ بي من قبل، أتوّجه إلى شرائحٍ أخرى وأعمارٍ جديدة، وميولٍ سياسيةٍ مختلفة عنّي تماماً، بعكسِ قارئ {النهار} الذي نشأت معه وأعرفه ويعرفني و{صرنا من أهل البيت}، ولم يحتج إلى اكتشافي ولا إلى اكتشافه}.
كثر تأثروا بأنسي الحاج ولغته وتجربته وصاروا {تلامذة} مفترضين له، بل صار شاعرهم المفضل عقدتهم في الحياة والكتابة والتجربة والتنظير، كان بعضهم يكتب ديوانه أو مجموعته الشعرية وحتى القصصية وينتظر أن يدّون شاعر {لن} كلمة عنه، كأن كلمة واحدة من {بطريرك} قصيدة النثر تعطي دفعاً أو حياة لبعض دواوينهم.
استطاع أنسي الحاج أن يصنع شخصيته ويكون له قاموسه حيث يجمع بين الرومنطقية الحادة والمواقف الملتهبة والوجدانية العميقة والغامضة واللغة العنيفة والرقيقة واللالغة، قد نحب شعره وقد لا نحب، هذا الأمر لا يغير في معادلة أنه له رمزيته في النثر الفني الأدبي الصحفي وفي شعر النثر الذي أطاح بالشعر التقليدي.

«خواتم»

عندما يحصل الحبّ تهجم العاصفة عمياء. يتجسّد الجنون على شكل قلب.
كلّ حبّ اغتصاب.
* * *

ما يحّبه الرجل في المرأة ليس فقط ضعف الكائن الاجتماعي المستضعَف والمستغَلّ، كما يعتقد بعض النَسَوّيات. ثمّة ضعف آخر فيها يستهوي، هو {قلق الأم} على الرجل، ولو عشيقها، ولو أكبر منها سنّاً. تلك الرقّة المسؤولة التي هي في باطنها حكمة وقوّة عندما تطوّقان الرجل لا يصمد له من قوّته المزعومة سوى العضلات.
* * *

الحقيقةُ عقابُ الغيرة.
* * *

أَصْدَق ما في الحبّ الغَيرة، قاتلتُه.
* * *

يوم ظننتُني انتصرتُ على غيرتي كنت، في الواقع، قد بلغتُ قاع الاحتمال، فاستقلْتُ من المنافسة حتى لا أغار. ظننتُها قمّة التضحية، وكانت ذروة الأنانية.
* * *

ليست دموعُكِ ما يُقْنعني بل هو شعوري بعبثيّة حقّي. فجأةً تغمرني أمواج عبثيّة هذا الحقّ وأَستسلمُ متنازلاً عنه لأيّ شيء تريدين، بما فيه الخداع، حتى أتفادى عبثيّة أُخرى أسوأ، أَسْمَك: عبثيّة الحقيقة.
* * *
نستطيع أن نفتدي الحبّ كما نفتدي خطايانا.
* * *

يتحدّث الرجل عن التخطّي وتفكّر المرأةُ في العناق.
هو يَخْرج
وهي تَدْخُل.
خلافاً للشكل المظنون في التواصل.
* * *

تتجنّب الحبّ حتى لا تصل بَعده إلى البغض.
تتجنّب البغض حتى لا تصل إلى اللامبالاة.

تتجنّب اللامبالاة حتى لا تصل إلى الحبّ.
تتجنّب الحبّ حتى لا تقع وراءه في القَفْر...

أنت كيفما درتَ خرابُ ما قَبْلَه، أو ذكرى نَفْسك.
موجةُ حركةٍ عمياء،
وصدى موجة...

* * *

كنتِ أجمل لأن ابتسامتكِ كانت ابتسامة فتاة مظلومة تُغالب حزنها، وتُسامحْ.
كنتِ تُحرّكين شعوراً بالذنب تجاهكِ ونَخْوَةَ الحماية.

لما تَحَرّرتِ، فرغتْ عيناكِ.
أأقول: واأسفاه على خوابي العذاب! وكلّ ما أبغيه هو بلاغته من دونه؟

* * *

قالوا فيه

(...) إنني أعزو هذه الغرابة في التعبير عند أنسي الحاج ونعْت هذا التعبير بأنه غير عربي، إلى كون أنسي الحاج قد أدخل إلى المفردات الشعرية العربية تعابير غير متداولة في الشعر. وهو لم يدخل فقط ألفاظاً جديدةً، بل أنه أغنى القاموس الشعرى العربي، إذا صحّ التعبير، بمفردات أدخل الكثير منها دفعة واحدة فظهرت غريبة خارجة على المألوف. لكنه لم يكتف بإدخال مفردات جديدة على التعبير الشعري العربي: إن الكلمة التي حملها، قد حمّلها أكثر مما تعوّدنا أن نرى. اللغة في «لن» تنفجر بمعان غير مألوفة، وهي موضوعة في سياق غير مألوف، هذا هو وجه الغرابة.
لولا الشعر تموت اللغة، تموت بالفعل. ومن هذا المنظار، أهمية {لن} إنها أدّت خدمة كبيرة في إحياء اللغة وتجديدها. وهذه الناحية تنعكس، من دون ريب، على طبيعة شعر أنسي الحاج وموقفه من الحياة. لقد رأينا أنه رافض. وهكذا رَفَضَ التقليد، رفَضَه شكلاً ومضموناً.

يوسف الخال

أنسي الحاج رفع قصيدة النثر إلى مستوى الشعر الحقيقي. فلغته لغة حضارية، لمّاحة، متوهّجة، ناضرة، شفّافة. أنسي رفيقي على درب الشعر الطويل، وأنا فخور بكل كلمة كتبها أو سيكتبها. إنه نموذج للشاعر الحقيقي حيث يلتقي الشعر والرسولية في جسد واحد. إني أحبه وأحلم دائماً أن أقتني واحداً من خواتمه.

نزار قباني

الحرب قد لا تبكيني. أغنية صغيرة قد تبكيني، أو كلمة لأنسي الحاج. هو تؤامي (...) أحترم أنسي الحاج لأنه بقي في بيروت تحت القصف، وأحبه شاعراً شاعراً وناثراً وصامتاً.

محمد الماغوط

هذا الشاعر الذي يكتظّ بنفسه حتى لا يختلط بأحد ويشفّ حتى لا يعود أحداً، بل يصبح حالة مكاشفة بين الكائن وذاته، وبين الروح وصدئها المتراكم.

شوقي بزيع

ثمة شيء يخيفني في تجربة أنسي الحاج، لا أعرف كيف أصفه. ربما على شكل سؤال: ما الذي كان يحدث لو أن أنسي الحاج كان مسلماً ويكتب باللغة نفسها وبالروحية نفسها التي كتب بها؟ حتماً لحدث تغيّر حقيقي في مسيرة الكتابة العربية، لأن تمرّده حقيقي، وغاية كل تمرّد حقيقي الباطنة هي ردم الدلالة الدينية للغة التي ترتكز عليها صلة ثقافة بتراثها. وكثيراً ما كان هذا مضمراً في كتابات أنسي الحاج. أقول مضمراً، لأنه آخَر، غير مسلم، لا يحقّ له هَتْك سرّ المحرّم الاجتماعي (...)
أنسي الحاج ليس مجرد شاعر له دواوين. إنه أشبه بشعرية، حركية لها النموذج والتنظير. ويجب أن يُقرأ شعره من خلال ما كتبه ويكتبه من مقالات تأملية أو تنظيرية. لكن هذه الحركية، هذا الشاعر المرفوض كآخر من قبل لاوعي جماعي مكبوت، ستظل مجرد أحلام يقظة تشغف بشغاف المحرّم، تحتاج إلى يوم صافٍ لكي نتنفسها هواءً صحياً، شعوراً اجتماعيا تدركه أجيال جديدة (...)

عبد القادرالجنابي

«لن} و{الرأس المقطوع} حدث في اللغة العربية لم تستوعبه بعد، أي لم تحوله إلى تاريخها وتراثها. فهنا كتاب مضاد للأدب. وكتابة لا يمكن أن تُتناول بالمعيار الأدبي أو تُقاس به (...) هي دعوة لجمالية أخرى لم يكن في وسع الجملة العربية المقنّنة المقطّرة المعلّبة أن تقبلها: كتابة تتم في تجاهل تام للأدب المكتوب بحقلي ألفاظه ودلالاته. بصلته بالمادة الأولى. بقيمته المتضمّنة. هنا يسقط الحيّز الأدبي نهائياً فيتدفق قاموساً ومجازات لم تكن البتة في الاحتمال، وهنا تبقى الكتابة على صلة بالفم والعصب. فتتسع لنص يستمد إيقاعه من توتر داخلي ومن نضارة اللغة الشفوية ومفاجآتها.
... سعى إلى كتابة شاملة، إلى نص خارج على النوع، ويخلط بين الأنواع.

عباس بيضون

الشاعر الذي غيّرنا وغيّر الشعر العربي لا يملك من صفات الشعراء {الكبار} شيئاً... إنه العاشق الذي لا يزال ينتظر الحبيبة بقصيدة ووردة.

أمجد ناصر

{لن}، هذه الصرخة السلبية الإيجاب، لا تعني عندي، الرفض للرفض، بقدر ما تعني عمل الرفض في مصير الإنسان.

خليل رامز سركيس

أنسي هو، بيننا، الأنقى.

أدونيس

الجريدة 19-2-2014

********

أنا أنسي الحاج منذ لحظات متُّ وقمتُ متُّ وقمتُ متُّ وقمتُ أنا أنسي الحاج أريد العودة إلى رأسي

تحية الى أنسي الحاج بريشة فيصل سلطان

"النهار"
18 شباط 2014 الساعة 14:13

عقل العويط

أنسي الحاج أريد رأسي.
لم يكن لأنسي الحاج من مطلبٍ سوى هذا المطلب، وقد كان مشتهاه الوحيد الدائم. وها، الآن، أنا أراه، من حيث هو، مستعيداً رأسه، هارباً به، مكلّلاً بغار أسراره وكلماته، ملغّزاً، شفّافاً، أبيض حرّاً، إلى آخر ما يمكن ان تحمله الحرية من معنىً.
الآن، يستلقي أنسي الحاج على الغيوم، بين النور والظلام، وقد تعانقتْ في صدره الحياةُ وأشباحُها، ومن رأسه إلى رأسه يرتمي، ليصير مكانه في تلك الأحضان الوسيطة، في يد المعجزة. جامعاً المتناقضات، متناقضات الواقع والكلمات معاً، النثر والشعر معاً، محقِّقاً برحيله المزلزِل، ما كان كتبه يوماً: في كلّ مرةٍ رميتُ نفسي من أعلى الجبل ليبتلعني الوادي، كانت الغيوم الوسيطة تستلقيني. العيون، وأنا أزيد الغيوم، هي أحضان المعجزة.
الآن فقط، في مقدور الشعر المطلق أن يتباهى بتجسداته، ومنها أن يكون أنسي الحاج على الغيوم، وبيننا، وأن يصير طعاماً، وبيننا، طعاماً للحبّ، وللعشّاق و... الكلمات، معاً وفي آنٍ واحد.
والآن، أكثر من كلّ كتابٍ، بل أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ها هي وليمتُه تُقام، ويصير سرابُ العارف هذا، شعوباً لامتناهية من العشّاق، بل شعوباً مثلها من الأشعار، مستجاباً ما طلبه في مستهلّ ديوانه الخامس، بنبرة الخاشع المصلّي، لكن الآمِر أيضاً: "ليكن فيَّ جميع الشعراء لأن الوديعة أكبر من يديَّ"!
وإذا كان أنسي الحاج قد قال يوماً "لا تبحثوا عنّي في كلمة، لست في شيء"، فقوله ذاك ليس "صحيحاً".
فقد "وصف" أنسي الحاج أين مرّ، وماذا رأى. ولم يكن في مقدور النفي أن ينفي، بل أن يحسم. وها هو يفعل.
أعرف أن أنسي الحاج لا يعرف "كيف" مرّ، وماذا رأى. أعرف أنه لا يعرف كيف ظلّ يحتمل الشعر، وكيف ظلّ يحتمله هذا الشعر. لكني أعرف أنه مرّ، ورأى. وأنا، بل نحن، نرى أين مرّ، وماذا رأى.
أعرف أن أنسي الحاج ليس وليد جيل بل "أنا الزوايا المختلفة، سلفاً، في ما بعد، من قديم الزمان والمستقبل./ منذ لحظات متّ، وقمت متّ، وقمت متّ، وقمت. أنا جميل".
يستولي الذهول الشعري الماحق، وأنا أسأل: كيف يحتمل هذا الشاعر أين مرّ، وماذا رأى، وهو القائل "حين كنت ولداً/ كنت أسمع كالنائم وأرى/ ولمّا ما زلت ولداً/ تكدّس العالم في عينيّ"؟
أليس هو المستفهم "أيّ جلدٍ يستوعب هذه الروح؟"، هذه الروح التي تستلقي على جروحها وترى، بعيداً بعيداً عالم أحلامها يتحقق تحت سلطتها الوحيدة، أو لا يتحقق...؟
كيف لا أعرف، كيف لا نعرف، وهو القائل: "عشتم عواصفي وما بعدها، وستعيشون معي عواصفكم وهدوءكم. أحيا فيكم دون سلام ولا خطر عليّ. أموت مطمئناً وأقوم مطمئناً".
وأنا، كيف لا أعرف، بل كيف، نحن الشعراء، لا نعرف، وهو الموقّع اسمه أدناه "أنا الموقّع أمي أدناه/ أسمع المطر ينزل/ جافاً على الاسفلت/ وممّا قلت الآن وقبل الآن/ لن تذكروا كلمة/ لكنّ فمي ارتوى قليلاً/ وهو يروي لمن يريد/ ماضي الأيام الآتية"؟
أليس هو الشاعر الذي كتب لنفسه؟ أليس هو القائل "كتبتُ لنفسي. كلّ كتاب لي هو لشخص واحد. المجد لله الذي أنعم عليّ بهذه القوة"؟
أليس هو الذي وقع على شوك الكلمات، من قلبه وقع كعصفور؟ أليس هو القائل: "وما لا يحدث أحدثتُه فحدث"؟
فكيف يحتمل أنسي الحاج، كيف يحتمل أن يكون الرجل الأمّ، وهو القائل "من كثرة الخبز أطعمت، ومن قطرة الماء غمرت، ومن الألف إلى الياء حملت./ أنا الرجل الأم"؟
والآن، إذ يهرب الشاعر برأسه، إلى حيث يعثر على النوم اللطيف، لَيشرّفنا في "النهار" و"ملحقها"، أن "نردّ" إلى شاعر "لن"، و"الرأس المقطوع"، و"ماضي الأيام الآتية"، و"ماذا صنعتَ بالذهب ماذا فعلت بالوردة"، و"الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع"، و"خواتم"، و"كلمات"، أن نردّ إليه، لا رأسه المقطوع، بل رأسه مكلَّلاً بغار أسراره وكلماته، وأن نفسح له المكان، وهو دائماً له.

النهار- 18 شباط 2014 الساعة 13:29

*****

أنسي الحاج صاحب أشهر «لن» الذي وصف ساسة العرب بـ"الأغبياء"!

2014-02-18 17:49:15

سميرة سليمان

أحب فيروز ورفض مقارنتها بالمطربات الأخريات
إبراهيم داود: الراحل أسّس لقصيدة النثر وخاض معارك كثيرة بشأنها
أنسي الحاج: ألف مرّة ديكتاتور كعبد الناصر ولا مرّة سفّاحون وأغبياء مثل اليوم!.
“كانت لي أيام ولم يكن لي عمر” هكذا كتب الشاعر الراحل أنسي الحاج طالباً منّا في رجاء: “لا تبحثوا عنّي في كلمة، لست في شيء”. “أنا الزوايا المختلفة، سلفاً، في ما بعد، من قديم الزمان والمستقبل./ منذ لحظات متّ، وقمت متّ، وقمت متّ، وقمت. أنا جميل”.
وصف نفسه بالـ”شاعر الملعون” فقصيدة النثر برأيه نتاج شاعر ملعون، ابن عائلة من المرضى على رأسهم الشاعر الفرنسي “رامبو”.
يقول عن نفسه: “كتبتُ لنفسي. كلّ كتاب لي هو لشخص واحد. المجد لله الذي أنعم عليّ بهذه القوة”، ويقول أيضاً: “من كثرة الخبز أطعمت، ومن قطرة الماء غمرت، ومن الألف إلى الياء حملت./ أنا الرجل الأم”.
في‮ ‬يناير عام‮ ‬1965‮ ‬كتب أنسي الحاج تحت عنوان “هذه هي الحياة‮” يقول: “..‬أنا من الذين‮ ‬يعتقدون بالدخيلاء،‮ ‬واللاوعي،‮ ‬والمغناطيس،‮ ‬والعقل الباطن،‮ ‬والحلم،‮ ‬والخيال،‮ ‬والمدهش،‮ ‬والعجيب، والسحر والهذيان،والصدفة،‮ ‬وما فوق الواقعي،‮ ‬وكل ما هو مشبوه فوق الواقع،‮ ‬ولي اهتمامات بالجوانب المثيرة من الانحرافات العصبية والعقلية والنفسية‮ . ‬واعتبر منطقة النفس البشرية أعمق وأكثر تفوقاً‮ ‬من أن‮ ‬يحيط بها أو‮ ‬يحصرها طب نفسي‮ ‬يظن في‮ ‬يده المفاتيح لأبواب هذه المنطقة والعلاج لأمراضها‮”.‬ هكذا يعرف نفسه بأبسط الكلمات.

أخلص كالمتصوفة لشعره
وصفه الشاعر الكبير إبراهيم داود في تصريحات خاصة لـ”محيط” بأنه واحداً من أهم شعراء الحداثة العربية، وهو الوحيد من رواد قصيدة النثر الذي خاض معارك حقيقية، وكان واضحا منذ ديوانه الأول “لن” فدوره كبير في تنامي هذه القصيدة في الوطن العربي، غير مدعي للبطولات مثلما يفعل “أدونيس”، له في الكتابة شأن خاص، انحاز لفن الشعر، بعيداً عن الغوغائية، كما أنه أكثر شعراء جيله تأثيراً في الشباب العرب، واعتبره مع الشاعر الراحل محمد الماغوط أصحاب أهم إنجاز في قصيدة النثر.
لم تقتصر إنجازاته على كونه شاعراً فقط، فقد كان للراحل إنجازات كبيرة في الصحافة اللبنانية، وقد أضاف للصحافة كثيراً حين تعامل معها كشاعر، فقد أضاف لها مهارات جديدة أطالت من عمرها.
كانت معاركه مع خصوم قصيدة النثر، وساعده في الانتصار روح الفنان بداخله، فقد كان واضحاً منذ البيان الذي أصدره في ديوانه الأول “لن” ويعتبر تمهيداً وتعريفاً بقصيدة النثر.
ويؤكد داود أن أنسى هو رائد قصيدة النثر، حتى لو كان أدونيس منظرها، فديوان “لن” 1960 هو الإعلان الرسمى لها، وهى انتفاضة ضد الصرامة والقيد.
كان طموحه هو حرية الانطلاق بالشعر العربي إلى فضاءات دلالية ولغوية جديدة، ومنذ ديوانه الأول إلى “الوليمة”، مرورا بالـ”رأس المقطوع” و”ماضي الأيام الآتية”، و”ماذا صنعت بالذهب ماذا صنعت بالوردة؟” حفر الحاج مجرى عظيما فى ذائقة عشاق الشعر، وأثر في الأجيال الجديدة أكثر من الآخرين، لأنه أخلص لفن الشعر، وأثر أيضا في مهنة الصحافة التي بذل عمره في بلاطها، نثر أنسى المولود سنة 1937، هو فتح فى السرد، ومقالاته التى صدرت فى ثلاث مجلدات هى مصدر إلهام، وللأسف الشديد لم يقرأ جيدا فى مصر، ربما بسبب الخيال التقليدى الذى يدير الثقافة الرسمية، ولكن منزلته عالية عند الشباب الحالم بالتغيير، أنسى شاعر عربي عظيم أنجز مهمته بإخلاص المتصوفة ومحبتهم.

فيروز “صوت أكثر” من الأخريات!
“لن أكون بينكم لأن ريشةً من عصفور في اللطيف الربيع ستكلّل رأسي/ وشجر البرد سيكويني/ وامرأة باقية بعيداً ستبكيني وبكاؤها كحياتي جميل” يبدو أنه كتب يرثي نفسه في شعره.
رحل الحاج وهو من شعر بأنه يكتب “من وراء الكتابة كصوت من ينطق من وراء الموت”،
بدأ العمل في الصحافة في العام 1956 في جريدة “الحياة”، ثم في “النهار” مسؤولاً عن القسم الثقافي، ثم ترأس تحريرها منذ 1992 إلى سبتمبر 2003.
وساهم الحاج في عام 1957 إلى جانب الشاعرين يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة “شعر” وهو يعتبر أحد رواد قصيدة النثر في الشعر العربي المعاصر.
ترجمت للراحل عدد من قصائده إلى الفرنسية والإنجليزية، واستوحى بعض المسرحيين قصائد له فأخرجوها منهم ريمون جبارة، كما استوحى بعض الموسيقيين قصائد له في أعمال موسيقية. وأيضا ً عدد من الرسامين اللبنانيين والعرب كرفيق شرف، منير نجم، جان خليفة، وضاح فارس وغيرهم اقترنت رسومهم بقصائد له.
تميّز الشاعر الكبير بعمله مع الأخوين رحباني، عام 1963، على إثر مقال كتبه عن فيروز، رافضاً مبدأ المقارنة بين صوتها وبين أصوات مطربات أخريات، معتبراً أن في صوت فيروز، “شيئاً أكثر” كما سمّاه، هو العامل الغامض الذي لا يستطيع أحد تفسيره، كما يظل كل “شيء أكثر” في الخليقة يحيّر العقل والتحليل.
والراحل، من جنوب لبنات ولد في بيروت في 27 يوليو 1937. تلقى علومه في مدرسة الليسيه الفرنسية ثم في معهد الحكمة في بيروت. بدأ ينشر وهو على مقاعد الدراسة، مقالات وأبحاثاً وقصصاً قصيرة في مختلف المجلاّت الأدبية في منتصف الخمسينات، وكان على اهتمام خاص بالموسيقيين الكلاسيكيين.
كتب عنه جرجس شكري في مجلة أخبار الأدب قائلاً: “أنسي الحاج عكس كل الشعراء دخل إلى القصيدة مسلحاً‮ ‬بأدوات النثر وليس بأدوات الشعر التي نعرفها‮ ‬،‮ ‬دخل وهو‮ ‬يثق تمام الثقة في النثر أن‮ ‬يمنحه شعراً‮ ‬خالصاً‮ ‬دون دعم أو مساعدة من أدوات الشعر التي نعرفها‮‬،‮ ‬ربما حاوره طويلاً‮ ‬وسأله لا تخذلني‮ ‬يا صديقي‮ ‬،‮ ‬فأنا أؤمن بك‮” .‬
أقوال وآراء
من هو الصديق؟
ـــ الذي تضايقه ويُطَمْئنك
ـــ هل هناك صديقة؟
ـــ تلك التي بقيَتْ رغم الحبّ الذي كان بينكما
ـــ ما هو الحبّ؟
ـــ هو عندما تنظر إليها فيؤلمك جمالها
ـــ ألا يهبط التأثير بعد تكرار النظر؟
ـــ الوجهُ المعشوق محاطٌ بهالة سحريّة والوجه المحاطُ بهالة سحريّة معشوق
ـــ من أين تنبع الهالة؟ من العينين؟
ـــ من كبْتٍ قديم حَوّله الشوق إلى شمسٍ سجينة في الأعماق
- “كان ضائعاً فلمّا وجدها..فَرِحَ على الأرض قليلاً..وطار إلى السماء”.
- “أكثر ما يُخفّف القهر ليس الصراخ والغضب بل الرِقّة”.
- “لم يدفئني نور العالم بل قول أحدهم لي أني، ذات يوم، أضأت نورا في قلبه”.
- “أجمل الأصوات البشرية، أقربها إلى الموسيقى وأبعدها عن الكلام”.
- “يا ليلُ يا ليل/ إحملْ صلاتي/ أصغِ يا ربُّ إليّ/ أغرسْ حبيبتي ولا تَقْلَعْها/ زوّدها أعماراً لم تأتِ/ عزّزها بأعماريَ الآتية/ أبقِ ورقها أخضر”.
- “دعاؤكَ من أجل شخصٍ تحبّه يحميه دون أن تعرفه. حتّى لو كنت أنت هنا وهو في آخر الأرض، يفعل فعل السحر.لا تُضع الوقت، صلِّ لأجل مَن تحبّ. الحبّ يجهل الحدود والمسافات. مِن صدركَ إلى الاستجابة”.
- “الشاعر لا يلطّخ يديه بالسياسة، لكنّ ظهره ينكسر من سكوته عنها وقلبه يتحطّم. الشاعر لا يلطّخ يديه بالسياسة، لكنّ روحه مطعونة بكلّ حربة”.
الشاعر والحب والسياسة
” أغار عليك من المرآة التي ترسل لك تهديدا بجمالك
أغار من حبك لي !
من فنائي فيك
من العذاب الذي أعانيه فيك
من صوتك
من نومك
من لفظ اسمك
أغار عليك من غيرتي عليك !!
من تعلقي بك
من الأنغام والأزهار والأقمشة
من إنتظار النهار لك،
ومن إنتظارك الليل !
من الموت !!
من ورق الخريف الذي قد يسقط عليك..
من الماء الذي يتوقع أن تشربيه ..”
يقول عن الحب:

“الحبّ، كجميع الأحلام، يدوم ما دامت حمايته. يقال إنّ الزواج (أو المساكنة) هو الخطر الأكبر على الحبّ. الخطر على الحبّ هو انطفاءُ شعلته. وقد تنطفئ لأنّ زيت القنديل نفد. هذا قد يستعصي على المعالجة. ولكنْ إذا كانت المساكنة بتفاصيلها الواقعيّة هي التي تُشاغب على الشوق وتُقلّص مسافاته فقد لا يكون لنفاد الزيت إنّما لكسلٍ في خيال الثنائيّ وتقاعسٍ عن التجديد والتأجيج: تجديدُ الأشكالِ والأساليب وتأجيجُ ما يتغلّب على الضجر. يجب أن نعثر على الحبّ، إذا أردنا إنقاذه من الجفاف، في كلّ جيبٍ من جيوبه، وهي كثيرة، وأطيبها السريّ.
ويقول كذلك: “الحبّ أقوى العواطف شرطَ أنْ نُحسن التعامل مع نقاط ضعفه”. “ليس للحبّ عمر. يبدأ قبل الحياة بقليل ويعيش إلى الأبد بعد انتهائها”.
وعن موقفه من بشار الأسد والثورة في سوريا، قال: “هل أنا مع بشّار الأسد أم ضدّه؟ أنا مع قرّائي وقارئاتي في سوريا”!.
وكتب منتقداً الوضع العربي بعد جمال عبدالناصر قائلاً في أحد مقالاته: “كم دولة عضو في الجامعة العربيّة؟ 26؟ 28؟ هذه تتبع السعودية، هذه إيران، هذه إسرائيل، هذه أمريكا... أما من دولة فيها رائدة؟ سيّدة نفسها؟ هذا السؤال ليس لي. ولا لعربي.
هذا السؤال طرحه أمامي شاب إيراني صادق ومتألّم من الحال العربيّة الراهنة.
الراهنة؟
إذا استثنينا مرحلة عبد الناصر، متى كانت الحالة العربيّة غير راهنة؟
شخصٌ في لبنان كان وزيراً قبل عقود لا يزال مقدّموا البرامج والنشرات التلفزيونيّة يعرّفونه باعتباره “الوزير الفلاني”. حنينٌ لبناني إلى عروبةِ الصحراء حيث يولد المرء مؤهّلاً لمنصب وزير خارجيّة إلى أن يموت الوزير الجالس فيحلّ محلّه المؤهّل منذ الولادة ويظلّ في الكرسي حتّى الممات. وهكذا في السلطة العليا، رئيس إلى الأبد.
يوم كان عبد الناصر وقفنا ضدّه لأنّه ديكتاتور. ألف مرّة ديكتاتور كعبد الناصر ولا مرّة سفّاحون وأغبياء مثل اليوم!.
”لن” مهّد لقصيدة النثر
مهّد في ديوانه “لن” وفي بيانه الشعري الذي بدأ به مقدمة الديوان لقصيدة النثر، يقول:
لتكون قصيدة النثر قصيدة نثر، أي قصيدة حقا لا قطعة نثر فنية أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الإيجار (أو الاختصار) التوهج، والمجانية. لقد نشأت قصيدة النثر انتفاضا على الصرامة والقيد، أليست هي وحتى الآن تلك التي طالب بها رمبو حين أراد “العثور على لغة تختصر كل شيء، العطور، الأصوات، والألوان”، وبودلير، عندما قال أنه من الضروري استعمال شكل “مرن ومتلاطم بحيث يتوافق وتحركات النفس الغنائية، وتموجات الحلم، وانتفاضات الوجدان” .
إنها الرفض والتفتيش، تهدم وتنسف الغلاف، القناع، والغل. انتفاضة فنية ووجدانية معا، أو إذا صح، فيزيقية وميتافيزيقة معا.
ويصف شاعر قصيدة النثر بأنه شاعر حر، وبمقدار ما يكون إنسانا حرا، أيضا تعظم حاجته إلى اختراع متواصل للغة تحيط به، ترافق جريه، تلتقط فكره الهائل؛ ليس للشعر لسان جاهز، ليس لقصيدة النثر قانون أبدي.
يجب أن أقول أيضا إن قصيدة النثر- وهذا إيمان شخصي قد يبدو اعتباطيا- عمل شاعر ملعون. الملعون في جسده ووجدانه الملعون يضيق بعالم نقي. إنه لا يضطجع على أرث الماضي. إنه غاز.
ونختتم مع قوله:
“لا تصدّق كاتباً يقول لك “لا أعرف ماذا أكتب”. لا تصدّق الأحياء فالحياة تَلاعُب. لا يَصدُق غير مَن مات عن حياته وأخذ يخاطبك بفراغ النوايا. خذ من كعب ردائه شيئاً للتبرُّك”.

العربية نت – 18-2-2014

********

رحل تاركاً سؤال "ماذا فعلنا بالوردة؟"
أنسي الحاج يودّع "ماضي الأيام الآتية"

تاريخ النشر: 19/02/2014

بيروت - "الخليج":

أنسي الحاج بعد أيام من رحيل الشاعر الكبير جوزف حرب، غاب أمس عملاق لبناني آخر، صال وجال طويلاً في الشعر، من دون أن تفقده القصيدة المتجددة، وله فيها جذور وبراعم وورود، موقعه المتقدم في مجالات ثقافية أخرى، من الإعلام إلى المقالة فالترجمة والمسرح .
رحل أنسي الحاج أمس وبقيت روحه الجمالية مثالاً يحتذى في الفعل الثقافي الرائد، واكب عن قرب حركات التجدد في زمن بيروت الثقافي الذهبي، وكان دائم التحول مع الكلمة والصورة والتعبير . تحولات حقيقية وصادقة تجلت بداية في مجموعته "لن" الصادرة عام ،1961 والتي شكّلت في حينها، قطيعة فعلية مع شعر تربع على عرش القصيدة لعقود طويلة .
بعد "لن"، حضرت "الرسولة بشعرها الطويل" في عام 1974 على قصيدة أنسي الحاج، ومن خلالها دخل إلى القصيدة الملحمية والدرامية، على بعد صوفي روحاني من خلاص الإنسان بالشعر والحب والحرية بأقصى أبعاد الكلمة والشغف .
كرت سبحة الدواوين، فبعد "لن"، كتب الحاج "الرأس المقطوع"، "ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة"، وبعد "الرسولة بشعرها الطويل"، جاء دور "الوليمة" و"الخواتم"، وأغلب الظن أن أنسي ما زال يحتفظ بمخطوطات شعرية كثيرة غابت عن المطابع والمكتبات والإعلام إنما في كلها، تتجلى صورة تحلو تسميتها بصورة "محراب الشاعر في هيكله" .
للشاعر المتعدد الثقافات والاهتمامات في قراءاته التحليلية والتقويمية التي انتظمت حروفاً وعبارات لكتاب "الكون"، فهو البارع دائماً في خلقه الجمالي، أكان شعراً أم نثراً أم مقالة أم ترجمة، أم مسرحاً، وحيث يبدو أن أنسي لم يكن بعيداً عن الخشبة، إنما متماهٍ فيها"، في رأي المسرحي الكبير منير أبو دبس الذي كشف أن أنسي دخل أحياناً في تجربة تمثيلية، أو ربما تخايل تجسيد شخصيات مسرحياته لتأتي بهذا العمق والإبداع .
في هذا الإطار يتضح أنسي الحاج الرائد عندما عمل في مجلة "شعر" وقد تسلّم سكرتير تحريرها لسنوات عدة، حيث يكشف الناقد سليمان بختي عن شاعر من طراز آخر، حمل في قصائده عذابات ومرارات وبحث عن أجوبة لم يجدها أبداً، يضيف بختي: "يشبه أنسي في شعره ونثره، تمرد فؤاد سليمان، وروحية جبران خليل جبران وعشق الياس أبو شبكة" . وحسب أدونيس زميله في مجلة "شعر"، كان أنسي الحاج "الأنقى بيننا"، واعتبر أن محمد الماغوط والحاج لم يدخلا في تنظيرات حول قصيدة النثر، بل كتبا هذه القصيدة، فكانت تحولاً كبيراً في القصيدة العربية" .
وما يقال عن الشاعر الحاج، لا يقل أهمية عن الحاج الإعلامي وكاتب المقال السياسي والافتتاحيات المدهشة، أكان ذلك في جريدة "النهار"، وملحقها الذي شارك في تأسيسه، أم أثناء توليه رئاسة تحرير مجلة "الحسناء" الاجتماعية والفنية والثقافية، ولا في حضوره المميز في "النهار العربي والدولي" وصولاً إلى موقعه الاستشاري في جريدة "الأخبار" ومقاله الأسبوعي فيها . يكفي ما قاله عنه يوسف الخال مرة "أنسي ناقد أكثر من شاعر، لكنه طوّع جملته النقدية للبعد الشعري الخالص" .
في المحصلة يغيب عملاق ثقافي تجسد شعراً ونثراً ونقداً وترجمة، هو أنسي الحاج الذي عاش حياة من النقيض إلى النقيض .
ولدت جذوره الثقافية في السماء وليس في الأرض، بارع في خلقه الجمالي توقيعاً وتضميناً وشكلاً تعبيرياً وهندسة بنيوية في رؤيته التي امتصت القضايا الإنسانية الكبرى ليبني كوناً شعرياً منها . جاعلاً تلك الأبنية الجمالية دوالاً سيميائية مشغّرة بدلالات رؤيته، وما يدهش في هذه الأبنية الثقافية، أنها جميعها تعانق الأرض حافرة فيها حتى الجذور .
وداعاً أنسي الحاج، وقد سبق أن ودعنا في آخر أبياته:
"لن أكون بينكم
لأن ريشة من عصفور في اللطيف الربيع
ستكلّل رأسي
وشجر البرد سيكويني
وامرأة باقية بعيداً ستبكيني
وبكاؤها كحياتي جميل . ."

شعر وصحافة وترجمة

** ولد الحاج في عام 1937 وغاب أمس عن عمر يناهز ال 77 عاماً بعد صراع مع المرض كان قد أقعده منذ نحو شهرين .
** أبوه الصحفي والمترجم لويس الحاج وأمه ماري عقل، من قيتولي - قضاء جزين .
** تعلم في مدرسة الليسه الفرنسية ثم في معهد الحكمة .
** بدأ ينشر قصصاً قصيرة وأبحاثاً وقصائد منذ عام 1954 في المجلات الأدبية وهو على مقاعد الدراسة الثانوية .
** دخل الصحافة اليومية، جريدة "الحياة" ثم "النهار" محترفاً في عام ،1956 كمسؤول عن الصفحة الأدبية، ولم يلبث أن أستقر في "النهار"، حيث حرر الزوايا غير السياسية سنوات ثم حوّل الزاوية الأدبية اليومية إلى صفحة أدبية يومية .
** في عام 1964 أصدر "الملحق" الثقافي الأسبوعي عن جريدة "النهار" وظل يصدره حتى 1974 . وعاونه في النصف الأول من هذه الحقبة شوقي أبو شقرا .
** في عام 1957 أسهم مع يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة "شعر"، وعام 1960 أصدر في منشوراتها ديوانه الأول "لن"، وهو أول مجموعة قصائد نثر في اللغة العربية .
** له ست مجموعات شعرية: "لن" ،1960 "الرأس المقطوع" ،1963 "ماضي الأيام الآتية" ،1965 "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة" ،1970 "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" ،1975 "الوليمة " 1994 وله كتاب مقالات في ثلاثة أجزاء هو "كلمات كلمات كلمات" ،1978 وكتاب في التأمل الفلسفي والوجداني هو "خواتم" في جزأين 1991 و،1997 ومجموعة مؤلفات لم تنشر بعد . و"خواتم" الجزء الثالث قيد الإعداد .
** تولى رئاسة تحرير العديد من المجلات إلى جانب عمله الدائم في "النهار"، وبينها "الحسناء" 1966 و"النهار العربي والدولي" بين عامي 1977 و1989 .
** نقل إلى العربية منذ 1963 أكثر من عشر مسرحيات لشكسبير ويونيسكو ودورنمات وكامو وبريخت وسواهم، وقد مثلتها فرق مدرسة التمثيل الحديث (مهرجانات بعلبك)، ونضال الأشقر وروجيه عساف وشكيب خوري وبرج فازليان .
** متزوج من ليلى ضو منذ ،1957 ولهما ندى ولويس .
** رئيس تحرير "النهار" من 1992 إلى 30 سبتمبر/ أيلول 2003 تاريخ استقالته .
** ترجمت مختارات من قصائده إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية والبرتغالية والأرمنية والفنلندية . صدرت أنطولوجيا "الأبد الطيار" بالفرنسية في باريس عن دار "أكت سود" عام ،1997 وأنطولوجيا "الحب والذئب الحب وغيري" بالألمانية مع الأصول العربية في برلين عام 1998 . الأولى أشرف عليها وقدم لها عبد القادر الجنابي والأخرى ترجمها خالد المعالي وهربرت بيكر .
وكان الراحل الحاج، وجواباً عن سؤال حول كيف يوجز مسيرته، وجهه إليه نبيل أيوب، هند اديب دورليان، جورج كلاس وإلياس لحود، في مستهل مقابلة أجروها معه لمجلة "كتابات معاصرة"، العدد ،38 أغسطس/ آب - سبتمبر/ أيلول 1999 قد قال: "غالباً ما سردت الحكاية ذاتها . لا أعتقد أن ذلك يهم أحداً . أندم أكثر مما أفعل ولم أفعل إلا في غفلة من نفسي . وعندما لم يكن أحد يسألني رأيي في الأمور، كالحب والموت، قلت الحقيقة، ولم أعد أقولها دائماً حين صار هناك من يسألني" .
وقد نعى وزير الثقافة اللبناني المحامي روني عريجي الشاعر أنسي الحاج وقال: "غاب اليوم شاعر كبير فخسر لبنان قامة عملاقة من قامات الفكر والأدب والشعر والإبداع، أنسي الحاج شاعر ماضي الأيام الآتية، خسارته لا تعوض، والعزاء بما تركه وراءه من تاريخ في الشعر والريادة في القصيدة النثرية" .

الخليج- 19-2-2014

*****

«انطفأ» أنسي الحاج ... شاعر الحداثة والصحافة

مشاهير 19 فبراير 2014

أنسي الحاج

| بيروت - «الراي» |
بيروت تودّع... بيروت، ومناراتها تنكّس العلامات المضيئة مع رحيل العلامات الفارقة. يكاد فائض العتمة الزاحفة ان يبتلع الماضي الجميل، ويكاد ان ينقشع الحاضر على مجرد خواء.

لم تمض ايام على رحيل الشاعر الفيروزي جوزف حرب حتى «استقال» الشاعر الذي لا يشبه سواه، انسي الحاج، واستلقى على غيمة معلنا موته كالمدينة التي تخسر روحها مع افول كل شمس.

انتهى زمن الـ «هورس شو» يوم لملم شارع الحمراء حكاياته مع «الثورة والثروة». اكلت التحولات المقهى والشارع، وها هي تأكل رواد الستينات الذين دشّنوا الحداثة بحبر دهمته الحرب، وبحريّة نحرت نفسها.

انسي الحاج «وليمة حبر وحرية» في شعر خارج على الشعر وفي نثر اكثر من نثر... غادر امس بعدما صارع كثيرا في القصائد والحياة، في الصحافة والترجمة، في اللغة وفي معانيها، صارع الى ان صرعه المرض عن 77 عاما.

أنسي الذي تعب «ولم يتحطّم»، كان في آخر ايامه «ينسج الحروف بألوان المغيب ويكتب الصمت بغيوم السفر» الذي حمله الى موت واعده منذ مدّة الى ان قبض عليه متخفيا في قصيدة من حبر أبيض.

الحاج الذي قال عنه أدونيس انه «الأنقى بيننا»، لم يكن على حقّ حين كتب في قصيدة «تحت غضب الحطب»: «لن يبكيني أحد». فخبر رحيله أبكى بيروت بصمت وخشوع.

أنسي الحاج لم يكن شاعرا عابرا، فهو أحد أعمدة قصيدة النثر والتحديث في فضاءات اللغة الدلالية واللغوية بدءا بديونه الأول «لن» الى «الرأس المقطوع» مرورا بـ«ماضي الأيام الآتية»، و«ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة»، «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، «الوليمة»، وصولا الى كتاب «كلمات كلمات كلمات» و«خواتم» وأنطولوجيا «الابد الطيّار» (بالفرنسية) وأنطولوجيا «الحب والذئب الحب وغيري» (بالألمانية مع الاصول العربية في برلين عام 1998).

الشاعر الراحل كان من رواد الصحافة الثقافية في العالم العربي وساهم العام 1957 مع يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة «شعر» وعام 1960 أصدر في منشوراتها ديوانه الأول «لن»، وهو أول مجموعة قصائد نثر في اللغة العربية، فضلا عن تأسيس القسم الثقافي المميز بجريدة «النهار» اللبنانية التي تولى رئاسة تحريرها من 1995 حتى سبتمبر 2003 حين استقال وانتقل الى جريدة «الأخبار» كاتبا لصفحتها الأخيرة مع كل سوم سبت.

هو من بلدة قيتولي، قضاء جزين، الجنوب. مولود في بيروت في السابع والعشرين من يوليو 1937. تلقى علومه في مدرسة الليسيه الفرنسية ثم في معهد الحكمة في بيروت. بدأ ينشر وهو على مقاعد الدراسة، مقالات وأبحاثا وقصصا قصيرة في مختلف المجلاّت الأدبية في منتصف الخمسينات، وكان على اهتمام خاص بالموسيقيين الكلاسيكيين. تزوج في العام 1957 من ليلى ضو، ورزق منها ندى ولويس. احتفظ بشعره ولم يبدأ بنشره الاّ في أواخر الخمسينات. بدأ العمل في الصحافة العام 1956 في جريدة «الحياة»، ثم في «النهار» مسؤولا عن القسم الثقافي، ابتداء من 9 مارس 1956.

في العام 1964 أصدر «الملحق» الأسبوعي لـ»النهار»، الذي ظل يصدر عشر سنين حاملا مقاله الاسبوعي «كلمات كلمات كلمات». مقالاته، بين «النهار» و«الملحق» ومجلات لبنان الأدبية، لا تحصى، جمع بعضها في ثلاثة مجلدات صدرت عن «دار النهار» في العام 1988 وأشرف على اصدار «النهار العربي والدولي» في بيروت.

مجموعته الشعرية الأولى، «لن» أثارت ما يشبه «الحرب الأدبية» التي شارك فيها الشعراء والكتاب من العالم العربي كله، وكانت حدا فاصلا في تاريخ الشعر العربي المعاصر. وفي نيسان 2007 صدرت أعماله الكاملة في ثلاثة مجلدات لدى «هيئة قصور الثقافة» في القاهرة.

في الستينات ساهم في اطلاق الحركة المسرحية الطليعية في لبنان من طريق الترجمة والاقتباس، وكانت ترجمته لمسرحية «كوميديا الأغلاط» لشكسبير بلغة حية ومتحركة (مسرحية) وفصحى، همزة وصل بين الجمهور والمسرح الجدي، قديمه وحديثه. لكن نجاح هذه اللغة، ظهر، أكثر ما ظهر، مع ترجمة لمسرحية «الملك يموت» لاوجين يونسكو في العام 1965. ترجم ايضا للفرق المسرحية اللبنانية (بعلبك - منير أبو دبس - برج فازليان - شكيب خوري - روجيه عساف - نضال الاشقر...) مسرحيات «العادلون» لكامو، «القاعدة والاستثناء» لبرشت، «احتفال لزنجي مقتول» لأرابال، «نبع القديسين»، «رومولوس الكبير» لدرونمات، و«الآنسة جوليا» لسترندبرغ.

الاّ أن أقوى اندفاعاته، على صعيد المشاركة في الحركات الفنية، ربما هي اندفاعته مع الأخوين رحباني، اللذين كان بدء معرفتهما الشخصية به في يونيو 1963، على اثر مقال كتبه عن فيروز، رافضا مبدأ المقارنة بين صوتها وبين أصوات مطربات أخريات، معتبرا أن في صوت فيروز، فوق الجمال والبراعة، «شيئا أكثر» كما سمّاه، هو العامل الغامض الذي لا يستطيع أحد له تفسيرا، والذي سيظل يحيّره، كما يظل كل «شيء أكثر» في الخليقة يحيّر العقل والتحليل. الواقع أن هذا المقال لم يكن الأول الذي كتبه أنسي الحاج عن فيروز. ففي العام 1956 كتب في مجلة «المجلة» مقالا عنها بعنوان «فيروز».

ترجمت له قصائد عديدة الى الفرنسية والانكليزية، واستوحى بعض المسرحيين قصائد له فأخرجوها (منهم يعقوب الشدراوي وريمون جبارة)، كما استوحى بعض الموسيقيين قصائد له في أعمال موسيقية.

وكثيرون من الرسامين اللبنانيين والعرب (بول غيراغوسيان، رفيق شرف، منير نجم، جان خليفة، وضاح فارس الخ...) اقترنت رسوم لهم بقصائد له.

الرأي الكويتية- 19-2-2014

******

مختارات من خواتم

أنسي الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 2707 - 2009 / 7 / 14 - 07:23
المحور: الادب والفن

عندما يحصل الحبّ تهجم العاصفة عمياء. يتجسّد الجنون على شكل قلب.

كلّ حبّ إغتصاب.

* * *

ما يحّبه الرجل في المرأة ليس فقط ضعف الكائن الاجتماعي المستضعَف والمستغَلّ،

كما يعتقد بعض النَسَوّيات. ثمّة ضعف آخر فيها يستهوي، هو » قلق الأم« على الرجل، ولو عشيقها، ولو أكبر منها سنّاً. تلك الرقّة المسؤولة التي هي في باطنها حكمة وقوّة عندما

تطوّقان الرجل لا يصمد له من قوّته المزعومة سوى العضلات.

* * *

الحقيقةُ عقابُ الغيرة.

* * *

يوم ظننتُني انتصرتُ على غيرتي كنت، في الواقع، قد بلغتُ قاع الاحتمال، فاستقلْتُ من المنافسة حتى لا أغار. ظننتُها قمّة التضحية، وكانت ذروة الأنانية.

* * *

أَصْدَق ما في الحبّ الغَيرة، قاتلتُه.

* * *

ليست دموعُكِ ما يُقْنعني بل هو شعوري بعبثيّة حقّي. فجأةً تغمرني أمواج

عبثيّة هذا الحقّ وأَستسلمُ متنازلاً عنه لأيّ شيء تريدين، بما فيه الخداع،

حتى أتفادى عبثيّة أُخرى أسوأ، أَسْمَك: عبثيّة الحقيقة.

* * *

نستطيع أن نفتدي الحبّ كما نفتدي خطايانا.

* * *

يتحدّث الرجل عن التخطّي وتفكّر المرأةُ في العناق.

هو يَخْرج

وهي تَدْخُل.

خلافاً للشكل المظنون في التواصل.

* * *

تتجنّب الحبّ حتى لا تصل بَعده إلى البغض.

تتجنّب البغض حتى لا تصل إلى اللامبالاة.

تتجنّب اللامبالاة حتى لا تصل إلى الحبّ.

تتجنّب الحبّ حتى لا تقع وراءه في القَفْر...

أنت كيفما درتَ خرابُ ما قَبْلَه، أو ذكرى نَفْسك.

موجةُ حركةٍ عمياء،

وصدى موجة...

* * *

كنتِ أجمل لأن ابتسامتكِ كانت ابتسامة فتاة مظلومة تُغالب حزنها، وتُسامِح.

كنتِ تُحرّكين شعوراً بالذنب تجاهكِ ونَخْوَةَ الحماية.

لما تَحَرّرتِ، فَرغتْ عيناكِ.

أأقول: واأسفاه على خوابي العذاب! وكلّ ما أبغيه هو بلاغته من دونه؟

* * *

المُبْغض يُعلّمكَ. المُحبّ يجمّلك.

* * *

حين تَمْجُنين تخدمكِ براءتُك، وحين تستعيدين هدوء التعقّل تخدمكِ في رأسي ذكرى مجونكِ.

* * *

إصغاؤها لشِعركَ أَشْعَرُ منه.

* * *

أحياناً يكون اكتفاء المرأة بإعطاء جسدها دون » روحها« هديّة طيّبة لا حرماناً.

* * *

كنتُ رافضاً ظلّي

والآن قَبِلْتُه

وصرتُ أُبصر ظلَّكِ أيضاً

الذهبَ السائل، العُرْيَ الهادر بشلاّل الغرائز

عُري نهديكِ الشبيه بابتسامةٍ سرّية

عُري بطنكِ الذي لا يغفو أَبداً

عري ظَهْركِ الذي يدور حوله القمر

عري فخذيكِ الطالع من الأعماق

عري وجهكِ الذي عَبَثاً يتعرّى.

ويعاود الخيالُ ميلاده

وتعاودين زيارةَ الخيال.

وفي حِمى هُيامٍ ينغرز فيَّ كخنجر القَدَر الضاحك من سباحتنا ضدَّه

أرى أن الواقع لم يَغْلبني

والخيبةَ لم تجفّف عيون الدهشة.

وإلى قلعة الجبل فوق ملايين السنين

قلعة الرغبات المتلاقية

أَدخلُ وتستقبلينني

يا كوكب النَومين،

وتحت شتائكِ اللوزُ والكرمة

وفي بطانتكِ الليليّة غفرانٌ وبداية

وقلبي أَمام دعوة وجهكِ

شهوةٌ تسْتنفر ذاكرتها

شهوةٌ مُطْلَقَةلا يلجمها ولا الله

شهوة تَكْبس جنوني بسلام الضياع الأخضر

وتُخلّصني من الحقيقة.

* * *

يداكِ الخفيّتان تفتحان أبوابي الخفيّة.

* * *

ذاتي الجامحةُ إليكِ تَشْتَغل كمعدنٍ تحت المطرقة

كنحاسٍ يتحوّل إلى ذَهَب

كذهبٍ إلى شمسٍ في مياه بحرها

كفجرٍ إلى غَسَق وغسقٍ إلى ذلك اللون الكحليّ الذي يتراءى لكِ أشبه بحُبِّ ما قبل الذاكرة

كحديدٍ إلى دم ودمٍ إلى روح

إلى روحٍ أَصفى من سمائها لأنّها عُرِكَتْ في الخيبة الأشدّ من اليأس

ذاتي الجامحة إليكِ

الراكنة إليكِ

لا تطلب أن تولد من جديد ذاتاً أبديّة

بل أن تَمضي هذه اللحظةُ هنيئةً كالنوم البسيط

وهذا اليومُ بلا جروح، كالراحة المستحقَّة

وهذا العمرُ في ظلّكِ حيث النور أَعمق،

حتى يجيءالموت حين يجيء

أخفَّ من هواء الحريّة،

فكما أن الموت هو خَيَالُ الحياة

كذلك الحب هو خَيَالُ الموت،

وذاتي الجامحة إليكِ

لن يؤذيَها شرٌ بعد الآن

لأنّها حيث تنظر عَبْر وجهكِ

لا تسمع غير شوقها

ولا ترى غير حُلمها

ولا تخاف

ما دمتِ اللّحظة وراء اللّحظة وراء اللّحظة

إلى أَن يسْكُت العصفور.

* * *

من شدّة الظلّ صرتُ شمساً خضراء

* * *

لا أُدافع عن الماضي بل عن أُمّي.

الحوار المتمدن

******

شعراء ومثقفون ينعون الشاعر الكبير أنسي الحاج

إيهاب طاهر

الأربعاء 19-02 - 12:00 ص

الشاعر أنسي الحاج

كان خبر وفاة رائد قصيدة النثر أنسي الحاج مؤلمة وقاسية على كل الشعراء والادباء والمثقفون في الوطن العربي، جعلتهم في حالة اندهاش فكما كان "الحاج" يدهش العالم بقصائده النثرية وتفردها وغرابيتها التجاوزية والابتكارية ؛ ادهشهم اليوم بخبر وفاته المفاجئ، وكأن الدهشة قدر لها أن تلازم هذا العملاق في كتاباته وحياته فراحوا يعبرون عن شديد حزنهم على فجيعتهم في وفاه "الحاج "

الشاعر ناصر دويدار
حيث نعى الشاعر ناصر دويدار، أنسي الحاج قائلا: "انسي الحاج. هو موسوعة متنقلة تحمل الورد والفل والياسمين للعابرين عبر الزمن وتحمل نقاء الطرح لمبدع نقى.. كما قال عنه ادونيس.
وأضاف دويدار: يعتبر أنسي الحاج حاله من الشعر والقصة والصحافة تحمل هموم وطن كامل.. انس الحاج قرات له نص قديم يفتتحه بأغنية فيروز وقف يا سمر في ألك عندي كلام.. وقعت في حبه من أول مرة، وذلك لسهولة الصياغة التي تصل للمتلقي من أول وهلة وكان يحكى قصة غرام بين فتى وفتاة من خلال هذه الأغنية...الله يرحمه".

الشاعر حسن طلب
اما الشاعر حسن طلب قال معلقًا على وفاة الشاعر اللبناني الكبير أنسي الحاج اليوم: لقد اتسعت دائرة الأحزان في الفترة الأخيرة فقد فقدنا اليوم أنسي الحاج ومنذ أيام قليلة فقدنا جوزيف حرب وقبله فقدنا الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم.
وأضاف طلب: يتميز أنسي بصوته المتفرد في مدرسة الشعر النثري وعلي هامش ذكراه لا بد من ذكر كل من فارقونا منذ قليل من شعراء وكأن الأحزان تستدعي بعضها بعضا كلهم رحلوا تباعًا بعد أن لعبوا دورًا بارزًا ساهم في دعم الشعر العربي والثقافة العربية.

الشاعرة المغربية دنيا الشدادي
في البداية قالت الشاعرة المغربية دنيا الشدادي: لقد فقدنا رائدًا من روّاد النهضة الشعرية العربية وعميدًا من عمداء قصيدة النثر الذين كان لهم السبق في تغيير خارطة الشعر العربي، إلى جانب الشاعر أدونيس وغيرهما رحل أنسي الحاج، فأي عزاء بعده؟
وحول تقييمها لمن اقتفى أثر "الحاج" أضافت الشدادي: لا نستطيع أن نقول إن من جاء بعد جيل رواد قصيدة النثر، كانوا على مستوى المسئولية أو إنهم قد أساؤوا لها، ولكن تظل محاولات لتسلّم المشعل، بعضها قد نجح في اقتفاء الأثر وبعضها مازال يتخبط لا يلوي على إبداع، والبعض الآخر يتطفل على الشعر عموما نثرا وغيره

الشاعر أحمد سويلم
قال الشاعر "أحمد سويلم" أن الشاعر اللبناني "أنسي الحاج" استطاع التمرد على قصيدة التفعيلة التي قام بكتابتها، واستطاع التدرج في الإيقاع العربي السليم للشعر، ليستقر على قصيدة "التفعيلة" ويقوم بكتابتها ليبرز تميزا واضحا فيها، يضعه في مصاف الشعراء البارزين اللذين أخلصوا لها وحاكوا تجربتهم برقة بالغة تحتاج لمتذوق غير عادي ومختلف لفك جمالياتها
مضيفا أن كل ما جاءوا بعد "الحاج" قاموا بمحاكاة تجربته الشعرية ولكن ظلت تجربته الرائدة في قصيده النثر تعتمد على الإيقاعات الداخلية التي ميزتها.

الشاعر سامح محجوب
وقال الشاعر سامح محجوب تعليقًا على خبر وفاة الشاعر العملاق والكاتب الصحفي أنسي الحاج: رحل عن عالمنا شاعر مختلف ومتجدد في كل شيء في اللغة ومنطق الكتابة والرؤية والتشكيل، شاعر لا تستطيع الفكاك من ظله بسهولة، وهو في اختلافه وتفرده كأنه يخاطب شجاعتنا النفسية ويشعرنا بأهمية أن يكون المرء هو نفسه وليس نسخة مقلدة عن الآخرين.
وأضاف سامح: لم يرحل أنسي الحاج إلا بجسده فهو من الشعراء الذين يتركون من يتحيز لهم ولتجربتهم، ولذا سيمتد تأثيره في الأجيال اللاحقة لقصيدة النثر التي كان أحد عرابيها الكبار إبداعًا وتنظيرًا نقديًا.

الشاعر عاطف عبد العزيز
علق الشاعر عاطف عبد العزيز، على خبر وفاة الشاعر الأبرز لقصيدة النثر العربية أنسي الحاج، قائلا: إن يد الحاج على الشعر والحداثة لا يمكن نكرانها أبدًا، وبالطبع فإن جيلي والأجيال التي سبقتني تأثرت بتجربته الرائدة منذ إصدار ديوانه الفارق "لن".
وقال عبد العزيز إنا ممن تعلموا على يد أنسي الحاج وإن كنت لم أتأثر بطريقته، لأنه علمنا أن الشاعر الحق لابد أن يبحث عن صوته الخاص وعلمنا "الثورة على الأب".
وأضاف: لقد ظل أنسي الحاج متألقًا ومجددًا طوال حياته وأعتبر أن ديوانه "الرسولة بشعرها الطويل" منعطفًا هامًا في مشواره الإبداعي، ومما لا يجب أن ننساه أيضًا أنه كان قيمة أخلاقية وضرب المثل في التعالي على الصغائر.
كما يجب ألا ننسى جهوده التي بذلها في مضمار الصحافة الأدبية والتي كان منها إصداره للملحق الثقافي لجريدة "النهار" البيروتية، رحم الله هذا الشاعر الفذ.

الناقد صلاح السروي
اما الناقد دكتور صلاح السروي أستاذ الأدب المقارن بكلية الآداب جامعة حلوان قال تعليقًا على خبر وفاة الشاعر الكبير أنسي الحاج رائد قصيدة النثر في الوطن العربي والكاتب الصحفي الكبير: لاشك أن الحاج هو أحد أهم رواد قصيدة النثر في جذرها الشامي؛ فقصيدة النثر لها جذرين أحدهما مصري يبدأ من حسين عفيف وصولًا إلى قصيدة شعراء السبعينات في جزء كبير منها ثم تفصح قصيدة النثر المصرية عن نفسها تمامًا في شعر جيل التسعينات، أما الجذر الشامي فيبدأ مع أنسي الحاج ومحمد الماغوط ليتخذ طريقه الخاص مع عباس بيضون.
وأضاف السروي: برحيل الحاج نكون قد خسرنا واحدًا من مؤسسي الشعرية العربية الأحدث حيث كانت العلاقة ممتدة بينه وبين قصيدة النثر الفرنسية وبخاصة عند "سوزان برنار".
وقال السروي: شعر أنسي الحاج يتميز بخيال منفلت تمامًا وبه جرأة عالية ولغة متجاوزة غير نمطية ولا تنتمي للقاموس الشعري الموروث بل هي لغة مبتكرة بالكامل، فضلًا عن كون شعره لا يتقيد بالإيقاع الصوتي ولا بالقافية بل يعتمد على ما يمكن تسميته بالإيقاع المعنوي أو الدلالي الذي يعتمد على تراوحات المعنى وتجاوبات الدلالة، وقصائده بشكل عام تتميز بالقصر والاقتصاد اللغوي الشديد مما منح شعره قدرًا كبيرًا من الكثافة بما يجعله منفتحًا على إمكانيات تأويلية هائلة.

الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة
بينما عبر الشاعر الكبير "محمد إبراهيم أبو سنة " عن صدمته الكبيرة لرحيل الشاعر اللبناني " أنسي الحاج" مؤكدا أنه التقى مؤخرا ً بابنته وهي شاعرة مهمة أيضًا، وكان يطمئن من خلالها على أبيها الراحل، وأنه عندما قرأ أشعارها المتميزة عرف أنها تستحق أن تكون ابنته، وأضاف "أبو سنة " أن لبنان في شهر واحد قد خسرت علامتين بارزتين في تاريخها الشعري لرحيل كلا من جوزيف حرب وأنسي الحاج وكانا يمثلان زهرتين متألقتين في تاريخ الشعر العربي. مؤكدا في الوقت نفسه أنه رغم أن أنسي الحاج كان شاعر صعب التذوق والتلقي غير أن قصيدته النثرية قد حفرت لنفسها مكانا متميزا نئت بنفسها عن المضامين السياسية والاجتماعية لتظل وفية للمدرسة الشعرية التي تمثلت في "مجلة الشعر" والتي برز من خلالها تفرده الشعري عبر ديوانه "لن" الذي كتبه في نهاية الخمسينات والذي جعلته أقرب إلى مدرسة الشعر الصافي.

الشاعر أسامة الحداد
قال الشاعر أسامة الحداد تعليقًا على وفاة الشاعر الكبير "أنسي الحاج": لقد رحل شاعر مدهش بكل معاني الكلمة، مدهش في تفرده وقامته الشعرية وصوته المتميز، لا يماري إنسان في كون الحاج أحد الآباء الشرعيين لقصيدة النثر العربية وأن رحيله خسارة هائلة للشعر خاصة وللثقافة بشكل عام؛ فدوره الريادي ﻻ يمكن تجاوزه ونصوصه الشعرية تمثل حالة خاصة.
وأضاف الحداد: إن الحاج يعد من بين من قادوا الثورة ضد التقليدية من خلال منجزه الشعرى ودوره الفعال في مجلة "شعر" البيروتي التي كرست للحداثة وسعت لهدم الأبنية الجامدة للثقافة العربية أحادية الروى.
العربية ولم يكتب قصيدة واحدة خارج هذا النمط، وسيظل ديوانه الأول الذي سماه " لن" معلمًا رمزيًا كبيرًا في الخروج على السياق الأدبي.

الشاعر فاروق شوشة
بينما وصف الشاعر الكبير فاروق شوشة رحيل الشاعر اللبناني أنسي الحاج بالخسارة الفادحة للشعر العربي في لبنان.
وأضاف شوشة: إن رحيل الشاعر الكبير أنسي الحاج خبر مؤلم لأنه أحد رواد قصيدة النثر وقد أسهم في أن يمنحها مصداقية كبيرة لدى القراء والنقاد، وكان لتوهج الحاج في تصوير نوازعه الإنسانية والعاطفية عبر قصيدة النثر، أثر كبير في ترسيخها.
وتابع: أن رحيل الحاج يعد الخسارة الثانية للشعر اللبناني بعد رحيل جوزيف حرب الأسبوع الماضي، ومع ذلك فإنني أعتقد أن لبنان سوف تتعافى سريعا من هذه الصدمات لتبزغ أسماء جديدة تحل محل الاسماء الكبيرة.

******

أنسي الحاج ناثر الدهشة.. وداعًا

الشاعر في هذا الخضم البشري الهادر: هو الذي يتقدم الآخرين
أعد الملف: إيهاب طاهر ومحمد حافظ وإسراء عبد التواب وحاتم السروي

إشراف: سامح قاسم

* أنسي.. الخالق من النثر شعرا

مات من قال عنه الشاعر أدونيس: "إنه الأنقى بيننا"، مات أنسي الحاج رائد قصيدة النثر، الذي عاش مقتنعا بأن كل البشر هم ضحايا وجرحى الوجود، والشاعر في هذا الخضم البشري الهادر، هو الذي يتقدم الآخرين لأنه يتميز عنهم بتطلعه نحو عالم أكثر رحمة، هذا التطلع ليس إلا الشعر، لا يختلف شعر عن آخر إلا بمقدار وكيفية هذا التطلع.
وكما يقول الشاعر" إبراهيم داود" فإن أنسى هو علم قصيدة النثر المبرز فديوانه «لن» «1960» هو الإعلان الرسمي لها، وهو انتفاضة ضد القيد والصرامة، لقد كان طموح أنسي أن يحقق حرية الانطلاق بالشعر العربي إلى فضاءات دلالية ولغوية جديدة، وقد حاول جاهدًا أن يصل إلى الشكل المبتكر الذي تحدث عنه "بودلير" والذي من خصائصه أنه مرن ويتوافق مع حركات النفس الغنائية..
ومنذ ديوانه الأول "لن" مرورا بـ "الرأس المقطوع" و"ماضى الأيام الآتية"، و"ماذا صنعت بالذهب ماذا صنعت بالوردة؟".. حفر "الحاج" مجرى عظيما في ذائقة عشاق الشعر، وأثر في الأجيال الجديدة أكثر من الآخرين، لأنه أخلص لفن الشعر، وأثر أيضا في مهنة الصحافة التي بذل عمره في بلاطها، نثر أنسى المولود سنة 1937، هو فتح في السرد، ومقالاته التي صدرت في ثلاث مجلدات هي مصدر إلهام، وللأسف الشديد لم يقرأ جيدا في مصر، ربما بسبب الخيال التقليدي الذي يدير الثقافة الرسمية، ولكن منزلته عالية عند الشباب الحالم بالتغيير.

أنسي الحاج.. صاحب أول مجموعة نثر في اللغة العربية
أنسي لويس الحاج(1937 -2014) شاعر لبناني معاصر، وهو ابن الصحفي والمتّرجم لويس الحاج،تعلّم في مدرسة الليسيه الفرنسية ثم في معهد الحكمة.
بدأ ينشر قصصًا قصيرة وأبحاثًا وقصائد منذ 1954 في المجلاّت الأدبية..وهو على مقاعد الدراسة الثانوية، دخل الصحافة اليومية بـ(جريدة "الحياة" ثم "النهار") محترفًا عام 1956، كمسئول عن الصفحة الأدبية.
ولم يلبث أن استقر في "النهار" حيث حرر الزوايا غير السياسية سنوات ثم حوّل الزاوية الأدبية اليومية إلى صفحة ادبية يومية.
عام 1964 أصدر "الملحق" الثقافي الأسبوعي عن جريدة "النهار" وظلّ يصدره حتى 1974. وعاونه في النصف الأول من هذه الحقبة شوقي ابي شقرا،عام 1957 ساهم مع يوسف الخال وأدونيس في تأسيس مجلة "شعر"، وعام 1960 أصدر في منشوراتها ديوانه الأول "لن"، وهو أول مجموعة قصائد نثر في اللغة العربية.
له ستّ مجموعات شعرية "لن" 1960، "الرأس المقطوع" 1963، "ماضي الأيام الآتية" 1965، "ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة" 1970، "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" 1975، "الوليمة "1994 وله كتاب مقالات في ثلاثة أجزاء هو "كلمات كلمات كلمات" 1978، وكتاب في التأمل الفلسفي والوجداني هو "خواتم" في جزئيين 1991 و1997، ومجموعة مؤلفات لم تنشر بعد. و"خواتم" الجزء الثالث قيد الاعداد،
تولى رئاسة تحرير العديد من المجلات إلى جانب عمله الدائم في "النهار"، وبينها "الحسناء" 1966 و"النهار العربي والدولي" بين 1977 و1989.
نقل إلى العربية منذ 1963 أكثر من عشر مسرحيات لشكسبير ويونيسكو ودورنمات وكامو وبريخت وسواهم، وقد مثلتها فرق مدرسة التمثيل الحديث (مهرجانات بعلبك)، ونضال الأشقر وروجيه عساف وشكيب خوري وبرج فازليان.
متزوج من ليلى ضو (منذ 1957) ولهما ندى ولويس.
رئيس تحرير "النهار" من 1992 إلى 30 يونيو 2003 تاريخ استقـالته.
تُرجمت مختارات من قصائده إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية والبرتغالية والارمنية والفنلندية. صدرت انطولوجيا "الابد الطيّار" بالفرنسية في باريس عن دار "أكت سود" عام 1997 وانطولوجيا " الحب والذئب الحب وغيري" بالألمانية مع الاصول العربية في برلين عام 1998. الأولى اشرف عليها وقدّم لها عبد القادر الجنابي والأخرى ترجمها خالد المعالي وهربرت بيكر.
يعتبر أنسي الحاج من رواد " قصيدة النثر " في الشعر العربي المعاصر.

*مؤلفاته
ديوان " لن"، ديوان "الرأس المقطوع"،ديوان " ماضي الأيام الآتية"، ديوان " ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة؟"،ديوان "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع"،ديوان "الوليمة"،كتاب "كلمات كلمات كلمات" / ثلاثة اجزاء/مقالات، كتاب "خواتم"/جزآن،أنطولوجيا "الابد الطيّار" بالفرنسية في باريس عن دار "أكت سود"،
أنطولوجيا " الحب والذئب الحب وغيري" بالألمانية مع الاصول العربية في برلين،
في 2007 صدرت الأعمال الكاملة لأنسي الحاج في طبعة شعبية، في ثلاثة مجلدات ضمن سلسلة “الأعمال الكاملة” عن “هيئة قصور الثقافة”. ضمّ المجلد الأوّل: "لن"، و"الرأس المقطوع"، و"ماضي الأيام الآتية".
والثاني: "ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة؟" و"الرسولة بشعرها الطويل حتى الــينابيع" و"الوليمة". فــيما حــوى الثالث كتاب "خواتم" بجزأيه.
فازليان، كما ترجم الكتاب الوحيد لأدولف هتلر "كفاحي"..

* شعر"أنسي" هو الجسد العاري
قال الشاعر عبد المنعم رمضان " في شعر أنسي هاجس يصدم شعراء جددًا كثيرين بات شائعًا لديهم هذه الأيام تمجيد البراءة، براءة المعرفة. أنسي يرفض تلك البراءة، كأنها أتربة علقت بجسد من الأفضل أن يغتسل لنراه عاريًا. شعر أنسي سيرينا هذا العري، ولغة شعره ليست كساءً شفافًا، ليست غيمةً، ليست وسيلةً ولا غايةً. إنّها الجسد العاري نفسه حيث عريه معرفة، وحيث معرفته عري.
- الشاعر إبراهيم داوود: "أنسي مع الماغوط وسعدي يوسف هم الآباء الشعريون للقصيدة الجديدة في مصر، وهم الأقرب إلى ذائقتنا".

كثيرون كتبوا ولايزالون قصيدة النثر، ولكن أنسي بين هؤلاء آمن بالنثر الخالص الطبيعي
"أنسي".. التجاوز يولد الابتكار
حين تقرأ شعر أنسي الحاج ترى اللغة العارية التي تجردت من كل غايتها، التي نعرف ولجأت إلى غايات جديدة، لغة طليعية تصدم كل من اقترب منها، كثيرون كتبوا ولايزالون قصيدة النثر بمنطق الشعر التقليدي، بمنطق الأسلاف لغةً وبناءً ولكن أنسي بين هؤلاء آمن بالنثر الخالص الطبيعي فمنحه شعرًا خالصًا وخاصًا، منحه أسراره وفتح له أبوابه المستعصية ، فهو يؤمن أن أدوات النثر تعمل لغايات شعرية ليس إلا ، فهو لا يستعير من تراث الشعر شيئًا يتوكأ عليه في قصيدة النثر، لكنه يخلق من النثر شعرًا ، هو يعرف أكثر من كل الشعراء أن النثر وحده فيه كل مقومات الشعر.

*الإيجاز والتوهج والمجانية.. شروط قصيدة النثر عند "أنسي"
كان أنسي الحاج يقول دائمًا أنه يرفض شرطة الجمال وحشرات التزييف الشعري والفني، لأنه يعرف الكلمات في جوهرها لا في مظهرها الزائف وربما استطعنا أن نتخيله وهو يسأل الكلمات، وربما العابرين، الاسلاف والمعاصرين.. هل يخرج من النثر قصيدة؟ أنسي الحاج أجاب بمفرده والآخرون أجابوا أيضًا، هو أجاب وانحاز إلى النثر وقال: قصيدة النثر عالم بلا مقابل، فقصيدة النثر كي تكون قصيدة حقًا لا قطعة نثر فنية أو محملّة بالشعر تتوافر فيها شروط ثلاثة ،الإيجاز والتوهج والمجانية وظل هكذا في كل أعماله.

"لن" البيان الرسمي لقصيدة النثر
وفي خريف 1960 كانت مقدمة ديوانه الأشهر " لن" البيان الرسمي لقصيدة النثر وفيها كان يسأل النثر عن الشعر، وجاءت الإجابة حافلة بالقلق في "الرأس المقطوع"، "ماضي الأيام الآتية"، "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" – وبعد ثلاثين عامًا في مقدمة – خواتم – راح يكفر الكلمات نثرًا وشعرًا ، فلم تعد الكلمات تبلور الحقائق وتبدعها، يقول: لقد أصبحت الكلمات تنقل إلينا بلاغتها، في أي لغة كانت، لكنها لا تقيم بينها وبيننا تواصل الحب. القربان انفصل عن رمزه. هل ماتت الكلمة؟ وكان يسأل عن نفسه لا عن الكلمة ، كان يسأل عن موته بعد أن توقف عن الكتابة( لكوني عدت واستأنفت الكتابة وكأني عدت واستأنفت الحياة بعد موتي).

*كلمات "انسي" عارية كـ"آدم وحواء في الجنة
ويقول الناقد جرجس شكري: "في شعر أنسي الحاج الكلمات التي كانت في البدء، الكلمات العارية كحواء وآدم قبل طردهما من السماء، كلمات لا تشعر بالخجل من عريها تستطيع أن تواجه العالم دون أقنعة وتقف في القصائد مرفوعة الرأس بلا زينة.

*الشعر عند "انسي" كلام الصمت والحب فعله
فهو حليف الكلمات قبل أن يكسوها الأسلاف بملابس المجاز والاستعارة وكل عباءات البلاغة. والكلمات عنده تتخلص حتى معانيها التي نعرفها ، فالشعر كلام الصمت ( مامن فرق بين الشعر والحب إلا الأول كلام الصمت والآخر فعله) والكلمات عند الآخرين صاخبة ترتدي سراويل ومعاطف وأحذية وتضع كل أنواع المساحيق".
"انسي الحاج".. الراقص بنثرة بين الموت والحياة
كزهرة شتاء أرادت الاختباء في وردتها من البرودة، ظل الشاعر اللبناني "أنسي الحاج" في غيبوبته طويلا، قبل أن يختار الرحيل في نفس الشهر الذي.زودعنا فيه شاعر فيروز الرقيق "جوزيف حرب"، ليتركا لبنان حزينة وشجرات الأرز وحيدة في غياب المحبين
وبصمت هادئ وبعناد واضح ودعنا صاحب ديوان "لن" الذي جعله في مصاف شعراء قصيدة النثر اللذين استطاعوا التمرد بقوة على أنفسهم، وهو يجربون التدرج الشعري دون خجل ولا عنصرية، عندما هجر قصيدة التفعيلة التي كتبها في البدايات ليختار قصيدة النثر التي تحتاج لمتذوق غير عاد.
لقد كان "أنسي الحاج" يكره العادي ويحن دائما للابتكار كأي فنان متمرد يهوى الهروب من التكرار ليقتحم جماليات ومساحات باهرة، وقبل الموت كتب مرثيته الخاصة "لن أكون بينكم لأن ريشةً من عصفور في اللطيف الربيع ستكلل رأسي وشجر البرد سيكويني وامرأة باقية بعيدًا ستبكيني وبكاؤها كحياتي جميل.." بعدها اختار "الحاج" الرحيل ليترك "أدونيس" غارقا في الصدمة فلقد كان رفيقا له وليوسف الخال في تأسيس مجلة "الشعر" التي كانت صوتا حادا وفاصلا في تاريخ الشعر المعاصر

*صاحب وصف صوت فيروز بـ" هي شيء أكثر"
وكما ذاب "جوزيف حربا" عشقا لصوت فيروز اختار "الحاج" وهو عاشق لصوتها أيضا أن يعلن كذلك عجزه عن وصف صوتها، ولم يجد من الكلمات سوي عبارتين تلخص هذا الوله عندما يتم وضعها في مقارنه مع مطربات أخريات يكتفي "الحاج " بقوله "هي شيء أكثر".
الشاعر الذي ميزه الصمت والكلام القليل كان يختزنه دائما لشعره، ليكتب على مدى حياته ستة دواوين شعرية فقط، وبين كل ديوان وآخر كان يترك لنفسه مهلة طويلة من الصمت الجميل المتأمل كطبعه ليجعلنا نغرق في الخوف من أن يكون "الحاج" قد عزف عن الشعر فيبعث لنا طول الوقت بقصيدة نثرية تؤكد وجوده وفي نفس الوقت تؤكد أنه زاهد طول الوقت في الحياه.

*الراقص بنثرة بين الموت والحياة
كان يجيد الرقص بقصائده دائما في المسافة المبهرة بين الموت والحياة، فلا يترك نفسه فريسة لصخب الحياة ولا لكآبة الموت، ورغم أن مرض سرطان الكبد جعله دائما في مواجهه الموت.

*"انسي".. الموت خيال الحياة والحب خيال الموت
كان "أنسي " يهرب منه بالقصائد ليجمل ألمه ومعه كان يتدفق نبع إلهامه مع سيرته الذاتية التي كتبها ف"خواتم" لترقص الحكمة في أبياته الشعرية لتقول لنا "لا تطلب أن تولد من جديد ذاتًا أبدية بل أن تمضي هذه اللحظةُ هنيئةً كالنوم البسيط وهذا اليومُ بلا جروح، كالراحة المستحقَّ وهذا العمرُ في ظلك حيث النور أَعمق حتى يجيء الموت حين يجيء أخفَّ من هواء الحرية فكما أن الموت هو خيال الحياة كذلك الحب هو خيالُ الموت وذاتي الجامحة إليكِ لن يؤذيها شرٌ بعد الآن

شعراء ومثقفون ينعون ناثر الدهشة.. أنسي الحاج "..
دينا الشدادي: أي عزاء بعد رحيل الحاج ؟
سمير درويش: كان الحاج فارس من فرسان النثر الأنقياء
أحمد سويلم: الحاج رائد لقصيدة النثر
سامح محجوب: الحاج شاعر لا تستطيع الفكاك من ظله بسهولة
عاطف عبد العزيز: الحاج علمنا الن يكون لنا صوتنا الخاص
صلاح السروي: خسرنا برحيل الحاج أحد مؤسسي الشعرية العربية الأحدث
إبراهيم أبو سنة: الحاج نئي بشعرة عن المضامين السياسية والاجتماعية
أسامه الحداد: الحاج أحد الآباء الشرعيين لقصيدة النثر العربية
فاروق شوشة: رحيل الحاج خسارة فادحه للشعر العربي بلبنان

* كان خبر وفاة رائد قصيدة النثر أنسي الحاج مؤلمة وقاسية على كل الشعراء والادباء والمثقفون في الوطن العربي، جعلتهم في حالة اندهاش فكما كان "الحاج" يدهش العالم بقصائده النثرية وتفردها وغرابيتها التجاوزية والابتكارية ؛ ادهشهم اليوم بخبر وفاته المفاجئ، وكأن الدهشة قدر لها أن تلازم هذا العملاق في كتاباته وحياته فراحو يعبرون عن شديد حزنهم على فجيعتهم في وفاه "الحاج "

*دنيا الشدادي

في البداية قالت الشاعرة المغربية دنيا الشدادي: لقد فقدنا رائدًا من روّاد النهضة الشعرية العربية وعميدًا من عمداء قصيدة النثر الذين كان لهم السبق في تغيير خارطة الشعر العربي، إلى جانب الشاعر أدونيس وغيرهما رحل أنسي الحاج، فأي عزاء بعده؟
وحول تقييمها لمن اقتفى أثر "الحاج" أضافت الشدادي: لا نستطيع أن نقول إن من جاء بعد جيل رواد قصيدة النثر، كانوا على مستوى المسئولية أو إنهم قد أساؤوا لها، ولكن تظل محاولات لتسلّم المشعل، بعضها قد نجح في اقتفاء الأثر وبعضها مازال يتخبط لا يلوي على إبداع، والبعض الآخر يتطفل على الشعر عموما نثرا وغيره

* سمير درويش

كما نعى الشاعر سمير درويش، الشاعر الكبير أنسي الحاج، الذي وافته المنية اليوم، وبدأ حديثه مقتبسًا من كلام الراحل: "وليس الشعر ما يتعذر على النثر تقديمه، فالنثر منذ أقدم العصور وفي مختلف اللغات يحفل بالشعر حفلًا إذا قيس بشعر النظم يغلب عليه".
وأضاف درويش: إذن حسم "أنسي الحاج" قضية تفجر الشعر من النثر عام 1960، حين كتب مقدمة لديوانه الأول "لن"، الذي صدر في بيروت عن دار مجلة شعر، التي كان أنسي الحاج أحد أهم فرسانها، وأنقاهم كما قال عنه أدونيس.
تلك المقدمة بيان مبكر لـ"قصيدة النثر"، حينما كانت تُصوَّرُ كونها ضدًّا للشعر، وحينما كان شعراؤها يضطرون إلى التفرقة بين الشعر بمعناه الواسع العميق، وبين النظم، الذي لا يأخذ من الشعر إلا الإيقاع الرتيب.
وتابع درويش: قصائد أنسي الحاج، وغيره من شعراء "شعر" شكلت مرحلة طفولة "قصيدة النثر"، أو إرهاصاتها، لم تتخلص من جماليات القصيدة التقليدية، شعره وشعر جماعته كان موازيًا زمنيًّا لقصيدة التفعيلة، فديوانه الأول خرج للنور بعد ديوان "الناس في بلادي" لصلاح عبد الصبور بسنوات ثلاث فقط، علمًا بأنه كان ينشر القصائد في الدوريات قبلها بسنوات ولم يجمعه في دواوين، تخلص صلاح عبد الصبور من العدد المتساوي للتفعيلات في كل بيت، والقافية الموحدة، وتخلص أنسي ورفقاؤه من الإيقاع التراتبي كله.
يقول أنسي الحاج في قصيدته "كنا نحسب الفراغ نبيذًا": "كان صوتك هضبة تُغطّيها المياه/ وكانت مراكبنا سودًا/ أراضينا بورًا/ شموعنا صخورًا./ كُنّا نُخطئ بالصغيرة والكبيرة/ نحسب الفراغ نبيذًا/ والرملَ على الرمل: القمحَ والذهب./ وكُنّا نَحفظ الأوراق لنَحفظ/ ونَعبد الآثار لنعبد/ ونُخبّئ لنُخبّئ،/ حتّى جئت/ فلم ننظر إلى ما كان/ غير نظرة!/ ولمّا البحارُ تشقّقت/ وأشَعَّ صوتك/ هَوَينا إليه كمياه./ صرت المياه/ صرت المطر/ ونزل الوقت/ نُزول الرعاة من الهضبة

*************

ذهب وترك الهدايا التي لا تذهب

أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانيّة
السبت ٢١ كانون الاول ٢٠١٣

أنسي الحاج يستعجل اللاحقون دفن السابقين.
إنّها السلطة، في الأدب والفنون والأديان أيضاً. تقول خرافة شائعة إنّ الحضارة تَواصُلٌ واستمرار. ولكنّها خرافة. يرثُ الحاضرُ الماضي شاء أم أبى وليس في الغالب من باب الوفاء. وتَراها وراثة ووراثة. ولم يرث حقّاً إلّا مَن غار الإرث فيه غَوْر الليلِ في مجهوله.
على أنّ اللاحق ليس دوماً جديداً ولا بالحتم مجدّداً وإنّما يأتيه ذلك بتلاقي الضرورة والموهبة، والتاريخ والقَدَر، واللحظة والشخص.
ولا يكفي اللاحق أن لا يقلّد السابق، بل زد انوجاد اللاحق في زمنه انوجاد مَن يَقْطع مع السابق ثائراً غازياً أو مَن يَصل الأوقات وَصْلَ الملخّص لها والمتقدّم إلى الأمام منها بقدراتٍ هَدْميّة وبخَلْفيّة تُوجِدُ العَدَم.
ليست البداية مشيئة محض فرديّة ولا محطّة زمنيّة تعقبها محطّات. وليست الريادة طلائع وموجات بل هي بداية «وكأنّها» من صفر. بداية في غير معنى المتابعة والإكمال، فليس للفجر متابعة وإكمال، وكلّ فجرٍ هو البداية. بودلير رائدٌ دائم. مثله رمبو. قبلهما شكسبير. في العربيّة جميل والمتنبّي وابن الرّومي وأبو نواس. في الأغارقة هوميروس وأخيل وأوريبيد وسوفوكل وهيراقليط. في الفنّانين ميكل أنجيلو ورافاييل وباخ وموزار وبيتهوفن وفاغنر. غداً مَنْ؟ ثمّة في الغد روّاد هم في الحقيقة أصحاب الزمان لا أمس ولا اليوم ولا غداً بل في المسامّ والعروق والحواس والمعتركات.
ثم فيمَ التسابق على صفة الريادة وليست هي المرام _ إن يكن مرامٌ _ بل لحظةُ استحضارِ الحياة استحضاراً أقوى، استحضاراً يجدّد التعلّق بها؟ أليس هذا هو الأدب والفنّ والفكر والجمال؟ إنْ لم يكن هذا فما هو؟ وما التجديد وما شرعيّته إنْ لم يكن تنفيض الحياة؟ وهل غير بَعْث الحياة اسم للإنسان؟ فكيف بالخلّاق؟
في ضوء هذه المعاني _ التذكيرات لا يبقى لاصطراع الكلمات غير طنين الألفاظ الخاوية. كلمات «حداثة» و«تقليديّة» و«ريادة» و«اتباعيّة» و«طليعيّة» و«سلفيّة» قد تؤدّي دوراً في مرحلةٍ من مراحل النطق التغييري، ولكنّها ملتصقة بالأحوال التي أمْلَتْها وليست «شعارات أبديّة». من الواجب على كلّ زائر أنْ يُطلّ ومعه هداياه، أو أن يأتي فارغ اليدين مليء المهجة فتكون تقدمته مفاجأة أكبر. ليس الأدب صراع نفوذ بل نفوذه من انبلاج إشعاعه ولا شأن لعضلات «السلطة» وحِيَل الشطارة ووصوليّة النرجسيّة في إرساء «قيمةٍ» أدبيّة. ومهما يكن ذكاء المتعطّش شديداً فلا نفع منه في الحلول محلّ الأثر، يكون أو لا يكون. وليس هناك «أَدوار» فيأتي الواحد في أعقاب الآخر. لا ديموقراطيّة في الأدب. وإنّها لتدوم لغيرك وقد لا تؤول أبداً إليك.
الموضوع لم يتغيّر حرفٌ من سرّه منذ أوّل تصوير على أوّل جدار. أحبب وافعل ما تريد، يقول أغسطينوس. كنْ واكتب. كنْ ولحّن. كنْ وصوّر. كنْ، أيْ ذاتك أَطعمْ يديك. وليست العبرة في تراكم الخبرات وحده بل في عظمة التراكم في الذات، وربّ مراهقٍ أو طفلٍ بذي عصور.
عنف الداخل يفرش الخارج. يقتحم الدار ويفرض الصمت والإصغاء. عنف الدفق المكبوت يجيش ثم ينبجس فيرسم حوله دوائر الفراغ والترقّب والدهشة والصدمة والنفور والانذهال والحبّ. كلّ لحظة من هذا النوع هي فلذة أَبَد. وعلى قلّتها في التاريخ، فكلّ واحدةٍ منها تبدو أكبر من التاريخ، مع أنّه أطول منها بكثير، ولكنّها هي لحظة الحياة، اللحظة الإلهيّة في الحياة، اللحظة الأمّ، التي يؤلّف مجموعها القصّة السريّة والخلْفيّة والعليا لعظمة الإنسان، بل لما هو أنبل من عَظَمته ومن أيّ عَظَمة: لجمال يديه.

إيذاء
لا نرى كلمة «إيذاء» متداولة. القاموس يذكر الأذى والأذيّة. ألْحَقَ الأذى. القرآن يعتبر الأذى ضرراً خفيفاً. الجميع يورد: أساء، أضرّ، الإيذاء مستهجنة. ومع هذا يقهرنا المعنى على إدخال الياء بعد الألف توكيداً للوجع. الحَقَ الأذى مثل رشرش الملح. بعضالملح.
المؤذي مؤلم، لا ذلك الشاهر الأنياب فحسب بل خاصّة المرسال الذي يتوسّله القَدَر للهدم وهو ساهٍ عن القَدَر. لكن… أحقّاً لا يعرف وسيط الشؤم أنّه يبذر فتنة؟

الإنسان الكامل
الإنسان الكامل، في مفهوم الفكر الباطني، هو الذي انتقل من طور العالَم الأصغر الموجود في الإمكان (الكون مختزَلاً في إنسان) إلى طور العالم الأصغر (ميكروكوسم) الآخذ في الفعل. لقد أصبح الخلاصة التامة والفاعلة للعالم. يقول الجرجاني: «الإنسان الكامل هو التقاءُ جميع العوالم الإلهيّة بالعالم الطبيعي، والعوالم الكونيّة وتلك الجزئيّة. إنّه الكتاب الذي تجتمع فيه كلّ الكتب الإلهيّة والطبيعيّة (…) الروح الكونيّة هي قلب العالم الكبير كما أنّ الروح العاقلة هي قلب الإنسان، ولذلك يُسمّى العالم «الإنسانالكبير»..».

عابـــرات
رأيتُ الجانب الجوهريّ في استرجاع الوقت الضائع عندما ركض شخصان هذا من أوّل رصيف القطار وذاك من آخره وارتميا واحد على الآخر وأجهشا بالبكاء.
***
أين هو أيضاً الوقت الضائع؟ هو في عرقلة أحلامنا لأفعالنا.
***
لماذا الحبّ حَدَثٌ خارق؟ لأنّه يتألّف من مستحيلين: رغبةٌ ستجد نهايتها قريباً، وطرفٌ آخر لم يعرف بعد حظّه فيك.
***
عندما أتحامل على الحبّ لا أشعر أنّي أظلمه بل يحبطني عجزي عن المضيّ أبعد في التحامل.
***
كلّنا جرحى الوجود، وأحياناً الشاعر يتقدّم الآخرين، لا لأنّ جرحه مميّز، بل لأنّه يتميّز عن سائر الجرحى بتطلُّعٍ نحو عالم أكثر رحمة. هذا التطلُّع هو الشعر. لا يختلف شعرٌ عن شعر إلّا بهذا التطلُّع، وبزرقة الطفولة الصامدة وراء جهاد هذا التطلُّع.

فيروز..البطرك

فيروز _ أنسي الحاج

فيروز - أنسي الحاج

فيروز صوتٌ يخترقُ دروعَ اللامبالاة، يبكّت ضميرَ الهزء، يطهّر النفس كما يطهّرها البكاء لا العقاب، محبّةُ الطفل لا مهادنة العدوّ. هذه السلطة الأخلاقيّة ليس مثلها لفلسفة ولا لتعليم. ربّما مثلها في شواهد خارقة. لا تُحبّ فيروز أن يُقال عنها «أسطورة» أو «أيقونة». كان عاصي يلقّبها بـ«البطرك» إشارة إلى المهابة ولم تضحك لهذه المداعبة. تكره التحنيط. تكره المصطلحات. تريد أن تتأكّد من حيويّة فنّها كلّ لحظة. عندما تسمع أغانيها الأولى تبتسم بتأثّر قائلة «يا الله هديك البنت!». تتعجّب لها، كما لو أنّها مغنّية أخرى. تجتاز أعمارها باضطرام وهدوء معاً، كما لو أنّها وُلدت الآن. لكنّها في الواقع غداً ستولد. الحفلة المقبلة هي الأولى. تحبّ ماضيها الفنّي ولا تتجمّد عنده. لا يوقف حلمها شيء. حلمٌ مُطْلَق. حلم بمَ؟ توقٌ إلى مَ؟ «أنا عندي حنين/ ما بعرف لمين». والجميل، المؤلم الجميل، أنْ لا تَعْرف. كل يوم ينبثق الفجر ويكتفي الزمن بدورته الرتيبة، إلّا فجر الفنّان، أمسه غير يومه ويومه غير غده. هذا المجهول هو الحبيب. هذا الخيال هو الذي يهفو إليه الشوق. هذا الجزء هو المبحوث عنه دون كَلَل. الجزء الناقص للكمال، فقط هذا، فقط بعدُ هذا، هذا هو! بلى، هو! وجدتُه! وجدتُه!
«كأنّها» وَجَدَتْهُ. لم يكن إلّا دَرَجة أخرى في السلّم. طيّبة هذه اللحظة، شكراً للّه! شكراً أيّها اللحن، أيّها الشعر، أيّها الجمهور الحبيب! شكراً يا ربّي على نجاحي! على صوتي! على أصدقائي! يا إلهي ما أكرمك! ولكنْ، ولكنْ، لمَ أقفرت الصالة بعد الحفلة؟ أين راحوا؟ «متل الحلم راحوا». وأنا أرجع الآن إلى العزلة، الانتظار، التحرُّق على هذا اللعين الذي لا يزال ناقصاً! هَبْني يا ربّ فرصةً جديدة علّني أجده فأرتاح! أرتاح! يا إلهي!…
ولن تَجِديه يا فيروز. حُلمكِ يحفرُ فيكِ كما يحفر النهرُ العظيم في الأرض. رُوحُكِ عَطّشها اللّه لتظلّ تضيء شموعَها الرائعة على طريق الرجاء.
نهرٌ هادرٌ وعطشان: هذا هو عذابُ الموهبة.

الأرض السائبــة- أنسي الحاج

أنسي الحاج

جريدة الأخبار
السبت 30 تشرين الثاني ٢٠١٣

هاملت اوفيليا- شكسبير

هاملت اوفيليا- شكسبير جديّاً؟
ممّا يستوقف في المشهد العربي منذ بدأ «ربيعه» أنّ البديل المتقدّم هنا وهناك ليس أفضل من الذين خُلعوا أو هم مرشّحون للخلع. يحكى عن ضرورة مرور وقت. يحكى عن الثورة الفرنسيّة. أمّا الوقت فلم يدخل ولن يدخل في الحساب العربي إلّا بالمقلوب. وأمّا الثورة الفرنسيّة فهل نحن جادّون حين نرتكب هذه المقارنة؟
إعادة اختراع
القتل على مراحل بلّد المشاعر. حتّى التلفزيون لم يعد يلتفت إلى المجازر. لا العراق ولا سوريا، مع أنّهما ضربا الأرقام القياسيّة. لقد تغيّرت مقاييس التراجيديا، صار الموت أصغر. لو حصلت اليوم أحداث الالياذة والأوديسه وكلّ تراجيديّات شكسبير في أفريقيا أو الشرق الأوسط لما استدعت بضعة أسطر في قاع صفحة داخليّة من الجريدة.
هذه الألفة مع الموت تساعد أهل الفقيد على استيعاب فقده وتغيير الموضوع، لكن يُخشى أن يرفض البعض الموت في ظروفٍ كهذه ويتشبّثوا بالحياة ريثما يصبح الوقت ملائماً للبكاء عليهم. وأكبر الظنّ، إذا استمرّت شلّالات الدم الفعليّة من هنا والقتل السينمائي الأميركي بإغراء سهولته من هناك، أكبر الظنّ أنّ البشريّة ستطالب بعد حين بإعادة اختراع الموت.
مطالعة ومشاهدة
مطالعة الصحف ترعب ومشاهدة التلفزيون تقطع الظهر. وما كان ذلك بمهمّ لو أنّ البلاد في أيدٍ أقوى من أيدي المواطنين، لكنّ نظرةً واحدة إلى طاقم السفينة اللبنانيّة تُغني عن الشرح. وهكذا صَدَق تحذير السيّد نصرالله لـ14 آذار وطلع ارتياح المحور الإيراني _ السوري في محلّه.
عند خلط الأوراق ابحث عن مكانِك وإنْ لم تجده فاصنعه. وهذا ينطبق على المنطقة كلّها من خليجها إلى المغرب. لقد وضع التذبذب الأميركي الجميع في حالة ضياع ودرجة الحدّة التي بلغتها السعوديّة في مجافاة أميركا ليس لها سابقة في تاريخ المملكة. والسؤال اليوم كيف سترجع الرياض إلى عهدها في الدبلوماسيّة الهادئة بعدما ذاقت طعم الغضب وكيف سيُعاد الإسلاميّون السلفيّون إلى مناخات التعايش مع الآخرين بعدما خرجوا بلا أقنعة وجرّدوا السيوف.
يبدو الشرق الأوسط أرضاً سائبة برسم مَن يخطفها.
«كلّما نضجت عاطفة السلام»
أقرأ في عدد 7 حزيران 1936 من جريدة «المكشوف» (الرقم 52) بتوقيع الياس أبو شبكة:
«كانت المساخر البشريّة تشهر الحروب بالسيف والبندقيّة فأصبحت تشهرها بالمدفع والمدمّرات. وقد تشهرها غداً بالكيمياء. بالكيمياء دون غيرها، فيقتل الألوف بدقيقة بدل أن يُقتلوا بساعة. وهذه لعمري طريقةٌ في سرعة الدمار والفناء تنضح في نفوس البشر كلّما نضجت فيها عاطفة السلام وفكرة الفلسفة!».
صمت
الخوف من الصمت. كما يخاف التائه في الغابة من احتمال وحش. للصمت جبينٌ مغلق وعاصف. الصمت ليس أنْ لا يكون لنا ما نقوله بل أن يكون الظلام فينا قد التهَمَ المساحة.
لا يقف في وجه الصمت غير العيون.
قطيعة
ـ ماذا تشعر أمام الإرهاب؟
ـ بأنّ في رأسي ماء. وأنت؟
ـ بالعجز المهين.
ـ العجز عن ردّ الفعل؟
ـ لا، العجز حيال الكلمات. أمام الإرهاب ما معنى الحريّة؟ ما معنى المطالعة، السينما، الموسيقى؟ الإرهاب قطيعة. إنّه أفظع ما أنتجه الإنسان.
قسوة
اليوم، لأوّل مرّة، تصطدم مشاعري بقسوةٍ لم أرَ مثلها. قد أرى أسوأ، كاللامبالاة والبرود، لكنّهما دون القسوة حَزّاً وخضّاً وتعنيفاً. في مَن يقسو عليك طارد بلا رحمة. وسيقول لك إنّ ذلك لتربيتك. وإنْ صحّ، فلهجةُ القسوة وتحجّرها ليسا أفضل من رخاوة الرخو.
بين الرخاوة والقسوة مساحةٌ للرحمة.
شرق وغرب
لم يعتد الشرق تبدّلات الغرب. لا يزال يحاكمه أخلاقيّاً. مع استثناء اثنين: سوريا ابتداءً من حافظ الأسد وإيران بعد الثورة الإسلاميّة. مسيحيّو لبنان لا يزالون يعتقدون أنّهم «حصّة» أميركا بعدما أمسوا خارج الحساب لا بل أحياناً للمقايضة. أمّا السعوديّة فيبدو أنّها بدأت تكتشف وجهاً حقيقيّاً من وجوه أميركا ظلّ شبه غائب عنها منذ عبد العزيز.
هامليتيّات
من مسرحيّة شكسبير
أيّتها الهشاشة! اسمُكِ امرأة.
(هاملت، مرتدياً الأسْوَد، في بداية المسرحيّة)
***
خافي يا أوفيليا، خافي يا شقيقتي الحبيبة،
قفي بعيداً من عاطفتك،
في منأى عن الرغبات الخطرة.
أعْقَلُ العذارى تسخو أكثر ممّا يجب
إذا أَرَتْ جمالها للقمر.
(لاييرت محذّراً شقيقته من الاستسلام إلى تودّد هاملت)
***
(بولونيوس، مستشار التاج، مخاطباً ابنته أوفيليا قبل دخول هاملت):
طالعي في هذا الكتاب
ستخففين عن وحدتك.
غالباً ما يُعاب علينا _ والبراهين كثيرةٌ على صوابيّة هذا اللوم _
أنّنا تحت مظهر الورع
وبأعمالٍ تقيّة
إنّما نغطّي بالسُكّرِ الشيطان.
هاملت _ تكون أو لا تكون، تلك هي المسألة كلّها.
أهو أنبل للنفس أن تتحمّل رجم الحجارة وطعن السهام من القَدَر الغاشم،
أو أن تحمل السلاح ضدّ الأمواج العدوّة ومواجهتها للخلاص؟
أن نموت… أن ننام،
لا شيء آخر.
(…) أن نموت… أن ننام.
***
(الملك قاتل أخيه والد هاملت):
أَمَا في السماواتِ الرحيمةِ مطر كافٍ
لتبييض هذه اليد الملعونة
وجعلها كالثلج؟
ما نفع الرحمة
ما لم تساعد على النظر إلى الجريمة في عينيها؟
ما نفع الصلاة بدون هذه القوّة المزدوجة
التي توقفنا عند حافة الهاوية
وتغفر لنا بعد السقوط؟ آه أنْ أستطيع رفع رأسي
وأعْبُر فوق خطيئتي… ولكنْ أيّ صلاةٍ أجد
فتكون هي الصلاة؟
(…) وكيف يُغْفَر لي وأنا محتفظٌ بثمرةِ جريمتي؟
وما حيلةُ التوبة، واأسفاه، عندما لا نعرف أن نتوب؟
***
(الملك قاتل أخيه والد هاملت):
أعرفُ أنّ الحبّ يولد في الزمن،
وما تقوله التجارب أنّ الزمن يقوم بإيهان شرارته وإخماد ناره.
في عمق أعماق لَهَب الحبّ
يُقيم بكامل حيويّته ذلك الفتيل
الذي يَتفحّم ويتفحّم حتّى إطفاء اللَهَب.
لا شيء ثابت على محض فضيلته
لأنّ الفضيلة تنمو حتّى الإفراط
وتموت من تخمة ذاتها.
ما نودّ أن نفعل
يجب أن نفعله فور الرغبة به،
لأنّ هذه الرغبة تتبدّل
وتعاني انهيارات ومعوّقات كثيرة
بمقدار كثرة اللغات والأيدي والحوادث.

مسيحيّــــون ويهــــود- أنسي الحاج

أنسي الحاج

جريدة الأخباراللبنانية
السبت ٥ تشرين الأول ٢٠١٣

مهدي ياغي

 مهدي ياغي نحن (العرب عموماً) نتذمّر كلّما قرأنا أو شاهدنا يهوداً يستشهدون بيهودٍ ويعلون شأنهم حتّى لتبدو الحضارة، لمَن لا يعرف أو لمَن يُغْسَل دماغه بسهولة، صناعة اليهود وحدهم. ولكن هل انتبهنا إلى كوننا نحن المسيحيّين العرب غالباً ما نعظّم شأن التنويريّين في عصر النهضة، وغالبيّتهم مسيحيّة، وبالكاد نتذكّر، مثلاً، مساهمات جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده؟ وعندما نعرض للدور المهمّ الذي لعبه مسيحيّان في القرنين التاسع والعاشر هما حُنين بن إسحق ويحيى بن عُديّ، ألا ننسى أحياناً دوراً بالغ الأهميّة لعبه الوزير الفارسي جعفر البرمكي الذي تفوّق على أقرانه في الغوص على العلوم القديمة في شكلها الفارسي والهندي والبابلي بصورةٍ عامة، وشكلها الإغريقي واليوناني بصورةٍ خاصّة، كما ينوّه ماجد فخري في مقدمة كتابه: «تاريخ الفلسفة الإسلاميّة»؟
لا شكّ في بروز المسيحيّين العرب أدبيّاً وصحافيّاً نهايات القرن التاسع عشر ومطلع العشرين حتّى أواسطه وبدء ثلثه الأخير. ولا مبالغةَ في وصف كثرتهم بالطغيان، لا سيما في لبنان. ما العمل لتفادي الظهور كنخبةٍ عنصريّة؟ الحقّ أنّ المسلمين لم يظهروا إلّا قليلاً جدّاً ضيقاً بهذا الطغيان، فغالباً ما أقرّوا به واقعاً شرعيّاً وحاولوا محاكاته والاندماج فيه.
لقد بدأ الوضع يتغيّر منذ اندلاع حرب 1975. بعد شعراء الجنوب وعبّاس بيضون ومحمد العبد الله وشوقي بزيع، أصبح الطغيان لأدباء الشيعة ومفكّريهم كوضّاح شرارة وأحمد بيضون. سوف تحتاج هذه الحقبة إلى تأريخ في العمق وإلى مقارنتها بما قبلها. وفي النهاية لن يكون حسبانٌ إلّا للأدب والفكر ولا طغيانَ لسوى الخَلْق في معزلٍ عن الخنادق.
«هيدي القضيّة تَبَعْنا»
لفظة «هيدا» الموضوع، «هيدي» القضيّة، اشتهر بها بشير الجميّل: «هيدي القضيّة تَبَعْنا». يواظب عليها الشيخ أمين وابنه سامي. (الشيخ أمين يلفظ التاء طه. «نحن نعطبر أن…»). منذ إميل لحّود الأوّل نائب الثلاثينات والأربعينات وحميد فرنجيّة وبشارة الخوري لم يشتهر الساسة الموارنة بمتكلّمين. كانوا بالكاد يخلّصون أنفسهم بالدارج. وعلى العموم لم تسعفهم طبقات أصواتهم. إذ كانت إمّا مخنوقة كما عند كميل شمعون وإمّا «رفيعة» مثل ريمون إدّه وإمّا مبحوحة وانفعاليّة مثل بيار الجميّل. من جهة التلفزيون يكثر طوني خليفة من استعمال هيدي وهيدا مع الحيرة في اختيار الألفاظ والتردّد في إنهاء الجملة حتّى يتعب المشاهد نيابةً عنه. هذه علاجها التمرُّن فضلاً عن إعداد ما يمكن إعداده كتابةً. برنامج «للنشر» جيّد وجريء.
التوراة
الإخضاعات الفرويديّة والنفسيّة عموماً لم تقدّم ولم تؤخّر في تقييم مطالعاتي للتوراة. أعتقد أنّ من أسباب دوام تأثير هذا الكتاب تعامله مع أركان كياناتنا ومع خفايا القاع، ومع العنف والتوبة بلا أقنعة ثقافيّة. كلّ قارئ للتوراة هو مشتبك مع إلهها وأنبيائها وفي الوقت نفسه يظلّ يشعر أنّها مكان الجريمة الذي يعود إليه القاتل شاء أم أبى.
مهما يكن الله نرجسيّاً في ذهن الأنبياء، أعطاه داود ما يزيد ويفيض.
اليوم تكتشف وجهاً جديداً لمزمورٍ يفتح لك باب الإياب إلى الآب. غداً يكتشف الآب أنّه يضيع.
تشبه التوراة حقلاً يتلاقى فيه الأعضاء في بداية مسالمة وبألوان الفجر الجبليّة، ولا أحد يعرف بالتمام مَن الذي دعاه، ولا ما سيفعل بعد أن ينتهي من اللقاء.
نزوح الآلهة
بين الروايات الوثنيّة القديمة واحدة تقسم الخلائق الروحيّة أو الجنّ أربع طبقات، مجانسةً مع عناصر الطبيعة الأربعة: السِلْف، وهو كائنٌ هوائيّ، السمندل للنار، حوريّات البحر للماء، والأقزام (أو العفاريت) للتراب. وذهب بعض اللاهوتيّين المسيحيّين الغربيّين قبل أربعة قرون إلى القول إنّ هذه الكائنات الخرافيّة كانت في الأصل آلهة وإنّ هذه الآلهة لم تكن، لسبب أو لآخر، منخرطة في الصراع الذي دار بين الملائكة والشياطين، فلم يلحقها أذى، واستمرّت على وجودها بعدما أمسى ثانويّاً، وعندما تخلّى البشر عن عبادتها اكتفت برعاية الحيوانات الأليفة والمفيدة، بينما بسطت الشياطين سلطتها على البهائم المفترسة أو المنحطّة.
أمّا بعد المسيح، فيعتبر أولئك الشُرّاح أنّ الآلهة الكبار أو أنصاف الكبار نزحوا عن الأرض إلى الكواكب، منازلهم الأصليّة. هذا التأويل ساد القرون الوسطى، وبقوّة لدى أهل القِبالة ولا سيما في أوساط الفلكيّين والمنجّمين والخيميائيّين والأطبّاء. وهو مستمرّ إلى اليوم في الغرب على التقليد الإغريقي (السومري الكلداني أساساً) لعلوم الفلك أو على التقليد الصيني أو الهندي أو سواهما في حضارات أخرى.
العريس مهدي ياغي
لا يصدّق المرء أنّ هذا الشاب استشهد. رأيتُ وصيّته على مواقع التواصل الاجتماعي. الشاب مهدي ياغي. الضاحك الوسيم. أبى أن يضخّم أحد استشهاده وناشد أمّه الهدوء.
من أوّل وصيّته لآخرها وهو يضحك ويحاول جهده إضحاك مشاهديه. هل يموت فارسٌ كهذا؟ ألا يقهر الضحك الموت؟ ولماذا إذن نُمجِّدُ الضحك؟
يضحك ويعاتب نفسه على الأخطاء اللغويّة. يا مهدي أنت ذاهب للاستشهاد أم لاحتفال؟ لو تعطي كلّاً منّا نحن الجالسين وراء مكاتبهم ذرّةً من شجاعتك! ذرّةً من استخفافك بالموت! ذرّةً من عطفك الضاحك على الباقين أحياء!
هذا شهيدٌ عريس. بصرف النظر عمَّن يقاتل. لا تجوز التعزية به بل التهنئة. وزلغوطة على قَدّ بعلبك.
ضجر
عرفتُ ضجر أثرياء. يحاربونه بأرخص الأسعار. كأس، كتابة مذكرات، تلفونات، استمتاع كاذب بالموسيقى، ولائم كأنّها مباريات للثقلاء.
ثم النوم.
عرفت ضجر فقراء. أشدّ المدمنين. يحرمون عيالهم وأنفسهم لقمة العيش ليشحذوا شمّةَ كوكايين. ينفقون طاقاتهم الجنسيّة كمَن يسبح كي لا يغرق أو كي يغرق. يلعبون القمار مثل كبار الملياردريّة ووحدهم يليق بهم تبذير ما ليس لهم بل ما استدانوه.
اغتربوا أيّها الأدباء
على كلّ أديب لبناني أن يهرب إلى أميركا وأوروبا والآن إلى الصين والهند واليابان ليعيش هناك ثلاثة أرباع حياته ويقيم علاقات وتقام له مقامات ثم يعود ليموت في لبنان وسط الهالات. والأوفق أن يعود ميتاً خالصاً حتّى لا يغلط إذا سأله صحافي عن موضوع وأجابه المغترب المسجّى جواباً بلديّاً مسطولاً.
الأكاذيب المحليّة مكشوفة والأصاديق المحليّة لا تملأ العين. البلدان الصغيرة بحاجة إلى أحلام ضخمة. عد لهم بحقائب ألف ليلة وليلة.
ومت برّاً قبل العودة. سيكون نقل رفاتك احتفالاً مقدّساً لن تقوم منه لا حيّاً ولا ميتاً، والمولى راعيك.
عابــــــرات
الرائحة: بدأوا يستعملون بثّها في حفلات الغناء وراح الجمهور يتباوس. هنا الجمهور (ولا سيما النساء) محضّر للاحتمالات. تخيّل لو كنتَ على موعد مع شخص (أو شخصة) غير جاهزين للاقتراب كثيراً، وأحدهما راغبٌ في القرب.
***
كراهيّة الناس تُميت. وكراهيّة الأقربين أشدّ من الأبعدين. إذا تأكدتَ من كراهيّة أحد واجهه بالسؤال: «لماذا تكرهني؟». أيّاً يكن جوابه تكن أنت قد نَفَّسْتَ النحس إلى حين.
***
الإنسان لن يتقدّم كثيراً بعد اليوم. معظم البشر سيقيمون في حالات التخلّف والفقر والجهل التي اعتادوها. والأثرياء سيزدادون ثراءً.
الإنسان لن يتقدّم. كنّا نأمل في تقدّمه طبياً وجراحيّاً، ولكن أين؟ كلما أُحرز تقدُّم استحالَ تجارة. لماذا التقدّم حيث سيكون أداةً للاستغلال؟
الإنسان لن يتقدّم.
كلّ ما كان سيفعله «إنسانيّاً» فعله.
***
المتسامح يُحْتَقَر والمتشدّد يُبْغَض والمتوسّط يُخان بلا شغف.
***
سعادته تخيفه وتعرقله. تُكرّهه بسائر الرجال. تُحسّسه بخفّةٍ تشبه التفاهة. كان يفضّل سهولة المتعة على هذا العبء الذي ظاهره فرح وباطنُه تَخلُّف عن المكان الذي يحصل فيه الفرح الحقيقي.
***

لا تغفر المرأة لامرأةٍ أخرى أن تسرق منها رجلاً ولو لم تكن الأولى تحبّه… ولا الثانية!

لا تضعف، أقول له-أنسي الحاج

أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانيّة
السبت ٢٨ أيلول ٢٠١3

أنسي الحاج عدد القتلى اليوميّين في العراق: رئيس الحكومة يحذّر من اندلاع حربٍ أهليّة. هذا الحاصل اليوم ما هو؟ حضارةٌ أهليّة؟
نكاد ننسى الحرب في سوريا. الوحشيّة التي يتساقط بها القتلى في العراق بدأت تقنعنا بأنّنا لا نستحقّ معاملةً أفضل. وحوشْ ولمَ لا؟ أغبى ما في هذا أنّنا نحسب أنفسنا أسياد مصيرنا.
يكتب فاروق يوسف في «ملحق النهار» تحت عنوان: «نحن خير أمّةٍ أُخرجتْ للناس»: «حينها تذكّرتُ قتلى الحرب العراقيّة _ الإيرانيّة من الطرفين المؤمنين. كان العراق يرسل شهداءه إلى الآخرة بعد أن يعدّهم للالتحاق بسعد بن أبي وقّاص ورفاقه في معركة القادسيّة الأولى. في المقابل كانت إيران تفعل الشيء نفسه، غير أنّ شهداءها كانوا يلتحقون بقتلى موقعة الطفّ، وفي مقدّمهم يقف أبو عبد الله الحسين. كانت المفاتيح الصغيرة التي صُنعت في الصين هي الرمز السريّ الذي تتعرّف من خلاله الملائكة إلى ضالّتها. علينا أن نتخيّل مشهد الضحايا هناك. أقصد في مكان الانتظار. مَن قَتَل مَن؟ الماكينة نفسها لا تزال تعمل في أماكن مختلفة من العالم العربي».
شرق أوسط الموت. لكنّ أميركا أطلّت على إيران بابتسامة، فلنستبشر. ما نحن إلّا براغٍ في الماكينة.
***
شهر أيلول شهر الكلمات الطويلة. غدّار. دامع العينين على فراغ قلب. شهر انغلاق أبواب وانفتاح أبواب.
السائل عنك يوحي لك أنّه يشاطرك. أحاول أن أحصي اللامبالين. الخروج من هذه السيرة يحصيهم وينهيهم. لا تضعف، أقول له.
***
أرى وأسمع موسيقى «أرتي» أو «ميتزو» فأقول: لماذا لا يتعهّدنا هؤلاء؟ ثم أضجر. ويأتي دور بان كي مون والصليب الأحمر فأقول هذا هو الحلّ. لكنّ المرجعين المذكورين لا يريدان. ثم أقول لمَ لا تحتضننا فرنسا؟ خبزها طيّب وعندهم مكان لكلّ واحد. وطبعاً فرنسا ترفض فلا يبقى غير أميركا. لكنّ أميركا لا تريدنا الآن قبل أن تنتهي من تمزيقنا.
إذاً مَن؟ الروس؟
لا حول ولا قوّة إلّا بالله!
***
من الكتب التي وجدتها لدى عودتي إلى «الأخبار»: «شعراء أعلام من المشرق العربي» للدكتور ميشال خليل جحا. دارا «صادر» و«نلسن». 778 صفحة من القطع السميك. تصدير لإحسان عبّاس. من أفضل ما في هذا الكتاب أنّه لم يذكرني. يقول في مقدّمته: «أنا أعترف بأنّ هناك شعراء مهمّين لم يتّسع المجال لتناولهم في هذا الكتاب. إنّ عدم تناولهم لا يعني أبداً إنقاصاً من قيمتهم». من الواجب الشكر. لا أحسد سائر الشعراء على ضبّهم في هذا الكيس.
من الكتب الواردة «نقولا الحداد الأديب العالِم» لسلمى مرشاق سليم، عن الشامي المصري الصيدلي الكاتب. «نموذج كامل الأوصاف عن المثقف في طبعاته العربيّة الأولى». كنّا نتمنى خلوّ الغلاف الأخير من عبارتَي «الصيدلاني _ الأديب في آن واللبناني _ المصري في آن». لا معنى للفظة آن وحدها دون تحويلها إلى عبارة كاملة كقولك «في آن واحد». أو «في الآن ذاته».
بين الكتب الجديدة «من جورج واشنطن إلى أوباما _ الولايات المتحدة والنظام الدولي» للدكتور حسين كنعان، عن «دار النهار». ينظر المؤلّف بعطف وإيجابيّة إلى الموضوع الأميركي ولا يستعديه سلفاً ويشير إلى منابع يستطيع القارئ العربي من خلالها فهم العقليّة الأميركيّة فهماً أعمق.
مفاجأة أخيرة: كتاب «الشوير وتلالها _ سجلّ مصوّر» لبدر الحاج، عن «دار كتب». الصورة الأولى لمصوّر مجهول: الدكتور خليل سعاده وعائلته في 20/11/1912. الصورة الثانية لنسيب خنيصر عن كنيسة المخلّص للروم الكاثوليك في ضهور الشوير في الثلاثينات من القرن العشرين. الصورة الثالثة لوديع مجاعص، صفحة زجاجيّة تمثّل غطّاس عطايا حوالى عقد العشرينات من القرن الماضي. الرابعة لوديع مجاعص عن رشيد زغيب حوالى عقد 1920. الخامسة لنسيب خنيصر عن سيّدة شويريّة حوالى عقد 1930. إلى المقدمة فالأقسام. أعرف كثيرين، أنا منهم، سيتحلّب ريقهم لتصفّح هذا الكتاب ويتمنّون لو كان لبلداتهم وقراهم مثله. غزير، بكفيا، زوق مكايل، جزّين، تنورين، عمشيت، عاليه، دير القمر، بيت الدين، حصرون، اهدن، بشري، بنت جبيل، مرجعيون، راشيا، بعلبك، زحلة، انطلياس، دوما، بيت شباب… مشروع يحتاج إلى وزارة ثقافة. ولبنان بحاجة إلى وزارة ثقافة أكثر ممّا هو بحاجة إلى حكومة.
ماضينا متجذّر في رؤوسنا. نستعيده في الفولكلور الغنائي فلماذا لا يُستعاد أيضاً بالصورة والكلمة؟ مشروع كمشروع بدر الحاج غرسةٌ في حقلٍ فارغ. دعونا نراه يتوالد.
***
كان أبي يقول لي: «عمول حالك مش عارف». بهذا كان يعالج ثلاثة أرباع مشاكله. الصديق إميل منعم يذهب أبعد: «اليوم _ يقول _ يموت الواحد ثم يسترجعونه. يكون ممزّقاً إرباً ويعيدون تركيبه. لا تنقّوا. يعيش نيتشه!».
كان نيتشه يكابر. يزكزك نفسه ليقهقه. أما من قوّةٍ سوى هذه؟ أما من صحّة حقيقيّة؟
أهل الجبال.
قوّة ابن الجبل.
بثقافة وبدونها.
***
هذه المرأة التي تترقوَص على الشاشة أهذه هي الفرح؟
أعدني أرجوك إلى الهورس شو، عند السيّد منح دبغي، قبل الحرب (أيّ حرب!؟) بأربعين سنة. كنّا ملوكاً. أرادت إحدى الأطروحات أن تكتشفني. أيّها الأعزّاء الذين تغارون عليّ ولا تعرفون مَن أنا، كم كتاباً يجب أن يؤلّف المرء؟ كم قرناً يلزم أن ينشر في صحف لبنان حتّى يصبح معروفاً؟ كم قرناً يلزم لهذه الأجيال حتّى تعرف آباءها؟ أجدادها؟ لعلّنا يجب أن نُطوّب قدّيسين. لكن ألسنا كذلك؟ هل في لبنان قدّيس أكثر ممّن أمضى الأعمار يكتب في بلدِ الأجرة والثراء الأسرع من البرق وهو لا يزال يحتاج إلى نوّاصة كي يراه اثنان ثلاثة من العابرين؟
***
هل يمكن أن أقول ما لم أقل؟ بعضه، بعضه فقط!؟ ترتعد أوصالي لمجرّد الخاطرة. قد يؤتى هذا في «الحالات الثانية»، تحت البنج، أو في مسامرة تجرف خلالها الحماسة حواجز وتفكّ قيوداً، لكنّها سوانح. ليتني أنام وتنطق ذاكرتي وذهني فيما أحدٌ يسجّل لي. كأنّ كلّ ما حصل معي أو شهدتُ له أو عليه حصل ثقة منه بامتناعي عن ترداده. إذا كانت هذه وساماً لي من القَدَر فأستطيع أن أعتبره لا رشوة فحسب بل سجناً. إنّه القفص الذي أُسرَتْ فيه روحي باسم الوفاء.
ولستُ نادماً حقّاً ولا آسفاً إلى حدود التراجع. إنْ هيَ إلّا أَنّة.
عابــــــرات
نظرةٌ تجد فوراً نقطة الضعف فيك مهما كنتَ مغلّفاً، وتخترقها.
***
العينُ تَشتدُّ حين يلين القلب، والقلبُ شديدٌ حين العين طريّة.
***
يسقط عنّا سحر فنطارد سحراً آخر. وُلد الشعراء ليقعوا في الحبائل. إنّهم غرباء الأمم، والكبير فيهم، من فرط غربته، لا يعرف إنْ كان يمشي على الأرض أو هي الأرض تمشي عليه.
***

كما يخلق الله كائناتٍ لا تُصدّق أنّه خَلَقها، يخلق الشاعر أشخاصاً ومناخات، أحلاماً واستجابات، ولا يصدّقه أحد.

الله يعرف مسبقاً. الشاعر لا يعرف.

حميميّــــة [3] -أنسي الحاج

سبتمبر 14, 2013

أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية

أنسي الحاج اتخذت حلقتا «حميميّة» (الانطباع الأوّل) طابعاً لم أرده لها، وآلمني أن يعتقد أصدقاء أنّي أغفلتهم بموقف استبعادي. لكنّها الذاكرة ولا شيء آخر. ذاكرة خائنة ومسوّدة للوجه. أورد هنا حلقة ثالثة، وأنا متأكّد من كوني سأنسى أيضاً مَن يجب أن لا أنساهم، وأرجو بهذا قَفْل تلك الحلقات، وأنا لا أدري بعد لماذا الذين سجّلت انطباعي عنهم لم يعجبهم ذلك:
علويّة صبح. انطباعي عنها هو الأقوى. شكيب خوري النسيم. غازي يونس الريشة. وليد عقل أنامل الريش والعاصفة. ندى عقل الغوى الضاحك من نفسه. أنطوان فرنسيس الجبراني الفَرِح. أحمد بزّون المُنْكِر ذاته. إسكندر حبش الجوّابة. أحلام مستغانمي المحتدمة. حسين بن حمزة نعيمة الجديد. صلاح فائق، سيبقى العالم مزهراً. أنطوان أبو زيد المظلوم ولا يعلم مقدار موهبته. عهد فاضل: يعرفون أنّ لكَ وجهاً فلماذا لا ينظرون إليك؟ سليمى ذود الحماية. سركون بولص بحر الصفاء والتلاطم. سنيّة صالح همس الجفون. يولاند لبكي حيويّة. صادق جلال العظم الدمشقي الكافر. فيصل سلطان يد الفنان التي لا تنغلق. مهى سلطان الطفلة المُسْعِدَة. بلال خبيز الشاهد البريء وسط البرابرة.
محمد أبو سمرا اللكّيع. حسّان الزين الورد. كاتب ياسين ذو الخمس نجوم. جمال الدين بن شيخ الأرْيَحيّ. جميل ملاعب السلام الداخلي. ماهر شرف الدين رئيس القافلة. زينب عسّاف حلاوة هواء الربيع. عبد الله القصيمي كعبة التمرّد. قدري قلعجي سوريا. شوشو (حسن علاء الدين) وحده المسرح. سلوى النعيمي شريكة الغياب. خليل النعيمي الطليق. غريغوار حدّاد الجارف. كريستيان غازي ماروني المرابطون. المعطي قبال باريس المغرب. مادونا غازي الصديقة وراء العمر. يولاند لبكي حيويّة الأحمر والأسود. نجاح طاهر النور من النافذة. شوقي عبد الأمير: «اللغة العربيّة وحدها دين». سليم باسيلا الجَرَس. أنطون قازان الطِيبَة الفصيحة. زينات نصّار الريّس تلبسةُ الوردة. سميرة عزّام لم تهدأي كثيراً. غسّان كنفاني السكّين. صلاح الدين المنجّد لم يبقَ أحدٌ مثله. عادل الأعور المختفي. هلن الخال المتحمّلة، المتماوجة. ستيليو سكامنغا لبناني. خالد المعالي «خيال من قَصَب شعر». باسمة بطولي النغم الرقراق. زهير غانم طفلٌ على جبل الكلمات.
* «حامل الوردة الأرجوانيّة»
يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبّات اللؤلؤ. كتابه الجديد: «حامل الوردة الأرجوانيّة» (الدار العربيّة للعلوم) بناءٌ دقيق الصنع، محتشم الأناقة. رواية طاعنة في الأزمنة، تنحفر في الذاكرة، يسبح فيها القارئ سباحةً مسحورة. صياغةٌ شبه مباشرة معظم ما فيها يدلّ على أهدافها، وإلى هذا حجابُ مهابةٍ يُظلّل الوقائع. شفّافٌ وهارب. أشخاص الرواية، في السجن أو في الشرطة والقضاء أو في أوروبا، ليسوا في السجن ولا في الوظيفة بقدر ما هم في فضاء اللغة.
يسرد الراوي وقائع وانطباعات عن التحقيق معه معتقلاً في «حصن الميناء». لا يزوره في الأسبوع سوى شخصين: رانيا يوم الأربعاء، وأمّه، البالغة الرابعة والثمانين، يوم الجمعة. لم يفهم الراوي ولا محيطه سبب اعتقاله: «إنّي في نظر الكلّ مثالُ الرجل الهادئ، المسالم، المقيم في عالمه الخاص، الذي لا تشوب حياته شائبة».
وقابعاً في سجنه ينعرض له شريط الذكريات. من جلساته في مقاهي نهر السين أو على شاطئ المحيط مع آنّا عهدَ كان في فرنسا، و«المدى المسكون بهبوط الليل، والمطر الهاطل رذاذاً، وخيالاتٌ مبهمة لطيورٍ عابرة، وأضواءٌ بعيدة خافتة، ومراكب راسية، وصوت المدّ والجزر المتسرّب إلينا، عميقاً، أليفاً، مفعماً بإيقاعات وعوالم لا تُدْرَك، كأنّه همسُ أمّهاتنا قبيل رقادنا في أسرّة الطفولة». والراوي يحدّث آنّا، في المقابل، عن سماء بلاده الليليّة «البالغة الصفاء، المرصّعة بنجومٍ لا تحصى، وعن الشعور بأنّ تلك النجوم المرتعشة هي على قربٍ مذهل منّا، كأنّها في متناول يدنا، أو كأنّها جزءٌ حميم من ممتلكاتنا الأرضيّة، فوق سفوح «القرنة السوداء»، سقف المشرق». وكان يحسد آنّا، حين تحدّثه عن انبهارها برونق الصحارى الشاسعة في الشرق ومدن اليمن التاريخيّة وبلاد ما بين النهرين وبرّ الأناضول وبلاد فارس، كان يحسدها «على قدرتها على الفصل العميق داخل نفسها بين أنظمةِ الاستبداد وسحرِ حواضر الشرق، وهو أمرٌ لا أقوى عليه البتّة». ويبرّر الراوي لصديقته هذه الغشاوة الذهنيّة بكونها هي مسافرة عابرة بينما علاقته هو ببلاده علاقةٌ متجذّرة. ويضيف _ وهذا هو التفسير الأكثر صوابيّة في نظرنا _ أن آنّا «كانت تعتقد على الأرجح أنّ حال الاستبداد الراسخة، العميقة، الدائمة، هي جزءٌ طبيعيّ من تلك الأمكنة، مثل عمائرها وآثارها وأطياف ناسها وصبحها ومسائها».
نظرةٌ سطحيّة إلى «الربيع العربي» قد تحملنا على استنتاجٍ مماثل. المراحل الأولى لهذا «الربيع» (مصر، تونس، ليبيا، العراق) تعطينا التوكيد. إمّا مستبدّ محلّ مستبدّ وإمّا مستبدّون محلّ مستبدٍّ واحد. ولو جاء هؤلاء بقوّة الانتخابات. أمّا سوريا فالصراع ما زال قائماً فيها وعليها. والتطوّرات لا تبشّر. والدلائل تقود إلى استخلاص نتيجةٍ محبطة: يبدو الغرب والشرق مُسلّمَين بأنّ أفضل مصائرنا الطغاة والمتعصّبون، وأنّنا لسنا ذوي قيمة إنسانيّة. كأنّه علينا أن نشكر الدول العظمى لأنّها إلى الآن اكتفت تارةً بغزونا وطوراً بمشاهدتنا نتقاتل ويبيد بعضنا بعضاً، وأحياناً بمساعدتها. وهكذا، تدريجيّاً، سقط الشرق الأوسط من مرتبة المحور إلى رماد الهامش. لم يعد فيه مهمّاً لأميركا غير إسرائيل. وهذا موضوعٌ آخر. الموضوع الآن هو مَن سيستبدّ بسوريا بعد الأسد، أو إلى جانب الأسد؟
الاستبداد الاستبداد. إذا كان من حَسَد مشروع، فهو حسد كاتب هذه السطور على «الإمارة الجبليّة» التي يستطيع فيها الراوي، وطبعاً أنطوان الدويهي، أن يحفظ عالمه الداخلي من كلّ استبداد، مشرعاً أحلامه على الحريّة. قلعة الراوي _ الكاتب الروحيّة أقوى من أيّ حصن، فكيف بـ«حصن الميناء».
تمضي الرواية على جناح النسيم تحكي قصّة مروّعة رغم لطف الأسلوب.
لا يستغلّ أنطوان الدويهي اللغة، خلافاً للعديد منّا. مثل هذه العبارة «اخترقت هاتان الصورتان (للراوي وصديقته، وقد التقطهما مخبر الطاغية) نفسي كرصاصتين». لدى أنطوان الدويهي الكثير من هذه التشابيه والصور الناعمة والشديدة الإصابة، لكنّه لا يتمادى. اللغة تبحث عنه أكثر ممّا يبحث عنها. لكنّه مع هذا ينتشل القلّة الساطعة من الكثرة الغبراء كما ينتشل الصيّاد طريدته والقليل الكلام مفرداته. «ما يميّز علاقتي بالأمكنة في الغرب عمّا هي عليه في بلادي، أمران أساسيّان: الجماليّة والحريّة. الجماليّة لأنّي حين عودتي ذُهِلْتُ أمام فظاعةِ التشويه والبشاعة اللذين أحدثهما الإنسان في الطبيعة، في هذا الموطن الفريد، الذي كان منذ أقدم الأزمان رمز الجمال الأرضي في المخيّلة البشريّة، المشرقيّة والأوروبيّة أيضاً، في النصوص الأسطوريّة والدينيّة والأدبيّة على حدٍّ سواء، منذ فجر الحضارة حتّى فترةٍ قريبة خلتْ، والذي، من دون أن يدروا ماذا يفعلون، عبث أبناؤه، خلال ثلث القرن الأخير، عبثاً مريعاً بأعظم وأثمن ما فيه: جماله».
ويتابع: «كما أنّ المرء يتمتع بحريّة داخليّة في حلّه وترحاله في أنحاء الطبيعة الغربيّة لا تتوافر له في بلادنا، المجزّأة، الموزّعة وفقاً لعصبيّات القرى والمناطق والمذاهب والطوائف، حيث يشعر المتنقّل في أرجائها كأنّه مُطالبٌ في كلّ مكان وفي كلّ وقت، بتوضيح مَن هو وماذا يريد».
ويميّز المؤلّف بين إرهاب «الطوائف والقبائل» وإرهاب الطاغية. الأولى لم تستطع أن «تلحق به إلى هناك، والأمر في كلّ حال لا يهمّها في شيء. أمّا نظام الطاغية فاستطاع».
يلاحق الجهازُ الراوي بكابوسيّةٍ ناعمة تميّزه عن كابوسيّة الملاحقة لدى كافكا. عند الأخير يبدو المرء مسحوقاً كأنْ بطواعيّة. هنا، عند أنطوان الدويهي، البطل عامر الشعور بفرادته، شديد الاستمتاع بنمط حياته، ورعبه من الجهاز والطاغية (وهما رمزان لكلّ الشرق) هو رعب الضنين بملاءته الروحيّة من عدوان الخارج. وليس أيّ خارج بل هو خارج له داخله، وداخله مرعب. وتبلغ بشاعة الطاغية وجهازه ذروتها خلال استيلائهما على رسائله الحميمة ثم ذروة أخرى عندما أبلغته والدته أنّها يئست بعد أشهر من اعتقاله وأنّها قرّرت افتراش زاوية من ساحة البلدة وإعلان الصيام حتّى الموت على أمل اختراق جدار الصمت الحديدي.
وإنْ لم يكن الكلام التالي عن لبنان فعن أيّ بلد يكون؟ «أسمّي هذه البلاد «آخر الأراضي» أو «المقاطعة الأخيرة»، وهي البقعة الأخيرة الباقية التي لجأت إليها روح الحريّة. وهي لم تكن ملاذاً لأهلها فقط، بل لكلّ أحرار المنطقة طوال أزمنةٍ مديدة (…) إنّ شبح الاستبداد، الوافد إلينا، تسرّب عميقاً إلى حناياها، فأضحت واجهة كبيرة متعدّدة الأشكال والأقنعة، لنظام الطغيان. لكنّ الأخطر من ذلك كلّه، وهو ما أذهلني وأحزنني إلى أبعد حدّ، أنّ شبح الاستبداد لم يلج المؤسّسات فحسب، بل تسرّب إلى الإنسان أيضاً».
كما أنّ أنطوان الدويهي لا يستغلّ أسرار اللغة التي تطاوعه، كذلك لا يستغلّ موضوعاً حتّى الإنهاك. لقد عالج في «حامل الوردة الأرجوانيّة» موضوعاً لا قرار له ولا حدود هو أغلى الموضوعات وأقدسها: حريّة الذات الطاهرة والتي تقدّس حريّة الآخرين تقديساً لم نعد نجد له مثيلاً في بلادنا إلّا نادراً.
لكنّ أنطوان الدويهي، هذا الطفل المشعّ، شاعر. والشاعر ليس مغنّياً فقط، بل هو بشير. هذا البشير الإهدني أبٌ حنون لا يخيف أطفاله دون أن يطمئنهم في الختام. هكذا يختم البشير الإهدني بأمل. وهو دوماً حامل أمل. تلك مسؤوليّة المعلّم. لقد هزم الطاغية وجهازه قبل أن يهزمهما الآخرون. هزمهما في نفسه منبّئاً بانهيارهما في الواقع.
سليل «ملك الجبال» هذا وحامل الأمانة.
عابــــــرات
يقطف المرء أحياناً من البروق وروداً لا يجد مثلها في الطبيعة.
***
هل يتغيّر في الأبد ما لم يتغيّر في الدنيا؟ هل يبقى ثابتاً في الأبد ما كان ثابتاً في الدنيا؟
ألم يكن متغيّراً في الأصل ما نظنّه لم يتغيّر إلّا في ما بعد؟…
***
بالولادة يغدو المرء ملكاً لا بالتاج.
***
بعينيها أوّلاً تصبح المرأةُ عاشقة ومعشوقة وليس بالعلاقة الجنسيّة.
***
أحياناً أقسو على النساء. هذه ليست طبيعتي الدائمة. إنْ هي أحياناً إلّا صرخة وعي!
***
الحبّ قناع إنْ لم يداخله قبول بما في الآخر ليس أنت.
***
… بالحذر، مثلاً.
وبحذرك أنت من الاسترخاء.
***
قد يريدك المحبوب ولكن دون إلحاحٍ برغباتك
دون دعاء.
الدعاء يصدر من تعرّي الروح. الحبّ يجب أن لا يتعرّى.
***
قمّة الشعور: عِشْ لامبالاتك مع إظهار العكس.
وعشْ شغفك مع التظاهر بعكسه.
***
أهو جسدك ما يُحبّ أم ذكاؤك؟ أم مجرّد الحاجة إلى التمثيل؟
إنّه فائضا القوّة والضعف.

بلا منــــــارة- أنسي الحاج

أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ١٧ اب ٢٠١٣

جوزيف سماحة
جوزيف سماحة *أيّ عالم؟
عندما تحكيني عن العالم، مَن تقصد؟ أميركا وكندا وأوستراليا والبرازيل وأخواتها أم العالم الآسيوي الذي بدأ يثأر لنفسه أم العالم الأفريقي المقتول منذ قرون ويجرجر انقتاله وهو يرقص على أنغامه لا نكاية بالغرب بل ممارسةً لمزاجه وفرحة الوجود التي تسكنه ويجسّدها أكثر من جميع الشعوب.
عندما تقول «العالم» أوّل ما يتبادر إلى ذهني شارع المنزل، ساحة ساسين، مطعم الحلبي في انطلياس، ومكتبة أنطوان. منذ سنة لم أعد أفكّر في سوريا. اختار السوريّون أن يتقاتلوا حتّى يشبعوا. هذا، في النهاية، كان نوع حريّتهم.
وطبعاً لا أفكّر في معادلات لبنانيّة عاجزة أمام دولة كإيران من هنا ودولة كالسعوديّة من هناك. أعتقد أنّ لبنان منذ الطائف واستيلاء سوريا على كلّ ماكيناته بدأ يزول، ومع الهراوي ازداد اضمحلالاً، ومع لحود انتهى.
ماذا يتبقّى؟ إذا تجرّأ رئيس الدولة ميشال سليمان على الإشارة إلى سيادة لبنان واستقلاله تقوم قيامة العونيّين ومَن وراءهم. بالنسبة إليهم وحده (إذا أرادوا مسايرة «حزب الله») رئيس المجلس رئيس، أمّا رئيس الجمهوريّة فأسيرٌ بين الأسرى.
لبنان الذي نعرفه زال ولا عودة له إلّا مع الذين لن يعودوا.
والعالم، حين تحدّثني عن العالم، هو التاكسي نهاراً إلى «الأخبار» وتاكسي ليلاً إلى التلفزيون في البيت يسلّيني مرّات ويقتلني دوماً فيما أنا أتوهّم أنّي أقتل الوقت.
***
هل هناك مَن يهتمّ في لبنان لـ«نفسيّة» أحد؟ لبكاء ولد بيّاع علكة على رصيف منتصف الليل لأنّ والده سيضربه ويبرّحه ضرباً بسبب عدم كسبه المنتظر منه؟ الزوجة التي انتحرت بإلقاء نفسها من العالي مَن يحقّق في أمرها؟ الشرطة؟ وما حدود معرفة الشرطي ورئيسه بأحوال النفس؟ والقتيلات الأخريات لماذا نُسين بعد أيّام؟ الجريمة في لبنان تتنزّه ومعالجو عواقبها على دين وزير الداخليّة مصرّف الأعمال: الأمن ممسوك. هل ممسوكة أيضاً أخلاق السائقين الذين يقتلون المارّة كأنّهم برغش؟
الجريمة، أحد أكبر مصادر الإلهام والتنقيب لدى عظماء الأدب من الإغريق إلى شكسبير إلى دوستيوفسكي، أكثر ما يهمّنا في لبنان أن نسارع إلى طيّ صفحتها. تمنّيتُ أن أطالع في نقل الصحافيّين لوقائع جريمة ثم التحقيق فيها، تمنّيتُ أن أطالع اجتهاداً لصحافي ينبّه المحقّقين إلى تفاصيل فاتتهم. في الماضي كان صحافيّونا يكشفون الأسرار إلى حدّ لن يصدّقه قارئ اليوم.
أيّ عالم يا عزيزي بين الأشرفيّة و«الأخبار»؟ لا، ليس مسافة الطريق، بل مَقْعدي في السيّارة.
***
قلت يا عزيزي ولم أقل يا صديقي. انتبهتُ أنّي مرّات أطلق صفة صديق على مَن لا يريد أن يكون صديقي. هذه حالة من حالات الغرور، فضلاً عن كونها عادة كتابيّة. في الواقع أنّي أسعى إلى توظيف خادمة لأجد في البيت مَن يعينني على فنجان القهوة والردّ على التلفون وما إليهما، والأهمّ أنْ أجد مَن أخاطبه ويجاوبني فلا نبقى أنا والحيطان يتربّص واحدنا بالآخر.
كنت في ما مضى سَكوتاً وغدوتُ ثرثاراً. بالمقلوب. في آخرته يجب أن ينغلق الكائن، لا لأنّه لم يعد لديه ما يقول، بل لأنّ أحداً لن يعير كلامه أيّ اهتمام. ربّما انتحر همنغواي لأنّه اصطدم بهذا الواقع. كنت تجذب وأضحيت تُضجّر. عوّض عن الثرثرة الشفهيّة بالثرثرة الكتابيّة. بدل أن تدفع لي «الأخبار» راتباً يجب أن أدفع لها. وكما يقول غراهام غرين: «في البداية تعقد علاقات كثيرة، وفي النهاية تصبح كجدّك مخلصاً لامرأةٍ واحدة».
***
لم أستوعب قدرة جوزف سماحة على كتابة سيل المقالات التي كتبها، بين «السفير» و«اليوم السابع» و«الحياة» و«الأخبار». كنتُ أقول له: «أنت شيطانُ التأويل». أوتي براعة الترافع عن قضايا يائسة بمطالعات يبهرك ذكاؤها لا اقتناعك الوجداني بها. كان يضحك. كنت أحرّضه، لسذاجتي، على الخروج والتمتّع بمباهج الحياة، فيجيبني أنّه لا «يعوّف» شيئاً، من الرياضة إلى الكحول إلى النساء. فأسأله: وأين تجد الوقت للباقي، فيبتسم قائلاً: «أيّ باقي؟ الباقي حكي».
كان جوزف سماحة غائصاً في العالم الخارجي. النموذج النقيض لنموذجي. وكان يعتبر أنّ ما يكتبه اليوم ينتهي اليوم، فهذه تعليقات يوميّة من عن سطح المياه لا كتابات وجدانيّة أو أدبيّة. وكان يزعم أنّه لا يعرف أن يكتب وجدانيّاً ولا أدبيّاً.
لم يكن جوزف سماحة صديقاً. كان اكتشافاً. وجدتُ فيه نموذجاً للشخص الذي يقطع نَفَسه ليسمع أنفاس «العالم».
***
خواطر لا منارة لها. حين تغيب الحميميّات وعواصف القلب لا يبقى غير التيه. أفاجأ كلّ يوم أنّي ما أزال حيّاً. ويفاجئني القلم حين أحمله أنّه يمشي وحده. يبدو أنّ الكتابة ليست موهبة بقدر ما هي نشاط ذهني لا بدّ أن يُمارس وإلّا مارس نفسه أوتوماتيكيّاً.
باستثناء ابنتي وابني لا أحد يقول لي شيئاً عن كتاباتي، فأشعر كعجائز المقهى بأنّي دخيل. والحقيقة أنّي عجوز ودخيل، ولم أعد أرتاد المقاهي.
***
«العالم» أضحت لفظة غريبة. كانت دوماً كذلك ولكن ليس إلى حدّ استغرابي أنّ سوريا جزء من العالم وكذلك العراق ومصر وتونس وليبيا واليمن. أيّ عالم؟ عالم يتفرّج علينا نتذابح ونتفكّك ويحسب لنا أمين عام أممه المتّحدة عدد القتلى السوريّين حريصاً على التقليل منهم إرضاءً لإنسانيّته المسكينة؟ أيّ عالم؟ طبعاً لستُ من هذا العالم. وأصحُّ ما في هذه المعادلة أنّ العالم غير مكترث لي ولا لملايين القتلى. كوكب السبعة مليارات ينظّف نفسه من الزوائد ليظلّ بكراً طازجاً شارباً كأس البشر من دمائهم. وعلامَ الاستغراب؟ مَن اكترث لملايين القتلى في حربي فيتنام الفرنسيّة والأميركيّة؟ مَن اكترث لقتلى الجزائر؟ ولقتلى جنوب شرق آسيا؟ ولمجازر التوتسي والهوتو؟ بل مَن يكترث لضحايا السير أو التلوّث في العالم بأسره؟
***
ختاماً:
قرأتُ في «ملحق النهار» مقالاً لراتب شعبو تحت عنوان: «بماذا يفكّر القنّاص؟».
«كان يمكن كلمة تقولها الضحيّة أن تعدّل في المصير الذي ينتظرها لو كانت المسافة قريبة. وكان يمكن قرب المسافة أن يجعل القنّاص يحتسب لصوت ألم الضحيّة واستغاثتها، فيحجم قليلاً. غير أنّ المسافة بعيدة والسلاح قادر على طيّ هذه المسافة التي لا تستطيع الأذن ولا العين أن يطوياها».
طوال حروب لبنان بقنّاصيها القذرين لم أقرأ شيئاً عن هذا القاتل المجهول. رغم أنّه غالباً ما كان سيّد الموقف على كل الجبهات. لا أعرف الأستاذ راتب شعبو، لكنّي أشكره على ملء هذا الفراغ. وليته يتوسّع أكثر. القنّاصون بين لبنان وسوريا باتوا يؤلّفون طائفةً كاملة على حدة. طائفة من صيّادي الأبرياء والفقراء ومحتاجي الخروج من بيوتهم للارتزاق أو شراء خبز أو زيارة طبيب. مجرّد التفكير في شخصيّة القنّاص ترعب. بعد نهاية الحرب في لبنان عدنا إلى بعض مألوفاتنا، ومنها المقاهي والمطاعم. فجأةً تنبّهت إلى أنّ هذا الجمع الضاحك قد يكون بينه قنّاص. ما أدراني أنّ الذي سلّمتُ عليه بالأمس لم يكن قنّاصاً؟ وهكذا مرّت فترة صرت أتخيّل كلّ مجهول يُراد لي التعرّف عليه قنّاصاً. إلى أن قال لي أحد مقاتلي الحرب الأهليّة: «لا تتوهّم. نحن نعرف عنهم. معظم قنّاصي الحرب الأهليّة كانوا مرتزقة أجانب».
ارتحتُ زمناً. لكنّي حيال ما أراه في سوريا وحيال ما أراه ممّا هو أفظع من الحرب في سلوك اللبنانيّين ووحشيّة قيادتهم للسيّارات وسفالة شراهتهم للمال والمظاهر وانعدام مشاعر الرأفة والشفقة لديهم أعادني إلى صوري السابقة عن القنّاص.
بلى، القنّاص لبناني كما هو التاجر الذي يسرقني لبناني والمحامي الذي يتخلّى عنّي في ضائقتي لإرضاء صاحب سلطة، لبناني. قنّاصو الأمس باتوا حكّام اليوم. مجتمعٌ بمعظمه إمّا فاسد وإمّا متطلّع للفساد.
*الأدب المحجوب
هل مات العرب جميعاً؟
كلّ صيف تُخصّص مجلّة «الآداب الفرنسيّة» الشهريّة ملفّاً لأبرز الكتّاب الأجانب ذلك العام. تكتب عنهم وتجري وإيّاهم مقابلات.
ولا مرّة صادفتُ اسماً عربيّاً. (لأكون صادقاً ربّما ورد ذكر أدونيس في أعداد سابقة، ولأكون أكثر صدقاً أفردَتْ المجلّة عن الأدب اللبناني والسوري الحديث ملفّاً دسماً منذ… سنين).
لا طمعاً بمديح المجلّة، فهي أوّلاً من أضعف المجلّات، وهي ثانياً لا تثير فيك أيّة شهيّة لأن تتحدّث عنك.
المشكلة في اللغة العربية. مَن هم أرنالدور أندردايسون وإنريك فيلا _ ماتاس وإليس منرور ولوكاسيسشك وأورهان باموك ومو يان وزادي سميث وريتشارد باورز وليديا جورج وجون إيرفينغ حتّى تخصّص لهم المجلّة ملفّاً احتلّ كلّ صفاتها تحت عنوان: «عشرة أصوات كبيرة من الأدب الأجنبي»؟ هل قرأت المجلّة مؤلّفات علاء الأسواني وهدى بركات؟ وربيع جابر وعبّاس بيضون؟ ورشيد الضعيف وعشرة على الأقل من أدباء سوريا والعراق؟
كيف يكتشفنا العالم والعالم نفسه حجّبنا؟ لقد احتلّت فرنسا الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا والسنغال وغيرها من ديار أفريقيا، وحاولت أن تعوّض عليها بعد الجلاء ببعض إعادة الاعتبار. أمّا سوريا ولبنان، وقد أعملت في سوريا تشطيباً وإرهاقاً، فأدباؤها فيهما هم جورج شحادة وفينوس خوري غاتا وحالياً أمين معلوف، ولا فضل ولا منّة، فقد فرض هؤلاء وسواهم من اللبنانيّين أنفسهم على باريس بفضل كفاياتهم وعدم وجود أمثالهم في فرنسا. ومع هذا لم يعد، بعد وفاة جان لوي بارو، أحد يكترث لمسرح شحادة، علماً، خصوصاً، بأنّ هؤلاء ما كانوا ليُذْكَروا في فرنسا لولا كتابتهم بالفرنسيّة.
ثم لماذا الرواية؟ هل أصبحت الرواية مختصر الأدب؟ في الآداب القديمة منذ هوميروس لم يكن ثمّة رواية. كان هناك سرد أحداث ولكنْ في طيّات المسرح كما عند شكسبير أو الشعر كما عند راسين وكورناي ثم فكتور هوغو. الرواية مُنْتَج صناعي _ ذاتي غالباً ما تحكي فيه القصّة حوادث الكاتب.
والعرب، لنكون منصفين، لم يجلّوا في الرواية. باستثناء نجيب محفوظ، لأنّه خالط الأعراق. وهذا سرّ عالميّته لا عبقريّته الروائيّة وحدها. العرب كتّاب مقال أكثر من أيّ شيء آخر، وهناك في ميدان المقالات ما تصفَرُّ وجوه الرواية أمامه. كتّاب المقال ما عادوا يكتبون النكتة والمديح للسلطة، ولا عادوا ممتهني ابتزاز، ولا عاد بعضهم يكتفي بثقافته الصحافيّة، بل أصبح بينهم مَن لا يكاد يضاهيه كاتب في المعرفة والإبداع.
المشكلة، مرّة أخرى، في لغتنا التي يعتبرها الغرب، في عنصريّته، لغة ميتة. هل العبريّة لغة حيّة؟ والبنغاليّة والتشيكيّة والسلوفاكيّة والصينيّة والإيرلنديّة والتركيّة لغات حيّة؟ في لغتنا جواهر ولا تنتظر غير العدل في التعامل.
… وملك فيصل جديد يحجب النفط عن الغرب حتّى يرفع التمييز ضدّ العرب والتعتيم على الأدب العربي.
*تملأ المكان
سرّ المرأة الجميلة هو في سعة حضورها: بين الإغراء وحمل الأعباء، بين الغريبة والأليفة. سرّ أبي الهول الذي افترضوه فيها هو غطاء لأيّ شيء يريده خيالك.
إذا حضرتْ حسناء إلى مكان يعجّ بالرجال حصل ما يشبه الظاهرة الجيولوجيّة. يمتلئ المكان فجأةً مع أنّه كان ممتلئاً، لكنّه كان ممتلئاً بعدد والآن أصبح فيه إنسان غريب.
المرأةُ التي تملأ المكان إنسانيّاً وأنثويّاً فنّانة. الفنّانة الفنّانة (المطربة، الممثّلة، الراقصة، الشاعرة) التي تجمع صفة مهنتها وموهبة ملء المكان كائن لا تُفَكُّ مغاليقه، وهو على شيء من اللّا بَشَر.

أنسي الحاج – مع فاتن حمامة

أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٢٩ حزيران ٢٠١٣

فاتن حمامة عينا فاتن حمامة أجمل من عيني الجوكوندا.
ليس في وجه الممثّلة المصريّة غموضُ ابتسامةِ الإيطاليّة، لكنّ فيه إشراق الطفولةِ الخالدة الغموض في شفافيّة براءتها.
تظنّ أنْ ليس في وجهها غير العذوبة والأنوثة، لكنّك لا تلبث أن تكتشف السخرية، سخرية لطيفة أخويّة، وسخريةٌ متمرّدة كهبّةِ نسمةِ حرير، وسخريةٌ إذا غضبت فكشجرةِ وردٍ تُزايدُ على الريح التي تراقصها.
إذا حزنتْ يحزنُ المشاهد ويدمع قبلها. عادةً يقال إنّها جسّدت في السينما «البنت الغلبانة». لا أحبّ هذه الصورة، فيها بؤسويّة لا تُشبه فاتن حمامة إطلاقاً. قل إنّها جسّدت «البنت» في المطلق: البنت التي يُخاف عليها، التي تستثير فيك طبائع الحماية، البنت الوَسَط بين الطفلة والمراهقة والمراهقة ومراهقة أكثر نضجاً، البنت التي، من فرط نضارتها وإدخالها الروح إلى حياتك، لا تريد لها أن تكون إلّا معك. ومَن ذا يودّ أن يسمع اسمه من صوت آخر بعد أن تناديه فاتن حمامة باسمه؟ والارتعاشات أو الدموع غير الظاهرة التي ميّزت صوتها، ارتعاشات كحِيَل الأولاد الخائفين من قسوة الكبار، دموع نجاةٍ تارةً وخوف طوراً، دموعُ مَن خَبِر الحياة قبل أن يولد.
مناسبة هذا الكلام إعادة عرض فيلم «أفواه وأرانب» على إحدى الفضائيّات، ثم مجيء فاتن حمامة إلى بيروت لتسلّم شهادة الدكتوراه الفخريّة من الجامعة الأميركيّة. والحاضر يستسقي الماضي.
في منتصف ستّينات القرن الماضي زارت بطلة «دعاء الكروان» وزوجها عمر الشريف بيروت. كنتُ، إلى جانب عملي في «النهار»، أترأس تحرير مجلّة «الحسناء» التي كادت تتحوّل معي إلى مجلّة أدبيّة. كانت سونيا بيروتي كبرى المحرّرات في المجلّة وعلى صلة بمعظم المشاهير. فاتحتُها، كما فاتحتُ رفيقتنا حنان الشيخ، (ولا أذكر ان كان الزميل رفيق خوري قد انضمّ الينا يومها) في شأن إجراء مقابلة مع فاتن حمامة تكون موضوع غلاف العدد. قالت نحاول. كانت مكاتب «الحسناء» تحتلّ مكان «النهار» القديمة في سوق الطويلة، وكان الوصول إليها يقتضي صعود دَرَج ضيّق معتم من عهد العثمانيّين له أوّل وليس له آخر. وعوض أن أقوم أنا وسونيا وحنان والمصوّر وسائر الفريق بزيارة الفنّانة الكبيرة في الفندق كما يقتضي الواجب والذوق، فوجئتُ بفاتن حمامة تدلف من الدرج العثماني وتسألني: «إزيَّك يا أستاذ أُنسي؟». كان وجهها الملهم قد سكنني كما سكن الملايين من زمان عبر أفلامها، (بدأت أوّل أدوارها في الخامسة أو السادسة من عمرها مع محمد عبد الوهاب في فيلم «يوم سعيد»)، لكنّي لم أكن أتوقّع هذا السحر، هذا القُرب، هذا التواضع المربك. كان وبالاً عليّ أن أسمع اسمي بصوتها، فلم أعد من بعدها أستطيبه من فم أحد.
فاتن حمامة أرقى صورة عن الفنّ المصري، موقظةُ أخطر شعورين في المُشاهد: الإعجاب والذنب.
أمضت فاتن معنا في «الحسناء» بضع ساعات لن أنساها. أجابت عن كلّ الأسئلة وكأنّها تعرفنا ونعرفها من مئة سنة. تحوّلت المجلّة وسوق الطويلة وبيروت إلى حقول مغناطيسيّة خلقها حضور فاتن وعيناها المستعصيتان على الوصف وصوتها الذي، بجاذبياته المتعدّدة، يتحوّل إلى قلب بجانب قلبك، الأوّل يداعب الثاني والثاني يقول لنفسه: إنّها نعمةٌ لا أستحقّها.
كان ذلك أوّل لقاء، وأسعدني الحظ بلقاءاتٍ ثلاثة أخرى وهذه المرّة بصحبة عمر الشريف: مرّة عابرة على غداء في مقهى «الكافي دو لا بريس» بدعوة من المرحوم حبيب نحّاس، ومرّة في سهرة عند ناديا وغسان تويني في بيت مري، والمرّة الأخيرة في سهرة عند فيروز والأخوين رحباني وكانت فيروز قد انتقلت حديثاً من بيتها القديم في أنطلياس إلى دارتها الجديدة في الرابية. لا أنسى مشهد فاتن جالسة قرب يوسف وهبي وهو باسط جناحيه على كتفيها. كانت ترتدي نظّارات بسبب تعب عينيها من البروجكتورات. كان يوسف أكبر من أبيها، وكان يشعر نحوها بأبوّة، وكانت تستملح نكاته، وهو صاحب العبارة الشهيرة «شرف البنت زيّ عود الكبريت ما يولّعش إلّا مرّة واحدة». كنتُ في حينها أنشر له مذكّراته في «الحسناء» حيث يظهر زير نساء من الطراز المخيف. وسألته في السهرة، مغتنماً انشغال فاتن بحديث مع فيروز: «ما يولّعش إلّا مرّة واحدة؟». فأجاب بوقار أكثر هزليّة من الهزل المباشر: «سيبك. هوا ما يولّعش إلّا مرّة واحدة كلّ مرّة».
كانت تلك آخر مرّة أتيح لي فيها السهر في حضور نجمة الشاشة المصريّة.
تغضب في بعض أفلامها («أفواه وأرانب») فتبدو مثل قطّة تخرمش الستائر والهواء. في «دعاء الكروان» لم يجسّد أحد مثلها فتاة الصعيد. وتحبّ الفيلم (بركات) أكثر ممّا تحبّ الكتاب (طه حسين). بنْت مصر بأجمل ما فيها.
زمنٌ لم تعد فيه فاتن حمامة صبيّة السينما ولا أمّ كلثوم مطربة مصر ولا فريد الأطرش مجسّد الرومانسيّة ولا شكري سرحان وأحمد مظهر فتيي الشاشة ولا عبد الوهاب سقف الجميع، زمنُ أيِّ شيء هذا؟
ليتنا لم نعش لنقارن. ليتنا ولدنا في زمن الانحدار كي نرى كلّ هذا الهبوط صعوداً.
* ذَهَبَ شيء
أقرأُ ميخائيل نعيمة يهاجم منتقدي لغة جبران ويُمسّح بهم الأرض.
أقرأ أنطون سعادة يُفنّد شفيق معلوف ورشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وينتف الريش غير هيّاب.
أقرأ أمين الريحاني في محاضرة شهيرة عن المتنبّي ألقاها في حلب أمام شعراء العرب المبايعين أبا الطيّب أميراً وملكاً ومتنبّئاً. أقرأه يخصّص ثلاثة أرباع المحاضرة لتفكيك أسطورة المتنبّي وتعرية أخلاقه، كالبخل والأنانيّة وفَجَع المال وشبق السلطة.
أقرأ نفسي بادئاً حياتي الأدبيّة بمقال سمّيته «إلى سعيد عقل ومَن تحته» تعقيباً على حديث أفضى به لمجلّة «الثريّا» (منتصف خمسينات القرن العشرين) فبطرَكَ فيه هذا وبارَكَ ذاك وغاص في تنظيرٍ بدا لي مضحكاً. مقال ازعر مجنون لولا سعة صدر سعيد عقل لما سامحني مدى الحياة.
أقرأ هجمات أدباء الكتائب والاشتراكيّين والشيوعيّين على «نشوء الأمم» لسعادة ولا أفهم أيّ مجتمعٍ ديموقراطي عظيم كنّا فيه. (رغم أنّ بعض القوميّين ردّوا على أحد منتقدي كتاب سعادة بضربه).
وأقرأ «يسوع ابن الإنسان» ولا أرى تكفيراً لجبران.
أقرأ تحليل شاتوبريان لإحدى روايات جورج صاند (ليليا) وأتدرّج معه من الملاطفة إلى النقد ومن النقد إلى التجريح ومن التجريح إلى الإعدام.
وبدون حقد ولا تصفية حساب ولا أيّ دافع غير إبداء الرأي.
ثم أقرأ ما كتبه شاتوبريان عن داهية فرنسا تاليران، الذي لم يتوقف عن خيانة وطنه وبيعه سواء بعد الهزائم أو بعد الانتصارات ومع هذا استطاع بنفاقه وبساطة المحيط السياسي أن يجعل نفسه الدبلوماسي الذي لا غنى عنه. مسَّحَ به شاتوبريان، الذي عاصر المراحل كلّها من داخل وفي مراكز عليا، مسَّحَ به قدميه. وكان المعروف أنّ نابوليون هو السند الحقيقي لوزيره المنافق، وإذا بي أكتشف في محفوظات نابوليون مخاطباً تاليران يوم 28 كانون الثاني 1809 في جلسةٍ لمجلس الوزراء قائلاً: «أنت لصّ، جبان، شخصٌ عديم الأخلاق. طوال حياتك خدعتَ الجميع. لو تسنّى لك لبعت أباك».
وأقرأُ تذابح فولتير وروسّو، والرومنتيكيّين وبقايا الإتباعيّة، ومؤيّدي اليهود (قبل قضية دريفوس وبعدها) وكارهيهم، وأقرأ كراريس النهضويّين وترجماتهم من الشميّل وفرح أنطون إلى اليازجي والبستاني وفارس الشدياق… ذَهَبَ شيء. ليس هو الحريّة، فالحريّة في توسّع، ولا هي الريادة، فكلّ لحظةٍ يمكن أن تكون رائدة. ذَهَبَ شيءٌ هو النزاهة، وعلى رأسها الموهبة، وإلى جانبهما العمل الرهباني المهيب.
وبعض التواضع.
*وين بدّو يروح
«وين بدّو يروح الواحد وين بدّو يروح».
بدأتُ أردّدها بتأثير مطالعة كتاب لا ضرورة لذكر اسمه يُمجّد فيه المؤلّف نفسه منتصراً فرحاً كسكران يرقص في دائرة مهابيل.
لندع الكتاب وصاحبه. يطفح قلبي بالعبارة السابقة مراراً في اليوم. لا أقصد الذهاب إلى مكان، فكلّ الأماكن مميتة. ولا أقصد السفر، فلم يعد لي قدرة على شروطه. المقصود طبعاً الخروج من الذات ومن العالم. «وين بدّو يروح الواحد وين بدّو يروح». آخر مرّة قلتها، قبل دقائق، كدتُ أُهَبّج نفسي.
طرق الهرب معروفة ومستنزفة. كان الصبا في ذاته حلّاً، أين الصبا؟
النوم. مَن يجرؤ أن يستسلم للنوم بلا منوّم؟ وإلى جانب مَن تتحمّل أن تنام؟
ليت الرياح طوع يدي… ولكنْ إلى أين؟
«وين بدّو يروح الواحد وين بدّو يروح».
* «أنا هيك»
عندما تقول امرأةٌ عن طباعها: «أنا هيك، والمش عاجبو يصطفل»، تعبّر عن شجاعةٍ كبيرة بموقف يدير ظهره لعادات التكيُّف ولهواجس الإعجاب.
امرأةُ «أنا هيك» لا تعيش تحت رحمة النظر إليها: تعيش في حريّة ذاتٍ نادراً ما عَرَفتها امرأة، وأكثر ما يستحقّ فيها الإعجاب هو استهتارها بما قد تَدْفعه ثمناً لهذه الحريّة.
*قَشّة قَشّة
جَمَّعَ الغلال قشّةً قشّة وراح يحرسها. غلّةُ معرفةٍ هنا، غلّة اندهاش، غلّةُ أُلفةٍ هناك، وغلالُ تَحفُّظ لا تقلّ حلاوة.
لا تقل إلّا حصاد ظماءاتِ مساءِ العمر.
وفي لحظةٍ واحدةٍ اشتعلت الغلّةُ بعود كبريت بريء، أفتك ما فيه براءته.
سقط الوادي حيث كان، أعمق ممّا كان، يتطلّع بعين الذاكرة المكسورة إلى ما كان جبله.
عابــــــرات
إذا أردتَ «الوقوع» في تجربة، ثابر على الخشية منها.
***
أجملُ ما فيك هو الطفل الذي كان يرفض أن يكبر وفجأةً قرّر أن يبدأ…
***
حافظي على الحاجز بينكما، لعلّه الجامع الأهمّ.
***
يمكن أن نقول الحقيقة دون صدق ويمكن أن نَصْدق دون قول الحقيقة.
***
الملائكة لا يتكلّمون لأنّ الحنان أخرس.

أصـداف على الشاطـئ

أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٢٥ أيار ٢٠١٣

*«الكتاب»
أدونيس أتصفّحُ ديوان «الكتاب» لأدونيس. الجزء الأوّل. (صدر الجزء الثاني بترجمته الفرنسيّة قبل أسبوع). كتابٌ مهيب. لا أجرؤ بعد قراءته أن أعتبر نفسي كاتباً عربيّاً. كتاب كهذا يفضح أمّيتي. كيف يكون كاتب عربيّاً ويجهل ما تنضح به عروق أدونيس عن الإسلام؟ ما يكابده؟ ما اقتطع شطراً عظيماً من حياته في استنطاقه ومجادلته والتصارع وإيّاه؟ تكاد كلّ ملاحظة فيه أن تكون معجماً مصغّراً. عن الإسلام؟ بل عن الجاهليّة وكلّ العرب. والأخطر في أوضاعنا المتفجّرة أنّ هذه التفاصيل باتت جزءاً من الحديث المتداول لأجيال اليوم، وبمعانيها التي على رؤوسها القتال.
من السهل القول إنّ هذا العالم لا يعنيني، إنّني مسيحي ولن تكون أسماء السلطة والخلافة والدم أكثر من رموز بالنسبة لي. ولكنْ مَن أنا اللامسلم في هذا الخضمّ الفاجع؟ إذا كان هذا الخضمّ لا يمثّلني فأنا طبعاً لا أمثّله.
مهما حاولتُ مجاملته.
ومهما حاول التسامح معي.
الأغوار التي يرودها أدونيس، وهو مَن هو في الجمع بين التراثيّة والحداثة والهوى الغربي، تجعلني أشعر أنا والمئات أمثالي من الهُجناء، أنّنا صَدَفٌ فارغ ملفوظ على الشاطئ.

* ماذا فعل الشعر؟
يسأل أحدهم ماذا فعل الشعر حيال الدم السوري؟ العراقي؟ الليبي؟ وقبلاً اللبناني، الجزائري، الفلسطيني؟
لم يفعل ولن يفعل. وماذا فعل الشعر حيال قنبلة هيروشيما؟ والحرب العالمية الأولى؟ وجنون نابوليون؟ والحرب العالمية الثانية وجنون هتلر؟ وحرب المئة عام؟ ومجازر الثورة الفرنسيّة ومجازر الثورة البولشفيّة وستالين؟ ماذا فعل حيال الأوبئة؟ حيال السيدا؟ حيال المجاعات؟ وماذا فعل حيال مصير الإنسان؟ قفا نبكِ. سؤالٌ يتطارحه غالباً مَن ليسوا شعراء. الشاعر أمام الواقع يُسْقَط في يده كالعاشق الفاشل. الشاعر والواقع مجرّتان تبعد الواحدة عن الأخرى أكثر ما يكون. قد يختلط الشاعر بالتاريخ لكنّ التاريخ واقعٌ فوق الواقع، التاريخ واقعٌ أدبي.
أين الالتزام إذاً؟ في التضامن الإنساني. الشعر، الأدب عامّةً، نخوةٌ إنسانيّة. تدخُّلٌ حميد في مفاهيم العدل والحقّ والحريّة. التزامُ الأدب يضع المجانية في خدمة ما هو، استثنائيّاً، أحوج إليه «الآن» منها.
قد تظهر مفاعيل فوريّة للأحداث المباشرة لدى الأدباء في بيانات، مقالات. مفاعيلها الأعمق قد تتبلور بأشكالٍ ملتوية، في ما بعد، وقد لا تتبلور أبداً. الأديب وجدان. شهادةُ الوجدانِ الصامت هي أيضاً شهادة. إنْ كانت نتيجة خوف فدلالاتها عظيمة وإنْ كانت نتيجة خيانة فدلالاتها أعظم.
*كريستيان ديور
أجمل ما يصنعه الرجل للمرأة هو أن يكسوها لا أن يُعرّيها. الأبعاد التي يمنحها النسيج لجسد المرأة، لا يمنحها عريها شيئاً منها. حيث ينتهي العري المباشر يبدأ العري المُتَخيَّل، والخيالُ لا ينطلق إلّا من الرداء.
أذكر، يوم مات المصمّم الشهير كريستيان ديور عام 1957، رثاء له في الصفحة الأولى من جريدة «العمل» الكتائبيّة بتوقيع «أبو الحنّ» (فؤاد حدّاد). كان «أبو الحنّ» هجّاء الصحافة الأوّل (خُطف وقُتل عام 1959 بسبب حريّة قلمه ضد عبد الناصر). من المرّات النادرة التي يتخلّى فيها «أبو الحنّ» عن «نقداته» كي يكرّس مقاله لمديح غير متوَّقع. ليت ذلك المقال محفوظ في كتاب. ليت كلّ كتابات فؤاد حدّاد محفوظة في كتاب. لقد سبق هذا الرجلُ الجميعَ إلى كلّ شيء.
ينتشي بودلير بالحديث عن مظاهر المرأة وحفيف ملابسها. يكاد يعشق تبرّجها وصورتها أكثر منها. سعيد عقل وقبله جبران ومثلهما معظم الشعراء. لماذا الشعراء؟ لأنّه الاعتصام بالمخيّلة في وجهِ مَغولِ الواقع.
بعد الحرب سأل كريستيان ديور نفسه: كيف نواجه الكآبة؟ وأجاب: بالفرح! وأطلق ما سمّي حينها «النيو لوك». كانت الفرنسيّة، تمشّياً مع ظروف الحرب القاسية، ترتدي أيَّ شيء كان كيفما كان، فقرّر بشطحةِ قلم أن يَغْسلها بالسحر ويهندسها بالفتنة. وأن يُلبسها كما يشتهيها أن تكون وكما تشتهي نفسها أن تكون. وهكذا كان. ولم تعد المرأة بعد كريستيان ديور كما كانت قبله.
أمس وجدتُ كتاباً عن ديور وضعه ممثّل مسرحي وسينمائي أحبّه هو فرنسيس هوستير. اشتريته ونعمتُ بحبّ هوستير لديور وبحبّ ديور لجسد المرأة. وتذكّرتُ «أبو الحنّ». وكيف يسبقنا السابقون.

*عودة إلى «تايم»
أشياء يقال لها روايات وهي مجرّد مقالات ويوميّات، وأشياء يقال لها قصائد وهي مجرّد خواطر أو انفعالات ليس فيها من الشعر إلّا الفراغ الذي يلي الكلام.
في بدايات الجهود لاقتطاع محلّ من أجل ابتداع مكان لما سمّيناه _ نقلاً عن غيرنا _ قصيدة نثر، اقترفنا العديد من القصائد المملوءة بالهواء. كنا نحاول مجاراة أنفاسنا وكانت أنفاسنا ضيّقة فنسارع إلى القفز نحو السطر علّ فيه نجاة من الاختناق. وفي المقابل كانت قصائد النثر المكتنزة، المتلاصقة الأسطر كالمقال أو الأقصوصة، أكثر بكثير. وسوف تبقى هي المعيار الأشدّ صرامة لقصيدة النثر.
لا تقتصر هذه الملاحظة على النتاج العربي. في الفرنسيّة، وهي لغتي الأجنبية الوحيدة، الوضع أسوأ. قبل سنين نالت جائزة غونكور للقصّة… مقالة، لا أبالغ، إذا وضعنا روايات أمين معلوف حيالها تبدو ملاحم.
أذكر في مكان آخر من هذه الصفحة كتاباً للممثّل فرنسيس هوستير عن كريستيان ديور. الناشر يسمّيه رواية. وهو محض مقال مستطيل. ذكرياتٌ وتداعيات. مدائح وحماسات. معظمها بديع. ولكن أين الرواية؟
من المألوف أن يردّد الناعون «مات الشعر!». لم يعد ذلك طريفاً. الشعر يموت كلّ مرّة مئة سنة على الأقلّ. الجديد في أوراق النعي أن يقال «ماتت الرواية». ما استطعت قراءته من الروايات الأميركيّة الجديدة (المنقولة إلى الفرنسيّة) قصص بوليسيّة رديئة مُتبّلة بجنسٍ معلوك ومقالب يهوديّة. ما استطعتُ قراءته من الروايات الفرنسيّة نرجسيّات تُسابق القارئ إلى انتقادها بافتعال انتقاد نفسها.
نكاد نندم على استهجاننا قسوة مجلة «تايم» حين أعلنت قبل مدّة نهاية الأدب الفرنسي. في الواقع، وحتّى إشعارٍ آخر _ ونأمل أن يكون هناك إشعارٌ آخر _ كانت المجلّة على حقّ، خصوصاً لو أضافت إلى الوضع الفرنسي وضع الأدب الأميركي.
* الخندق الغميق
طالعتُ شيئاً لم أفهمه حول شارع الخندق الغميق، ولكنْ حفظتُ منه أنّ مدافن الباشورة الملاصقة للخندق هي التي تحميه من الهدم.
نشأتُ في الخندق الغميق، بمنزلٍ يقع في الطبقة الثانية من مبنى مزدوج الشقق. لم يكن أحد يعرف المسيحي من المسلم. مقابل المبنى مدرسة أرمنيّة على بعد أمتارٍ منها خمّارة تعطّر الحيّ كلّه بروائح الخيار والبندورة. في الشارع المتفرّع صيدليّة أوزونيان. فوقها بقليل كاراكول لم أعد أذكر اسمه ومدرسة راهبات الفرانسيسكان. في كعب الشارع التياترو الكبير وقبالته جريدة «المكشوف»، عند زاوية شارع المعرض. وفي منتصف الطريق دكّانة أبو يوسف بمريوله الأبيض حول خصره وميزانه الكريم على طاولته.
في أعلى الخندق كنيسة السريان الكاثوليك. لا تزال مكانها. غير بعيد منها تأسّست في الخمسينات مجلّة «الآداب» في بيت صاحبها سهيل إدريس وزوجته عائدة مطرجي. ولسهيل رواية عن الخندق الغميق. تمشي صعوداً من جهة فتطلّ عليك البسطة ومن جهة طلائع لمنطقة لم تعد موجودة.
كان نصف بيروت في بضعة كيلومترات.
مطلع الأربعينات تفرّجتُ من نافذة غرفة الاستقبال على الطائرات البريطانيّة تُلقي المناشير الداعية إلى تأييد الحلفاء. ولما بدأت تقصف مواقع جيش فيشي أخذنا أبي إلى بلدة صليما هرباً من الغارات.
لم يكن بيتنا جميلاً. كان معتماً. وكنّا غالباً على ضوء القنديل لا الكهرباء. ورغم كونه في قلب الشارع لم نشعر بضجيج. كان أقوى الأصوات صوت بيّاع الجرائد وهو يصيح: «تلغراف! تلغراف! قنبلة ذريّة على اليابان!».
ما استحقّ الخندق الغميق اسمه كما يستحقّه اليوم. نهاراً هو ضلع من ليل وليلاً حطام باخرة تتبادل أشباحها الإشارات.
كلّما مررتُ به شرقتُ بالدمع. أمّي وأبي. أخي وأختاي. الحياة مَحييّة من برج الشبّاك. الخوف دافئاً.
وإذ لا أراني وراء الشبّاك أحسّ بخيانة. الولد لا يغادر مطارحه.
خندق البداية الغميق.
اليوم في حمى الباشورة.
مسافة الطريق
يجلس يمينها في السيّارة فتنطلق إلى الأماكن الشرعيّة: مطعم عام، منزل عام للوحشة.
ازداد الرجل اعتياداً، مثل كل حيوان أليف، وازدادت المرأة استغراقاً في أهدافٍ أخرى.
الرجل مثير للشفقة عندما يلعب ورقة الزمن بينما الزمن ينزف منه كما ينزف الدم من الذبيحة. وإضافة إلى كونه يحاول اجتياز الأوقيانوس في المنام، تُنسيه حماقته أسوأ تمييز عنصري يقع ضحيّته، وهو هاوية العمر.
إذاً، ماذا تبقّى؟ تَشبُّث الوداع بالمُشيِّع.
كم كان سيضحك الإنسان لو عرف من البداية إلى النهاية أنّ ما يعذّبه وما يريده هو صورة.
الصورة هي المحبوبة. صورة المرأة كما تأتيك جاهزة.
ماذا تعرف عن باقي المرأة؟
مسافة الطريق…

عفوَ الكلمـــــات- أنسي الحاج

أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٤ أيار ٢٠١٣

فيروز لماذا يتمكّن الموسيقيّون من التعبير بالموسيقى ولا يستطيع الكتّاب؟ لماذا يقدر الملاكمون والمصارعون أن يعبّروا بالضرب ولا يستطيع الكتّاب؟
ولنبقَ في الموسيقى، حتّى لا ننساق إلى الإفصاح عمّا سنندم عليه لحظةَ الإفاقة من ساعة الحقيقة.
أعتقد أنّ الأدباء إجمالاً يشعرون بالنقص حيال مؤلّفي الموسيقى. كبار الشعراء ماتوا وفي نفوسهم شيء من النوتة. ضاقت الأوزان بفكتور هوغو فابتكر بحوراً جديدة وضاقت ببودلير فلجأ إلى النثر. وناطح فاليري الرياضيّات والفيزيائيّات والفلسفة علّه يخترق الجبل إلى موسيقى أقرب إلى الموسيقى فباء بنظمٍ متحذلق لن يتبقّى منه الكثير. وجُنَّ ماللارميه باللفظة ــ لفظة «أزور» تحديداً ــ وراح يتقعّر ويوغل في التنظير حتّى انتهت محاولاته بخلاصةٍ عَدَميّة هي عبارة عن مغلَّف للعقم. لكنّ مالّلارميه نجح في جعل العقم مرادفاً للكمال.
إذا كان الشعراء يتبعهم الغاوون فالشعراء يتبعون الموسيقيّين. لماذا؟ لأنّ لغة الشعر مؤلّفة من حروفٍ تلوكها العامّة ولغة الموسيقى من رموز تعجز عنها الآلهة.
ولأنّ الموسيقى تنهمر كشلّالٍ من الشمس المائيّة.
***
لا أفهم التفاصيل التقنيّة في المؤلّفات الموسيقيّة، وقد يسحرني مَن يزدريه الخبراء عادةً، كفرانز ليست أو تشايكوفسكي. وسأظلّ أسكر بريمسي كورساكوف ورحمانينوف مهما قيل إنّ ذلك دأبُ الجمهور البسيط. وكنتُ أضجر حين كان عاصي أو منصور الرحباني يحاول أن يعرّفني على الدواخل التقنيّة، وبلغ ضجري ذروته أحد الأيّام في فندق ببحمدون لمّا عرّجنا معاً على محمد عبد الوهاب للسلام، وانغمس الأخوان، وبالأكثر عاصي، في حوارٍ اختصاصيّ معه حول الآلات والطبقات والتجديد والتلقيح أيقنتُ خلاله أنّ أهمّ ما في الإعجاب براءة المُعْجَب من دم المعرفة.
طوبى للجهلاء فإنّهم يُمَتَّعون!
***
هذه الحاجة إلى «فعل» الموسيقى تشبه المراجل الهزلية لو لم تكن تعطّشاً فيزيكيّاً فاقد المنطق لمَن يراه من الخارج ومُحْكَم التجانس بالنسبة لي. وصلتُ في مغامرتي الكتابيّة إلى منطقة لم أعد أشعر فيها بأنّ لغتي تكفيني وأنّ الكلمات تملأ فمي. منطقة تنتهي فيها حدود الطاقة الكلاميّة فتجد نفسك أمام أفقٍ يستوجب مخاطبةً مختلفة، وتحت وطأةِ مشاعرٍ وخواطر هي أقرب إلى ظواهر الطبيعة، كهياج البحر أو هستيريا العاصفة، كحقول تحترق أو رحلة في قطار شرع ينحرف نحو الهاوية. تحسّ أنّ لسانك مكبوس في زجاجة، وكلامك لم يعد سلاحك، والفرق بين ما يحصل فيك وما يواصل حصوله في الواقع فضيحة، وأنّك تصرخ في منامك، ولم يعد يجديك الصراخ بل تحتاج إلى ما يُغيّر، يُميت ويحيي، يشهد الشهادة التي تمزّق الأحشاء، تستولي على القَدَر، وتمحو المكتوب.
تحتاج إلى ما يعيد للإنسان العاجز قدرة الآلهة القديمة ــ وكانوا بشراً قبل آدم المظلوم ــ على التحكّم في آلةِ المصير.
***
إنْ غَلَبَني التأثّر فما جدوى الكلمات، وإنْ ساررتُ فلا تَصْدُق الكلمات. إنْ أردتُ أن آخذك بين أضلعي فلا تكفي الكلمات. وإنْ أردتُ أن آخذ حياتك فبأيّةِ كلمات؟
ولا تحدّثني عن التصوير والنحت ولا عن الرقص. ولا حتّى عن المسرح. السينما، هذا السلاح الفعّال، أكانت تكون ذلك السلاح لولا الموسيقى؟
ربّما ليست الموسيقى، ليس الصوت هو القويّ، بل الأذن هي الضعيفة. أقصد الضعيفة بمعنى الأشدّ رهافة، القناة الممكن بواسطتها السيطرة على السامع. موصولةٌ رأساً بالجهاز العصبي، بالعمود الفِقَري، تنتقل منها ذبذباتُ الصوت إلى الكيان كلّه كتلةً واحدة، كعاصفةٍ تكوّمت وانتشرت في العروق. يغدو السامع فريسة، فريسة سعيدة لنوع محدود من الأصوات وفريسة شقيّة للأكثريّة الساحقة من الأصوات. نُمسي هنا في حالةٍ من التأثير المغناطيسي الصرف.
تقول إحدى النظريّات إنّ حياةَ الكائن تنتظره قبل أن يولد وعندما يولد تنتقل إليه. هكذا قُلْ عن الحواس وعلاقاتها وعن الميول والحساسيّات.
لم يتمكّن منّي صوت إلّا كان فيه شيءٌ من الرَقْوَة. سحر الصوت المزدوج الطبيعة، أحضانه خصبة رؤوم فيها هدهدةُ الأمّ وحماية الأب. أجنحةٌ تُعيد إلى الصدر الأجنحة. خَدَرٌ أقوى من الحلم، أرحم من الغفران، أنعم من نظرات الملائكة. لا تتوقّف الرعشة تحت تأثير أصوات كهذه، رعشةٌ تُجمّدُ أوصالك، تشلّ حركتك، تريحك من وعيك. رعشةٌ تُبارك حاسّة السمع، فترى وتلمس وتَسْبح وتشفى وتنجو بأذنيك.
هذا ما وجدته في صوت فيروز صيف 1962 على أدراج بعلبك يوم ظهرتْ في «جسر القمر» وهذا ما رحتُ أبحث عنه وأجده في كلّ ريبرتوارها. جيلُ اليوم يجهل مع الأسف القسم الأكبر من ريبرتوارها، وهو البادئ في خمسينات القرن الماضي، ومنه كنوز لا شكّ أنّ تغييبها جريمة موصوفة، ويشكّل سبباً رئيسيّاً لاعتقاد البعض بأنّنا نبالغ حين نتكلّم عن صوت فيروز.
***
التنازل أمام الصوت تنازل عن الأنا. الاستسلام لأمواجه اضمحلالٌ هانئ.
***
الأغنية الكاملة هي الأغنية الناقصة. تبقي المستمع على جوعه. ذكاءُ الأخوين رحباني (والأرجح أيضاً ميلهما الطبيعي) هو السرعة. اخترعا أسرع الأغاني. حتّى في مسرحهما الغنائي حيث كان الجمهور يمكن أن يتوقّع الإسهاب لم يُسهبا. اخترعا الأغنية التي «تَملأ» ولا تُشبع، وبالعناصر الثلاثة: اللحن والصوت والكلمات. وبالغا في الإيجاز وكادا لا يقعان ولا مرّة في التطويل.
***
الفنّ الفيروزي ــ الرحباني يعيد إلى المستمع طفولته. أحياناً، في بعض المواقف (وردة تحاور نفسها في «المحطّة»، خاطر يعاتب هَوْلو في «الليل والقنديل»، عطر الليل تستجوب الأمير في «أيّام فخر الدين») أو في النهايات الخائبة لبعض المسرحيّات («الشخص»، «يعيش يعيش») ما يعيد إلى المستمع طفولة جريحة.
بالأكثر في مستوى الأسى أو التمرّد، ولا مرّة مدعاة لليأس.
***
كان شخص بين أصدقائي يتضايق من هوسي بصوت فيروز ويقول لي مستهزئاً: «بس تشبع منّو شو راح تعمل؟». ما تكرهه الأذن سوف تظلّ تكرهه وما تحبّه سوف تظلّ تحبّه. حبّ الصوت بهذا الشكل «العضوي» ليس تفضيلاً حُرّاً بل هو إدمان. قد يشفى الإدمان المصطنع كما في حالة المخدّرات، لكنّ الإدمان المرسوم في خريطة الجينات علامة.
***
المغنّي يعير صوته للكلام لكنّ المغنّي العظيم يعير روحه. وعندما تكون روحه وصوته واحداً، كما عند فيروز، فهو لا يُغنّي الكلام بل يوجده. غنّت فيروز أكثر الكلام احترافاً غنائيّاً مع شعر الأخوين رحباني فجاء صوتها «يغنّي» لهما بقدر ما كان قلماهما يكتبان لصوتها، وغالباً أكثر، وفي كلمات البدايات خصوصاً حين كانت ضرورات القافية غالباً ما تُملي الألفاظ نفسها حدّ الملل. في هذا الغالب كان الصوت يخلق دوائر الجاذبيّة والباقي يتبع. في حالة غناء الشعر غير المكتوب للصوت، كما مع قصائد سعيد عقل، اجترح صوت فيروز (بالإضافة إلى الألحان الجميلة) معجزة إيصال لغةٍ مستعصيةٍ إلى جمهورٍ عريض، والبرهان أغنية «سائليني» وأخريات من مجموعة «رندلى».
ليس هذا لأسباب احترافيّة بل لطبيعةِ حنجرة تمنح الألفاظ، بمجرّد نطقها لا غنائها فحسب، أبعاداً وأصداء لا تجدها في التخاطب المألوف ولا في الغناء العادي مهما كانت قدرات حنجرة صاحبه.
تكلّمت مراراً عن داخليّة هذا الصوت وأطلقت على صاحبته لقب «شاعرة الصوت» وأحد معانيه التطابق بين رحيق الغناء وروح الشعر. الشعر يطمح أن يصير صوتاً يلعب بين وادي الذات وسمائها، يعيد إنتاج ذاته في سامعه وإنتاج حواس سامعه (قارئه) إلى ما لا نهاية. الصوت الهاجس المرجوّ، اللازمة الرَقيّة، حائط المبكى وسدرة المنتهى. فيروز شاعرة الصوت بقَدْر ما هي صوت الشعر، الشعر الخالص من الخطابة واللفظيّة والنرجسيّة والنظريّات. أيّ قوّةٍ في أن يكون صوتٌ بَشَريّ ملاذاً بهذا الحجم، صوتٌ لا يتوخّى السلطة، أَحَلَّ الوداعةَ محلّ سباق طول النَفَس والتواضع محلّ الفخفخة والفعل الداخلي الصرف محلّ التأثيرات الخارجيّة الباذخة والساحقة؟
***
الصوتُ بديلٌ من الكائن البشريّ. هو الحضور الكامل بلا ضريبة. صوتٌ يناسبك هو كلّ ما يصبو إليه حلمك الخائف من خياله.
***
وفق الروايات لم يتجلَّ الله للإنسان إلّا بواسطتين: ملاك (حكاية يعقوب، بشارة مريم) والصوت من الغمام أو الرعد. الصوت هو الغالب، وبلغ الأوج مع موسى، وقبله إبراهيم وقايين وآدم وحوّاء، وبعدهم أيّوب. تقول الروايات (العوسجة الملتهبة) إنّ الله يستكثر على الإنسان أن يعاينه، فهو لاهبٌ محرق أعظم من عين الشمس. لكنّه لم يستكثر عليه أن يَسمع صوته. علاقةُ الله بالصوت علاقة السرّ بنفسه.
الله «فضَّلَ» إسماعَ صوته. ركن إليه. حمّله رسائله. استودعه سلطانه.
مقابل ذلك، كان الله يسكن أيضاً السكون المطلق.
الصوت حضوره الاحتفاليّ والصمت حضوره الوديع.
***

عفوَ الكلمات فهي طبعاً لا تنضب، لكنّه الكاتب يضيق بنفسه.

استفهام بعد فوات الأوان- أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٢٧ نيسان ٢٠١٣

أنسي الحاج لنفترض أنّ المرأة والرجل لم يُخْلَقا بعضهما لبعض. ولا عبرة في الانسجامات «الاجتماعيّة» أو الرضائيّة ولا في الانجذابات الخاطفة: الأولى اتفاقات تتعلّق بالتقاليد والمظاهر ولا تتّصل بالجنس والشغف، والثانية هي جوهر الموضوع، فكونها انجذابات خاطفة هو ما يطرح السؤال حول غلطة (أم لا غلطة) البناء على كون هذين الكائنين وُجدا ليتساكنا ويتحابّا ويحفرا الزمن بمسيرتهما المشتركة، أم أن ارتباطهما عقاب لهما.لا ريب في وجاهة الانخطافات العابرة. لا ريب إلى حدّ الظنّ بأنّها قد تكون وحدها المحتملة، بل وحدها الطبيعيّة. إذا صحّ ذلك تكون لانهائيّة العلاقات حلالاً ورحمة ويكون الارتباط فريضة ظالمة للإنسان، والتساكن أشبه بتعايش السجناء في زنزانةٍ واحدة.
الظروف الاقتصاديّة خارج الموضوع. الموضوع محصور في الرغبة، في الحبّ، في عدم السقوط من الجنّة.وخارج إطار القانون والدين.أتحدّث عن حياةٍ ومصيرها،ومصائرها،عن لعناتها ولماذا.عن قَدَر لم يستطع تفاديه إلّا الأنذال عديمو الضمير أو النُسّاك المتبتّلون والقدّيسون. وذوو النعمة الذين عرفوا كيف يحايلون وحشيّة الزمن ويحوّلون زيجاتهم إلى صداقة راشدة.
***
لستُ من المخلوقين الخائبين. بالعكس. أنا مخلوقٌ متعطّشٌ للإعجاب، للدهشة والانسحار. أكاد أكون عاشقاً سَلَفاً. لهذا، ليس للنزعة الاستسلاميّة الانهزاميّة أيّ يد في هذا الكلام. هو مجرّد استفهام بعد فوات الأوان. والدافع هو الإشفاق على الإنسان وليس تلويعه ولا نكء جروحه. يجب أن نعيد النظر.كما نعيد النظر _ أو هكذا ينبغي _ في أمر استباحة قتل الحيوانات وأكلها، وفي أمر أيّ عنفٍ كان، بل أيّ قسوةٍ كانت، بل أيّ تسلُّط كان. أمّا المساكنة و«المطابقة» بين الرجل والمرأة (وبين امرأةٍ وامرأة ورجلٍ ورجل) فالتساؤل حولهما يفرضه تاريخٌ سحيق من جلاجل الخيبة والضجر والقرف والكذب والخيانة والاستغلال والإذعان وأحياناً جرائم القتل، لا تقلّل من وطأته استثناءاتٌ هانئة أو حالاتُ أكثريّات غلّفت استسلامها بالرضى وآلامها عبر نَقْل الأحلام إلى الأولاد أو إلى شغفٍ من نوعٍ آخر.ولكنْ حتّى الانجذابات إذا اعتبرنا أنّ الإكثار منها بل فَتْح مجالها بلا حدود هو مَهْرب بين المهارب، هل تمحو سؤالنا الأوّل؟ بعض الذين انحنوا على الموضوع يعتقدون ذلك. نحن نعتقد أنّه إدمانٌ تخديريّ وليس جواباً عن السؤال الرئيسي: هل المرأةُ والرجل خُلقا بعضهما لبعض أم التأسيس على ذلك كان غلطة بحقّهما لم يستقم فيها غير التناسل؟هل ما نَحنُّ إليه في ساعات الوحشة هو امرأة (أو رجل) أم شيءٌ لا نعرف ما هو وكُتب علينا أن نظلّ نجهله؟أهو بعضنا الآخر أم كلُّنا الآخر؟هل ما نحبّه مجرّد صورة؟هل الحبّ هو الحلم، لا شيء غير الحلم؟
***
للحقّ، لا يبدو أحد رابحاً في فضاء هذا القَدَر. إذا شرعنا في كتابة العرائض لن ننتهي. بدءاً بحكم العمل. «بعرق جبينك تأكل خبزك». بربّك لماذا؟ لمَن تذهب مواسم الأرض؟ ألم تستطع قوافل الصدّيقين والأنبياء أن تغسل تلك الخطيئة بعد؟ وأيّةُ خطيئةٍ هي هذه؟ ولماذا وضعت هذه الوردة الساحرة إذا كانت ستُقصَف بالأوجاع وما إن تعتاد ظروفها حتّى تنظر فترى صباها قد ضاع!؟ ولمَن تغنّي هذه العصافير الرائعة وما فوقها عقبان ونسور قاتلة وما تحتها بنادق الصيّادين؟ ولماذا تستميت الحيوانات في خدمة الإنسان وهو يحتقرها أو يسلخ جلدها؟ وكيف يكون في الإنسان روحٌ من الله وهو الأفتك بالإنسان من الزلازل والأوحش من البراكين والأوبئة؟لا جواب. نحن هنا متروكون لطباعنا. تحت رحمة المصلحة والمزاج. في مهبّ الصدفة. الضعفاء لا يحميهم غير عمى ثقتهم بالخير. اجتماع اثنين بات من عجائب الدنيا. الوحدة هي العلاقة الأصدق. وأكثر أنواعها احتواءً على شيءٍ من إرث الماضي علاقةُ الإنترنت: الحميميّة الإلكترونيّة. تستطيع أن تكون مع العالم كلّه، وذات يوم مع سكان المجرّات غير الشمسيّة، وكلّ منكم بين أحضان ذاته.في الواقع كانت تلك هي الحال دائماً: كلّ شخصٍ وحده مع شريكه. الصورة الخارجيّة وحدها آهلة ضاجّة بالحركة. منذ الأزل كلٌّ وحده. كنّا نستعين بالأساطير وصرنا نستعين بالآلة. كنّا نحلم وراء الشبابيك والمطر يطرطق على الزجاج وصرنا نحلم أمام شاشات الكومبيوتر.لفرط ما الإنسان وحيد إذا مشى حافياً تسمع النجوم صوت خطاه كأنّه يبكي.
***
التطلُّع هو إلى مساعدة. إلى رؤيا في الصحراء. إلى ما يَخْلب، يُدوّخ. إلى نبعِ النبيذ.لذلك اخترع الإنسان الفنّ واكتشف الجمال.ليَسْكَر.لذلك يصلّي.لذلك يشرب السراب.التطلُّع إلى مساعدة على الواقع.هذا الأرنب الهارب في البراري لن تعينه سرعةُ القفز بل عنف الذهول. وما من قوّةٍ أشدّ إذهالاً ممّا يفعله دماغُ كائنٍ يجيب على ظلم القَدَر بخلق الجمال.خلق روائع لا تموت مقابل خلق خالقيها الذين يموتون.
بيار صادق
غياب بيار صادق يطوي صفحة من تاريخ الرسم الكاريكاتوري في لبنان لا مثيل لها، حلّت فيها الفطرة اللبنانيّة محلّ تقليد الفطرة المصريّة (وهي لا تُقلَّد) وإطلالةُ جملةٍ كاريكاتوريّة جديدة نضرة محلّ النكتة القرويّة أو «القفشة» البلديّة كما دَرَّجَتْها «الدبّور» و«الصيّاد».ريشة صادق الانطباعيّة وضعت خَتْمها على العهود. بل على الشخصيّات. اختصر الرؤساء والزعماء بملمحٍ رئيسيّ، وهذا شارل حلو سوف يخلد في الذاكرة بملابس الكاهن وذاك سليمان فرنجيّة في ملابس القرويّ.أعطى بيار صادق جريدة «النهار» عصارةَ نبوغه، وأصبح قارئها يبدأ مطالعتها من الصفحة الأخيرة. كان الكاريكاتور عنوان الجوّ السياسي، والاستغراق في تفاصيل الرسم متعة على حدة.عَكَس بيار صادق الوجدان الشعبي منذ انطلاقته، بعد «الصيّاد»، في «النهار» (أواخر الخمسينات أو مطالع الستّينات) حتّى عهد رفيق الحريري، حين قرّر أن «يحبّب الناس بالحريري» على حدّ قوله في التلفزيون. لكنّ صادق كان جيّاشاً وعنيفاً كالطبيعة، طقسه الأنسب عواصف المعارضة لا وداد الموالاة.غالباً ما كان كاريكاتوره هو العدد كلّه.حيثما كان، كان الهواء النقي. وحيثما حطّت ريشته فهناك الألمعيّة. لم يعرف أحد سرّ الكاريكاتور مثله. ولعلّها الغريزة الأعمق من مجرّد المعرفة. لم يوفّق أحد مثله إلى الجمع بين العفويّة والمهارة، والغزارة والرشاقة، والصحافة والحريّة.راقِصُ الرسم، منوّر الأزمات، مُنفّس التضخّمات، كانت ريشته ضحكة الصباح.

نهايات- أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٢٠ نيسان ٢٠١٣

هذه نهايات عصور. فلنتفاءل بها كممرّات إلى بدايات.
أنسي الحاج بعض النهايات كان يجب أن تحصل أيّاً تكن عواقبها. هناك أزمان يشكّل مجرد استمرارها اعتداء على الحياة وتورّماً في التاريخ.
فلنتفاءل بالنهايات. قد يتلوها ما هو أسوأ منها ولكنْ لا نخفْ: ما إن تُفْتح بوابة الانتهاءات حتّى يصبح التغيير أسهل الأمور. فلنغرق في تيّار التغيير، أفضل من أن نغرق في استقرار التخلّف.
لنتفاءل، رغم أنّنا، شعوباً وحكّاماً وكُتّاباً، لا نتكلّم لغةً واحدة. رغم افتقارنا إلى زعماء جدد يجسّدون الأحلام.
لنتفاءل، رغم تَمطّي الحرب السوريّة إلى ما لا ينبئ بمدى منظور للختام. رغم التوجّس من «معركة دمشق». رغم الهلع من فزّاعة التكفيريّين. رغم التردّي المصري الذي لم تعد حتّى عبقريّة الضحك المصريّة قادرة على ستره. رغم الانتحار الفلسطيني. رغم المذهبيّة السنيّة ــ الشيعيّة التي أضحت جزءاً عاديّاً مرعباً من الحياة اليوميّة. رغم طلائع لصوص طلائع الغاز والنفط في بحرنا المتوسّط. رغم الصراخ من أجل كلّ شيء إلّا التنمية البشريّة وحقوق الإنسان.
نستبشر بهذه النهايات وندعو بما أوتينا من خوف وسذاجة كي يبزغ فجر يولد فيه المرء في هذه المناطق البائسة من العالم ويعيش ويموت دون أن تعيش الأديان والمذاهب بالنيابة عنه، ولا أنظمة الحكم بالنيابة عنه، ولا أصحاب المليارات بالنيابة عنه، ولا فراش الذكريات.
ندعو بالحياة السلسة الحرّة للجميع ولا ندعو بالموت على أحد.
***
نهايات العصور.
كلّ شيءٍ ينبئ بذلك، من لون الأفق إلى الأمراض.
ونهايات العصور ليست حتماً عقاباً. هناك نهايات ضريحيّة ونهايات ميلاديّة. مع رجاء قدوم أيّام تفسح للعربي أن ينعتق وأن يُعتَق، عبر إضافة نور إلى النور وليس بغير ذلك. بالتفتّح النفسي والعطاء الدفّاق، والدخول في موكب واحد مع الحضارة، والاقتناع التام بأنّ حياة الإنسان مقدّسة، بل بأنّ حياة كلّ شيء حيّ مقدّسة.
لكلّ زمنٍ لؤلؤة يُسمّى على اسمها، ولجميع الأزمان شمس واحدة لا تُحْتَسب الحياة للإنسان ولا لسائر الكائنات بدونها. هذه الشمس هي الحبّ.
***
تحتاج الأحداث إلى أخذ نَفَس بين لطمة ولطمة، لئلّا تكتمل شروط الاختناق الذي يسبق الانفجار. أخْذُ النَفَس صناعة الحكماء. هؤلاء باتوا مطلوبين لنشر موجات الهواء بين السنّة والشيعة. وكلّما اقتربت مواعيد المحكمة الدوليّة اشتدّت الحاجة إلى التنفّس. كذلك كلّما ازداد التورّط اللبناني من الطرفين في الحرب السوريّة.
الحكماء القادرون لا حكماء الخطابة. بعض المكان لمَن لا يرى مأرباً في الدم.
***
الاحتقان المذهبي مخيف لأنّه يبدو متروكاً على غاربه. البقاع والشمال شاهدان. وصيدا الأسير. إمساكُ الزعماء بالوضع ليس كافياً. لا بدّ من قبضة الدولة. الزعماء مؤّقتون، الدولة ثابت. لنتذكّر كميل شمعون وكمال جنبلاط. حافظا على تعايش الجبل حتّى لظنّ الناس أنّ هذا التعايش دائم دوام الصخر، وخلال أيّام طار التعايش.
كثيرون عاشوا حوادث 1958 ثم ما سُمّي اصطلاحاً واستسهالاً «الحرب الأهليّة» منذ 1975. التعصّب المسيحي ــ الإسلامي واللبناني ــ الفلسطيني. الفظائع بلغت ذروتها. ومع هذا، لأنّ الحرب كانت منطلقة من جهل الأطراف بعضهم لبعض، كان هؤلاء ــ حتّى على المتاريس ــ ما إنْ يتعارفوا حتّى يضعف وربّما يتبخّر ذلك الجانب المتوحّش من مواقفهم المتبادلة. كان جهلهم يرميهم على التقاتل وتعارفهم يُخجلهم من أنفسهم.
الوضع السني ــ الشيعي لا ينطبق عليه هذا الوصف. لا غموض في سيرة المذهبين. بالعكس. تمسُّك كلّ منهما بحقائقه وتطوّع مَن يستغلّ هذه الحساسيّة يجعل كلّ فريق راغباً في إلغاء الآخر. هنا الحرب أهليّة بالفعل. محرّكوها باردون وفي مأمن، لكنّ المنفّذين لم يعد يوقفهم غير عدم صدور الأمر بالهجوم.
والباب بالباب.
في طرابلس لا يتقاتل غير الفقراء. في البقاع غير الفلّاحين والبسطاء. أيّ شرارة ستلمع في لبنان ستشعل العراق والخليج.
ليت مراجع السنّة في الأزهر والشيعة في النجف يشكّلون وفوداً من العلماء يجوبون أماكن التوتّر لانتزاع الفتيل. ليت البابا فرنسيس الأوّل يشكّل بعثات يرسلها إلى لبنان لترطيب الأجواء بين السنّة والشيعة. إذا كان من حملة صليبيّة مبرّرة فهذه هي. حملة للصلح والألفة. حملة لإقناع هذه الجماعات البسيطة والعنيفة بأنّ الغاية من الحياة هي ارتشاف رحيقها، ورحيقها مادة تَجْمع زرقة السماء إلى رائحة القمح، أمامهما أولاد يضحكون وصبايا يغدقن نظراتهنّ الفاتنة على الأشياء، وشيوخ كلّ ما فيهم يقول الحقيقة. والحقيقة هي أنّ الإنسان أغلى من أديانه.
***
لستَ أنت: الحياة هي التي تخاف الموت. هي ما يختلج فيكَ فزعاً ويبسط أيديه لردّ الموجة الهاجمة.
لا أنت وحدك بل كلّ ما ينبض. حين تدوس نملة لا تقتل النملة بل الحياة المتمثّلة في النملة. حين تقتلع شجرة لا تقتلع الشجرة بل الحياة التي أحبّت أن تتّخذ شكل الشجرة.
ومَن يقتل الحياة ليس الموت بل حياة تقاوم نفسها.
دع الحياة تَلفُّكَ كما تلفّ الزوابعُ الفضاء. لا تضعف لغير الحبّ ولا تقوَ بغيره.
مُدَّ عونك إلى الحياة!
***
أحياناً يُخيّل إليّ أنّ الحبّ الذي أكرّر وأعيد الكلام عليه هو غير الحبّ. هو ناتج سوء تفاهم، بحث غامض في خضمّ أوقيانوس لا يعبأ. هو وقفةٌ استعراضيّة هزليّة تنهار من نقزة. أيّ حبٍّ هذا الذي لا يتّفق اثنان على تعريفه؟ أيّ حبّ هذا الذي يخونه صاحبه قبل صياح الديك وبعده؟ هذا الذي يؤلم حتّى الموت إذا تبودل ويؤلم حتّى الموت إنْ لم يُتبادَل؟ إذا كان الجنس فما هذا إلّا ثمرة ربيع وهورمونات، وإذا كان أكثر من الجنس فهل أنت واثق من أنّ الأكثر هو البُعد الروحي أم تُراه ما لا يستطيع العاشق نيله من المعشوق؟ حرمانٌ تُسمّيه حبّاً؟
وهل هو حبّ واحد أم دوّامة لا تنتهي؟ وكيف يكون شمساً وهو لا يضيء إلّا ليُعمي أو ليغطس في الظلام؟
هو الحرمان، أنت قلت. لا الجنسي ولا الروحي، بل الحرمان ممّا نجهل، الحرمان النسبي والمطلق، وما التوق إليه غير سيرٍ بأفضل ما فينا، وهو الحلم، نحو أفضل ما فينا، وهو الخير.
هذا ما أسمّيه الحبّ، قد نخلعه على مَن لا يستحقّه لا لأنّنا أغبياء بل لأنّ الحبّ يستحقّ ذاته ويتحقّق لذاته، وما من غفلةٍ أرحم.
***
في هذه الظروف التاريخيّة يتّخذ حديثٌ كهذا طابعاً غريباً عجيباً. شذوذُ الوقاحة. عزفٌ منفردٌ أشبه بالمرض النفسي. كلّ يومٍ ينقضي يشعرني بأنّي أزدادُ أقلّويّة. كنتُ واحداً وأمسيتُ ربع واحد. أكاد أتبيّن نهاية الطريق القريبة: رمالٌ متحرّكة تبتلعني بصمت.
لا أصدّق أنّ هذه الجموع، هذه الساحات والضواحي، ترتعش للحياة، للحياة وحدها، للحياة العارية الدافئة البضّة وحدها، وأنّ الناس هنا يشتاقون للناس هناك، وأنّ في هذا المجتمع مَن يعفّ عن التعصّب ويرفض غضّ النظر عن القتل.
إيقاعٌ معاق لكلام السلام. شكلٌ معتوهٌ للغةِ الحبّ. قلت لكَ: أنا وأنت ناقصان، وأكرّرها.
إلى أن يفعل الناس ما لم يفعلوا.

أنا وأنت ناقصـــــان- أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ١٣ نيسان ٢٠١٣

أنا وأنت ناقصان *أنا وأنت ناقصان
انظرْ إلى صور القتلى، مَن يَقْدر أن يَقتل هكذا؟
الجميع،
… إلّا أنا وأنت… لأنّنا ناقصان.
يجب أن ننتظر بشراً آخرين يتوقّفون عن فعل هذا،
بشراً ناقصين مثلي ومثلك،
ناقصي الصلابة، ناقصي العضلات، ناقصي البطولة، رخوين جبناء مثلي ومثلك.
* * *
قبل أن نكره الحرب يجب أن نكره الرجولة، هذه الكتلة الصمّاء. عنتر والزير وأبو زيد الهلالي. السيف والرمح. شوارب الكرامة الكاذبة وحواجب الإرعاب الهزلي. يوم يغدو الشارع امرأةً ينتهي سفك الدم. ما دام الشارع صِبْيَةً ورجالاً وسواطير فلا أمل. عندما يغدو الشارع معرضاً للغوى يصبح القبضايات فيه من آثار المتاحف. الركض يجب أن يكون وقفاً على المراهقات الطائرات بشعرهنّ وتنانيرهنّ. السير يجب أن يصبح فسحةً لتنزّه المتضجّرات في خدورهنّ الأميرات الفقيرات والثَّريّات لا يفرّق بينهنّ غير نسبة الفتنة. يجب أن لا يكون في العالم فتنتان، فتنة الدم وفتنة السحر. الثانية هي الأولى والثانية والثالثة والرابعة بإجماع القلوب والغرائز
والعصافير.
* * *
انظرْ إلى صور القتلى، مَن يقدر أن يَقتل هكذا؟ أيُّ جنسٍ هو هذا الجنس؟ ورثةُ أيّ حضارة، أولادُ أيّ دين؟
هل ينبغي أن يبقى إنساننا العربي طفلاً ابن بضع سنوات حتّى نستطيع أن نشفق عليه؟ لماذا كلّما كبر العربي لم يعد يُحسب على البشر؟ عندما تريد الشاشات استدرار العطف ترينا مشاهد أطفال قتلى أو جياع.
أيُّ فضلٍ لنا إنْ أشفقنا على الأطفال؟
* * *
ليت الناس جميعاً منتزَعو العصبيّة السياسيّة. أنا حيوان عاطفي لا سياسي، ولو كان هناك مجال لاخترتُ العيش في «غيتو» من أهل الحنان والرقّة. كلّ عالم سياسي هو خندق وكلّ خندق معمل موت. وأنا أخاف كثيراً.
وأنا وانتَ يا شبيهي ناقصان. حتّى لو كنّا أكثريّة عدديّة فنحن لا نساوي نفخة أمام الرجال الرجال.
كان الأمل بالطوفان. لكنّ نوح، بعد الشطف، أعاد جنساً بشريّاً أرذل.
العزاء في المجهول. يبقى الأمل معقوداً على الغيب، نستيقظ فجأةً في أرضٍ أخرى، إلى جانب ناسٍ ليس في عيونهم غير العطف.
* جَلْد الذات
لماذا يُعرّي المخطئ قلبه؟ استمتاعاً بالذلّ؟ صَدْماً للمرآة؟ تمثيليّة؟
ربّما كلّ هذا، ومعه الحاجة إلى انتزاع احترام قد لا يلقاه عند الآخرين لا قبل التعرّي ولا بعده، لكنّه قد يلقاه في ذاته هو إذا سَلَخها.
* الفجر الأوّل
أوّلُ فجرٍ يستيقظ في الفتى هو أروع من كل أفجار الأيّام. وأوّل فجرٍ يستيقظ في الفتاة هو الأروع. إنّ ما يضفيه على النظر لا قبلُ ولا بعد. هو لحظة، وهذه اللحظة هي الشبكة التي تصطاد ما يتحرّك أمامها.
أوّل فجرٍ ليس الفجر الأخير. الروح تصنع تجلّياتها في مختبر المجهول، وأيّامها غير الأيّام.
*الحياة أصدق
نتغندر ونُنَظّر. الحياة أصدق من هذا التمثيل، أبسط. طبعاً هناك ما نريده من بَعد، وراء ما نحصل عليه، هذا الحنين الغامض. ولكنْ أن نجعل منه فلسفة؟ أن نبني عليه؟ إنّه صناعة الحياة نفسها لتستبقيك غير منتبه.
كلّ متفلّت وهارب، نسمّيه حبّاً. هل النجوم حبّ؟ والجسد وراء النافذة؟ والثأر العاجز؟ والثروات المُتخَيَّلة؟ هل الموت حبّ؟
… هي هكذا ربّما. والحبّ الذي نتداوله؟ مثل كلّ ما نتداول.
* تفسير
تبدو الموسيقى نفحة من الطبيعة، وهي في الواقع صناعة. الموسيقى ثمرة إلهام + رياضيّات + مجموعة من التقنيّات العمليّة والشديدة الواقعيّة.
نتناول الموسيقى كما يتناول المسيحي القربان المقدَّس: معطىً بديهيّاً، رعشةً مُنزلة. لكنّ نظرةً إلى ورقة النوتة تَهْدم هذه السذاجة، مع الأسف.
الشعر، الشعر الموزون المقفّى خصوصاً، هو كذلك صناعة. ثمرتها ليست بأثيريّة الموسيقى، وإتقانها لا يستوجب الجهود والكفاءات التي يستوجبها إتقان التأليف والتلحين، لكنّ الشعر، إضافة إلى الإلهام والخَزْن الداخلي، هو صناعة بوجهيه اللغوي والإيقاعي.
جهةُ الصناعةِ هذه هي ما حوَّلَ البعض عن النَّظْم إلى النثر. لا لصعوبة النظم، فهو ليس على هذا القَدْر من الصعوبة، بل في محاولة لتضييق الشقّة بين الهيولى وتطوّرها، بين الشرارة والعبارة.
هل حصل ذلك على حساب شيء؟ طبعاً. كلّ ما يردم هوّة يفتح هوّة. وما يُحرّر من صناعة يؤسّس لصناعةٍ جديدة.
وهكذا في الشعر الحديث، ومع قصيدة النثر خاصّة، تجاوزنا مسافة لا لننفذ إلى صحراء وإنّما لنصوغ لغةً أقرب.
لا عَدَم في الطبيعة بل عوالم تتوالد إلى جانب عوالم. لا سيادة للزَّيَف ولا للعدم في الفنّ بل أيدٍ تَخْلق جمالاً للوقت وتجدّد الرغبة في الحياة.
سيبقى لكلٍّ صناعته. والغايةُ واحدة: الكلمةُ الذي كان في البدء يعود فيولد اللحظة، ليعود اللحظة ويصبح هو البدء…
وجميعها بدايات.
عابــــــــرات
يَطمئنُّ الأطفال لأصوات أهلهم ولو لم يفهموا ما يقولون. ظهور المعنى يُعرّض الروح، النغم الحلو يغطّيها.
* * *
ضحكةُ الرجلِ رَفْض وضحكةُ المرأةِ قبول. في الأولى عِواءُ ذئابِ الأنا وفي الثانية أزرارٌ تتفكّك.
* * *
هل يستطيع أن يُحبّ كثيراً مَن يفكّر قليلاً؟
الكلبُ يتعلّق بصاحبه، تُجيب.
مَن يجزم بأنّ الكلب لا يفكّر؟
* * *
خسرتَ سعادةً لا تُعوَّض؟ ربّما لأنّكَ قَبْلها لم تؤدِّ نصيبكَ من العذاب.
* * *
عندما تشعر الحسناء أنّها مستقرّة عند شاطئ أمان، تكون عشيّة الدخول في ما سيقلب حياتها.
شؤون القلب تتبع قواعد غريبة، وهذا المجهول هو الرعاية التي تحمينا من الاستسلام للظلام.
* * *
أُصلّي لما لا أعرفه فيك أكثر ممّا أُصلّي لما أعرفه.

الطائفــــة الكبــــرى- أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٦ نيسان ٢٠١٣

أنسي الحاج في السنوات الأخيرة، وخلال العام الفائت بشكل خاص، تَصدَّرَ المشهد بروزُ المشايخ على الشاشات، متوتّرين من مصر إلى السعوديّة ولبنان، كلٌّ يفتي على اجتهاده وبعضهم يُكفّر القريب قبل البعيد. ولم تعد «الجزيرة» سبّاقة بالشيخ يوسف القرضاوي، فسائر الشاشات باتت حافلة بالعمائم.
أكبر الظنّ أنّ أمر اليوم صادر من الرياض، فمقابل السيّد حسن نصر الله يُراد رجال دين يسدّدون الإصبع ويرفعون الصوت ويتوعّدون. لقد طال استئثار نصر الله بالمنبر.
الحقّ أنّ شيعة لبنان لم يجلجل لهم صوت قبل الإمام موسى الصدر. كانت الساحة الإسلاميّة وقفاً على أهل السنّة، وإنْ لم يكونوا حينها في وجه الشيعة بل في وجه المسيحيّين. ورغم عبارة الصدر أنّ السلاح زينةُ الرجال لم يصبح الشيعة مخيفين إلّا في عهد نبيه برّي. غير أنّهم ظلّوا مخيفين كميليشيا بين الميليشيات إلى أن بزغ عصر «حزب الله». وظلّ «حزب الله» في طور استكمال بنيانه وهويته إلى أن تسلّم نصر الله زعامته، فأضحى الحزب هو الحزب وشيعته هم السلطة.
كان أهل السنّة مرتكز العروبة وفي يدهم جرن معموديّتها. وكانوا في هذا صنو أهل الشام، وزمن الناصريّة أخذوا ينافسونهم. ولم تصدح حناجر بالقضيّة الفلسطينيّة والثورة الجزائريّة كما صدحت في الشارع البيروتي. وفرط ما اقترنت العروبة بالمسلمين السنّة بات المسيحيّون _ ناهيك بالشيعة والدروز _ المشاركون في التظاهرات العروبيّة أو الناشرون في صحف «بيروت»، و«بيروت المساء» و«الشعب» وسواها، يبدون مسلمين، ولا ينفع كثيراً كون اسم الواحد منهم جورج أو كلوفيس. تلك قوّة التيّار. ذات يوم يجب أن يعطي أحد من وقته لدراسة ظاهرة الأقليّة وسط الأكثريّة، كحفنةٍ من المسيحيّين وسط خضمٍّ من المسلمين أو العكس. وكان العكس موجوداً، فكنت ترى نوّاباً أو كتّاباً مسلمين تحت جناح مسيحي، ولكن في الغالب جناح سياسي انتخابي ككميل شمعون أو آل إده، ونادراً ما تجد «مناضلاً» عقائديّاً مسلماً منضوياً تحت لواء الكتائب أو الدعوة الفينيقيّة. لم يكن مثل هذا الخليط الجميل موجوداً إلّا في حزبين هما الحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي. وقبلهما وأثناءهما عند الماسونيّين. ولا جدال في أهميّة الدور الذي لعبه هؤلاء الماسون في تثوير الفكر العربي، وقد بات هناك كتب تؤرّخ لهم وتتحدّث عنهم بالتفصيل.
يتساءل الدكتور محمّد السمّاك، في ندوة على شاشة «الجديد» أدارها الأستاذ جورج صليبي، أين المسيحيّون في الثورات العربيّة الجديدة. ويذكّر بالدور القيادي الذي اضطلع به هؤلاء في معركة الاستقلال عن تركيا، ثم في التحرّر من الاستعمار الأوروبي، ومثله ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين. لماذا ينكفئ المسيحيّون عن الثورات العربيّة؟
أولئك المسيحيّون الذين يشير إليهم الدكتور السمّاك لم يكونوا رجال دين بل كانوا علمانيين. والذين يُسألون اليوم رأيهم هم رجال الدين أو الملتحقون بهم من السياسيّين. بين المسلمين أنفسهم هل يتجاوز عدد المتكلّمين المعتدلين أصابع اليدين؟ أليست الأكثريّة الطاغية رجال دين أو ملتحقون بهم أو مزايدون عليهم من إخوان وسلفيّين؟ أمثال السمّاك في أجهزة الإعلام قلّة، ولهم فضلٌ كبير في المثابرة، والكلّ يعلم أنّهم صورة صادقة عن بيئتهم الواسعة، وأنّ المتطرّفين أقليّة، لكن مَن يُموّل ويمسك بالخيوط تكفيه إدارة أقليّة نشطة للسيطرة على الشارع وتحريك الفتن.
لم يكن الشارع يوماً طوعاً للقدّيسين، بل هو بالأحرى سلاح ضدّهم. السمّاك يتكلّم باسم شعب، الدمويّون والمسمومون يتكلّمون باسم شارع، والشارع في التخريب أقوى من الشعب.
* * *
كان السنّة، إذاً، حاملي لواء العروبة منذ الاستقلال عن تركيا. حلّت دمشق لديهم محلّ الباب العالي. كانت سوريا قلعة العروبة خاصّة أنّها كانت بقايا الدولة الأمويّة. لم يكن في سوريا طائفيّة ظاهرة، ولكنّ السلطة كانت في قبضة السنّة. السلطة والأكثريّة الديموغرافيّة. والحقّ أنّ هذا لم يقف حائلاً دون تعيين مسيحيّين في مناصب عليا وصلت إلى رئاسة الحكومة، ولم يميّز الحكّام في اختيارهم للوزراء والسفراء والضبّاط بين سوري ولبناني وعراقي وفلسطيني وعربي وكردي، وحتّى حصول أوّل انقلاب عسكري ظلّت دمشق أكبر عنوان للعروبة المترفّعة.
في غضون ذلك كانت عوامل الفوارق الطبقيّة والمذهبيّة تفعل فعلها المستتر. وبدأ شباب السنّة يعزفون عن الالتحاق بالجيش لينصرفوا إلى المهن الحرّة، فيما وجد أبناء العلويّين الفقراء أبواب الجنديّة مفتوحة أمامهم فتدافعوا إليها.
ومن عاصمة الخلافة الأمويّة تحوّلت دمشق إلى عاصمة الملك العلوي. وبعدما كان سنّة لبنان يعتبرون الشام وطنهم الأصلي الذي سُلخوا عنه أخذوا تدريجيّاً، هم وسواهم، يكتشفون أنّ العُرى تغيّرت. وتيقّن لهم، بعد حروب لبنان ثم تحالف حافظ الأسد مع إيران ضد العراق، أنّ هناك قوّة طالعة في لبنان هي الشيعة تنظر إلى سوريا وإلى إيران نظرتها إلى الحليفين العضويين الصافيين، وأنّ إيران وسوريا بات لهما في لبنان قاعدة شعبيّة إسلاميّة تمتد جذورها مع السلطتين فيهما أبعد غوراً من ظواهر السياسة والشعارات العقائديّة القوميّة تارةً والأمميّة اليساريّة طوراً، لتذهب عميقاً في اللاوعي الديني، وهو الأقوى من كلّ العصبيّات.
* * *
هل نرد الأمور إلى أحجامها الواقعيّة زرعاً لليأس؟ إطلاقاً، بل نشراً للأمل. كيف؟ مراجعة بسيطة تبرهن أنّ كلّ فريق لبناني أخذته نشوة انضماميّة أو التحاقيّة أو انعزاليّة لم يلبث أن عاد منها مقتنعاً بعبثيّتها.
ومكتفياً بما جنى فيها من فوائد استطاع التشارك فيها مع الأفرقاء الآخرين في الوطن الصغير.
الموارنة تَيَّهوا حيناً بالفينيقيّة وحيناً بالتفرنُس، وها هم يلتحقون هذا بالشيعة وذاك بالسنّة.
السنّة انتشوا واستقووا حيناً بالعثمنة وحيناً بالناصريّة والفلسطينيّين، ثم عادوا يهتفون لبنان أوّلاً. ونحن نكرّر ما قلناه مراراً: سيمضي الشيعة في الانحياز لشيعة إيران وعلويّي سوريا إلى آخر الشوط، وسيعودون كما عاد إخوانهم في الوطن. الطائفة الكبرى في لبنان هي لبنان.
يذهبون مذاهبهم بحثاً عن حماية من مصير أو انتقاماً لمصير ويعودون عَوْدَهم حين يكتشفون أنّ الحماية الحقّة هي في تغيير المصير عبر الاندماج لا عَبْر القهر. الذات المأسوية، مثل الذات اللبنانيّة، لا بدّ لها من قسوة التضحية كي تولد وتنمو في العافية.
* ماذا نخفي؟
قصّة عن آدم وحوّاء قبل السقوط.
فيلم سينمائي.
سفر التكوين لا يشير لغير ثوانٍ لهما في الجنّة. هل طردا بعد خلقهما بأيام؟
شهر عسلهما، مثلاً، على الأقلّ؟ حياتهما اليوميّة قبل السقوط. أحاديثهما. انبهارٌ متواصل؟ مَلَل؟ ضيق؟ تكارُه؟
كيف نستطيع أن نتصوّر معاناتهما بعد السقوط ونحن لا نعرف شيئاً عن حالهما قبله؟ ولماذا في الجنّة وليس في السماء؟
كلّ ما نعرفه هو الحكم الذي لفظه الله بحقّهما.
الأمر ذاته عن قايين. هامَ على وجهه وعين الله تطارده، لكنّ هذه الصورة التي ابتكرها خيال فكتور هوغو، هل تكفي ليتوقّف العالم عندها؟
ورثنا أدياننا بلا سؤال. ربّما لأنّها أديان. لو تعاملنا معها على أساس أنّها أساطير لتجاوزنا الحدود. ولكن حتّى الأساطير (الفرعونيّة، الهنديّة، اليونانيّة، جلجامش) نحنّطها. خيالنا ينبطح أمامها مجرّداً من السلاح.
المقدَّس، عوض أن يفتح لنا السماء، يُغلقها.
حيناً نقول: لا حدود للعقل، وحيناً يجمد خيالنا عصوراً دهوراً كالمصعوقين.
ماذا نُخفي، مَن نَحمي بهذا العجز؟
عابــــــــرات
وُجد الهواء ليتنفَّس الكائن. وُجد الحبّ ليتنفّس الكون.
* * *
أملٌ عظيم يمشي يداً بيد ألم عظيم: ذلك هو تاج قَدَر الإنسان.
* * *
كيف للعاشق أن يعرف، لحظةَ تنظر إليه المعشوقة تلك النظرة الخارقة أوّل مرّة، إنْ كانت تستودعه نَفْسها أم تسلبه نفسه!؟
* * *
أجمل ما تقوله الصبيّة تأثّراً بحبيبها ليس «حبيبي» بل بالدارج: «يَمّي!».
* * *
الحبّ القويّ فعلٌ إلهيّ لا يخلو من هرطقة.
* * *
اللانهائي صغير، يبدأ من بؤبؤ الطفل.
* * *
أين يذهب الهواء بالأريج الذي يَحمل؟

غربـة ميشـال عفلـق- أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٣٠ آذار ٢٠١٣

*«علامات الدرب»
خلال مطالعة السيرة الذاتيّة «علامات الدرب» للصحافي العريق سليمان الفرزلي (صدرت في لندن عن «اللبنانيّون المتّحدون للصحافة والنشر»)، استوقفتني محطّات يرفع فيها الكاتب الستار عن أسرار تاريخيّة خطيرة. عاصر الفرزلي أغنى العقود بالأحداث وعرف أبطالها عن قرب، ولا سيما منهم أركان حزب البعث ابتداءً من مؤسّسه ميشال عفلق.
آخر مرّة اجتمع فيها الفرزلي إلى عفلق في قصر الرشيد ببغداد كانت عام 1975. كان مؤسّس البعث قد غادر لبنان عقب انفجار الحرب بعدما غادر سوريا عقب صدور حكم بإعدامه. وصول البعث إلى الحكم في العراق وسوريا عن طريق الانقلاب العسكري كان من مضاعفاته تلطيخ صورة عفلق. يقول الفرزلي: «أُسيء فهم أو تشويه فكرة عفلق الأمّ حول مبدأ «الانقلابيّة» لاستنهاض الأمّة.
فقد خلط كثيرون وما زالوا يخلطون بين الانقلاب العسكري للوصول إلى السلطة، و«الفكرة الانقلابيّة» التي نادى بها عفلق منذ خطابه المشهور على مدرج جامعة دمشق في الخامس من نيسان 1943 بعنوان: «في ذكرى الرسول العربي».
«وغنيٌّ عن القول إنّ مضمون هذا الخطاب هو من المرتكزات الفكريّة الأساسيّة لحزب البعث، إنْ لم يكن المرتكز الأساسي». ويضيف مدافعاً: إنّ «الحملات المغرضة التي استهدفت عفلق للنيل من شخصه أو من حزبه أو من أفكاره، أو حتى من السلطة التي حكمت باسمه، لم ينقطع سيلها منذ بروزه على المسرح العام ككاتب في مجلّة «الطليعة» مطلع الثلاثينات من القرن الماضي ثم كوزير للمعارف في سوريا أواخر الأربعينات، مروراً بالوحدة (مع مصر) والانفصال، وبالسلطة البعثيّة في دمشق وبغداد، إلى اليوم بعد مرور عقدين على وفاته». ويذكر من عناوين تلك الحملات قول أخصام الرجل إنّه لم يأتِ بجديد وإنّ أفكاره مستوردة من النظريّات اليساريّة والماركسيّة، وإنّه «اغتصب اسم الحزب من المؤسّس الحقيقي للبعث وهو زكي الأرسوزي وإنّه استلهم أفكاره من تعاليم الأرسوزي (…) وبعد اتهامه بأنّه سطا على أفكار الأرسوزي (في أغلب الظنّ أنّ الأرسوزي نفسه هو الذي روّج هذا الافتراء) قالوا عنه إنّه سطا على شعبيّة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر».
وعن موقف عفلق من صدّام حسين يستخلص الفرزلي من لقائه الأخير في قصر الرشيد بمؤسّس البعث أن «عفلق كان ينظر بخوف وقلق إلى ما يجري في الحزب وعلى صعيد السلطة في العراق، ولم تكن لديه الرغبة أو الجرأة في مواجهة الأمر علناً وعلى رؤوس الأشهاد (…) كان يريد من آخرين أن يتولّوا المهمة ليقف وراءهم. وهذا ما لم يكن أحد مستعدّاً أن يفعله، خصوصاً في وجه صدّام حسين».
وعن اعتناق أو عدم اعتناق عفلق للإسلام، الأمر الذي ما زال ملتبساً لمعظم المهتمّين، يقول الفرزلي، الذي تحاور مع عفلق في الموضوع مراراً في بيروت، إنّ الأخير في كلامه على الإسلام «لم يكن يقصد هذا الإسلام القائم بكلّ تفرّعاته ومندرجاته وطقوسه، بل كان يعتبر هذا الإسلام في واقعه الراهن مرضاً من الأمراض العديدة المستشرية في الأمّة. فالإسلام عنده هو الحالة المحمّديّة التي استنهضها الرسول العربي في روح الأمّة (…) أمّا الإسلام الراهن فهو صيغة للعيش في الماضي ولا تعبّر عن مستقبل الأمّة (…) كان عفلق يحلم بأن يكون البعث العربي الاشتراكي هو الإسلام الجديد ليؤدّي الرسالة التي عبّر عنها في مرحلة سابقة دين محمد. فالإسلام له ما قبله في التعبير عن روح الأمّة، وسوف يكون له ما بعده، بل تَجَسَّد فيه من ضمنه ما بعده في فترات معيّنة، وكان يعتبر أنّ البعث هو واحدٌ من هذا الما بعد من ضمنه».
على صعيد المسألة اللبنانيّة، يوضح الفرزلي أنّ عفلق كان يعتقد «أن مشكلة العروبة في لبنان هي مشكلة تقدميّة العروبة»، خاتماً بالقول: «إنّ إسلام ميشال عفلق هو هذا الذي فهمته منه، سواء صحّ أم لم يصحّ ما ادّعاه نظام صدّام حسين عن اعتناقه الإسلام تبريراً لجنازة إسلاميّة على الطقوس البغداديّة، لأنّ ذلك يبقى في الشكل ولا يلامس الجوهر».
يخرج سليمان الفرزلي بانطباع مؤلم هو أنّ عفلق كان يعيش غربةً روحيّة داخل حزبه. ويخرج القارئ بانطباع أشدّ إيلاماً هو أنّ عفلق كان يعيش غربةً روحيّةً داخل حزبه وداخل أمّته. وقد لا نبالغ إذا قلنا وداخل ذاته. بصرف النظر عن إسلامه أو عدمه. غربةُ المثاليّ الحالم في واقعٍ فظّ وانتهازيّ، وغربةُ المفكّر والمُنظّر في جغرافيا من الدسائس والدبّابات. لا نعتقد أنّ هناك بين عقائديي العالم العربي مَن انتشرت عقيدته وحكمت أكثر من البعث ولا مَن كان منفيّاً في انتصاره أكثر من ميشال عفلق.
في «علامات الدرب» نزهاتٌ طويلة عبر التاريخ العربي المعاصر. من المنشأ اللبناني إلى رحاب الصحراء إلى مصر وروسيا وليبيا ولندن إلى حنايا الصحافة وجلاجلها. كتاب يُستحسن أن يطالعه طلّاب الإعلام وأساتذتهم والمهتمّون بالتاريخ العربي المعاصر.
سليمان الفرزلي برهانٌ شائق على أنّ الصحافي يستطيع أن يكون شاهداً شريفاً ومؤرّخاً موضوعيّاً كبيراً.
* ندم «أوديب»
ـ كلّ بريءٍ مذنبٌ دون أن يدري.
ـ أمس كنتَ تقول العكس.
ـ أمس كنت أوديب قبل أن يكتشف الحقيقة.
ـ اليوم اكتشفتَ الحقيقة!؟ وما هي؟
ـ أنّك بريءٌ ما دمتَ أعمى، ومذنبٌ عندما تُبْصر.
ـ أوديب فقأ عينيه بعدما اكتشف الحقيقة. كلامك مقلوب.
ـ أوديب ظنّ خطأً أنّ العمى عقاب بينما هو الثواب. لقد منح نفسه الجائزة تحت ستار الندم.
*لو عَرَف القارئ
أعظم موهبةٍ ليست الكتابة بل القراءة.
الكثرة ليست القرّاء بل الكتّاب. القرّاء أقليّة.
ما يقتل الكاتب هو القارئ الذي لا يسمعه. القارئ الذي يقول له: قرأتُ ولم أفهم. قارئٌ لا يقرأ.
أكذوبةٌ ساذجة ادّعاءُ الكاتب أنّه لا يكتب لأحد بل لنفسه. مثل قول حسناء إنّها لا تتبرّج لإعجاب أحد بل إرضاءً لنفسها.
نفسُهُ مؤلّفةٌ من الآخرين. كذلك نفسها.
نفسه ونفسها هما صورتهما عن الآخر.
لو عرف القارئ حجم مسؤوليّته عن الكاتب لما قرأ. لو عرف الكاتب مدى ارتهانه للقارئ لصَمَت. لو عرفت الحسناء مدى ارتباط وجودها بنظرة الآخر لبقيت في حماية رغوة الحمّام.
مَن هو القارئ؟ جمهور؟ ضمير؟ لا، القارئ هو الحبّ. والكاتب لا يبحث عن الحقيقة بل عن الحبّ.
كذلك الممثّل والمغنّي والأستاذ والشحّاذ. والرضيع والعجوز. والمرأة دائماً، وحيثما كان هناك امرأة.
عابــــــــرات
اختبئْ وأنتَ تفعل الخير كما كنتَ تختبئ لتفعل الشرّ.
* * *
أهمُّ من أن تُحَبَّ لرغبتك في الحبّ، أن تُحَبَّ رغم عدم رغبتك فيه.
* * *
في حالاتِ اشتداده، إذا لم تنفضْه عنك كالغبار، قد يقضي عليك الخجل!
* * *
لقاءَ كلّ حريّة تساعد في إذكائها لدى سواك، حفنةُ رمادٍ تضاف إلى قلبك.
* * *
ما انتشل أحدٌ أحداً من وحدته إلّا أوقعه بعدها في إحدى الوحدتين: زنزانة الأسر أو خيبة اليقظة.
* * *
المُصلّي يَستحضر النور. ما إنْ يركع حتّى يشعّ.
* * *
لا يؤلمك القَدَر بحرمانك السعادة فحسب بل يؤلمك أكثر بتحقيق السعادة لك وأنتَ مستثنى منها…
* * *
كما أنّك بحاجة أن تبتعد كي تقترب، أنت بحاجةٍ أن توغل في ذاتك الإيغال المطلق لتخرج منها أكبر منها.
* * *
ثِقْ أنّ كثيراً من الأوهام هي، في واقعٍ آخر، حقائقُ ضخمة.
* * *
في الصبا يبدو الجنس استقبالاً، وفي الكهولة انعتاقاً، وفي الشيخوخة نسياناً للذات. ولا مرّة هو ذاته، رغم رتابة الفعل. من هذه المسيرة ماذا يتبقّى في الذاكرة؟ مرور وعطور.
جسدُ المعشوق هواء.
* * *
ما دمنا لا ننجذب إلّا لعابدي أنفسهم فسوف نظلّ عبيداً.

الماضي يحاسِب - أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٩ آذار ٢٠١٣

أنسي الحاج *أزمة الصحافة
واجب الصحافة، عندما يتخندق الوضع بالشكل المتخلّف والطائفي المتفجّر الحالي، أن تصرخ في وجه الجميع. والبداية في وجه نفسها.
أثناء الحرب الأهليّة في لبنان كان هذا واجبها ولم تقم به بل خاضت حتّى الركب في التحريض على الفتنة. وبعضها خَلَط بين الحياد والجبن، ورأى في بيلاطوسيّته ترفّعاً، وما كان ذلك سوى هروب نحو شهادة الزور.
اليوم أسوأ.
كانت صحافة لبنان مدرسة للعرب وأمست، بعد ظهور صحافة الخليج وشاشاته، فرقاً لقبائل الانقسام ومافيات المال. كانت خليّة فكر وأدب وأضحت صورةً عن انحطاط السياسيّين وتعفُّن المجتمع.
كان في الصحافة طائفيّون ولكنّ سادتها كانوا علمانيّين وأعلاماً. وكان فيها مستهترون وفاسقون لكنّهم في الغالب من أهل الظرف والموهبة، وزعيمهم بلا نزاع إسكندر الرياشي، وكانت صراحتهم تغسل تهتّكهم وتُبرّئ أقلامهم وتحبس عدواهم، وكانت جرأتهم مذهباً في الأخلاق مقلوباً، وعلى الجملة كان استهتارهم المعلن قناعاً ليأس وصورة عن مجتمع سياسي منحلّ بأسره.
في تراجع الأرقام العالية للطبع، تُركت الصحافة لمصير اقتصاديّ مخيف. وفي حضور العنف والعسكرة الطائفيّة وعصر الاستخبارات الاستبدادي لم يعد للصحافة حصانة معنويّة، ومَن لم تطله يد الاغتيال الدموي طالته يد الاغتيال الأخلاقي والمالي والاقتصادي. أيّ جريدة لبنانيّة تستطيع اليوم منافسة «الشرق الأوسط» و«الحياة» السعوديتين في التوظيف والازدهار؟ مَن له قدرة الأمراء والشيوخ على صرف الملايين دون عائد؟ تستطيع شاشات التلفزيون اللبنانيّة (لبنانيّة شكلاً وخليجيّة تمويلاً) أن تجاري الفضائيّات العربيّة (العربيّة شكلاً والخليجيّة تحديداً) لأنّها تتمتّع بهامش حريّات استعراضيّة تُركّز على الإيحاء الجنسي، لكن أشهر الفضائيّات اللبنانيّة تخلو من أيّ أثر أدبيّ أو فنّي راقٍ، بعدما كان هذا النوع من الآثار عنصراً أساسيّاً في تاريخ لبنان اقترنت به النهضات المتوالية مدى قرنين ومنحت الوطن الصغير إشعاعاً إقليميّاً نافس مصر نفسها. (كانت إحدى المحطات تستعمل البرامج الثقافيّة في حقبة ماضية لخدمة سياستها خلال مراحل التأزّم الطائفي والسياسي، أو حين كان بين كوادرها مَن يعرف القيمة المعنويّة والمردود المادي لبرامج نوعيّة من هذا الصنف، ثم زالت مع توطيد عصر الكاباريه ودكتاتوريّة الضحالة والاضمحلال في حمّى الذهب الأسود).
ما لنا ولما يُسمّى «الإعلام»، أي التلفزيون، والصحافة منه براء. التلفزيون متشابه حيثما كان، فهو فنّ إزجاء الفراغ الساكن بالفراغ الصاخب. وليس هو المسؤول عن أزمة الصحافة الورقيّة بل المسؤول هم الصحافيّون وتكاسلهم وتراجعهم الثقافي. ولا مَخْرج إلّا بعودة الصحافة إلى أهل القلم وعودة هؤلاء إلى نصاعة الجهاد وبراءة المقصد. عندما نقول أهل القلم نقصد ما كانت تعني هذه العبارة: أهل الموهبة والمعرفة والبحث والوجدان والتجرُّد والنزاهة والمسؤوليّة والترفُّع والموضوعيّة والصدق والإخلاص والشجاعة والمروءة والتضحية والألمعيّة.
ومعرفة الكتابة.
الصحافة فنّ عظيم. أحياناً حلّت وأحياناً تحلّ محلّ الأدب. الأكثريّة الساحقة ممّن نتداولهم بين الشعراء والمنشئين إمّا كانوا صحافيّين وإمّا نشروا الكثير من نتاجهم في الصحف والمجلات. ولولا تسويق الصحف لهم لما عرفهم أحد.
والصحافة صاحبةُ فضل على النثر، كانت هي الأداة التي دخلت منها الحياة إلى القديم فعصفت به رياح التجديد. لم يكن محمد علي وحده مَن عَصْرَن مصر والعالم العربي بل الصحافة يوم خلطت شؤوننا الصغيرة بقضايا العالم فأصبحت «الأهرام»، مثلاً، جريدة أرض الكنانة، مرآةً لما تضطرب به العواصم الكبرى وميداناً لمراسلين خطيرين يحادثون زعماء العالم ويطلّون بالقارئ العربي على العصر ندّاً لندّ وبأرفع الأساليب.
للصحافة على الذوق العربي والوعي العربي والثقافة العربيّة فضل لم يكتب عنه أحد بعد. وهذا الفضل عائدٌ إلى مؤسّسين أنشأوا بصمت وتواضع، وإلى روّاد تفانوا، وإلى أدمغة وأقلام خلّاقة أوجدت شيئاً ضخماً من لا شيء. وكان للبنانيّين في هذا المضمار المساهمات الكبرى.
مَن كان هذا ماضيه لن يُعْدَم وسيلة لمعالجة أزمات الحاضر. حيال الضيق الذي تشهده الصحافة اليوم ماذا يمكن أن نفعل؟
يمكن أن نعود إلى الأصل. الأصل هو القلم.
القلم لا يحتاج إلى ملايين الدولارات ليكتب بل إلى ثمن القلم. الباقي في الرأس والقلب.
لو عاد بطرس البستاني وإبراهيم اليازجي وجبران خليل جبران إلى الحياة وقرّروا إصدار جريدة هل كان سيتوافر لهم مبلغ شراء امتيازها؟ طبعاً لا. هل كانوا سيُرتهنون للأمراء والشيوخ كي يضمنوا الرساميل ويقيموا في العمارات وتزدهي صفحاتهم بالألوان؟ لا نظنّ. ماذا كانوا سيفعلون؟ كانوا سيكتفون بجريدة من أربع صفحات يحرّرها شخص أو شخصان وتنشر الحقائق والروائع.
هيّا إلى الصحف الفرديّة الصغيرة المتقشّفة أيّها الشباب! انزلوا تحت الأرض ولتشعّ أنواركم فوقها! الصحافة الالكترونيّة تضع الكون فوراً في يدك، ولكنّها مع هذا لا تكفي. لا تلغي الحاجة إلى الكتاب الورقيّ ولا إلى الصحافة الورقيّة. للورق أعصاب الإنسان ولون الحبّ. للورق رائحةُ الكتاب المقدَّس.
* بعدهم الطوفان
لا تغيب عن البال صورة العراق بعد صدّام حسين وصورة مصر بعد جمال عبد النّاصر وصورة تونس بعد الحبيب بو رقيبة وصورة تركيا بعد الكماليين وصورة فلسطين بعد عرفات وصورة ليبيا بعد إدريس السنوسي وصورة لبنان بعد فؤاد شهاب.
لم يَخْلفهم سوى الفوضى والحروب الأهليّة.
السوريّون، ثائرين على النظام الأسدي أو موالين له أو حائرين، بدأوا، بعد تراكم التقاتل وبروز الإسهام الإسلاموي في الثورة، يبدون قلقهم ممّا بعد انهيار النظام. كانوا يريدون الحريّة والديموقراطيّة وإذا بهم أمام مطلب من نوع آخر: أن لا يتسلّق الإسلاميّون سلّم التغيير ليقيموا في سوريا سلطتهم التي، إنْ تحقّقتْ، لا بدّ أن تجزّئ البلاد إلى مقاطعات على غرار العراق وإلى كانتونات على المثال الواقعي غير المعلن في لبنان.
كأنّ الثورات العربيّة والإسلاميّة لا تحصل إلّا لمزيد من التردّي.
تمنّينا لو ينتقل مجتمع عربيّ أو إسلاميّ من دين الدولة الإسلام إلى دين الدولة الإنسان. عوضَ ذلك فرض الدستور السوري الجديد، الذي قيل إنّه سيكون خطوة إلى الأمام بدل الدستور السابق لانتفاضة آذار 2011، فرضَ أن يكون دين رئيس الدولة هو الإسلام. وبدل أن تنتقل مصر من عهد نصف عصري إلى عهد عصري كامل قفزت إلى أحضان الإخوان المسلمين.
كانت سوريا بحاجة إلى ثورة فهل تصبح بحاجة إلى ثورة على الثورة؟ سبق لسوريا أن عاشت مراحل من الانقلابات العسكريّة المتلاحقة التي لم تعرف نهايتها إلّا بالدكتاتوريّة. العراق كذلك. الوحيد المستقرّ في الشرق الأوسط والذي يتفرّج على الشرق الأوسط يتمزّق هو إسرائيل. الجميع يتصهينون لحساب إسرائيل.
وغداً إذا استكانت القبائل العربيّة إلى كانتوناتها واستنبتت من بؤسها ازدهاراً هل يعيدنا تخلّفنا، وبمساعدة أميركا وإسرائيل، إلى الاتحاد والتعايش… عسى أن يكون فيهما تَمَزُّقنا من جديد؟
عابـــــرات
تحتاج المرأةُ لا إلى أن يحبّها الجميع بل أن يحبّها شخصٌ واحد لسبب لم يكتشفه فيها أحد.

* * *
التعبير بدقّة عن حرارة الشعور يستلزم شعوراً بارداً.
الطبيعة تمتحن ذاتها بهذا النوع من التوازنات.

* * *
أتساءل، مدفوعاً بماديّتي: هل يتشفّع لي يوماً حبّي المتعاظم للحيوانات؟ ولدى مَنْ؟

* * *
الغاية دوماً كلمة.
يتطلّع الكاتب إلى لغة تمور بالهزّات: رجّة وراء رجّة.
والجالسُ أمام امرأة هناك، يتطلّع إلى كلمات تفيض بشوقه.
والمنزوي إلى نفسه يُفتّقها ويجرفها بهدير النهر الداخلي، لا يطلب غير لغة تُجوهِر حالته.
الغاية كلمة.
… غير هذه التي ستقولها الآن.

أنسي الحاج-معركة العقل في الإسلام

جريدة الأخبار اللبنانية
العدد ١٩٤٥ السبت ٢ آذار ٢٠١٣

أنسي الحاج جبهات سنيّة متوتّرة بعضها في وجه بعض. إخوان مسلمون ضدّ سَلَفيّين وسلفيّون ضدّ تقدميّين (أو فقط محافظين مسالمين) وعلمانيّون ضدّ إخوان. وهّابيون يساندون الإخوان ووهّابيون يعارضونهم. لم تعرف المجتمعات الإسلاميّة السنيّة غلياناً كهذا منذ أقدم العصور. دون أن نذكر التوتّر السنّي _ الشيعي الواقف متأهّباً على الحافة في لبنان والمتقلّب بين سلمي وعنفي في البحرين والغارق في الدم بين العراق وسوريا وباكستان. فضلاً عمّا أخذته هذه الحمّى بطريقها من أقليّات العراق المسيحيّة وما تهدّد بأخذه من أقباط مصر.
لا ندخل في أسباب هذا الاستنفار، فهي كثيرة متراكمة ومتجذّرة في تاريخ الإسلام، واستغلالها سهل على مَن يريد استغلالها. ولن نتوقّف عند جوانبها السلبيّة فهي معروفة. سنجتهد هنا أن نقتنص منها أملاً.
من إيجابيّات هذا الصخب احتمال أن تنهك الرجعيّات بعضها بعضاً. أن يقذف الظلاميّون بمدّخراتهم من الكراهية والتخلّف وترتاح صدورهم، ولو أدّت غرغراتهم إلى تشويه صورة الإسلام وخدمة أعدائه وأعداء العرب. ليخرج العتم ويندلق الجهل. هذه هي الفضيلة الكبرى للحروب الأهليّة.
الأمل هو أن تلي صحوةَ الجنون صحوةُ العقل.
يتطلّع المتفائلون إلى مصر ومجتمعات المغرب. قد تكون الشعوب مقسومة ولكن يكفي أن تكون نسبة خمسين في المئة عاصية على التخلّف. نسبة أربعين، ثلاثين، عشرين في المئة… دور النخبة أن تقود الشارع لا الشارع أن يقود الشعوب. ونحن ممّن يعتقدون أنّ هناك خطّاً أحمر في مصر وسوريا ومجتمعات المغرب لا يسمح الإسلام المتحضّر للإسلام المتحجّر بتجاوزه. لا في الجامعة (جامعة الأزهر مثلاً) ولا في السلطة ولا في الشارع. وهذا مُطَمْئن. يوم بدأت أوروبّا تتململ من سطوة الكنيسة لم يكن فيها هذا القَدْر من الشجاعة. وَقْفة العقل في الإسلام الراهن أكبر من ثورة العقل الغربي في بداياته. ولكن هذا لا يكفي. لم يعد يكفي اتّقاءُ المدّ بل لا بدّ من علاجٍ جذري.
وفي البداية ينبغي تسميةُ الأشياء، كما فعل آدم (وحوّاء؟) مع الكائنات الأولى. التسمية كفاح ضدّ الخوف. إنّها فجر المعرفة.
ما نحن عليه الآن ردّة انتحاريّة. ليست الردّة تمرّد ابن الدين على دينه بل الردّة هي انفجار براكين العمى، براكين التعصّب والثأر والتكفير والعجز. وهذا ما قد نصير عليه أكثر فأكثر. كان يمكن أن يتدارك تقدميّو العالم الإسلامي هذا التردّي لو لم تَصْطَدْهم التيّارات الأصوليّة هنا وشبق المال هناك. غير أنّ ما حصل حصل ولم يعد ممكناً الاختباء وراء المعتدلين وهم لا حول لهم ولا قوّة. والأهمّ من ذلك أنّ الأوادم الخائفين لا يستطيعون أن يظلّوا مرتجفين في زوايا بيوتهم ونفوسهم إلى الأبد. وهؤلاء الأوادم الخائفون هم أكثريّة بين الشعوب إنْ لم نقل إنّهم هم الأكثريّة.
ما نعيشه الآن في العالم العربي انحناءُ المسالمين للدمويّين. قصارى هَمّ المسيحيّين في لبنان أن لا يسحب عنهم الحماية «حزب الله» من هنا و«تيّار المستقبل» من هناك. القلوب على مسيحيّي مصر من غضبةٍ إسلاميّة غوغائيّة تجتاحهم. لم يعد من قلق على مسيحيّي العراق وفلسطين بعدما انقرضوا. مسيحيّو سوريا قرّروا الذوبان في الصمت. شيعة السعوديّة مخنوقون وشيعة البحرين يتعلّلون بالآمال. لم يعد من مستقبل مرئي لطوائف العراق غير المزيد من التمازُق. نظرةٌ إلى المواقع الالكترونيّة وبعض القنوات التلفزيونيّة «المختصّة» تجعلك تتقيّأ من حجم التكاره السنيّ _ الشيعي ومدى قابليته للتذابح.
وفوق هذا تناحرٌ سنيّ _ سنيّ متعدّد الموهبة والطاقة.
جوّ العيش على الحافة محتملٌ وطيّب في الحبّ. يستحيل احتماله في التعايش الاجتماعي.
* * *
يتساءل زين العابدين الركابي في «الشرق الأوسط» (السبت 23 شباط 2013): «الإسلام دينُ جمالٍ ودينٌ جميل (…) فلماذا تُلصق به أو يوضع في صورةٍ مشوّهة تنال من جماله أو تطفئ بهاءه؟»، ويجيب: «السبب والعلّة أنّ هناك «مسلمين» يجنون على دينهم هذه الجناية الخائنة بأقوالٍ يقولونها وبأفعالٍ يفعلونها». ويركّز، بين الصور المعبّرة عن هذه الجناية، على «الغلوّ». ويشرح قائلاً: «غلّو مسلمين وعنفهم سببٌ عميقٌ فادح من أسباب التخويف من الإسلام الذي من مقاصده التوسّط والاعتدال في كلّ شيء». ويمكن أن نمضي أبعد من هذا التعبير المهذّب ونتحدث عن الظلاميّة والسطو على العقل باسم الأصوليّة والصراط المستقيم. إنّه استبدادُ طبقةٍ من رجال الدين بتوجيه العامّة ونشر التكفير وتخويف الخاصّة ولا سيّما منهم أهل الفكر والفنّ والأدب والتعليم والسياسة والصحافة والسينما والتلفزيون. هناك في هذا القرن وفي سابقه من ضيق الأفق لدى محترفي «الوصاية الإسلاميّة» ما لم يكن مثله على الأرجح في العصور الأولى للإسلام. تراجعٌ إسلاميّ فاضح بحقّ أمّةٍ تَوهّجَ تاريخها بحراكٍ فكريّ وفلسفيّ ضخم سَبَق الغرب المسيحي بقرون في تعميق البحوث وشحذ العقول وتجاوز الحدود. يضاف إلى هذا الصنف من الترهيب الإرهاب الآخر، الدموي، الذي شُرع في تعميم نموذجه فور انهيار العالم الشيوعي. وحتّى لو قلنا إنّ التخويف من الإرهاب الإسلامي مفتعل وإنّه يخدم أغراض الاستعمار والصهيونيّة فهذا لا يعفي الدول والمجتمعات الإسلاميّة من مسؤوليّة لها في إتاحةِ الفرص لتأسيس مثل هذه الصورة ولتغذية مقوّمات استمرارها.
على الضفّة الثانية من موجات التعصّب نرى إمكانات لنقيضها. إنّها فرصة تاريخيّة لانفجار الثورة العقليّة الإسلاميّة ضدّ «السجن اللاهوتي التكفيري الكبير» كما سمّاه هاشم صالح في «الشرق الأوسط» أيضاً. انفجارها وتأصّلها وتحقيق الغَلَبة فيها فيغدو الإسلام لا ابن الوحي فحسب، بل أيضاً ابن التاريخ وقيد تداول العقل الحرّ بدل أن يظلّ أسير المحرَّم. ولن يكون ذلك من فراغ. فبالإضافة إلى نهضات الأقدمين، وفضلاً عن «مشاغبي» مطلع القرن العشرين امتداداً إلى ستّيناته، هناك مجايلون لنا تابعوا المسيرة التنويريّة وأضافوا إليها: عبدالله القصيمي، نصر حامد أبو زيد، عبدالله العلايلي، محمد أركون، صادق جلال العظم، فرج فودة، سيّد محمود القمني، أدونيس، عبد الوهاب المؤدّب، رجاء بن سلامة، فاطمة المرنيسي، نوال السعداوي، وغيرهم عديدون في مختلف الأقطار العربيّة.
نحن ممّن يتفاءلون بالمارقين، وبالذين يؤكّدون لنا أن لا نخاف على المستقبل، وأن المجتمع السوري، مثلاً، لن يلبث أن يعود إلى تسامحه ووحدته الوطنيّة وعروبته بعد نهاية الحرب الداخليّة. وأنّ مصر لن تركع للسَلَفيّة والطالبانيّة. ولا تونس. نحبّ أن نسمع ونقرأ ما يرسّخ إيماننا بطيبة شعوبنا وطهارة طويّتها، ولأنّها كذلك تستحقّ أن تتسالم مع ذاتها ومع تنوّعاتها وأن تشعر بأنّها تتقدّم على دروب الانعتاق وازدهار الذات والخلاص من الازدواجيّة الكيانيّة.
لم ينهض الغرب نهضته إلّا مذ كرَّسَ سلطة الفكر الحرّ والبحث الحرّ والتعبير الحرّ فوق سلطة المقدَّس الديني. لا إلغاءَ للمقدَّس فثمّة في الكيان الحيّ ما يرنو إلى السريّ وإلى اللّامدنَّس ولو كان المدنِّس اكتشافاً علميّاً خارقاً أو إبداعاً أدبيّاً أو فنيّاً عبقريّاً. هذه حاجة بشريّة (وربّما وعلى الأرجح غير بشريّة أيضاً) لا يقمعها قمع ولا يحلّ مكانها ضدّها. والحريّة لا تنفيها بل على النقيض تزيدها رونقاً وهيبة إذ تُخلّصها من التحنيط وتضعها في حيّز الشعور والاختيار والفرديّة.
من غير العدل أن يبقى العرب والمسلمون خارج دائرة الحضارة هذه، تارة باسم الأصالة وطوراً باسم التكفير.
* * *
بينما يجمح تيّار السَلَفيّة في العالم العربي يتزايد في لبنان عدد المواطنين المتقدّمين بطلب شطب مذهبهم عن الهويّة وترتفع وتيرةُ الدعوة إلى إقرار الزواج المدني الإجباري مع جعل الزواج الديني هو الاختياري.
الكيان المُدان طوال عقود بالطائفيّة ينتفض على الطائفيّة وعلى المذهبيّة، وأنظمة دول عربيّة كانت تتباهى بمؤسّساتها المدنيّة الراسخة وسطوة الدولة فيها وانعدام الانقسامات المذهبيّة والطائفيّة، تجد نفسها ممزَّقة بـ«التناقضات اللبنانيّة».
لا أحد إلّا فوق رأسه خيمة… لعبة الأمم.
ولن يُقوّينا عليها غير الوعي.
وإنْ كان لا مفرّ من المواجهة فنِعْمَ المواجهة.
لندخلْ إلى التاريخ ندخلْ إلى الحضارة. وكي ندخل إلى التاريخ لا يمكن أن نظلّ نهادن الإرهاب الفكري. ولئن كان البعض يقتدي بالنموذج الإسرائيلي حيث التعايش «خلّاق» بين أصوليّة متفحّمة وعلمانيّة تحاذي الإلحاد، فقد أثبتت العصور أنّ مثل هذا الوضع غير قابل للنموّ والاستمرار في المجتمات العربيّة. هنا أنت تهادن الأصولية لكنّ الأصوليّة لا تهادنك.
الدخول إلى التاريخ تسليمٌ للعقل. العقل المُحبّ العطوف ولكنْ أيضاً النيّر الحرّ. العقل الذي ينحني للحقائق ويعترف بالتطوّر ولا يهاب المحرَّم الديني ولا التكفير.
يجب أن نغتنم فرصة الانقسام الراهن السافر بين جبهتي الظلام والنور لننتهي من مرحلة نصف حياة نصف موت.
لعلّ أفضل خاتمةٍ لهذا الكلام، العبارة الآتية لنيتشه:
«خيرٌ للمرء أن يَهلك من أن يُبغض ويخاف. خيرٌ له أن يهلك مرّتين من أن يجلب على نفسه البغض ومن نفسه الرعب. هكذا يجب أن يصبح في يوم من الأيّام الشعار الأعظم لكلّ مجتمع منظّم سياسيّاً».

عيــــــــــون- أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٢٣ شباط ٢٠١٣

ليكنْ باقي جسدكِ في مستوى عينيكِ.
* * *
نظرةٌ تسبق سقوطاً في الأحضان مع أنّها تقول غير ذلك.
نظرةٌ محجبَّة تزيح المعطف عن عري.
نظرةٌ ستخون لحسن حظّ البراءة.
نظرةٌ وَجَدَتْني.
نظرةٌ سوف أظلّ أبحث عنها فأجدها ولن تعود تجدني.
* * *
في نظرات الغريب يختلط الخجل بالوقاحة. من مسافةِ أمتارٍ في المقهى، بين طاولةٍ وطاولة، يأخذ التجاذب مداه. يتداعب الغريب والغريبة ويتعانقان بالعيون من وراء أكتاف رفاقهما. ثم ينفرط الجمع وتؤوب رياح الرغبة.
كم من حبٍّ اكتملَ بالنظر ثم ضاع إلى الأبد!
* * *
يختفي الإنسانُ لا حين يموت بل حين لا تعود العيون تتوقّف عنده. فليمتشق عيون الذاكرة، لا فرق.
الحِيَلُ لا تنفع ضدّ الزمن. ربّما تنفع في ما بعد الزمن. الحِيَل لا تنفع إطلاقاً. الشخص الذي تنحسر عنه العيون سينجو باعتبارها هي التي اختفت!
* * *
عيناكِ سماءٌ تستحمُّ من رأسها حتّى جحيمها.
* * *
لا يكفي أن نَرى: يجب أن نُعمى من الرؤية!
* * *
يضحك وجهكِ كدعوةٍ إلى الرقص وتَسْوَدُّ عيناكِ كطلائع العاصفة.
* * *
العيون طبقات، أعظمها تلك التي تمتلك موهبتين: إشعاركَ بالذنب حتّى الذوبان وغَسْلُكَ منه حتّى الهذيان.
* * *
أجملُ ما في حبٍّ عنيف، أن يمارس وجوده برقّةٍ متناهية.
* * *
العيون ليست مرايا روح صاحبها بل المرايا هي في الناظر إلى العيون. والروح، الروح، الروح هي في عينَي الناظر إلى العيون.
الروح هي البخور المتصاعد من ناظرَي الناظر.
* * *
عينا المرأة خصوصاً. متّصلتان بأعمق من أحلامنا. متّصلتان بأمّهاتنا. بوعدٍ مهما تَحَقَّق يظلّ إلى الأمام.
* * *
لملمي أسراركِ. لا تظهري لي منها إلّا الفتّان.
أنا وَلَدٌ شجاع ولكنْ ليس إلى حدّ تَقَبُّل الوقائع.
* * *
ليكنْ باقي جسدكِ في مستوى عينيكِ.
* * *
العيون التي لا ترى هي المسؤولة عن إعدام الحبّ. العيون الباردة الجامدة. العيون التي تُجمّد القلب ولا تغرقه.
لا أظنّ بلداً أغنى من بلدي بهذا المقدار من العيون السوداء. ومع هذا قليلها يبْرق. حتّى الغيم، سواء غيم الحزن أو غيم الغباء، يكاد لا يخطر فيها. لم تكن هذه العيون العاديّة، لم تكن من زمان… ما الذي جاء بها؟ ما الذي سبَّبها؟
هذه العيون هل تعرف ماذا تفعل بالعيون المحترقة على انتظارها؟
وهل غَصّتكَ إلّا لأنّك عشت؟
عيونُ غزلانٍ لا تَدْمع، هذه العيون الجديدة. عيون ماء لا يروي. عيونٌ مهاجرة منها روحها. عندما تنظر العيون العاشقة إلى هذه العيون الباردة، اليوميّة، يحكم الظلمُ الأرض.
لا يشبع الجائع وإلّا مات. والذاكرة لا تُغْني بل تُفْقِر. وكيف يُسأل الهائم عن غايته وهو هائم؟ وهل يقال للضائع استَرِحْ؟
العيون تعرف الجواب. العيون كانت تعرف الجواب. كانت تعرف المهجة والخطيئة والليالي. العيون كانت تتعارف في ما بينها.
العيون هي الأفيون. انظرْ مليّاً ترَ دخانه يحوّم تحت الجفون.
* * *
تاه ذاهب اللبّ كسيراً دامي القلق. اندلعت في صدره لهبة الخوف. انسدّت الدنيا في عينيه وتغلّقت النوافذ، تغلّقت الوجوه، تغلّقت الأبواب.
وأطلّت عليه عينا بلاغةِ النظر، فوقع في أسْر قضبان سجنهما، وعَبَر من تيه الاختناق إلى تيه الأسْر اللذيذ.
* * *
الكحل غير كافٍ. طوّقي عينيكِ بأحلامِ الرجال.
* * *
ابتسامتكِ استقبال، ضحْككِ ترحيب، ظلمةُ عينيكِ السكرى تنادي: كسّرْ غصوني!
* * *
العيون تجعل رائيها شريكاً في سفك دمه.
* * *
… وأجملها ما تختزن ذكرياتها لتهديها إلى الناظر. ما تَفتتح الأمل. أجملها ما تظنّه بين الصمت والبكاء، بين الخوف واللهفة. تلك العيون التي لم يخفق صدر مثل خفقانه لها، لم يُكتَب أجمل ممّا كُتب تحت تأثيرها.
العيون التي ينتسب إليها الرائي بكلّ يديه، بنداء أحشائه، العيون الميناء، العيون المُنجّمة، عيون النداء والحماية، عيون الأهداب الإلهيّة، عيونُ خَلْع الأبواب، تلك العيون لمَ لم نعد نلتقيها؟ لمَ لم تعد تنظر إلينا؟
… الحِيَلُ لا تنفع ضدّ الزمن…
اسبَقْهُ!…
***
ليكنْ باقي جسدكِ في مستوى عينيكِ.
*زواجٌ هنا طلاقٌ هناك
استوقفني كلامُ السيّدة أوغاريت يونان في برنامج «بموضوعيّة» مع وليد عبّود على «ام.تي.في» الاثنين الفائت. كلامٌ ينبّه رجال الدين إلى ضرورة الكفّ عن التخويف والمَنْع والبدء بالبحث عن حلولٍ للمشاكل. استوقفتني شجاعةُ يحيى جابر وفراس حاطوم ونانسي السبع. وفرادةُ الأب جورج مسّوح وهو يعلن علمانيّته وتأييده المطلق للزواج المدني. نوابٌ يمعنون في تمزيق البلد مذاهب عبر إقرار المشروع الأرثوذكسي (الأرثوذكسي الحقيقي كان الأب مسّوح ذلك اليوم) ونُخَب من المجتمع تجهر بعلمانيّتها ورفضها التعصّب واحتقارها كلّ ما يؤدّي إليه.
لماذا الزواج المدني، والزواج المدني الإلزامي تحديداً، مع جعل الزواج الديني اختياريّاً؟ لأنّه السبيل الوحيد لاختلاط الدم الطائفي وإنجاب أجيال تنمو في منأى عن التمييز الديني. هذا هو الحجر الأوّل في مشروع بناء الدولة وفي التهيئة لولادة مواطن مدني لا نعجة طائفيّة.
وبورك في موقف رئيس الجمهوريّة.
*خلافاً لما نظنّ
الموت صعبٌ في البداية. يهون مع الوقت. في السنوات الأولى من العمر هو موت. في الطفولة إجهاض، في الصبا قَتْل، في الكهولة ألم، وفي الشيخوخة إجهاز.
خلافاً لما نظنّ، الشيخوخةُ ليست عمراً. الشيخوخة إشاحةُ النظر عنك. يصبح كلّ الزمن في العجوز ويصبح العجوز، عوضَ أن يتوهّج بكنز الزمن، نعشاً له.
خلافاً لما نظنّ، الجمالُ ليس الجمال، ليس العينين ولا الفم ولا فنّ الحبّ، الجمالُ هو الصبا. الحياة هي الصبا. انتحارُ العجوز ليس انتحاراً بل هو إتمامٌ لمراسم التواري.
خلافاً لما نظنّ، الإمعانُ في العمر ليس شجاعة، ليس دليل عافية، إنّه شراهةُ المُسنّ اللزجة، ولا أحد يحبّها. إذا بقي العجوز صالحاً لرواية حكايات الأطفال، فهذا مبرّرٌ لوجوده. احكِ أيّها العجوز للطفل كي يحلم، لم يعد بينك وبين الحلم غير هذه الصلة.
الموت صعبٌ في البداية. النهايات يَسْترها الموت.

لغةٌ جديدة لقول الهول السوري- أنسي الحاج

جريدة الأخبار
السبت ١٦ شباط ٢٠١٣

  إن ما سهرنا ببيروت منسهر بالشام -فيروز نصري شمس الدين * حوالي عبّاس بيضون
لا يسخر رأساً بل يعطي قارئه أنْ يسخر. أنجحُ طريقةٍ روائيّة (وغير روائيّة). وَضْع القارئ في الجوّ دون إلقاء الخطاب عليه. مداورةٌ مستحبّة بل حِرَفيّة تماماً. عكسُها توجيهيّ وغالباً سطحيّ.
وجمل حرّاقة مثل هذه: «طالما كنتُ لا مبالياً تجاه المسلّحين وحتّى تجاه موتهم، أشعر أنّهم يستحقّونه وأنّ هذا، تقريباً، عملهم. أشعر أنّ حامل السلاح يصبح ميّتاً لمجرّد حمله، يصبح آلةَ سلاحه لا العكس. (…) لم تكن هذه حال الشيخ خالد، كنتُ أنظر إلى عينيه لا إلى سلاحه وأسمع صوته العميق. له صوتٌ وعينان وليس مجرّد جثّة خلف السلاح. كانت له هيئة الشهيد فعلاً».
يواصل عبّاس بيضون في روايته الجديدة «ساعة التخلّي» (دار الساقي) استكمال عمارته صدقاً صدقاً كشفاً كشفاً جرأةً كاسحة وراء جرأةٍ مذهلة، حفراً في ما وراء حجارة الذاكرة والذات والظواهر.
في المدينة اللبنانيّة المتاخمة للشريط الحدودي، والمفترض أنّها صور، يتحدّث الشبّان فوّاز أسعد، نديم السيّد، بيار مَدْوَر وصلاح السايس كلّ بدوره وعلى انفراد، فضلاً عن «سائر الرفاق اليساريّين»، عن لحظات التهديد الإسرائيلي بغزو المدينة وانسحاب المنظّمات الفلسطينيّة منها نحو بيروت. فوضى وإحباط. نشوء جماعة متطرّفة تطلق على نفسها اسم «اليقظة» وتتحكّم في الشارع. خطف ومعارك بين رفاق السلاح. ثم تزول «اليقظة». ويقول نديم السيّد: «وحدي لم آسف على انتهائها. أكره الذين يصدقون في كذبهم، وأفضّل عليهم أولئك الذين يعلمون أنّهم يكذبون (…) أنا قد أقول ما لا أؤمن به لكنّني في الحقيقة بحاجة إلى أن أؤمن بشيء، بل بأشياء. إنّ مقداراً كافياً من الإيمان يساعدني على أن أنجز خداعي، على أن أعود سالماً بعد كل خداع. أنا بحاجة إلى أن أؤمن بأشياء لم يعد أحد يؤمن بها (…) لا أحتاج إلى أن أكون طائفيّاً أو عائليّاً (…) لكنّي أعرف أنّ الطائفيّة والعائليّة هما جلد المجتمع الذي يتظاهر بأنّه يكرهه، بأنّه يتحمّله كجثّة لكنّه مع ذلك ميزانه وأساس عمله».
ويستمرّ تمزيق الأقنعة. عبّاس بيضون، الكبير عبّاس، مزيجٌ من براءةِ شاعرٍ ونفوذِ بَصَرِ فيلسوف. نادراً ما انصهر هذا التلاقي في شخص، وأندر منه في كاتب. يقول: «المنظّمات لم تكن صادقة إلّا حين خرجت. حملوا السلاح ونحن حين ساعدناهم على حمله كنّا نستسلم له ولهم. حين ساعدناهم على حمله ساعدناهم على أنفسنا، وبدون انتباه صرنا مغلوبيهم (…) لم تقع المعركة وبذلك ضاعت كلّ التمارين التي جرت علينا. لم تقع المعركة لكنّنا سندفع ثمناً أكبر لعدم وقوعها. لن يجد الهاربون سوانا لثأرهم. سنكون مجدّداً موضوع تلك الرجولة المكسورة وهدفها». تغرف من الكتاب حيث شئت ما ينطبق حرفيّاً على الماضي والحاضر والمستقبل. وبلهجةٍ ملؤها الصفاء والغَسْل. الألم وديعاً وبكلّ كرامة. الحقيقة بمختلف الطباع والأمزجة. تغرف من رواية عبّاس بيضون هذه كما تغرف من جميع ما كتب ويكتب مثلما يغرف السابح من بحر.
حتّى لتتساءل: أكتابةٌ هذه أم ضمائر تنطق بحروف؟
ما تخشى قوله تجده عند عبّاس بيضون. ما لا تحسن قوله أيضاً. وما لا تعرف كيف تقوله. وما تَجهل. وستقع، حين تراه في كلماته، تحت بهر الكشف.
حيث يجعلك النبوغ تُعايش أعمق الأسرار كأنّها بديهيّات. إنّه منتهى الإبداع.
*سوريا
ما يستمرّ حصوله في سوريا منذ عامين لا يوازيه كلام. تبدو لوحة بيكاسو «غيرنيكا» مضحكة أمام الفاجعة السوريّة ويبدو جحيم دانتي تَرَفاً. لا السلطة _ أيّ سلطة _ تستحقّ نقطة دم ولا الرغبة في التغيير تستحقّ كلّ هذه الأضاحي. ولا التعبير عن الفاجعة السوريّة يضاهي أو يفي بيومٍ واحد بطفلٍ واحد بعذاب واحد من جلجلتها.
هل في سوريا بعدُ إلّا هواء المقابر؟
وإذا أتانا الدور بعدها على لبنان والأردن والعراق ومصر وفلسطين وتونس والمغرب والجزائر والخليج ستأتينا أنظمةٌ مستنسخةٌ من النظام السوريّ؟ أم على شاكلةِ ثورة الله أكبر؟
مَن قال إنّ العقل الأميركي الاستعماري الجديد فاشل مقارنةً بالعقل الاستعماري الأوروبي القديم؟ مَن قال إنّ إسرائيل ولاية أميركيّة وليست أميركا ولاية صهيونيّة؟
يجب اكتشاف لغة جديدة لقول الهول السوري وتأسيس مجلس أمن دولي جديد لمنع اللبننة والسَوْرَنة والعَرْقنة ومختلف أشكال جرائم الحرب والإبادة، بالقوّة فوراً أينما كان، ودون حقّ النقض لأحد.
كَرِهْنا الحكم السوريّ لأنّه حَكَمنا فلا نُذِق السوريّين ما أذاقنا ضبّاطهم. الشعب السوريّ استضاف اللاجئين اللبنانيّين لا في حرب تموز 2006 فحسب بل خلال سنوات الحرب الأهليّة كلّها وفتح بيوته وقلوبه لهم.
هذه ذكرياتنا عن الشعب السوري. وحين نتكلّم عن سوريا ننسى استبداد الضبّاط والاستخبارات بنا. ننسى التلاعب بنا. نتذكّر آدميّة الشعب السوري التي لا مثيل لها. ويجب أن نبادلهم اليوم بأحسن منها. نبادل الذين جاؤوا إلينا ونبادل الذين ظلّوا في بيوتهم فلا نرسل لهم مجاهدين يفاقمون الفتنة ولا نؤجّج الفتنة.
السوريّون شركاؤنا في أفضل ما لدينا. في النهضة الأدبيّة والفكريّة وفي الازدهار الاقتصادي منذ الخمسينات من القرن الماضي وفي تشييد مبانينا وزرع حقولنا. وليسوا هذا فقط بل هم يرون فينا أفضل ما فينا.
كلّ ما نستطيع أن نقدّمه للسوريّين الذين نستضيفهم يجب أن لا نتردّد في تقديمه. الذين نكّلوا باللبنانيّين تحت مُسمّى الوصاية السوريّة ليسوا الشعب السوري. الذين قتلوا الشهداء ليسوا الشعب السوري. الشعب السوري زهرة الشعوب، وهو كلّه اليوم شهيد.
صخور القفس
يتحوّل الصدر إلى مدى شاهق وسحيق، تتدحرج فيه عوالم يستمرّ انهمارها من أعلى إلى أسفل، من مكانٍ مجهول إلى أماكن مجهولة، تشليقاً وانفجاراً، انسلاخاً وتناثراً، مثل كواكب تبعث بحطامها، وحطام يقذف رماده.
هذا الصدر، هذا القفص الصدري، يتحوّل في لحظة الألم إلى جبل يتفسّخ وصخورٍ تتهاوى نحو أحشاءٍ تتلوّى وتتلقّى الضربات كما يتلقّف جوف الوحش عظام الفريسة. لكنّ الجوف، هنا، يتوجّع ويئنّ ولا محلّ لشبع.
في لحظة الألم.
في حالة الحرمان، حالة عضّة النقص، حالة الليل الفارغ.
في حالة الخوف.
في حالة، في حالة الشعور من طرفٍ واحد.
وهل هناك شعورٌ إلّا من طرفٍ واحد؟
… وحتّى لو تبودل الشعور، في اللحظة ذاتها ينبجس جرحُ الخَلَل.
«ضيعانه»
«ضيعانه»، أي ضيعان هذا الذي كان مواظباً على السهر، على البحث.
بقاؤه حيّاً كان سيعني لعارفيه ضماناً بأنّ هناك مَن يبحث، أي أنّ هناك مَن يتحمّل مسؤوليّة الوقت.
لعلّ أصعب امتحانات الحياة هذه المسؤوليّة.
مسؤوليّة الوقت هي أن يأخذ حاملها على عاتقه تَقدّمنا في العمر، ويغسل أخطاءنا، ويحرس الأسوار.
غاب أبٌ لصديق، وعندما صافحته معزّياً لم أجد ما أقوله غير «ضيعانه».
حرّاس الأسوار هم نواطير الروح. هم الآباء الوحيدون الذين متى غابوا شَعَرْنا بعرينا.
متعة؟
أيّ متعةٍ في الحبّ؟ في «عمل» الحبّ؟
الاستنفار النفسي والعضوي الذي يضني الكائن؟ أم القلق على مدى تجاوب الآخر؟ أم هَوَس الإعجاب؟ أم التوجّس من الانصدام بعيوب الوجه المستور للآخر؟
الحبّ بفصليه _ العاطفي والجنسي _ يستنفد الكائن حتّى انعدام القدرة على المتعة إلّا في البعد الاستحواذي ثم في بلوغ النشوة.
الاستحواذ عمره لحظة. وأمّا الأورغاسم فغرفةُ انتظارِ الفراغ.

أنسي الحاج- لا مفاجأة في لبنان

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٩ شباط ٢٠١٣

شكري بلعيد

  شكري بلعيدلم يعد هناك مفاجأة في ما يُحَضَّر للبنان. كلّه صار وراءنا. بالكاد تغيّرت وجوه. الباقي صامد في مخالبه ونواياه. والوكلاء والمنفّذون جاهزون. بالكاد هناك شخص شخصان يعذّبهما التردّد، يتوجّسان من الغَطْس. الباقون محسومة لديهم. لم يعد هناك مفاجأة في ما يُحضَّر للبنان.
نكتب من وحي الجوّ العام. نكتب من باب الصحافة. كأنّنا نحكي عن شيءٍ حصل وليس قد يحصل. رائحة الإعادة تزكم الأنوف. «حزب الله» محلّ «الحركة الوطنيّة» ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة، و«تيّار المستقبل» محلّ الكتائب والأحرار وحرّاس الأرز. تغيّرت الهويّات الطائفيّة لمواقع الثقل وظلّت قواعد اللعبة على حالها.
ومحلّ «المناوشات» (كأنّهم يقولون «مناغشات») بين عين الرمّانة والشياح عام 1975، «مناوشات» بين بعل محسن وباب التبّانة أو زاروبين في عين الحلوة، ثم استعراض لأحمد الأسير وصراخ لخالد ضاهر وحرق دواليب في كسروان ومعاقبات لبطرس حرب على كونه ضحيّة.
ومقتَلَةٌ في عرسال. كيف يقع الجيش في كمين؟ كيف يدخل بضعة عسكريّين إلى ساحة زاخرة بالخطر؟ وكيف نؤيّد الجيش بتلويث الهواء وخنق الأطفال ومرضى الرّبو والسلّ بدخان الحرائق؟ وكيف ينتشر فجأةً حزب الدواليب ولا يظهر مرّة حزب الشعب الواحد في تظاهرة أو اعتصام ضدّ الفساد والخيانة؟
لا جديد تحت الشمس. التقسيم حصل بدون إعلان. وإذا كنّا نحتاج إلى مَن يذكّرنا ببؤسنا السياسي فقد توافرت لنا البراهين في رأس السنة مع تنبّؤات أصحاب السيادة وصاحبات العصمة من الضاربين بالرّمل. إرهابٌ من نوع جديد. أشخاصٌ عصبيّون لا يتحمّلون مقاطعتهم. يقولون لك بعبوسِ نوستراداموس إنّ الأيّام حبلى بالأحداث وعلى فلان الانتباه إلى صحّته وإنّ الشرق الأوسط سيشهد توتّراً. زعيمهم ميشال حايك صحافي برتبة نبي. فتاهم مايك فغالي يعرف الجواب قبل سماع السؤال. سيّدتهم ليلى عبد اللطيف تقول ما لا يعني شيئاً لتعود بعد «حصوله» وتؤكّد أنّ ما «رأته» حصل. وهناك جمعيّة فَلَكيّة لها هرميّة وتُطلُّ من وراء الغيوم ولها رئيس ونائب رئيس وأعضاء ولحىً ونظّارات وبلّور ومفردات تستعصي على الحسم.
والجميع رغم هذا يرى ويعرف. وإنْ لم يحصل ما يقتلنا سنموت ضجراً على كلّ حال.
* * *
كلّما شاهدتُ عند الفجر عمّالاً وعاملات يسعون في الصقيع والحرّ إلى أشغالهم هتف قلبي: ما أطيب هذا الشعب!
في ظلام الفجر!
من أجل بضعة دولارات.
وحكّامهم يتلاعبون بالمليارات ومعارضو حكّامهم يرتعون في الدور والقصور ويراكمون المليارات.
في ظلام الفجر!
«والله يا أستاذ أنت أوّل زبون» يقول لك بائع الملابس قبل الإقفال، «والله يا أستاذ أنت أوّل راكب» يقول لك شوفور التاكسي آخر الليل.
لكنّ الأراكيل تؤركل بلا أزمة.
وما من برهان على اليأس أوضح من ثقافة الأركيلة.
* * *
لا بدّ من إرهاب فوق هذه الإرهابات. فوقها وأعمق منها.
إرهابُ الشعب بكلّ أطيافه مضروباً بإرهاب النخبة في أطهر أدمغتها.
وهو غير موجود.
بَدَل الانتفاضة الحرّة المحرِّرة يزداد الشعب عدم وجود، ويزداد احتمال تَكوّنه يوماً، استحالة.
كنّا طوائف وصرنا مذاهب وسنصبح مذاهب في المذاهب.
زعماؤنا وحكّامنا يسرقون ونحن الفقراء لله نتسوّل ونتكيّف مع الطعام المسرطن والشراب المسرطن والدواء المسرطن.
كنتُ بالأمس أقرأ في مجلّة «شؤون جنوبيّة» عن قريتين في الجنوب، بصليّا ورامية، لم يبقَ فيهما من السكّان إلّا بضعة أشخاص. عجائز وأطفال. رامية جارة عيتا الشعب 617 هكتاراً «تكاد وأنت تتجوّل في شوارعها تظنّ أنّها خالية من السكّان»، وبصليّا كان عدد سكانها 500 ولم يعد فيها سوى عشرين شخصاً.
وغيرهما في الشمال، وبعضها أُغلقت الأبواب والشبابيك في كلّ منازلها.
فيلم كاوبوي يموت فيه الجميع ولا يبقى حيّاً إلّا المخرج.
أوراقُ خريف تتراقص كالعفاريت فوق الفراغ.
من زمان وهم يُغنّون راجعون، باقون، يا أرض بلادي، الشعب العنيد…
ويا مهاجرين رْجَعوا.
ولماذا يرجعون؟
المقيمون لو استطاعوا لهربوا.
* * *
والآن تونس. ما أشبه التونسيّين بوجه صحّارة اللبنانيّين. إخوتنا من أيّام قرطاجة وأطيب منّا. لا يطالعك في وجوههم غير التمدُّن والنور.
الآن ينعرونهم في اغتيال شكري بلعيد، شهيد اليسار العربي.
أوّلاً البوعزيزي يحرق نفسه وثانياً الأمين العام لحزب الوطنيّين الديموقراطيّين الموحّد في تونس يسقط شهيد الغدر.
في كلّ تاريخ تونس لم تتجاوز الاغتيالات عدد أصابع اليد الواحدة. مجتمعٌ ناهض ومسالم ورائد كبير من روّاد الرقيّ. استشهاد شخص واحد كان كافياً لفرار رئيس الدولة ولإعلان الانتفاضات العربيّة ضدّ الأنظمة الديكتاتوريّة.
ماذا يُراد لتونس؟ مَن يتلاعب بهذا البلد الذي لم يعرف غير البشاشة والنضارة؟
من هنا، على عكس لبنان، انطلقت مفاجأة البوعزيزي الصاعقة.
وهنا، على عكس لبنان، دوّت المفاجأة الإجراميّة.
كان شكري بلعيد يلقّب الحكومة التونسيّة بأنّها «حكومة استعمار قَطَري جديد». وحين اغتيل هوجم أداء الحكومة وحُمّلت مسؤوليّة التسبّب بالجريمة، وقال مؤيّدو الحكومة والإسلاميّون إنّ مدبّري الاغتيال هم «أصحاب المصلحة في إفشال الثورة».
أيّ ثورة؟
رمي هذا الحجر في البركة التونسيّة زلزال. لا نريد تشبيهه باغتيال معروف سعد قبيل اندلاع الحرب اللبنانيّة. نتمنّى أن يكون فداءً عن تونس. فداءً وكفى.
حمى الله تونس.
* «مجاراة المحموم في هذيانه»
اقرأ «مجاراة المحموم في هذيانه» للكاتب (أفضّلها على الشاعر والأديب والروائي والناقد لأنّها أقلّ ادّعاءً وأكثر احتراماً) الكويتي نشمي مهنّا (الدار العربيّة للعلوم ناشرون). شهاداتٌ صادقة ملوَّعة، مجروحة في أحلامها ومثاليّاتها. استوقفتني فصولٌ عديدة بينها «ترجمة الألم»، حول ناديا تويني. «أيّها البلد، أنا أهديك الموت»، من إحدى قصائدها. يقول: «ناديا، أتخيّلها شابّة مارونيّة جميلة، كما قالت لي الصور. لا صورة لناديا على فراش الموت، ولا لقطة لها في أيّامها الأخيرة. ماتت طازجة كعروس مزفوفة إلى أمير الفرح. جبران كذلك مات في نضارته وعنفوان نهاره. أخوه مكرم مات بلياقة تُكابر طيش الموت فاصطدم به. أختهما أيضاً. هل كانوا ينفّذون وصايا الأمّ الشابّة الصغيرة؟
«(…) الآن لا تهمّ قراءتي لسيرة العائلة ولا اكتشافي نسب ناديا للبيت الدرزي العتيق (…) أحبّ ناديا ويكفي، وأحبّ نبوءاتها: أن نتعلّم بعيوننا كيف نغفو في الحلم، ولكن أن نعرف كيف لا نخيف الموت».
هذا الكاتب قريب، قريب جدّاً، كأنّه لم يكن إلّا بيننا.
* هوارد هيوز
نوعان من «الغرباء»: واحدٌ مرتاح في ممارسة غرائبه إلى حدّ يحمل معه الآخرين على تقليده، ممّا يكدّره ويكرّهه بنفسه، وآخر مضطرب مشوّش في ممارسة غرائبه ممّا ينفّر منه الآخرين ويزيده اغتراباً.
قصّة حياة الملياردير الأميركي هوارد هيوز (مثّل دوره في السينما ليوناردو دي كابريو واضطلعت كيت بلانشيت بدور زوجته الممثّلة كاترين هيبورن) مثالٌ لبعض عذابات أفذاذ المشاهير. زعيم الطيّارين، منتج النجوم، بطل مغامرات المال والعشق بنحو عبقريّ أخرق، راءٍ في الأعمال، موسوس نظافة حتّى الجنون، لم تبق أسطورة إلّا ألصقت بهذا الرجل الذي صنع شهرة المشاهير وكان يخاف الحشود ويهرب من المصافحة. مَثَل هوارد هيوز كان وما زال يطرح للجدل مسألة جدوى النجاح وجدوى الثراء وجدوى النبوغ. كم منّا يستطيع القول إنّه صادف مشهوراً أو متفوّقاً أو مليارديراً أو عبقريّاً هانئاً في حياته؟
إذا لم يُصَب في أحبّائه أو في صحّته أو سمعته أصيب في شخصيّته، فإذا بأشباح الميكروبات تسمّم علاقاته وتنتهي بإطاحة عقله.
ما الذي يجرح بلّور التميُّز؟ ما الذي يثقب جناح الصعود؟ ما الذي يعيد الطائر المحلّق إلى الحضيض؟
مَن أنتِ أيّتها العين؟
لماذا الكائنات مرصودة بلا رحمة؟

أنسي الحاج- تَبادُل أَم لا تبادل؟

جريدة الأخبار اللبنانيّة
السبت ٢ شباط ٢٠١٣

* سوريا في كتاب
  أعيان الشام وإعاقة العلمانيّة في سوريا «المطالب الصحيحة للشعب السوري، وهي الحريّة والديموقراطيّة والقضاء على النهب والفساد، ومحاسبة اللصوص والمجرمين، وتأسيس دولة عصريّة جديدة، لا يجادل فيها أحد. لكنّ هذه الغايات النبيلة راحت تتحوّل على أيدي الجماعات التكفيريّة والجماعات الثأريّة والطائفيّة والعصابات المقاتلة إلى مجرّد صرخة (…) وما نخشاه هو أن تكون غاية الحرب في سوريا هي فرط الجماعة الوطنيّة وتفكيك الاجتماع البشري السوري، الأمر الذي سيؤدّي إلى فرط الدولة التي نشأت على فكرة العروبة، عقب الاستقلال، وسيكون من المحال إعادة تكوينها إلّا بصورةٍ شوهاء، وعلى هيئة المجتمع المفكّك والمتكارِه والمتعصّب.
العروبة هنا قوّة دمج لمجتمعٍ شديد التعدّد والتنوّع. ومن دون العروبة لن يتمكّن السوريّون من بناء دولة المستقبل القائمة على المواطَنة المتساوية، بل سيتحوّلون إلى سنّة وعلويّين وإسماعيليّين ودروز ومسيحيّين وأكراد وتركمان وشراكسة وإيزيديّين وأرناؤوط وأبخاز، مجرّد متحف بشري لأقوام متناحرة».
في كتابه الجديد «أعيان الشام وإعاقة العلمانيّة في سوريا» (المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر) يقدّم الباحث صقر أبو فخر صورةَ أشعّة مفصّلة للواقع الجغرافي _ السياسي السوري انطلاقاً من القرن التاسع عشر، كاشفاً، وبالتركيز على الأحداث التي راحت تتوالى منذ 1963، عن العوامل التاريخيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تضافرت لتمكين الاستبداد من التحكّم في سوريا.
يعلن أبو فخر «انحيازه التام» إلى تيّار الديموقراطيّة والعلمانيّة في الأقطار العربيّة، «وهذا الانحياز يضعني في مواجهة فكريّة وسياسيّة مع التيّارات الإسلاميّة السلفيّة والأصوليّة معاً، وفي مواجهة مباشرة مع الاستبداد. وخياري هو الدولة الديموقراطيّة العلمانيّة العربيّة التي تكون فلسطين جزءاً عضويّاً من ثقافتها وتفكيرها السياسي وتكون القضيّة الفلسطينيّة ركناً أساسيّاً من سياستها الخارجيّة. وهذا الأمر ليس معروضاً على جدول الجماعات الإسلاميّة المتحرّكة في سوريا اليوم».
يسلّط الكتاب ضوءاً بليغاً على العزلة الأليمة التي صارت إليها فكرة العروبة الديموقراطيّة المتنوّرة. كانت الحكومة السوريّة الأولى تضم وزراء من العراق وفلسطين والأردن ولبنان ومارونيّاً من دير القمر. صورة مصغّرة عن رؤية السوريّين للوحدة. كأن المعلّم بطرس البستاني هو الذي شكّل تلك الحكومة. بصرف النظر عن أصوات متعصّبة تكفيريّة كانت وما زالت تشوّه صورة العرب في جميع بلدانهم، كانت سوريا لا قلب العروبة النابض فحسب بل قلب العروبة العلمانيّة الديموقراطيّة التوحيديّة الجامعة المترفّعة الحكيمة العليمة. وهو ما كتّل ضدّها الجهود الاستعماريّة لتفكيكها ومحاولة تقسيمها منذ الانتداب الفرنسي وسَلَخ ما سُلِخ منها هنا لتركيا وهناك للبنان وهنالك لإسرائيل.
ننصح بمطالعة هذا الكتاب بوجه خاص لأجيال اليوم الذين تُغيَّبُ عنهم حقائق التاريخ. وننصح بمطالعته للمندفعين إلى التيّارات الانغلاقيّة والظلاميّة ليكتشفوا كيف شعَّت فكرة العروبة والدولة العربيّة العابرة الأديان والأعراق من دمشق بني أميّة. وننصح بمطالعته لحكّام سوريا ومعارضيهم معاً، علّهم يجدون حلولاً لمشاكل الأقليّات والقمع والإرهاب والخوف خارج هذا الدم الذي لا ينتهي.
ونضمّ صوتنا إلى صوت الأستاذ أبو فخر في جمعه كذلك بين رفض الاستبداد ورفض الأصوليّات والسلفيّات الإسلاميّة. ومن الهراء اللحاق بموجات المواقف، أيّاً تكن وجاهتها، التي تسمح لأنهار الدمار والدم بأن تستمر في التدفّق. لا بدّ من طرف ثالث فوق النزاع المتوحّل، أقوى من السلطة ومن محاربيها، يحمل مشروعاً ديموقراطيّاً علمانيّاً توحيديّاً ويتمكّن من حمايته وإيصاله.
طرف ثالث نتمنّى أن يكون داخليّاً ولا يجوز أن يكون إلّا داخليّاً. سوريا بحاجة إلى إنقاذ لا إلى غَلَبة.
* انطواء «الآداب»
كلّما توقّفت مجلّة أدبيّة عن الصدور تموت في نفوسنا حوريّة. وداعاً لـ«الآداب». انطفأتْ شمعةٌ عربيّة من لبنان. صدرت بروحين، روح سهيل إدريس المنفتحة والمصارِعة أدبيّاً وروح سماح إدريس الصادقة والمصارِعة سياسيّاً. منذ الخمسينات إلى البارحة حملت «الآداب» مشعل الأدب والفكر أصالةً وتَجدّداً وكادت مراراً تتوقّف عن الصدور لولا الصبر والعناد. الجيل الأوّل من القرّاء كان شديد الحماسة والجيل الثاني شديد الضياع. بات سحر الورق لا يفعل إلّا في جاليات من هنود الذوّاقة الحمر.
مَن منّا، قرّاء وكتّاباً، لم ينشغف بـ«الآداب» إيجاباً أم سلباً. كاد لم يبقَ ذو نور في العالم العربي إلّا أطَلَّ منها أو أطلّ عليها.
وها هي تموت مجلّة في حجم العالم العربي.
* تَبادُل أم لا تبادل؟
هل مَن تراهن عليه في خيالك مسؤول عن فشل رهانك؟
ومَن لم تَنقل له أفكارك هل تعتبره مسؤولاً عن لامبالاته بها؟
«يجب» أن يكون كذلك، في نظر المؤمنين بحتميّة التبادل: فمَن تكرهه لا بدّ أن يكرهك ومَن تحتاجه لا بدّ أن يحتاجك. والأهمّ: مَن تحبّه لا بدّ أن يحبّك.
بشرط أساسيّ وهو أن يكون بين الفريقين إقامةٌ في موجة واحدة، فيتمكّن الواحد من رؤية الآخر ومقاربته مباشرة.
كنتُ من المعتقدين بالتبادل الشعوري، على أن يكون الشخصان كالقابس والمقبوس، على اتصال كهربائيّ أو مغناطيسيّ، هذا يأخذ والآخر يعطي، وكلاهما في الواقع يأخذ ويعطي، فالضوء نتاج الاثنين ولا يعود السلب هنا سلباً صرفاً وإنّما سلْبٌ انتظاريّ يحدوه شوقُ التحوّل بدوره إلى إيجاب. وهو شوقٌ إذا نفد صبره قد ينغمس في اتخاذ المبادرة.
تقلّ نسبة صحّة هذه النظريّة بارتفاع الفوارق العمريّة والمزاجيّة والثقافيّة، وتغدو نقاط القوّة في كفّةِ الصِبا أكبر من عناصر الجذب في كفّة الكهول والكهلات والشيوخ والشيخات. في بعض الأحيان يبدو أنْ لا وجود إطلاقاً لما يحول دون تلاقي الطرفين، ومع هذا لا يتلاقيان. قد يكون العائق خفيّاً، لكنّه موجودٌ بالتأكيد، وغالباً ما نعثر عليه في غرورِ أحد الطرفين وتوهّمه أنّ هذا القَدْر الجارف من الرغبة لديه لا يمكن أن يُقابَل إلّا بمثله.
لا نتحدّث هنا عن المعشاق والمعشاقة، فالحالة الدونجوانيّة منفتحة على «الطريدة» أيّاً تكن شرط تمتّعها بما يفتح الشهيّة. نتحدّث عن تلاقي الراغبين في نمط معيّن.
ونتساءل من جديد: مَن يتحمّل مسؤوليّة عدم تحقّق مثل هذه العلاقات إذا توافرت عناصر الجذب والانجذاب؟ هل هو غيابُ عناصر أخرى؟ أم هو عدم التصارح في تبادل المشاعر واتّكال كلّ واحد على مبادرة الآخر؟
لقد انطلقنا من افتراض وجود التبادل الشعوري حتماً. لكنّ الواقع غير ذلك. الواقع يقول إنّ الحبّ (أو الكره) ليس دوماً متبادلاً، والحبّ من طرف واحد موجود وقد يدوم أكثر من الحبّ المتبادل، ولعلّه يبدو أجمل للمتفرّج عليه كما يتفرّج السائح على معروضات المتحف. ويقول الواقع إنّ «حتميّة التبادل» خرافة ابتكرها عشّاقٌ نرجسيّون لا يصدّقون أنّ هناك معشوقات لا يبادلنهم شعورهم، أو عشّاق جبناء يعتصمون بأوهامهم.
وما أغزر ابتكارات الضعفاء والجبناء!
أيّاً يكن، يبدو كأنّنا لا نختار. لا مَن نحبّه نختاره ولا مَن نختاره. فنحن نجد دون أن نبحث. أو هو يُوْجَدُ لنا…
وعندما لا يعود هذا ولا ذاك تكون الغربة قد جاءت.
عابــرات
انخداعُ الذَكَر بالأنثى هو في الاتجاه الجمالي وانخداعُ الأنثى بالذكر هو في الاتجاه الكمالي.
* * *
كلّما قيل إنّ العالم يتغيّر تذكّرتُ أنّ المشاعر ذاتها ما زالت تعروني حيال الأشخاص أنفسهم وللأسباب ذاتها.
* * *
أجملُ ما أحبّه فيكِ أنّكِ متنبّهة لما تُحْدثينه في الآخر أكثر ممّا أنتِ متنبّهة لمشاعركِ حياله.
* * *
مهما بلغتِ من الأنانيّة فستظلّين وراء الرجل الأناني بمسافات. كلّ شيء في الطبيعة يحدُّ من أنانيّة المرأة، من الخجل إلى حاجة الإعجاب ومن الحَمْل والأمومة إلى ما فُطرت عليه من شفقة. ثم إنّ أنانيّة المرأة مَصْيَدة لها وأنانيّة الرجل مصيدة للآخرين.
* * *
مهما بلغت المرأة من الذكاء فسيظلّ ذكاؤها قاصراً عن إنارة نفس الرجل أمامها كما ينيرها لها الحَدْس. مهما بلغ الرجل من الفحولة فلن يتوصّل إلى اشتهاء المرأة كما تشتهي المرأة بدون ستارة خياله الحمراء.

14 رســالة ربيــع – أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
الاثنين ٢٦ كانون الثاني ٢٠١٣

أنسي الحاج * ما هو أغلى
على هامش الضجيج حول قانون الانتخابات النيابيّة:
إذا كنا نفهم تأييد العماد عون لمشروع «اللقاء الأرثوذكسي» بوضع هذا التأييد في سياق سياسات عون بعد عودته من باريس، فإننا لا نفهم تأييد الكتائب والقوات. إن كان من باب اللحاق بالقطار فهو باب يُضعف شوكة الهارعين إليه. لقد سبقهم عون وما كان على الموارنة الآخرين إلا أن يتشبّثوا بمبدأ التعايش الذي على أساسه قام لبنان. كانوا سيربحون أنفسهم ولو خسروا الانتخابات.
يكشف هذا التهافت قصْر نظر بقدر ما أظهر توزّع المسيحيين، نصفاً مع الشيعة ونصفاً مع السنّة، حكمة ولو غير مقصودة.
كان من الأفضل لو بقي ذلك التوزّع على حاله. العيش المشترك أغلى من مقاعد تافهة في نادٍ للنواب.
والعلمانيّة وفصل الدين عن الدولة أغلى من الواقع الاجتماعي المهترئ.
والمواطن أغلى من الماروني والشيعي والسنّي والدرزي.
والانسان أغلى من الجميع.
والبداية من صفّ الروضة في المدرسة.
* من رسائل نزار
في مطلع حياتي الكتابيّة استمتعتُ بكراهية الكارهين لي، وكانوا كلّهم من الأدباء. ولما بدأ الدولاب يدور اكتشفت كم أنا محتاج إلى حبّ الآخرين ولو اضطررت في سبيل ذلك إلى بذل الجهود للحصول على إعجابهم.
وكما في الكراهية كذلك في الحبّ. نوعيّات وأجناس. كنت استعذب كراهية رجاء النقاش وسهيل إدريس وإنعام الجندي وغسّان كنفاني، وأجدّد منها عدوانيّتي وتوتّري، فتربتها كانت خصبة، بينما كانت عقيمة يابسة رغم توحشّها كراهيات العقائديين، كالناصريين والشيوعيّين، لا تترك في الفم غير طعم اليأس.
المدن الناهضة، كما كانت بيروت في الخمسينات من القرن العشرين، هي عادةً مدن متحاسدة، وأوساطها الأدبيّة والفنيّة تغلي بنشاطَي الخَلْق (أو البحث عنه) والمنافسة والبغضاء، يكلّلها جميعاً غرور التجديد أو قلقاتُه.
عندما وصل وقت المحبّة انهمرتْ دفعة واحدة وادمنتُها حتّى البطر وما عدت أطيق التنويع. في كلّ كائن أنثى ينعشها الدلال.
أولى الصداقات في العهد الشعري اكتشفتها مع شوقي أبي شقرا رائد الأصدقاء ونِعْم الشريك، وأدونيس وخالدة سعيد كبيرَي العرّابين، ولا تزال عبارة أدونيس عنّي ودراسة خالدة عن «لن» مدماكين رئيسييّن من مداميك ذاكرتي ومصدرين عظيمين من مصادر قوّتي. هل أمضي في التعداد؟ أخشى الإملال، وليست هذه مذكرات إنما هي تمهيد لقول كلمة عن نزار قبّاني.
المناسبة صدور كتاب فاخر للأستاذ هنري زغيب بعنوان «نزار قباني… متناثر كريش العصافير» (منشورات درغام) يتضمّن أربع عشرة رسالة غير منشورة من نزار إلى هنري على جولتين:
زمنَ كان صاحب «طفولة نهد» مقيماً في جنيف (1989 _ 1990)، وزمن من إقامته في لندن (1992 _ 1993) حيث بقي إلى يوم رحيله في الثلاثين من نيسان 1998.
أربع عشرة رسالة يجد فيها عشّاق نزار شاعرهم بحذافيره، هو هو، رسائله تغنّي أو تَدْمع كما تفعل قصائده، وسرّه ذائع كشهرته: سرّه الحبّ.
كانت محبّته لي (وهذه الرسائل تشير أحياناً إليها) تشعرني بدفء غامر، دفء لا يخلو من تبكيت ضمير بسبب ما تخلّل بعض مواقفي حياله من قسوة. كان فيه أخوّة بل أبوّة حاضنة يضاعف من سخائها كونها صادرة عن شاعر ارتوى نجاحاً ورواجاً وعن رجل كان محطّ إعجاب الحسناوات من كلّ الأعمار والأمصار. اتفق لي أن شاركت وإيّاه في أحد المهرجانات الشعريّة في لندن أواخر الثمانينات، وكان معنا أدونيس ومحمود درويش، فقلت له لما نزل عن المنبر: «إذا غضب الله على امرئ جعله يشارك في مهرجان أنتَ فيه!»، وهذا صحيح. فرغم تفوّق أدونيس في الإلقاء ورغم جماهيريّة محمود، كانت نجوميّة نزار تكاد تتقدّم على نجوميّة كبار المطربين. شعره يُسْكِر وقامته تُسْكِر وصوته يُسْكِر. كان المنبر كأنّه في انتظاره.
غمرني نزار قبّاني بمحبّة لم أعرف، لحسرتي، أن أبادله بمثلها تعبيراً، لا بالكتابة ولا بالكلام. ولا نفع اليوم من القول إنها كانت موجودة لديّ، فما لم يُقَل راح أدراج الرياح. وصحيح أني صرت، عهد إقامته في لندن، وزياراتي لها، أشعر كأنّي أحد أفراد أسرته، خاصةً بفضل دماثة كريمته هدباء وروعة ضيافتها، لكنّي مع هذا لم أتخلّص في علاقتي به من عقدة عدم الإفصاح، متّكلاً ضمناً على ثقتي بحدسه وبرهافة إحساسه وبأنه «يَعرف».
شخص كنزار قبّاني لا يقلّ ظرفه عن شاعريّته كيف لا يتحرّج المرء في حضرته؟ وعندما يمنحك شاعر كبير ونرجسي كبير صداقته بسخاء ليس مثله سخاء محبّة الشقيق، كيف تكون «طبيعيّاً» في حديثك معه؟ وإذ أعود بالذاكرة اليوم، عبر كتاب هنري زغيب، إلى أيّام نزار لا أرى إلّا الربيع. «نعترفُ أمام الله الواحد نعترفُ/ أَّنا كنّا منكِ نغارْ…»، قالها نزار لبيروت الجريحة نيابةً عن العالم قاطبة.
نقاء اعترافٍ كهذا ليس جوهر الشعر فحسب، بل هو قدس أقداس الإنسان.
* لملمْ جراحك
بعث إليّ السيد عباس رياض طليس برسالة يتمنّى فيها نشر النص الأصلي الكامل لقصيدة عاصي الرحباني التي اقتطعنا منها أبياتاً السبت الماضي.
هذه القصيدة واحدة من سلسلة تبارى فيها الرحباني مع صديقه الشاعر جورج جرداق مدى عشرة أسابيع من العام 1971 على صفحات مجلّة «الشبكة»، في إطار هجائي ودي تناثرت في طيّاته أبيات من أجمل الشعر.
للراغب في المزيد مراجعة كتاب الأستاذ عبد الغني طليس «ما تيسّر من عبد» الصادر عام 2010 وقد اختار فيه قصيدة لجرداق وبضعاً للرحباني وأحال طلّاب المزيد على «الشبكة». ولعبد الغني ديوان جديد صدر بعنوان «فوق رؤوس العالمين» (دار بيسان) وفيه من خوالص الشعر ما ليس في معظم ما تقذف به المطابع.
نزولاً على طلب السيد عباس طليس ننشر هنا ما أرسله من قصيدة عاصي الرحباني، وهو أيضاً جزء من القصيدة يقتصر على الأبيات الخالية من الهجاء:
عابــرات
إنمّا ننام مع الوجوه.
* * *
يسبقنا وجهنا الى التعبير. مهما انغلق.
وكلّما اشتدّ انغلاقه ازدادت العينان فيه بلاغة.
شرط أن تنظر إليهما بأعصابك لا بعينيك.
* * *
وجوه تتبدّل كلياً مع تبدل العواطف.
كنت سأقول: مع تبدل العواصف.
لا تتبدّل انطباعاتك عنها فقط بل تتبدّل معالمها الماديّة فعلاً.
مثلاً: الطموح يعطي الوجه روح الذئب، العفة تطيله، المال يعطيه المحدوديّة، الشهوة تُحجّره، الخيبة تُحنّنه، الفرحة تُسَطّحه، الغرام يضيّقه، السلطة تغلّظه، الحرمان يعتّقه كالنبيذ، البحر يساويه بسائر الوجوه، إلخ.
* * *
الشعر يحمله اثنان: الموسيقى والصوت.
أرادت الحداثة أن تكتب الشعر الموجَّه إلى العينين لا إلى الأذن، وأتساءل إن كانت قد نجحت.
ممكن أن تكون الأذن «داخليّة»، لكن الأذن الحقّة، الأذن المتواطئة مع الشعر، هي دوماً داخليّة.
أما الصوت فلا. يمكن أن يكون داخليّاً، كصوت فيروز، لكنّه الداخلي الذي لا تظهر داخليّته إلّا بالسفور.
الصوت نسيج الفراشة، بدونه لا تغادر الشرنقة.
* * *
كنْ في حضرة الجمال كالمؤمن في حضرة سكوته.
* * *
ما أحببتُ إلّا من كنت أَجهل. هاجس معرفتهم استبدّ بي فرفع يدي وجَعَلها تطرق الباب.

أنسي الحاج- شعوبٌ حلولها مشاكل

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ١٩ كانون الثاني ٢٠١٣

أنسي الحاج لماذا لا أصدّقه؟ سؤال أطرحه على نفسي كلّما انتهيتُ من قراءة مقالٍ لبعض الصحافيّين أو شاهدتُ إطلالةً لمتحدّثين تلفزيونيّين. كلمات هؤلاء منفصلة عن عيونهم، أصواتهم في مكان وصدورهم في مكان آخر.
لا أظنّه نوعاً من الفصام غير الواعي، بل هو في الغالب فصامٌ مقصود.
تُعجِب هذه البراعة كثيرين من القرّاء والمشاهدين. كيف؟ لأنّهم أبرياء. حتّى صرتُ أجزم عن هذا أو تلك بأنّهما بريئان لمجرّد انخداعهما بهؤلاء البارعين.
هل من المجازفة الادّعاء بأنّ معظم شهود الزور هم من الأقليّات؟ أوصَلَتْهم ظروف الخوف أو الانتهازيّة إلى التلوُّن فامتهنوا لغة الرياء والنفاق. تبدَّل فيهم، مع المراس، اللسان والقلب. حتّى لو ماتوا سنرتاب بحقيقة موتهم.
لغة الكذّابين لا مفرّ فيها من التصعيد: يبدأ الكذّاب بالتأتأة وينتقل إلى رباطة الجأش، ثم يرتقي إلى الفجور بدافع الحاجة إلى تكليس التزوير حتّى لا يبدأ بالتصدّع.
في زمن مضى كانت مقاربة الكتابة بحدّ ذاتها قانون إخلاص. كان الإمساك بالقلم يُرجّف العظام تهيُّباً. كانت درجات الصدق تتفاوت طبعاً ولكنّ المبدأ هو الصدق، وإلّا انفضح الكاتبُ فوراً.
اليوم أتقن المنافقون النفاق حتّى تواروا تماماً في أقنعتهم. وصاروا جموعاً لم يعد القارئ والمشاهد يستطيعان التمييز بينهم وبين غيرهم. لم يعد قادة الرأي من المفكّرين والخطباء والأدباء والصحافيّين إنّما من الدكاترة و«الخبراء الاستراتيجيّين» والنواب والوزراء والوزراء السابقين الذين يداوم مقدّمو البرامج التلفزيونيّة على مناداة الواحد منهم بـ«معالي الوزير» حتّى لو لم يعد وزيراً منذ ثلاثين عاماً. انتقلت مهمّة الرأي من طبقة كانت تخجل إلى طبقة تؤمن بأنّ «الثقة بالنفس» سرّ «النجاح».
كما أنّ ثمّة تخصّصاً في الهندسة والطبّ، هناك تخصّص في العهر. وبعدما كانت البيوت السريّة محصورة في بعض الصحافة، أصبحت مواخير على بعض الشاشات. المواقع الالكترونيّة أصرح: هنا تنطلق العصبيّات الطائفيّة والمذهبيّة على سجيّتها بلا رياء. عكس الصحف والشاشات حيث يتبارى مزيّفو العملة ويزدهرون. وفي مختلف الميادين: سياسة دين أدب فنّ. تاريخ جغرافيا اقتصاد مال.
أعرف لماذا لا أصدّق هذا الكاتب، ذاك المتكلّم. إنْ لم يقل لي وعيي قالت لي غريزتي. ولا أستغرب. مجتمعٌ قائمٌ على الازدواجيّة والمراوغة كيف لا يلد باطنيّين؟ مجتمعٌ يقيم علاقاته الذاتيّة والداخليّة والخارجيّة على قاعدتَي الطائفية والانتفاع كيف لا يحتضن مأجوريه وأبواقه؟
ولئنْ كنتُ لا أصدّق هؤلاء، في المقابل، هذا الآخر، أصدّقه. حالاً بلا جهد. فهو ينضح بما فيه: مَوْتورٌ صادق طائفي صادق أحمق صادق.
… نُقضّيها هكذا: «وفاقي» «علماني» كذّاب ودموي متخلّف صادق.
والحلّ؟ تسألني.
لا حلّ، أجيبك. نحن شعوبٌ حلولها مشاكل.
*رؤيا مخيفة
نقول لمَن نحسبه ظالماً أو مخطئاً: سوف تندم. قلنا لمَن هلّلوا لاستقالة البطريرك صفير: سوف تتأسّفون عليه. ويوم اغتيال رونيه معوّض: لن نستطيع التعويض عنه. ويوم عزوف فؤاد شهاب عن التجديد: سوف تندمون عليه. ويوم اغتيال كمال جنبلاط: ضيعانه. ويوم اغتيال الحريري: ضيعانه. ويوم وفاة نسيب لحّود: ضيعانه. ويوم وفاة جبران تويني ثم والده غسّان: ضيعانهما. ويوم وفاة عبد الناصر: الله يستر. كذلك يوم وفاة ياسر عرفات وجورج حبش وريمون إدّه وموريس الجميّل. وقبلهم رياض الصلح وبشارة الخوري. وسنبقى نادراً ما نتنفّس الصعداء لغياب أحد وغالباً ما نردّد سوف تتأسّفون عليه. سوف نندم. سنترحّم عليه.
هذا ما كنتُ أظنّ.
إلى أنْ قاطعني صديق قائلاً: لا، بعد قليل لن يحصل ذلك، لأنّه لن يبقى هناك مَن يَنْدم!..
* «صانع الألعاب»
هذا كاتب يولد. كاتب قصّة وشاعر. متمرّد ورقيق. وشفّاف مقهور قاهر. تحيّة لأحمد محسن وروايته «صانع الألعاب» (دار نوفل).
أصعب امتحان يجتازه قارئ كاره للرياضة مثلي هو الصفحات الملأى بتفاصيل المباريات. ومع هذا اجتزتُها لأنّها ما كانت إلّا حيلة للتسلّل إلى السيّد حسن نصر الله. نوعٌ جديد من التنفيس، وعن كبتٍ شيعيٍ جديد. كبتٌ فيه من الاحتقان قَدْر ما فيه من الإعجاب. يمدّ أحمد محسن ويجزر بين التوريّات والمجانسات كأنّه يلعب إلكترونيّاً مع أشباح أعصابه.
قد يحسب الكاتب مهارته في الإحاطة بعالم الكرة وجرأته في تناول شخصيّة نصر الله، لكنّ ألمعيّته هي على الأرجح في تعاطيه مع المرأة. اقرأ فصله عن النادلة، «مربّية الوحوش»، التي أغرم بها لأنّها «تلعثمتْ لأجلي».
يُحسن أحمد محسن السرد الجامع بين الرهافة والتفصيل، بين الشاعريّة والشرح. أكثر ما يعلو بالقصّة هو هذه الفضيلة. هذا، مثلاً، ما يميّز قصص عبّاس بيضون ورشيد الضعيف وهدى بركات. وقبلهم توفيق يوسف عوّاد وخليل تقيّ الدين. لكنّ أفضل الأفضل في كتابته، عندما يرخي العنان للأنا، مهما تَموّهَتْ. وسوف يقيم التوازن المرجوّ عندما يوفّق بين تدفّق الغنائيّة ولجم الاسترسال في الشرح، تاركاً للقارئ فسحةَ تَخَيُّلْ.
هوذا كاتب يولد. شراراته منه وفيه. كم سيتقاتل ويتغيّر! على أمل التخفيف من التَمَسْخُر والإكثار من النبش الحميم والصادق: «قرّرنا أن نكتشف النادلة (…) بحثنا عنها في الفايسبوك بعدما سألتها إليانا عن اسمها. حسناً، سأعترف: فكّرنا في طائفتها أوّلاً. نحن الذين يلعنون ذلك ويلعنون الذين يفعلونه، تذرّعنا بالمزاح لكنّ السوسة نخرت عظامنا».
«حسناً، سأعترف». لنبدأ من هنا ولنكمل من هنا. إذا لم تكن الكتابة مَطْهراً فماذا تكون.
* قصيدة النثر
يخطئ الظنّ مَن يعتقد أنّ شعر النثر قطع كلّ صلةٍ بالوزن والقافية. لقد قطع الصلة الظاهرة فقط. الإيقاع الموسيقي المنظوم حاولنا إبداله بإيقاع منثور، والقافية استعاض عنها شعر النثر بالصدمة _ الدهشة _ المفاجأة.
لا غنىً عن الإيقاع. إذا أخفقت في النهاية تجربة قصيدة النثر _ إذا لم تكتسب أنغامها ومقاماتها الموسيقيّة، إذا لم تصبح، مهما غالت في التنوّع وتمادت في الابتكار وتَعدُّد النبرات، جوقة أصوات غنائيّة، وأوركسترا كلمات ووحدات جُمَليّة ومناخات تحاكي سحر أوركسترا الوتريّات والنفخيّات والبيانوهات، فلماذا المواصلة بها؟ تحرَّرنا من القوالب القديمة لأنّنا أردنا جماليّة أوسع أفقاً ومدى، وغنائيّة تحتضن منحنياتنا كما تعانق مرتفعاتنا، ولغة تنقل ذاتها بقدر ما تنقل ذاتنا، وإدهاشاً صادراً من الحياة الحديثة واصطراعها فينا بين حاضرٍ وحشيّ وماضٍ رؤوف.
إذا لم تتحقّق القصيدة النثريّة الحديثة عبر اعتصار أفضل ما في الماضي وأنبض ما في الحاضر العابر وما قد يتيسّر للحدس والخيال والحلم أن تستشفّه من الغامض والمجهول، وإذا لم تشحن كلّ هذا بإيقاعيّة نابعة من روح الشعر والشعر نابع من روحها، وإذا لم تُشبِع ما يحتاجه الآخر من الشعر، فلماذا مواصلة كتابتها؟
*أغنية بلا تلحين
من قصيدة هجائيّة لعاصي الرحباني رداً على هجائيّة لجورج جرداق في مجلة «الشبكة» 1971، وكان سجالاً ودّيّاً استغرق أسابيع:
«لَمْلِمْ جراحكَ فالجراحُ أغاني
يا قلبُ واسبقني إلى النسيانِ
(…) يا قلب واسبقني إلى وادي الهوى
فأنا وأنت هناك منزرعانِ
(…) أضناكَ أتعبكَ المسيرُ ولم تزَلْ
سُكناكَ أشرعةً لغير مواني
ما بالنا صرنا كليلٍ عابرٍ
كغمامةٍ مجهولةِ الأوطانِ
فتعالَ نسكن في الكآبةِ كلّنا
ونصيرَ زهر الشوكِ والأحزانِ».
عابـــــــرات
*نسمع الموسيقى فنتحرّر من القيود، والموسيقى أسيرة قيودها.

*نتألّف ممّا نفرضه على أنفسنا وممّا نرفضه. إنّهما أقوى ممّا نقول له «نعم»، لكنّهما ليسا أجمل.
نفرضه _ نرفضه: كلمتان تتشكّلان من الحروف ذاتها.
صدفة لا تلعبها علينا اللغة بل الحدس.
*ربّما دون أن ندري، أوّل ما نفعله حين تستوقفنا امرأة هو امتحانٌ متناقض ولاشعوريّ: نمتحن فيها مناعتها وتجاوبها في لحظة واحدة. نريدهما معاً.
نريدها صعبة وسهلة: مناعةٌ تُجدّدُ التحدّي وسهولةٌ تشجّع المعاودة.
*نكتب عمّا نفعل، عمّا نحلم ونريد أن نفعل. لمَ لا نكتب عمّا لا نفعل؟
*الاعتراف هو الحقيقة. الحقيقة اعتراف. كلّ «حقيقة» خارج الاعتراف خطاب مفبرك واعتباطي.

أنسي الحاج- أوراق من بيروت الجميلة

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ١٢ كانون الثاني ٢٠١٣

بيروت القديمة

* عمر مكتوب
  بيروت القديمة أجمل ما في كتاب «أوراق من عمر مكتوب» لمنى بارودي الدملوجي (دار نلسن، مع مقدمة لسليمان بختي)، لقاء الأخطاء اللغويّة بالإحساس الطاهر والعبارات الآسرة. تروي السيّدة منى ذكريات عمر بين تأثيرات القرية (عين الرمّانة _ عاليه) عبر أجدادها وسائر ذويها، ونشأتها في شارع جان دارك برأس بيروت ودراستها من ابتدائيّة مس أمينة _ «البروتستانتيّة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها» _ في الحيّ، إلى مدرسة البنات الأهليّة في وادي أبو جميل، التي كانت (حوالى الأربعينات من القرن العشرين) بإدارة أديل كسّاب، ثم تسلّمتها خالة المؤلّفة، وداد الخوري المقدسي، أو وداد قرطاس في ما بعد. علَّم في هذه المدرسة نخبة من الأساتذة، واندمجت فيها الطالبات من كلّ الطوائف والعائلات والاتجاهات السياسيّة، في جوٍّ علمانيّ متسامح، واشتهرت بنشاطاتها الثقافيّة والأدبيّة، وممّن لبّوا دعوتها إلى المحاضرة في البنات توفيق يوسف عوّاد عند صدور مجموعته القصصيّة «الصبي الأعرج» ثم روايته «الرغيف»، كذلك الدكتور قسطنطين زريق وعبد الله قبرصي، ومي زيادة «وكانت لتوّها قد شفيت من وعكة صحيّة ألمّت بها (…) أذكر جيّداً حضور تلك الشخصيّة اللطيفة على المنبر، كلامها المنمّق الموسيقي وتلك الروح الطيّبة، فقد كانت خطبتها قمّة الإبداع». وعندما شكّل ألكسي بطرس، مؤسّس الأكاديميا اللبنانيّة، أوّل جوقاته الكلاسيكيّة، «كان أكثر من نصف المنشدين من الأهليّة (…) وقدمنا حفلات عديدة في بيروت كانت أشهرها أوراتوريو «المسيح» لهاندل، الذي يطلب فيه قائد الجوقة من الحضور الوقوف احتراماً عند ترنيم الهاليلوليا».
تخيّلتُ وأنا أطالع ذكريات منى بارودي (التي تزوّجت العراقي فيصل الدملوجي وعاشا شطراً كبيراً من حياتهما في العراق منذ عهد الملك فيصل إلى صدّام حسين فالغزو الأميركي) تخيّلت لبنان كلّه كما تمنّاه كمال الصليبي على صورة رأس بيروت والحمرا، خليط طوائف وجنسيّات يغلب عليها التمدُّن البروتستانتي. لعلّ بروتستانت لبنان والعرب عموماً من أرقى بروتستانت العالم وأغناهم طباعاً وثقافة. خليل رامز سركيس، توفيق صايغ، يوسف الخال… والآن منى بارودي وأهلها الطيّبون الظرفاء. وكمال الصليبي. واكتشفنا من كتاب منى أنّ إميل البستاني، النائب الماروني السابق وأحد مؤسّسي شركة «الكات» وابن الدبيّة ووالد ميرنا، الذي قضى أواخر الخمسينات مع صديقه نمر طوقان بحادث طائرة غامض فوق البحر، كان أبوه مرشد البستاني بروتستانتيّاً. ومعروف أنّ المعلّم بطرس البستاني صاحب «محيط المحيط» ترك المارونيّة واعتنق البروتستانتيّة وكان من أبرز روّاد العلمانيّة والمساواة. وفارس الشدياق يوم ثار على البطريرك الماروني يوسف حبيش اعتنق البروتستانتيّة لفترة قبل أن يعتنق الإسلام في تونس.
تخيّلت لبنان كلّه رأس بيروت. ما أكبر فضل الجامعة الأميركيّة أيّام زمان، عهد المرسلين المؤسّسين الذين كانوا على الأرجح من جنس الملائكة. كان المستر «نكل»، مثلاً، المدير العام للإرساليّة البروتستانتيّة (التي أصبحت تسمّى الجامعة الأميركيّة) يقيم، كما تروي منى بارودي، «في منزل رحب في وسط حي البسطة ونما بينه وبين سكّان تلك المنطقة تعاطف غريب الشكل وودّ مميّز». وفي مكان آخر تقول: «كنت منذ الصغر معتادة على صداقة الصبيان والبنات سواء بسواء كأمر طبيعي (…) كان جيلنا مرتاحاً مع نفسه ويعرف ماذا يريد. خياراتنا المحدودة كافية ومُرضية. عموماً كان كلّ الذين زاملتهم وعرفتهم غاية في اللياقة مع الفتيات، وغاية في حسن التصرّف. فلم تكن الضوابط الاجتماعيّة قد سقطت بعد…».
وما أعظم التلاقُح! حين يتنشّق الماروني هواء البروتستانت والشيعي إلحاد الشيوعيّة! حين يجاور المسلمون المسيحيّين كما كانوا في أحياء المزرعة والمصيطبة والبسطتين! حين يتلاقى مثقّفو اللاتين بمثقّفي الإنكلو ساكسون! حين يعانق البحرُ الجبل والبورجوازيّةُ أهل القرى! وحين يعود الطائف من طوافه فيكتشف تفوّق الحياة على الفوارق، فينتقل يوسف الخال من رأس بيروت إلى غزير في كسروان وبول شاوول من سنّ الفيل إلى شارع الحمرا! حين يتمسّك المطران خليل أبو نادر بمدرسة الحكمة في بيروت الغربيّة ويتمسّك نبيه أبو الحسن ومصطفى جحا بالعيش في المنطقة الشرقيّة! حين تنفتح النفوس لتيّارات الحياة ولا تنغلق بالتعصّب.
ذلك كان سرّ رأس بيروت. وهذا هو شرط خلاص لبنان. وشرط خلاص سوريا والعراق وفلسطين وإلى آخره.
عن تعرُّفها إلى مَن سوف يغدو زوجها، الطالب العراقي في بيروت فيصل الدملوجي، تقول منى بارودي: «بعد فترة تعمّقت أحاديثنا وأصبحت لقاءاتنا متكرّرة بنزهاتٍ في حدائق الجامعة (الأميركيّة). وفي كلّ لقاء كانت خطواتنا تقترب من أفق لا نراه. ولكنْ كنّا نتلمّس ملامحه».
… «كانت خطواتنا تقترب من أفق لا نراه». هوذا كلام يصهر منتهى الإحساس في منتهى التعبير. لؤلؤة شعريّة، بَرَقت كطائرٍ يفرّ بغتةً أمامك من دَغْل.
ما أحلى هذه الكتابة! تدفُّق طبيعي يفكفك العِقَد، يجرفك بلا جهد. أجمل المسرحيّات هي تلك التي بلا «إخراج».
ذكرياتٌ منقوعة بمسْك الطيبة وماورد المحبّة ودمع الحنين.
* مسؤوليّة التقييم
يصعب على المعاصر تقييم معاصره حيّاً. ما نعايشه نرتاده بعيون المعايشة، وهي كالمساكنة بين الزوجين غالباً ما تؤدّي إلى الضجر وأحياناً إلى التباغض.
لا بدّ من الموت ليشعر المرء بالفَرْق. يحتفظ الموت لنفسه بامتياز الافتقاد. سكّة الحياة مُطَمْئنة، مُبهّتة، والحيويّة البادية على سالكيها هي حركة بيولوجيّة لا تتخطّى حدودها هذه إلّا لدى مَن أُنعم عليهم بالفراسة والذكاء الخارقين، وهم على الدوام قلّة.
ما دمتَ حيّاً فأنتَ تحت رحمة النظر، طويله النادر وقصيره الساحق.
رحمةُ الحياة هي في إغداقها الشهرة، والشهرةُ ذيوعٌ أُفقيّ مصيرها مصير الشمعة. القيمة عموديّة، تبقى على الدهر، إنْ لم تحتفظ برواجها المشعّ عصراً فعصراً تحتفظ بمكانتها الخالدة كمبدأ يتجاوز مدلوله الفوري. وقد يخرج من السياق اليومي لكنّه يقيم في الفضاء الرمزي. نحن لا نطالع اليوم هوميروس لكنّنا نرجع إلى رموزه في قاموسنا التذكاري، ولا نستشهد بامرئ القيس ولافونتين لكنّهما استقرّا في تكوين الذهن حجرين أساسيّين.
لئن كنّا هنا نراود الماضي عن نفسه فمن باب الإشارة إلى الفرق بين سهولة «الظهور» المعاصر وصعوبته في القديم، والتركيز على الدور الخطير بل الأخطر الذي يضطلع به التقييم، وفي طليعته النقد الأكاديمي والصحافي والانطباعي. لا يعني هذا، التقليل من أهميّة «الجمال الحديث» أو المعاصر، إنّما وجوب التركيز على التقييم _ وهو مسؤوليّة اكتشافيّة وإبداعيّة _ كمحكمة لا غنى عنها.
محكمة قد تخطئ، غير أنّ وجودها يحمي من الإمعان في الخطأ.
لكلّ زمنٍ مقاييسه، في العادات والأخلاق كما في الجماليّات. لذلك يتعاظم دور المقيِّم وتتعاظم مسؤوليّته عن الاهتداء إلى الجواهر في زمانها وزمانه. الشهرة تساعده للالتفات، ولا تساعده أبعد من ذلك. من أعسر المهمّات أن يكتشف الناقد والباحث أهميّة معاصريه في حينهم وأن لا يكتفي بجلاء ما يتشاركون فيه بل أن يسبر ما يميّز الواحد منهم عن الآخر.
* مشهد
عديم الشفتين مسنون الحاجبين، أزرق الأسنان أحمق العينين، قزم اليدين والرِجلين، يتلأمن في المقهى على رفيقه (ورفيقه درويش طيّب)، يُنقّط سمّاً وهو مرتاح إلى مقعده ارتياح بودا إلى تمثاله. تتساءل كيف احتمَلَ هذا الكائن أن يَعْبر الزمن على هذا النحو، فينمو ويستقرّ ويصاحب دون أن يشعر بغلاظته؟
كائنٌ يوقظ في الناظر إليه شهوة الضرب. قدرة رفيقه المسكين على التحمُّل لا توصف. هذا الرفيق إمّا مأجور وإمّا قدّيس.
بشاعةٌ جسمانيّة وأخلاقيّة توجز الشرّ. الشرّ بشاعةٌ عمياء منهمرة ومبتهجة وساحقة.
البشاعةُ المغلوبة على نفسها تثير الشفقة، وأحياناً قد تتحوّل، بفعل تحنان مَن قد يتعاطف معها، إلى نوعٍ من الجمال.
البشاعةُ المتسلّطةُ، المتغذّيةُ من مسالمةِ الأوادم، هذه يجب أن يواجهها أبطال فنون القتال الآسيويّة ويُربّوها.
*لقاء الذات
الروائيّون نوعان: واحدٌ يبحث عن أشخاصه في الخارج وآخر «يطبخهم» في الداخل.
الخارج بلزاكيّون. الداخل دوستيوفسكيّون.
المؤلّف الداخلي يستعير نماذج من الخارج (دوستيفوسكي نقل في صباه «الأب غوريو» لبلزاك إلى الروسيّة) لكنّه، أراد أم لم يُرِد، يُعيد إنتاجها في فرنه. لذلك تتفوّق على أشخاص القصص «الواقعيّة».
القصّة الواقعيّة تظلّ في حدود الاجتماع والسياسة. القصّة المطبوخة بالفرن الداخلي تتبطّن بالصوف الميتافيزيكي.
ليس التأليفُ الأدبيّ بحثاً في مختبر ولا تجوالاً على بقاع الجغرافيا. ولا هو تصويرٌ لمحفوظات متحف. لندع هذه، بالكاد، لعلماء السلالات والآثار. التأليف الأدبيّ حصادٌ من الغرفة السوداء، حيث يحصل اندماجُ الحصّة البشريّة بالحصّة الإلهيّة.
لقاءُ الظلّ بالأصل.
أو صراعهما.
أحياناً يكون هذا من حظّ الجهتين، الأصل والظلّ. أو يكون مستحيلاً، فالفراغ، مثلاً، لا يعكس سوى فراغ. في حالات استثنائيّة قد يعكس الزَيَف تطهُّراً من نفسه، فيصير الظلّ أفضل من الأصل. في حالات الصعود من الجحيم.
اعتناق الذات هداية. إذا نجح المرء في تحقيق غايته يستطيع القول بكلّ سعادة «حَسَناً فعلت». أو يقول: «حسناً حاولت»… تكون حياته قد استحقّته.

عباقـــــرة-أنسي الحاج

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٥ كانون الثاني ٢٠١٣

أنسي الحاج تقول العرب إنّ للعبقريّ جلالاً وتفوّقاً استمدّهما من قريةٍ تسكنها الجنّ. ولشفيق معلوف قصيدة شهيرة باسم «عبقر» ما زلتُ أذكر غلاف كتابها ورسومه الداخليّة وورقه الأصفر الفاخر، وكنت في السابعة من عمري وطريح الفراش. وقع الكتاب المُهدى إلى والدي بين يدي وقوع الصاعقة في فنجان، فأذهلني عنوانه ورسومه ولون ورقه وكلمات استطعتُ أن أفهمها وكانت كافية لإغراقي في انخطافي وإطلاق العنان لموحياتٍ غامضة في نفسي الطريّة المفطورة على العَجَب والقلق. ومن العوامل التي روّجت لهذه القصيدة المهجريّة ترويجاً كان المقصود عكسه، مقالة أنطون سعاده النقديّة (يتضمّنها الجزء الأوّل من «الأعمال الأدبيّة») حيث نوّه سعاده بـ«مؤهّلات الناظم للصعود فوق العواطف والانفعالات العارضة أو الفطريّة ولتناول المواضيع الإنسانيّة المتعلّقة بصفات الإنسان الجوهريّة الباقية»، وبـ«خياليّة القصيدة» وبأنّ «الخيال فيها مربوطٌ بالعقل»، وبأنّ الفكر «لم يُهْمَل لتُترك العاطفة على سجيّتها»، مُلاحظاً خلوّ هذه الشاعريّة «من النظرة الفلسفيّة إلى الحياة والكون والفنّ القادرة على التأسيس أو البناء لحياة أسعد حالاً وأبقى مآلاً». كما انتقد مؤسّس الحزب القومي انجذاب شعراء كسعيد عقل في «بنت يفتاح» وشفيق معلوف في «عبقر» إلى أساطير من خارج التراث السوري، الزاخر بالأساطير. ومعروف اليوم أنّ بعض علماء الآثار والمؤرّخين يردّون أصول جوانب من التوراة إلى الآداب والأديان السومريّة والكلدانيّة والآشوريّة والبابليّة، فضلاً عن المصريّة والفارسيّة، وأنّ كثيراً من روايات الخَلْق، كالتكوين والطوفان والهجرات والحروب والحكايات الرمزيّة والتعليميّة، مختلطة الجذور تناقلها مؤلّف عن مؤلّف وحضارة عن حضارة. ألحان الترانيم المسيحيّة من عهد مار افرام السرياني تستلهم مَن سبقه ومَن سبقه يستلهم مَن سبقوه كما شرح لنا الأب يوسف طنّوس والأستاذ مايك حوراني في برنامج «أجراس المشرق» الذي يقدّمه الباحث غسّان الشامي أسبوعيّاً من قناة «الميادين». ولو أراد مؤرّخٌ أن يظهر الروابط، حتّى لا نقول الأصداء، بين الأديان منذ ظهور طلائعها وتطوّر مذاهبها لأثار عليه الغضب على الأقلّ. لكنّها روابط مؤكّدة، وبعض الأديان ينقل عن بعض، أو يجادل أو يناهض البعض الآخر، وما نحسبه هنا ميزة ونقدّسها ليس إلّا نسخاً منقّحاً عن أصل هو بدوره حلقة من سلسلة أو اقتباس محليّ لأصل أعرق.
خرجنا من الموضوع.
***
العبقريّة معطى مخلوق، يمكن إنماؤها بالصقل ولا يمكن اكتسابها ولا تقليدها.
العبقريّة ليست «جيلاً». الوثبة الصناعيّة جيل، الاكتشاف الكهربائي جيل، النووي جيل، الالكتروني جيل، إلخ. وفي سماء كلّ واحدٍ من هذه الأجيال تتجلّى عشرات ومئات وألوف من الإشراقات، غير أنّها كشوفٌ تتولّد من سياقٍ عام أو هو لا يلبث أن يصبح عامّاً، بينما العبقريّ معزول والعبقريّة لا تُنتج بالضرورة عبقريّات. هناك مراحل نهضة كعصر الانبعاث في التصوير والنحت أو حقبة ازدهار الموسيقى الكلاسيكيّة منذ باخ حتّى فاغنر ودوبوسي، لكن ولا مصوّر يمكن أن يقف في موازاة دافنشي ورافاييل وميكل آنج ولا مؤلّف موسيقي يحتمل المقارنة بباخ وموزار وبيتهوفن. الشعر كذلك: قد تنقضي عصور قبل أن نشهد مثيلاً لشكسبير، لدانتي، لكورناي وراسين وهوغو وبودلير، وقبلهم لأصحاب الشاهنامة والألياذة وكُتّاب الأساطير والتوراة. وقد لا نشهد أبداً. العبقريّة كواكب خارج المدار، ولقد انقضى عصر الآلهة لكنّهم هم لم ينتهوا. حوّلوا هويّاتهم وسكنوا، كما فعلوا دوماً، في عقول العباقرة.
***
يقال عن عبقري إنّه قوّة من الطبيعة (مثل بركان أو شلّال). ذلك كان تحديد عمانوئيل كانط. لا يقلّل كانط من دور القواعد غير أنّه يشدّد على العفويّة التي يطلّ بها الأثر الفنيّ، حيث يبدو الأثر، لفرط تناغم التقبُّل معه، حركة طبيعيّة. كأنّه غَرَضٌ كان تائهاً يتشوّق إلى اليد التي ستلقي القبض عليه. هذه اليد هي كفّ العبقريّة.
العبقريّةُ لقاءُ الكامن بالعابر. معجزةٌ أكثر ما نشعر باستثنائيّتها بعد أن يموت صاحبها.
كلمةُ معجزة ليست في تعريف كانط، بل هي من قاموسنا الرومانسي. كانط يطلق على الأثر الفنيّ الخارق تسمية «القيمة النموذجيّة»، أي أنّه يغدو مقياساً للتقييم، مقياساً ملهماً ومثالاً يُحتذى.
***
كما يُعتقد أنّ نشاط العبقريّةِ مرتبطٌ بفائض الطاقة، فتّاحةِ الدروب ومستقطبة التلامذة والمقلّدين. لا شكّ. ثمّة أيضاً عبقريّات باردة، برود السيطرة الواعية على غَلَيان اللاوعي.
مثلاً: بروتون قصيدة «الزواج الحرّ»، (أو «الاتحاد الحرّ»)، إيلوار الجمرات الهادئة، آراغون السوريالي وكذلك الكثير من الشيوعي، وقبلهم رمبو في طور المزج بين السمّ والأريحيّة وقبله بودلير الباسط وعيه كالبازيّ فوق دماغه الفريسة. الحماسة تتوارى أحياناً وراء الحرّاس.
العبقريّ لا يخلو من الساديّة مهما تَصفّى. في كلِّ تَمَكُّن، في كلّ قدرة نبذةُ ساديّة. هذه هي الطبيعة. النسيم نفسه يُحَرْقص الوردة، الوردة تُهدّدك بقرب ذبولها، والدعاء يهمس لصاحبه أنّه قد لا يُستجاب.
***
للبعض عبقريّات وهُم ليسوا عباقرة بالمعنى الأكاديمي. هناك مواهب عبقريّة وأصحابها، خارجها، أشخاصٌ عاديّون. عازفو كمنجة أو بيانو، أطبّاء، مهندسون، مخرجون، ممثّلون، لصوص، حكّام. حتّى العبقريّ الخلّاق «الكامل» بالمعنى الأكاديمي أو الأصحّ بالمعنى الأسطوري، له جوانب عاديّة كسائر البشر، وربّما أعوزته فضائل إنسانيّة عديدة. العبقريّةُ موهبةٌ إبداعيّة لا نموذج سلوك.
***
تتفاوت العبقريّة في الشخص الواحد: تارةً يحلّق وطوراً يهبط. السهل المنبسط استراحة وليس مغامرة. الحياة العاديّة حياة عاديّة. العبقريّة بين العقول كالأرز بين الشجر. أحياناً الحَوْر أحلى، يدغدغ فيك الهمس، لكنّك لا ترى خلاله أكثر من ضوء القمر. ضوء القمر بديع لكنّه ليس أغوار النفس ولا سطوع الشمس، هو وجهٌ لطيفٌ من وجوه الغموض يستثير فينا الغناء ورغبة العناق ولا يذهب بنا في الغابة المخيفة الهائلة الغموض الحارسة ألغاز الحبّ والوحشة والموت.
لهذا يتعبنا العبقريّ بعض الأحيان. من العسير مطالعةُ شكسبير كلّ يوم. ولا التوراة أو كورناي. ولا المتنبّي وأبو تمّام وألف ليلة وليلة. هؤلاء وأمثالهم غابات. دانتي وميلتون وراسين نيرانٌ على عَلَم. الماركي دو ساد سلطان شرّه. شاتوبريان ولامارتين وموسّيه وهوغو وبودلير ورمبو ولوتريامون ودوستيوفسكي وتولستوي وتشيكوف وشوبنهور وغوته وشيلر ونيتشه وفاليري وبروتون وآراغون وإيلوار وأرتو يحرقون العيون شغفاً والأصابع حسرة. العباقرة محسودون مكروهون. أشدّ مَن يبغضهم الأدباء وحَمَلَةُ الأقلام، كما يُسمّون. والحقّ معهم. لم يدع أولئك الجوارح والضواري ذرّةً إلّا نبشوها ولا مغارةً إلّا ارتادوها. لم يتركوا لنا إلّا الفتات. نهبوا المسافات فاردينَ الأجنحة العملاقة فوق الأرض. وكلّما مرّوا في زمن تركوا ما بعده يتيماً.
إلى حين، نحبّ أن نقول.
… ولا نُقدِّرُ أهميّة هذا الحين، عندما يحين، إلّا بعد رحيله.
استـــــدراك
في مقال «تداعيات فنيّة» الما قبل الماضي فاتني التنويه بالأستاذ فارس يواكيم الذي كتب لشوشو مسرحيّات أشهرها «آخ يا بلدنا» التي أخرجها روجيه عسّاف. كما فاتني التنويه بالممثّلين رفعت طربيه، جوزف طرّاب، منير غاوي، سعد الدين مخلّلاتي، رضا كبريت، أنيس سماحة، بين مسرحيّي ما قبل الحرب الأهليّة اللبنانيّة. فعذراً.
لفارس يواكيم صدر حديثاً عن دار رياض الريّس كتاب «حكايات الأغاني _ رحلة القصيدة من الديوان إلى الأغنية»، وهو يروي عن قصائد عربيّة لم تُكتَب خصّيصاً للغناء إنّما اختارها ملحّنون أو مطربون ومطربات من كتب الشعراء وغالباً ما حوّروا فيها أو حذفوا منها. وقد أثبت يواكيم النصوص المعدَّلة ومعها النصوص الأصليّة. ومن المفارقات أنّ ما عدّله الأخوان رحباني في نصوص «النبي» لجبران أو في قصائد أبي نواس والأخطل الصغير وسعيد عقل جاء «أصفى» من الأصل.
ويكشف الكتاب عن أسماء أصحاب قصائد شاعت مُغنّاة ولم يعرف الناس أصحابها، كما يكشف عن هويّات ملحّنين ضاعت أسماؤهم لأنّ الإذاعات والشاشات والصحف لم تكن تعبأ بها. وربّما فات المؤلّف (ولعلّي مخطئ ومقصّر في التدقيق) إدراج قصيدة «جلنار» لميشال طراد بين ما لحّنه الرحبانيّان وغنّته فيروز، وقصيدة «رح حلّفك بالغصن يا عصفور» لميشال طراد أيضاً وتلحين الرحبانيين وغناء وديع الصّافي. وهذا على كلّ حال لا ينفي بالطبع كون الكتاب عصارة ممتعة لجهد كبير.

أنسي الحاج- لمساكين مثلنا

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٢٩ كانون الأول ٢٠١٢

* رعب
أنسي الحاج أُبحر في المواقع الالكترونيّة فأرتعب. تعصُّبٌ دمويّ يفوق التصوّر. وصل المسلمون بهذا التراشق الالكتروني بين سنّة وشيعة إلى سقف الحقد، إلى قعر الغريزة.
نخجل من يوميّاتنا وحولنا هذا الرعب. كيف نواصل عيشنا، تفكيرنا، كتابتنا، ومدّ الصراخ إلى التذابح السنّي _ الشيعي يطرطق الأبواب. مَن هي هذه الأيدي؟ مَن هم أصحاب هذه المولّدات العدميّة؟ لماذا هم متروكون على غاربهم كأنّ الدنيا العربيّة سائبة لهم؟
يقال إنّ الصراع اللفظي يُنفّس الاحتقان الدموي. نتمنّى. نكون عندئذٍ قد انتفعنا من العار. العار العاري.
إلى ذلك الحين، رعب. بالأمس مسيحيّون ومسلمون واليوم سنّة وشيعة. تسونامي أسود لا يكاد يهدأ حتّى يعود تحت مسمّى جديد. ما مقياس إنسانيّتنا؟ هل لنا عقول؟ مَن يوقف هذا التدهور؟
لا يلوح أحد بل يحاصرنا النقيض. طوفان النقيض. هل يظلّ طرفٌ في العرْق والدين لا يحمل السلاح على الطرف الآخر؟ ما علاقةُ هذه المجتمعات بالحياة؟ والذين يدّعون قيم الحياة، قيم الرحمة والخير، هل هم طبقةٌ هامشيّة تطفو كالضباب على وجه المحيط؟ مجرّد غشاوة؟ كيف يزعم زاعمٌ أنّنا أمّة الأديان السماويّة، أمّة الشعر، وشعوبنا غوغاء أسنانها سكاكين؟ أيّ دين نتحدّث عنه ونحن غارقون في الإبادات، لفظيّة ومعنويّة وفعليّة؟ هل ما زال في سوريا ترابٌ لم يُتْخَم بالدم؟ هل بعدُ في العراق سنّي لا يكره شيعيّاً، والعكس؟ هل في مصر نهرٌ أم قهر؟ وفي لبنان، هل بَعْدَ تقسيمنا طوائف وتقسيم تقسيمنا داخل الطوائف، مُسْتَنَدٌ يخوّلنا الكلام على دولةٍ ووطن؟ وفي فلسطين والسودان وتونس والبحرين؟ والمهجر!؟
… ما لم تكن فينا الرحمة فكيف ننتظرها من الخارج؟
«باسم الله الرحمن الرحيم»… أنت، أنت المتبرّك بهذه الجملة، أين الرحمة فيكَ وأنت تفحّ هذا الفحيح، وباسم الإسلام، ملء المواقع الالكترونيّة، ملء ضميرك؟
أيُّ رحمةٍ في هذا الحقد؟ في هذا التحريض على الشقاق والدم؟
ما لم تكن فينا الإنسانيّة فنحن قبائل من الوحوش.
من الوحوش البشعة.
من أبشع الوحوش.
***
أيكون الأبرياء من شهوة القتل أقليّة بيننا إلى هذا الحدّ؟ واهَلَعي! أضحت الحياة، مجرّد البقاء على قيد الحياة، معجزة! شكراً أيّها المارّة أنّكم لا تطلقون علينا النار، شكراً أيّها السائقون أنّكم لا تدهسوننا، شكراً أيّها المأجورون والزعماء والعملاء أنّكم تدعوننا ننقرض بسلام نحن المسالمين، شكراً أيّها الحافرون خنادق الإبادة أنّكم حتّى الآن تركتمونا نعيش!…
وحتّى لو كان المسالمون أكثريّة صامتة، فلماذا هي صامتة؟ صامتة، إذاً راضية أو جبانة. صامتة، إذاً أقليّة ولو كانت ملياراً.
ونحن، وأنا، من هذه الأكثريّة الجبانة. وحتّى لو أفصحتُ عن ذنبي لا أُعفى منه. وحتّى لو لم يكن ميزان القوى بيننا نحن المسالمين وبين الوحوش متكافئاً، لا نُعفى من المسؤوليّة. ماذا نستطيع أن نفعل؟ نجتاح الشاشات والصحف والمواقع الالكترونيّة والساحات والمنابر والمساجد والشوارع بصراخ السلام وهتافات فَضْح الوحشيّة، ولو تَسمَّت بالتاريخ، ولو تَسمَّت بالدين.
نستطيع أن نعلن مروقنا، أن نحرق ماضينا الذي يقتلنا، أن نحرقه ونبرأ من الانتحار.
ليس إيماناً ما يجعلنا نَكره.
***
مع مَن نتخاطب؟ مَن هم رفاق الحياة؟ مَن يسمعنا؟
لاجئون مثلنا إلى أقبية الهروب والوهم. إلى النوم. إلى حبال الخرافة.
لهؤلاء ننسج كلام التسامح والحبّ.
لمساكين مثلنا.
لمَن يتعلّقون بدخان أحلامهم ورمادها.
لمَن يسكرون باختناقهم…
المبدأ الشعريّ
أخاف العلوم، واللفظة لا تعنيني إلّا قَدْر ابتعادها عن مدلولاتها الوضعيّة، واختلاطها بالمبدأ الشعريّ.
ولفظةُ الفنون كذلك. لا الفنون الجميلة فحسب بل كلّ أنواع الفنون.
المبدأ الشعريّ أساس الحياة، أساس العينين والقلب والتعبير والعلاقة. منذ البداية كتبتُ للشعراء، للذين سيصبحون شعراء، للشعراء بالفعل وللشعراء بالقوّة، بالممكن، للشعراء الذين تناجيهم مخيّلتي أطفالاً وأصدقاء ومعلّمين.
وللنساء كذلك.
ولهذا الورق الأبيض.
المبدأ الشعريّ حين يكون موجوداً في شيءٍ أصبحُ مع الشيء، في شخصٍ يصبح الشخص أخي، في أرضٍ تصبح الأرض وطني، في صورةٍ تغدو الصورة غايتي، في صوتٍ يغدو الصوت ضميري، في وجهٍ يصير الوجه يداً من أيدي الله.
ليس هو الشعر الذي نطالع بل روح الشعر التي جلست في كيان الكاتب واتّخذته قلماً وورقة.
ومبدأ الشعر لا ينتسب إلى المدارس الأدبيّة بل إلى معجم التكوين، حيث تتوارى عقدة الأسرار.
إغلاق حياة قديمة
«أحبّه… أحبّه… لكنّني وحيدة!» تتأوّه إيبونيم في احتفال «البؤساء» الموسيقي الغنائي المأخوذ في لندن عن رواية فكتور هوغو.
«وحيدة». أليس ذلك حتميّاً؟
أليس… أفضل؟
في البدء كان الوحيد. وفجأةً عَبَر الوحدة لحظة أشرق عليه الحبّ.
ولسببٍ ما، لنُسمِّهِ لعنة الوقت، بدأ النزول…
ضجرٌ ونفور.
كسوفٌ وراء كسوف.
ويعود الوحيد وحيداً. مع فرق: هذه المرّة وحدة بعد شراكة.
تلك هي الخيبة. بل ذلك هو السقوط.
وكما كانت البداية أوّل حياة يصير هذا الخسوف أوّل موت.
من الغشاوة النعيميّة إلى الإبصار الرمادي.
العزلة.
العزلةُ حاصلةٌ حتماً.
حتّى لو عدنا واجتزناها إلى شراكة، سنعود إلى عزلة.
وما دام الأمر كذلك أليس التسليم أفضل؟
أي: العزلة أفضل من التساكن اليومي المميت؟
سؤالٌ وقح، حقّاً. وخاصة أنّ إحدى صيغ توجيهه يمكن أن تكون أيضاً: أليس عدم الارتباط أفضل من الارتباط؟
وفقاً لملفٍ نشرته هذا الشهر مجلّة «لو كورييه انترناسيونال» نقلاً عن تحقيقات أجرتها بضع صحف ومجلّات في مختلف بلدان العالم وبينها لبنان (عن الزميلة «لوريان لوجور») أنّ الزواج في انحسارٍ كبير والطلاق في ازدهار.
السبب الأوّل: خشية مضاعفات المساكنة، من مللٍ وخيبة ونفور وسقوط من علوّ الأحلام. السبب الثاني: تحرّر النساء واكتفاؤهنّ الاقتصادي. السبب الثالث: شيوع أسلوب المساكنة بلا زواج، وهو ما بدأ ينتشر في لبنان.
نحن هنا في صميم مواجهة مشكلتَي الوحشة والصدمة. بالفرار أو بنذر العنوسة أو بتقسيط العلاقة. وكلّ هذا التفافٌ على الوحشة والصدمة واحتيالٌ على العلاقة والتهرّؤ بفعل الزمن.
وَصَلْنا إلى الخوف المعلن من الارتباط، أي من الحياة القديمة، فهل نبلغ إلى الخوف المعلن من التعارف، مجرّد التعارف، خشية أن توقعنا المصافحة أو المجالسة في المَصْيَدة؟
أفهمُ الانحسار والانكماش أكثر ممّا أفهم التزاوج. صورتي عن المرأة مهْوارٌ جاهز. كذلك صورتي عن الإنسان عامّةً. أَعتقدُ أنّنا نولد من الشراكة إلى الوحدة، وننشأ بين آخرين يعمّقون فينا الوحدة ونموت وحيدين، وأنّ الحبّ ينقذنا من وحشيّتنا ولا ينقذنا من الغربة، فلماذا نحمّله عواقب اللعنة، لعنة الوقت؟
«لأنّي أحبّه صرتُ _ سواء لتجاوبه أو لعدم تجاوبه _ أشدَّ وحدة»، عبارةٌ لعلّها أقرب إلى الصواب من السطر الذي بدأنا به هذه الكلمة.

يسوع المسيح احضر حالاً

24 كَانون الأول 1967

  يسوع المسيح احضر حال يسوع المسيح احضر حالا
لم نعد نريد أناجيلك.
لم نعد نريد أعاجيبك ومواعظك والحقّ الحقّ أقول لكم.
لم نعد نريد حكاياتك وأمثالك.
لم نعد نريد صلواتك وتهديداتك.
تعال.
احضرْ حالاً.
الجميع بانتظارك والأهل والأقارب ليسوا في خير.
احضرْ حالاً.
الأرض التي أنجبتك خربانة.
الجيران متدهورون.
روما الحديثة مسعورة وبيلاطس ملايين ويهوذا الاسخريوطي قوانين والرسل الإثنا عشر أفلسوا.
“أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني بيعتي” لكنهم بنوا على الصخرة مؤسسة تلعب الرياح فيها بالأوراق والملفات والغبار والألفاظ.
أأنت المسيح صاحب قصة لعازر؟ إذن تفضّل.
الألفا سنة فاصل طويل. معنا ضعف نظر ولم نعد نراك.
المسافة شاسعة. اقترب وادخل. هذا وقتك. لن يكون لك وقت أفضل. إذ لم تجئ الآن فلا تجئ بعد ذلك. الحاجة إليك الآن.
نريد أن نعرف.
نريد أن يقول لنا أحد ماذا نفعل، أين الحقّ، لماذا نعيش، من هم هؤلاء ومن هم أولئك.
نريد أن يقول لنا أحد من نحن، ولماذا يضربوننا، ويكذبون علينا، ويجوّعوننا، ويبّشعون حياتنا، ويهدرون مستقبل أولادنا، ويعهّرون الحياة من بابها إلى محرابها.
نريد أن نعرف منك أنت مع من.
لقد سئمنا التراتيل والأناجيل ومتّى ومرقس ولوقا ويوحنا. وسئمنا خصوصاً أعمال الرسل. وبولس. وبطرس. والرؤيا. وجميع القديسين.
وفلقونا بالأخ بابا نويل.
شكراً. شكراً لمجهودات ذوي النيات الحسنة والذين يحبون أن يزينوا لنا الحياة في المناسبات.
ليس هذا المطلوب.
المطلوب واحد وهو حضورك. حضورك حالاً، وكلّ عذر لعدم حضورك مرفوض.
أنت مسؤول.
أنت المسؤول الأول والأخير فلا تقف في ظل الأناجيل.
قالوا انك ستعود.
شرّف.
تعال أخبرنا، تعال تكلم من جديد، تعال نقِّح أقوالك القديمة، تعال أعد النظر في هذا العالم، تعال راجع ضميرك وأعمالك وأقوالك.
قل لنا أين الطريق. أعرف أعرف: “أنا هو الطريق والحق والحياة”. لكنْ قديمة. نريد غيرها الآن في ضوء الطرق اللانهائية المتداخلة، والحقوق التي لا يُعرف سرابها من طغيانها، والحياة التي نعيشها بالحبوب والأقراص.
نريد أن نعرف موقفك من اليهود،
موقفك من اسرائيل،
موقفك من العرب،
موقفك من الغرب،
موقفك من الزنوج،
موقفك من الحب، والجنون، والطب، والعمل، والمال، والحرب، والعائلة، والبابا، والعقائد، وموت الأطفال، والأمم المتحدة، والفنون، والشعر، والجنس، ومسيحيي لبنان، وسوريا، والأردن، ومصر، والسودان، والعراق.
الكلمة عظيمة. الكلمة الله. الكلمة أنت.
لكنْ قديمة.
نريدك “أنت”.
جسداً وصوتاً، كما أنت، نازلاً من السماء، طالعاً من القبر، آتياً من الجدار، أومنبثقاً من الماء لا فرق.
تعال.
الأمم مجنونة وبلهاء والشعوب مسحوقة وغبية والزعماء يقتلون ويعبدون أنفسهم.
الكنائس تعيش على الذكريات.
الأديرة مهجورة.
الرهبان رهبان لأجل أنفسهم.
الصليب نجم سينمائي.
الأناجيل صارت كتاباً كجميع الكتب.
لا بد من حضورك.
اقطع أشغالك الحالية، أجِّل ما تفعل الآن، انهض من بين الغيوم واترك كل شيء واتبعنا.
اتبعنا على الأرض.
احمل صليبك واتبعنا.
ذات يوم طلبتْ منك أمرأة كنعانية أن تشفي لها ابنتها المجنونة، فلم تجبها، وقلت لتلاميذك انك أرسلت لخراف بيت اسرائيل وحدهم. فسَجَدتْ الكنعانية لك وقالت: “يا سيد أعنّي”. فأجبتها: “ليس حسناً أن يُؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب” . فقالت لك: “نعم يا سيد، والكلاب أيضاً تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها”.
“الكلاب”.
معك حق. لقد كَشَفْتَنا.
من أيامها ونحن كلاب.
لكن الكلاب أيضاً يا سيد “تأكل من الفتات”.
عد إلينا.
نحن الكلاب أحوج إليك من أرباب المائدة لأن أرباب المائدة أكثر توحشا من هؤلاء الكلاب.
عد إلينا.
قل لنا مرة أخرى إننا نحن الكلاب وسنصدق.
قل لنا عندما تجيء إننا لا نستحق وسنصدق.
قل لنا أي شيء عندما تجيء وسنصدق.
لكنْ تعال.
كلامك السابق سَبَقَتْه الأحداث.
نعم كلامك أبدي لكن الأبدية أيضاً تسبقها الأحداث.
لم نعد نريد الكتب.
لم نعد نريد سفراءك على الأرض.
لم نعد نريد اللجوء إلى الغيب والتجريد. نريدك بلحمك وعظمك.
أنت يسوع المسيح.
نريد أن نعرف.
أن نعرف كل شيء.
نريد أن نعرف منك أنت شخصياً، بكلام جديد، واضح، هادئ أو صارخ.
تعال.
الناصرة تنتظر.
بيت لحم تنتظر.
القدس تنتظر.
جبل الزيتون ينتظر.
الجلجلة تنتظر.
فلسطين تنتظر.
العالم كله ينتظر.

أنسي الحاج- تداعيـــــات فنيّـــــة

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٢٢ كانون الأول ٢٠١٢

فريد الأطرش أتيح لي أن أحضر سهرة خَتَمها فريد الأطرش بالعزف على عوده. ويومٌ جلس فيه وليد عقل إلى البيانو مع بولونيز شوبان. وليلة في الأرز سمعتُ خلالها محمد عبد الوهاب يصلّي همساً خلف الجمهور من أجل نجاح لحن «سَكَن الليل» الذي خصّ به فيروز افتتاحاً للمهرجان. وسمعته مرّة ثانية خلف جمهور مسرح معرض دمشق يتمتم تعاويذه كأيّ موسيقار ناشئ من أجل أن يلاقي لحن «مُرَّ بي» الذي خصّ به فيروز ذلك العام، النجاح المرجو. وأتيح لي أن أشهد فيروز تجرّب أداء إحدى أغانيها في منزل انطلياس القديم بينما عاصي يعزف تارةً على البُزُق وطوراً على الأرمونيوم (أو البيانو، لا أذكر). وشهدت شارل مالك في بيته بالرابية _ وقد جمعتنا خلوة أقنعتُه خلالها بنشر مقدمته الفلسفيّة _ شهدته، بعد جدال متوتّر، يقتنع وينقلب من أقصى موقف سياسي إلى أقصاه مكرّراً البرهان، وبتواضعٍ شديد، على انفتاحه الفكري ومرونة عقله (بدأت حياتي الأدبيّة بالتهجّم عليه في «النهار» قبل أن أصبح بعد ذلك بخمس عشرة سنة من المعجبين بفرادته وشجاعته). وعايشتُ الزمن العصيب، الزمن الشخصيّ والزمن العام، الذي أنتج فيه زياد الرحباني أولى مسرحيّاته، مخترقاً جدران الأزمات بأشفّ الألم الساخر الناسف. ورأيتُ أكبر مؤلّفي المسرح الفرنسي المعاصر، الروماني أوجين يونسكو، وأنا أروي له منتصف الستّينات في قصر الصنوبر ببيروت تفاصيل عن تجاوب الجمهور اللبناني مع «الملك يموت»، رائعته التي نقلتُها إلى العربيّة عام 1965 بطلبٍ من منير أبو دبس وقامت بتمثيلها فرقة مهرجانات بعلبك على مسرح وست هول، الجامعة الأميركية _ رأيتُ يونسكو وقد بدأت الكأس تهتزّ في يده المرتجفة توجُّساً ممّا يمكن أن يكون مصير تلك المسرحية في العربيّة. يده المرتجفة وشفتاه المرتجفتان وذقنه المرتجفة وعيناه الهاربتان اللائذتان بأيّ شيء يقيهما الصدمة، ثم رأيته، وقد تطوّر السرد معي من خَجول إلى مقدام، رأيته ينفرج دفعة واحدة وتتهلّل أساريره ويصيح خابطاً على الطاولة أمام ذهول الحضور والسفير الفرنسي: «تبّاً!… هذا ما كنتُ أريده من المُخرج الفرنسي! تبّاً لهم! قلت لي إنّهم بكوا وضحكوا!؟ صحيح!؟ تبّاً! تبّاً يا صديقي! أنت أخي وصديقي! تعالي يا زوجتي تعالي صافحي هذا الرجل! فهمني العرب ولم يفهمني الفرنسيّون!!!». عودة إلى زياد الرحباني ومقارنة سريعة بينه وبين وودي ألنْ. كلاهما مرّ، مزّ، مضحك مِن ألم. كلاهما «شرقي»: في وودي ألن جينات الشرق التي يحملها اليهودي من أيّ جنسيّة كان. ألنْ أكثر شخصانيّة. زياد يُواري شخصانيّته في ثرى الهموم الجماعيّة. كاريزما ألنْ مبنيّة على بهدلته لنفسه (في خطّ شارلي شابلن) واستثماره «السخريّة اليهوديّة النيويوركيّة» وما تيسّر من المفاتيح الفرويديّة، وكاريزما زياد هي هو: مجرّد وجوده في المكان، دفءُ صوته، خليطُ النورِ والظلّ في وجهه، غضبه، عزفه على الوترين: موسيقاه وقهر الناس. وقهر الوحيد المستوحد بين الناس. وخَلْف ذلك وأمامه دوماً صلابةُ متمرّدٍ يستعصي على التدجين.
***
من مواضع الضعف في المسرح اللبناني السابق لزياد اتّكاؤه في الغالب على الترجمة وافتقاره إلى الانبثاق من الواقع اليومي. قلباً وقالباً. المسرح اللبناني السابق لزياد (وأنا مسؤول عن ترجمة أكثر من اثنتي عشرة مسرحيّة لتلك الحقبة، ابتداءً بشكسبير وانتهاءً بجون ميلينغتون سينغ مروراً بكامو وبرخت ودورنمات) كان مسرح الحداثة الغربيّة، بالإضافة إلى بعض الكلاسيكيّات _ الأوروبيّة طبعاً _ كمدخل لا بدّ منه. وكان المسرح الشعبي موجوداً وله نجومه، وأشهرهم شوشو (حسن علاء الدين). ولكن لا مسرح النخبة ولا مسرح الشعب آنذاك حقّقا الإجماع الشعبي الجماهيري حولهما. المسرح الرحباني الفيروزي استثناء، ولا شكّ أنّ العنصر الغنائي، وتاجه فيروز، هما سرّ شعبيّته بل أيضاً سرّ ديمومته، بالإضافة إلى موهبةِ التوفيق بين الحسّ الشعبي والاشتغال الذهني والثقافي على جميع مكوّنات تلك العمارة. مسرح زياد مرحلة جديدة، خصوصاً مسرحيّاته القائمة بصورة رئيسيّة أو شبه كاملة على الكلام غير الملحَّن. هذا مسرح شخص. (له في ذلك سوابق، لعلّ أبرزها ريمون جبارة). مسرحُ وجدانِ شخص ينفجر ويتشظّى بوجوهٍ عديدة. وجدانُ شخصٍ يتحوّل إلى وجدانٍ عام. يصنع جيلاً بل أجيالاً من الصبايا والشباب نطق عنهم حين نطق باسم حاله. ثم صمّم على صياغة دربه الموسيقي، مُثْرياً هذا الحقل بنتاجٍ لم يأخذ بعد حقّه من اعتناء الباحثين. أصيب المسرح والجمهور بخسارةٍ فادحة يوم احتجب عنهما زياد. لا بدّ من استعادته. من عودته. لو كنّا في الاتحاد السوفياتي لكانت الدولة أجبرته على العودة. تلك واحدةٌ من حَسَنات الديكتاتوريّة.
***
كان بول غيراغوسيان (1926 _ 1993) يتكلّم، إلى جانب الأرمنيّة، بضع لغات، ومرّة استكتبتُه لـ«الملحق» مقالاً بالعربيّة. أكبر فنّاني جيله اللبناني. كنّا صديقين حميمين، ولا تزال كلماتٌ وأفكارٌ له تتفاعل في ذهني. كان بول غيراغوسيان يكره المسرح رغم اضطلاعه بديكور بعض المسرحيّات. وكان بين أصدقائه الأوائل المسرحي جلال خوري. ومع هذا كان يكره المسرح. لعلّ لوحاته، الوجوه فيها ولا سيما وجوه النساء، المنحنية بخَفَر رغم امتدادها في الارتفاع، تُنْبئنا بسرّ هذا النفور. لكنّه نفورٌ وقفَ عند أبواب مسرح زياد الرحباني. مثله في ذلك مثل كثيرين ممّن لم يعجبهم العَجَب وسَحَرهم زياد. في عصره وما بعده فعل موليير فعله الخارق في المجتمعات. فعله الثوري. وعَبْر السخرية، المرّة والحلوة، العميقة والفظّة، الباطنيّة والصداميّة. سخرية التعرية، المواجهة، بل الانتحار. انتحارٌ يقوم من موته ويقيم الآخرين بنوعٍ من الفرح المطهِّر أساسه القهر.
***
بذكْر جلال خوري نعود إلى برتولت برخت. كان الشاعر والمؤلّف المسرحي الألماني يمنع تلامذته الممثّلين من التماهي مع أدوارهم ويحرص على تعزيز الكلفة بينهم وبين هذه الأدوار. أعاد صاحب «الشذوذ والقاعدة» الحياة إلى المسرح الألماني فور عودته من أميركا بعد سقوط هتلر وظلّ متربّعاً على عرش المسرح الأوروبي حتّى بزوغ نجم أنطونان أرتو ومسرح القسوة وسطوع شمس مسرح العبث مع بيكيت ويونسكو. وبين مسرحيي رعيلنا في الستّينات كان جلال خوري حاملاً لواء المسرح البرختي وغامرَ وقدّم نماذج منه للجمهور اللبناني. كانت حقبة تغلي بالشيء وعكسه. نَذَر شباب وصبايا أنفسهم للمسرح كما يذهب آخرون اليوم للاستشهاد. منير أبو دبس المخرج الأستاذ في مدرسته (المنبثقة من مهرجانات بعلبك الدولية) بمنطقة المنارة كان أشبه بقبطان المركب المسحور. كان أنطوان ملتقى، رفيق منير، وريمون جبارة وأنطوان كرباج ألمع الممثّلين في نظر الممثّلين أنفسهم. تشارك ملتقى وجبارة في الدورين الرئيسيّين في «جريمة وعقاب» المأخوذة عن رواية دوستيوفسكي فكانا يتبادلان الاستحواذ على لبّ الجمهور. كان ذلك على مسرح راشانا بحضانة ميشال بصبوص وإخوته (في الثلث الأوّل من الستّينات). لم أرَ ريمون جبارة في دور على مقاسه كما رأيته في راسكولينكوف. الشعور بالذنب، هوى الجريمة وضمائر عواقبها، التيه والهذيان، انقشاع الوعي، قاتل ليس قاتلاً واعتزم أن يصير قاتلاً ولم يعد يعرف مَن يكون، المجرم النقيّ، العابث كولدٍ يرسل أصابعه تتوغّل في وكر الأفاعي… جبارة المعذَّب السافر الجريح الساخر، لو كُتب له أن يمضي في طريقه دون الإعاقة الصحيّة التي أصابته، أين كان سيصبح؟ إلّا أنّ راسكولينكوف جبارة لم يقتل أحداً. فَلَجَتْه عفويّته. أعاقته جزئيّاً وأوقف بجبروته باقي الصاعقة. بطحشة الحياة. بفجر عقله الذي يستهتر بالظلام. القَدَر اللئيم، تكمن قوّته في صمته. يزحف في زوايا النَفَق. قاومه الإنسان بالمواجهة وأخفق. قاومه بالاستسلام وأخفق. قاومه بالاستهتار ونجح. كلّ شيءٍ في قبضة الزمن إلّا التعامي عنه.
***
أسدت خالدة سعيد خدمة كبرى لتاريخ المسرح اللبناني بما كتبته عنه توثيقاً وتقييماً. لا يعرف الجيل الجديد شيئاً عمّا كابده الروّاد منذ مارون النقّاش والقبّاني، فضلاً عن المصريّين. ثم مرحلة «المسرح الأدبي» مع سعيد عقل وميخائيل نعيمه وسعيد تقيّ الدين وتوفيق يوسف عوّاد وغيرهم. ثم حقبة التألّق الحديث التي بلغت الأوج في الستّينات ومطلع السبعينات. كان هناك يعقوب الشدراوي ومنير أبو دبس وأنطوان ولطيفة ملتقى وأنطوان معلوف وبرج فازليان وروجيه عسّاف ونضال الأشقر وشكيب خوري وجلال خوري وعصام محفوظ في ضفّة، وفي الضفّة الأخرى شوشو ووجيه رضوان. ضفّة الحداثة الثقافيّة الطليعيّة وضفّة الخضمّ الشعبي. هنا وهناك الكبار الذين نشأوا كباراً وهم بعدُ بادئون، الكبار الدائمون: أنطوان كرباج، ميشال نبعة، تيودورا راسي، رضى خوري، منى جبارة، رونيه ديك، ليلى ضو، موريس معلوف، نبيه أبو الحسن، أندريه جدعون، جوزف بو نصّار، ميراي معلوف، رياض غلميّة، وغيرهم وغيرهم. كانوا قريبين منّا ولم يقلّل قربهم من دهشتنا بهم. كانوا قريبين وبعيدين مثل الشبيه الذي يعذّبكَ ويسعدك استعصاؤه على التدجين. فنّانون كلّما اقتربتَ منهم وجدتهم أشدّ استحقاقاً لهالاتهم، أوّلاً لأنّهم مطبوعون، ثم لأنّ مسرحهم ذاك كان جديداً علينا كلّ الجدّة، ومعهم باتت خشبة المسرح محراباً ولم تعد منبرَ خطابة. لم نعد بحاجة إلى تغريب اصطناعي أو لغوي لنؤخذ بما نشاهد، صار الجديد يخلق المسافة، وبراعة المخرجين ومواهب الممثّلات والممثّلين تمسح جباههم بزيت الاكتشاف المقدّس.
***
هذه الذكريات هي ذكريات. ليست حسرات، مهما أوحتْ. جيل اليوم يصنع مسرحه. بورك به. خصوصاً فدائيّو المسرح «الداخلي»، مسرح الذات والصدق، مسرحٌ بات أكثر فأكثر اهتماماً بالحميم والخبيء، بالسريع العطب، مسرحٌ يقوم على المعاناة الإنسانيّة والنفسيّة بمقدار ما يقوم على موهبةِ الممثّلين وبراعتهم وحضورهم. في المسرح الماضي أجزاءٌ منّي ومن زوجتي. ولي في الماضي والحاضر أفرادٌ من أسرتي. والآخرون جميعاً أسرة لي. لم أعد أتردّد كثيراً إلى المسرح، باتت الذاكرة المسرح الأكبر. لكنّي أتابع همومه وأحلامه من خلال حفيدتي يارا بو نصّار، وممّا يغذّي الآمال أنّ جيلها يغامر ويفتح الأبواب المغلقة مثل جيل أبيها ومَن قبله، وأحياناً أكثر. بورك بهم. وتحيّة إلى مسرحيّي سوريا. بعد سطوع نجمهم وتفوّقه ها هم منذ سنتين يغامرون بأرواحهم. يتوقّف التمثيل ويبدأ الواقع. يتعطّل الحلم ليدخل الكابوس.
***
يعلّمنا الفنّانون أن نؤمن بشيء فينا يتجاوزنا. كم هو قليل ما نطلب وكم هو ما يعطوننا كثير.

أنسي الحاج- حـــــــبّ9

جريدة الأخبار اللبنانية
السبت ٨ كانون الأول ٢٠١٢

الله في الوجه.

أنسي الحاجفي صورة الوجه.
قبل أن يموت الإنسانُ الأوّل كان الله فيه كلّه.
بعدما صار يموت انحسر الله عن الجسد وانحصر في الوجه.
في صورة الوجه.
لأنّ الإنسان صار يتوالد بعد اكتشاف المرأة.
لأنّه قبل ذلك كان خالداً كسائر الآلهةِ وغير ذي حاجة.
ليست المرأةُ مَنْ كسر الإنسان بل الحبّ.
المرأةُ بلسمٌ لجرح الكسر.
المرأةُ صورةُ وجهها.

الله في صورة وجه المرأةِ أكثر ممّا هو في السماء ووجوه الأرض.
***
حين نمتدح الجوهر وننتقد المظهر هل نكون دوماً صادقين؟
لا، طبعاً.

لا الظاهر وحده ولا الباطن وحده بل اختلاطهما. الشكل حيث هو إغراءٌ بعجينه وبالروح معاً. لولا المظهر كاد الجوهر أن يكون واحداً، قاتلاً ومقتولاً.

المظهر مسرحُ الجوهر. الجوهرُ يشتهي المظهر ومِن بَعْدِه الجوهر.

أحبّكَ أيّها المَظْهر لذاتك وأحبّكَ لما تخبّئ ممّا هو أَفْتَن منك، وبالطبع سأراهُ أفتن منك ولو لم يكن كذلك، ما دمتُ منتشياً بسحرك.

أرجوك أيّها المظهر لا تخذلني! راوغني!…
***
لا حدود لشيء ما دام الخيالُ هنا. المظهر مادّة؟ ومَن قال إنّ المادّة محدودة؟ تحت وهج الخيال المادّة نسغ وظلال، يدان ترسمان وعينان تعيدان الخَلْق. الجوهر وَهْم، الجوهر مادّة من خلال رؤية واهمة؟ ليكنْ! هذا الوهم جوهريّ!

الإنسان (وربّما الحيوان جميعاً) كائنٌ يروح ويجيء على أرجوحةِ الرؤى، لا يرى شيئاً كما هو ولا يراه شيءٌ ولا أحد كما هو.

أنا مَظْهرٌ إذاً أنا موجود.

أنا مَظْهرٌ إذاً أنا جوهر.

أنا مَظْهرٌ إذاً أنا سرٌّ تحت هذا المظهر.

لا تخذلني أيّها المظهر!
***
لن أقنع بأن أكون أنا.
سأداوم على التظاهر بالاستسلام لمحايلة المعاودة.

لا حدود للمصير.
***
المظهر الأخّاذُ تجلٍّ من تجليّات الرونق، بلّورةٌ للجمال. لهذا يُوقِع في الحبّ. الجمال يصطاد الحبّ ويروّضه على الألم والمتعة. المظهر الأخّاذ يشعل فتيل الفتنة نحو المجهول.
المجهول هو الغرف الداخليّة، هو ما ندعوه الجوهر. الجوهر بطانةُ المظهر، السعداءُ هم الذين يعميهم المظهر إلى النهاية، حيث هو جوهر دون أن يدروا…
***
نحبّ الشيء فنراه جميلاً أم نراه جميلاً لأنّنا نحبّه؟
هذه وتلك وغيرهما: نحبّ ما يعطينا أجنحة.
***
هناك دوماً أساسٌ حقيقيّ للانطباع. الانطباع علامةُ بصمة، إنذار، بُشرى. لسنا ملزمين مشاركة كلّ واحدٍ انطباعاته، لكنّ من واجبنا الإصغاء إليه. قد نشاركه بعد الإصغاء.
***
كلّ بدايةٍ، جوهر.
***
لا تخلطي بين حبّك الآخر وبين انعكاس حبّه عليكِ.
***
سيّدةٌ تسألني بألم: «اشرح لي قدرةَ البشر على أن يتخطّوا حبيباً لطالما أقسموا انّهم يعشقونه حدّ الثمالة!؟».
ليست قدرةُ الأشخاص وإنّما قدرة الزمن. ولا نخلط بين النزوة والحبّ، النزوة أيضاً تُقسم لكنّه قَسَمُ اللحظة. أكبر الظنّ أنّ الإنسان يُحبّ نمطاً واحداً من البشر، نموذجاً واحداً، لا شخصاً واحداً، إلّا في النادر. عندما يُقسم رجلٌ لامرأةٍ أنّه يحبّها إلى الأبد هو في الواقع يقسم صادقاً أنّه يحبّ هذا «النوع» من النساء ولن يحبّ سواه. النوعُ قد يتكرّر في نساءٍ كثيرات، لكنّه الهاجس نفسه، والمرأةُ نفسها.

لا تَدَعي أَلَمكِ يتمكّن منكِ. لو كان هذا الشخص لكِ، لظلَّ لكِ، ولو عَبْر غيركِ من النساء.
***
أمجدُ جنونٍ يصطحب العاشق هو أن يُحِبّ معشوقه أكثر ممّا يحبّه المعشوق.
***
الحبّ يُثْقل القلب بأخفّ وزنٍ على الإطلاق هو وزن الوهم. وهذا الوهم يدفئ حامله أقوى ممّا تدفئ الشمسُ الكائنات.
***
الجمال هو ما يجعلنا نقيم معه علاقات لا نفهم سرّها، ومن خلاله نمدّ جسوراً مع العالم أو نقطع جسوراً.
***
نشتهي حضور الحبيب ونعبد غيابه. الحلم يصنع آيته في الغياب.
***
حبّ النظرةِ الأولى غالباً ليس من النظرة الأولى. تكون قد مهّدتْ له مُشاهَدَة أو مشاهدات سابقة من صنف انفراجات الفضاء، رؤية خلال الرؤى. ما هي هذه الرؤية _ الرؤيا؟ جَذْرُ ما تصبو إليه النفس: الشخص المحلومُ مذ نشأة الحالم وربّما قبل النشأة. مزيجٌ من نتاج الجينات وأصابع الأمومة، مع التنقيح والتنميق، تضفيهما المخيّلة الخاصّة وهامشُ ما استَقَلّ من الطبع.
حبّ الصاعقةِ ابنٌ لأبوين: حريّة الحلم وحتميّة القَدَر.

حبّ النظرةِ الأولى استردادٌ لمفقود.
***
الحبّ حالةُ نسيان. حتّى الأفكار التي يستثيرها في العاشق حبّه تغدو في خدمةِ النسيان.
حالةُ الحبّ عزلةٌ عن الشارع نحو الغابة وعن الغابة نحو نورٍ داخليّ لا يُرى فيه غير الحبيب.

النسيانُ الذي يغدقه الحبّ على صاحبه هو ذاكرةُ الغفران.

عابــــــرات
تعلّقتُ ليلى وهي غِرٌّ صغيرةٌ ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ
صغيرين نرعى البَهْمَ يا ليت أنّنا إلى اليوم لم نكبرْ ولم تكبرِ البَهْمُ

المجنون
****
… ويحسبُ نسوانٌ من الجهلِ أنّني إذا جئتُ، إيّاهُنَّ كنتُ أريدُ…
يموتُ الهوى منّي إذا ما لقيْتها ويحيا إذا فارقتُها فيعودُ

جميل بثينة
****
لقد خفتُ أن ألقى المنيّةَ بغتةً وفي النفسِ حاجاتٌ إليكِ كما هيا
وإنّي ليُنسيني لقاؤكِ كلّما لقيتُكِ يوماً أن أبثّكِ ما بيا…

جميل بثينة
****
حدّثونا أنّها لي نفثتْ عُقَداً _ يا حبّذا تلك العُقَدْ

كلّما قلتُ: متى ميعادُنا ضحِكَتْ هندٌ وقالت: بَعْدَ غَدْ.

عمر بن أبي ربيعة
****
أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني حتّى إذا قلتُ هذا صادقٌ نزعا
وزادني كَلَفاً في الحبّ أنْ مُنِعَتْ أَحَبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنِعا…

الأحوص الأنصاري
****
لقد خِفْتُ حتّى خلتُ أنْ ليس ناظرٌ إلى أحدٍ غيري، فكدتُ أطيرُ
وليس فمٌ إلّا بسرّي محدّثٌ وليس يدٌ إلّا إليَّ تشيرُ

عُبَيْد بن أيّوب العنبري
****
يوم قالت: إذا رأيتكَ في النوم خيالاً أَصَبْتَ عيني بداءِ
واسْتخَفَّ الفؤادُ شوقاً إلى قربِكَ حتّى كأنّني في الهواءِ

بشّار بن بُرْد
****
لو كانَ يدري الميتُ ماذا بَعْدَهُ بالحيِّ حَلَّ، بكى له في قبرهِ
غُصُصٌ تكادُ تفيضُ منها نفسُهُ وتكاد تُخرِج قلبه في صدرهِ…

ديك الجنّ الحمصي
****
تاهتْ على صورةِ الأشياء صورتُهُ حتّى إذا كملت تاهت على التّيهِ.
أبو تمّام
****
ولم تعطني الأيّام نوماً مسكّناً ألَذُّ بهِ إلّا بنومٍ مشرَّدِ
وطولِ مقامِ المرءِ في الحيّ مُخْلِقٌ لديباجتيه، فاغتربْ تتجدّدِ
فإنّي رأيتُ الشمس زيدتْ محبّةً إلى الناس أَنْ ليست عليهم بسرمدِ

أبو تمّام

مستقبل في ذلك الماضي

جريدة الأخبار
السبت ١ كانون الأول ٢٠١٢

* حول سلاف فواخرجي
حول سلاف فواخرجي نشرت «الأخبار» في عدد الأربعاء الفائت خبراً عن تعرّض الفنّانة الكبيرة سلاف فواخرجي لخطّة بوليسيّة تقضي بخطفها من دمشق إلى مخابئ الثوّار عقاباً لها على تأييدها النظام.
تأييد الفنّانة للنظام نابعٌ من احتضانه للفنّ بحيث تحقّقت لسوريا نهضة مسرحيّة وتلفزيونيّة وسينمائيّة فاجأت العالم برقيّها وتفوّقها وحِرَفيّتها العالية، فضلاً عن كوكبةٍ من النجمات والنجوم لا مثيل لهم في أيّ بلدٍ عربيّ آخر.
تأييد الفنّانة للنظام وفاءٌ لاهتمام النظام ليس بها بل لأعلى ما في سوريا وهو الفنّ. سلاف فواخرجي امرأةُ شهامةٍ وكرامة. امرأةُ شفافية وبطولة في التمثيل وفي الواقع.
نأمل أن يكون خبر محاولة الانتقام غير صحيح. فنّانة من نُور لا تُمَسّ بغير الحبّ.
ولئن كان الخبر صحيحاً يكون الهول السوريّ قد بلغ القاع.
*مستقبل في ذلك الماضي
يخدعنا الماضي حين يغدو صِبانا.
في كلّ فعل «كان» هناك أندلس.
في كلّ ليلٍ ذكريات، وفي الذكريات يغدو كلّ شيء ملْكنا، والقمرُ أجمل، والشمس أجمل، والحرمان أجمل.
«كنّا» هي فعلُ الأفضل. نفضّل «كنّا» على نحن. ننام على «كنّا»، على «كانوا».
ما كلُّ المواضي بلونٍ واحد، لكنّها جميعاً تعيش فينا بأوّل لقاء، أوّل قبلة، أوّل اختلاس.
وثمّة ماضٍ يغلب عليه الأمل، ترجح فيه كفّةُ الإمكانات على كفّة الإخفاقات، ماضٍ سبق نفسه، سبق المحيطين به، خرج من زمنه وأخذ يركض، يوسّع الهواء، ويدعو إلى مزيدٍ من البحر ومزيدٍ من كلّ شيء.
كانت بيروت ما يحنّ إليه اليوم شبابُ العشرين وعجائز التسعين. كانت، منذ الربع الأوّل من القرن العشرين، طفلة شقراء مغرورة، وأصبحت في الثلث الأوّل غلامة عفريتة، وفي منتصف القرن العشرين وصولاً إلى النصف الأوّل من السبعينات، مراهقة هوجاء، لم تعد بحاجة إلى غواية لتغامر.
تصوّرتْ بيروت باريس على ذوقها وزايدت. تصوّرت الأندلس على ذوقها وزايدت. تصوّرت أميركا على ذوقها ولله الحمد لم تنجح في استنساخها.
تاجُ الستّين سنة الماضية هو حمّى الحريّة، أو ما حسبناه كذلك. وجوهرةُ ذلك التاج هو عدم رضانا الدائم عمّا لدينا.
كان لبنان قبلةَ العرب ولم يعجبنا لأنّنا أردناه طبقاً لخيالنا التيّاه، ولو صار كما حلمناه لأردناه بعدُ أفضل. وظللنا نصعّد أحلامنا به وله ولنا حتّى فقع بين أيدينا.
غير صحيح أنّنا نخلع دوماً على الماضي كمالاتٍ لم تكن فيه. على الأقلّ بالنسبة إلى بيروت. لدينا سجلّات الكتابة، صحافة وشعراً وقصّة ومسرحاً ومحاضرة وخطاباً ورسماً ونحتاً وتلحيناً وغناء، لدينا كلّ هذا وغيره يشهد. أقوى ما في تلك الأندلس أنّنا لم نسكر بها. كنّا نعرف، بالشكّ وباليقين، أنّنا نستطيع أن نمضي بها إلى أرقى، إلى أجمل وأعدل، وهذا ما جَلَب علينا الكوارث. لو كانت بيروت قد بلغت أقصاها لما حُطّمت. لكنّها كانت بعدُ في عزّ انطلاقتها، وخطيئتها استمرار انطلاقها… فإذا كانت انطلاقة وهذا زخمها، وهذه طلائعها، فكيف بالمقبل منها؟
لم تتوقّف بيروت عند سفوح الحرب الأهليّة وغير الأهليّة، بل خُطفت وذُبحت. لا مكان لبروميثيوس في عالم زوس.
لكن زوس أيضاً عانى من سرّ معيب حمله الخوف من انفضاحه على خفض جناحه.
كانت بيروت مدينة الانبعاث من الموت. يترمّد الخلّاق، مهما كان عظيماً، في بلده، فيأتي إلى بيروت فيقوم من رماده.
لم يكن المثقّف العربيّ يقصد بيروت ليلهو بل ليزيح الصخرة عن قبره. كانت بيروت _ وسوف تعود _ ملتقى المنى، ملتقى الرافض والمرفوض. لم تكن منتجعاً ولا فندقاً بل بركاناً. الحريّة عروس لكنّها أيضاً بركان. بركانٌ وبستان. جبلُ عواصف وطمأنينة في العواصف. لنراجع الصحف والمجلّات، لنُعِد فتح الكتب، لنَعُد إلى المسرحيّات والأغاني واللوحات التشكيليّة، وإلى الجامعات والمحافل، بيروت لم تكن فعلُ ماضٍ ناقص كما في اللغة بل فعلَ حاضرٍ صَنَع مستقبلاً للحاضر وللماضي وللمستقبل.
* سرّ
ما يستوقف في كتاب «الأيّام» لطه حسين هو ما لم يستوقف أبويه ورفاقه لحظةَ أصيب بالعمى. ما يستوقف في «البؤساء» لفكتور هوغو هو ما لا يستوقف أحداً في العادة لو حصلت الأحداث له أو أمامه. كذلك شعر المتنبّي ولوحات الرسّامين والمؤلّفات الموسيقيّة الخالدة.
لفظةُ «يستوقف» خطأ: ينبغي أن نقول يُدهش، يُذهل، يعتصر القلب، ينحفر في الذهن.
ينحفر في الذهن.
العاصفةُ في الطبيعة مهيبة، لكنّها في السينما أشدّ مهابة.
الفنّ يخلّص اللحظة من وحش الزمن.
*«الفلسفة الصغيرة»
من علامات النهضة الأدبيّة أنّ معظم معاصريها من النُقّاد والصحافيّين لا يلاحظونها.
إنّها ظاهرةُ عمى الشمس.
التقييم بحاجة إلى بصيرة، إضافةً إلى المعرفة والنزاهة.
تستطيع الصحافة السياسيّة أن تخطئ وتتلوّث ما طاب لها الخطأ والفساد، فإذا لم تكن الأخلاق من طبيعتها فلا رقيب عليها سوى القانون. الصحافة الثقافيّة جزء مهمّ من التربية الشعبيّة والتوعية العامّة والخاصّة، وعليه فهي مدرسةٌ في الأخلاق، بما تشمل الأخلاق من واجب البحث عن الحقيقة ووَزْن الأمور بميزان العلْم والمسؤوليّة، وتلك الفضيلة الغامضة التي تجمع الحدْس إلى الحقّ.
كانت الصحافة نوعاً من الأدب وأضاف إليها التطوّر لقب «الفلسفة الصغيرة». ولهذا أصوله وأعباؤه. ومنها التواضع وشراهةُ المعرفة.
* مأوى
قولك معقول؟ معقول. حياةٌ كحياتك سلاسل من سوء الفهم. كنت أقول سوء التفاهم. ليس سوء تفاهم، بل سوء فهم. سوء التفاهم يكون بين شخصين، سوء الفهم بينك وبين الكلّ. ليس هناك فهم حين تظنّه فهماً بل هو تساهل، تسامح. شفقةٌ أو سأم من قِبَل الآخر.
****
جئت من الغابة. غابةُ الغُرَف لا الشجر. من مأوى الحيطان. من الجبين المغلّف بالنافذة، من السهوم، من الكتاب السابق للكتابة، من النوم السابق للوجود. من حيث الوحوش خواطر والكائنات غمام. لم تكن تلك الوحدة كآبة الحالات الرومنتيكيّة أو البوهيميّة، لم تكن معلنة بل مختبئة تحت عجين الظلّ وفي خبز الخجل. كنت لا أفهم البنات وأخاف مبادراتهنّ. وكنت أحسب أنّي أفهم الرجال وكنت أكرههم. ليس في العمر غير ليلتين، واحدةٌ لانتظار التالية والتالية للندم. لا تندم على الوقت بل على الوهم. لا تندمين على عطائِك بل على انتظارِك. كلاكما يندم على حبّه، والحبّ يَضْحك.
جئتُ من فخذِ الحائط. ما بحائطٍ غريبٍ عليّ. رأسي للحائط، جنبي للحائط، بكائي للحائط، تَجَمُّعي للحائط. الحيطان أدراجي وسطوحي، شموعي وعيناي. لا ذكرى لي بلا حائط. الحائط شجاعتي. حين أقفز وراءه أموت.
****
لا معقولَ في حياةٍ كهذه إلّا العبث والهباء.
اختلاجُ القلب كأنّه وَجَد، واختلاجه لأنّه لا وَجَد ولا وُجِد.
والحكي والسكوت، والسكوت والحكي.
****
ما أقرب طريق اللغة وما أبعدها! ليت الحقائق والمبادئ تنفذ إلى الجسد كما ينفذ الهواء! تخترقنا كالعتمة والنور! لكنّنا نسمعها على المسرح فننشرح، وتنتهي المسرحيّة فتنتهي الحقائق والمبادئ!
حتّى الألحان تنتهي، ولو حفظناها. ينتهي مفعولها عند حدود التذوّق، تحت جنح الذاكرة، تتشرّبها الروح دون العقل الفاعل، القلب دون اليدين.
نيّال الطبيعة لأنّها تفعل بلا واسطة، بلا تعبيرٍ مُتَعَلَّم، فوراً، ومراحل اختمارها لا نبصرها نحن، تُقدّم لنا أعمالها ناجزة!
لماذا نحن لا نَقْدر؟
لماذا نُطوّل لنفهم، لنولد، لنعيش؟
ألا نملك من التخطّي غير اللفظة ومن الحريّة غير الدم؟ ومن الشجاعة غير دفع ثمنها ومن الحبّ إلّا الشريك غير المشارك؟
ومن الزمن إلّا الوقت الغَلَط؟
إلى أين كما يقول التائه؟
نذهب سياحة؟ ومَن سيعطينا فيزا؟
وبلكي بالرجعة قطعوا طريق المطار؟


أقرأ أيضاً: