لندخل في صلب الموضوع، ونقول أن البعض، خاصة من الشعراء، لا يمتلكون في المشهد العربي الشاسع إلا (سلطة النص) وحده، لأن حضورهم الفعلي في الوسط الثقافي غير مرتهَنٍ لا إلى نفوذ إعلاميٍ ولا إلى تسلسل في هرمٍ حكوميٍ، ولا بمسؤوليةٍ إداريةٍ صحافيةٍ. إنهم لا يمتلكون شروى نقير، ولا سطوة قادرة على رفع أو خفض إنسان في مرتبات المجد بأنواعها كلها. إنهم يمتلكون (سلطة النص) العجيبة.

ليس المقصود هنا (سلطة) معنوية فحسب للنص، أو سلطة روحية له، بل المقصود به امتلاك النص سلطة فعلية، ملموسة، وقوة وأثراً مادياً محسوساً في الواقع.

إن ما يجعل الكثير من الكتاب والشعراء العراقيين والفلسطينيين، على سبيل المثال، حاضرين اليوم في زحمة الثقافة العربية، ليس سوى ذلك الأثر الواضح للعيان لوقع كلماتهم في الضمير الحي، وليس أبداً أية سلطة مخيفة وقامعة ذات تسلط من نوع اجتماعي أو ثقافي أو سياسي. إنهم، وإذا شئنا لسميناهم واحداً واحداً، لا يمتلكون أية هيمنة على منبر مؤثر، ولا توجد، في منافيـهم العريضة، مؤسسات الدولة العربية (المقتدِرَة)، ولا أدوات القمع بشكليه: الحريري والضاري. إن نصوصَهم لوحدها، كما يخيّل لنا، هي ما يمنحهم مكانةً وبهاءً، وقبل كل شيء يمنحهم سطوة خاصة من نمط ثقافي.

هذا النوع من السطوة يبدو الآن وكأنه القطب المناهض لأية سطوة أخرى، ويبدو من جهة أخرى وكأنه يبرهن أن القراء العرب لم يصلوا أبداً إلى تلك الدرجة من الجهالة والغيَّ المتهمين بهما بشكل غير مصرَّح به أحياناً كثيرة. هؤلاء القراء المجهولون العارفون هم من يمنح في الحقيقة لأولئك الشعراء والكتاب (سلطة) فعلية في الثقافة العربية.

تقوم دورة (الزمن) بدور محدد في توطيد وانحسار هذه السلطة. ففي الوقت الذي تقفز فيه بعض الأصوات إلى عالم الأضواء عبر منافذ لا علاقة لها بالضرورة بنصوصهم وقصائدهم، أو عبر انخراط ملتبس بمؤسسات الثقافة والمال التي تمنح أصواتهم كلمة مسموعة وحاسمة حتى لو أنها كانت على خطأ، أو عبر هيمنة من نوع (لا ثقافي) بالمرة، أو عبر تبوئهم (مراكز القرار) الحاسمة في الصحافة الثقافية ودائماً لسبب ولآخر لا يمت بصلة بالضرورة لقدرات بعضهم الإبداعية، أو عبر اختراقهم (لشبكة) العلاقات الثقافية الشخصية الواهية للغاية لأنها تقوم على المنافع المتبادلة وليس على أساس الرصانة والجدية.

غالباً ما تقوم قائمة البعض ثقافياً عبر هذه المحاور الثلاثة وما يشابهها، بينما تقوم (سلطة النص) على محاور أخرى مختلفة تماماً.
عندما تمتد الدورة الزمنية وتقوم بغربلتها الموضوعية، فإن بعضاً من تلك المحاور ستتهاوى، بالضبط كما تتهاوى أوراق الخريف. إن الغزل الدائب لأصواتهم (وهو ما يعرفه كل محرر في صفحة ثقافية، مبدعاً حقيقياً كان أم لم يكن) سيخبو مع خفوت حضور بعضهم غير المُبَرْهَن عليه إبداعياً، وأن سلطتهم في التحكم بمصائر النصوص التي لا تمتلك سلطة تشابه سلطتهم، سوف تتضعضع، حتى لو كانوا من المشهود لهم بالباع الطويل بالإبداع الحقيقي وحرقة الكتابة. إن مثال الشاعر المبدع سليم بركات هو مثال دال في هذا السياق. عندما كان سكرتيراً لمجلة (الكرمل) المشهورة وذات السطوة الثقافية، فإن وقع فعله كان محسوباً وصداه عالياً، فقد كان الغزل الفاحش يتهافت عليه من كل حدب وصوب، وعندما اعتزل هذه السطوة، أو اعتزلته، فإنه يكاد يذهب إلى منطقة تشابه المناطق الحميمية التي يسكن بها المبدعون أمثاله. عندما تهاوت سلطته، ورغم سطوة نصه المبدع، فإن تهاوياً مماثلاً قد حدث لسلطته الشخصية. ما أغرب منطق الأشياء الخفية؟

لا يبقى إلا الصحيح كما كان أسلافنا يقولون، وحسناً ما قالوا. إشارتهم هذه تحيل إلى فكرة (الزمن) وفعلته التي لا تنجم عنها سوى غربلة الأشياء وتنقيتها. لا معنى لفكرة (الزمن) الفاعل بالنسبة للمنتشين بمجد اللحظة المتسلطة، وربما تشكل عندهم ضرباً من أوهام الماضي. إننا لا نرى رأيهم، ونظن بأن ثمة شيئاً من الحصانة في منطق التاريخ. إنه يُجري تعديلات أساسية على المسارات المنطلقة من حسابات خاسرة منذ البدء.

سلطة النص التي لا يمتلكها من لا يمتلكون سطوة مؤسساتية، تتجلى اللحظة كحقيقة مقيمة في الثقافة قبل غيرها من ضروب الممارسة البشرية.
لا نتكلم عن (سطوة النص) بالضرورة كما يتكلم (فوكو) الذي لا ينفي البتة، خلافاً لقراءة قام بها حاتم الصكر مؤخراً، أن سلطة مثل سلطته يمكن أن تُستلهم أحياناً من تسلط آخر (وهو ما يبرهن عليه عنوان ومضمون كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق، حيث قوة الخطاب الاستشراقي مستندة ومتأسسة جزئياً على قوة الحقبة الاستعمارية)، كما لا ينفي أن سلطته يمكن أن تكون مستمدة من قوة فعله الإبداعي والروحي في لحظة محددة.

نتكلم عن سلطة للنص في العالم العربي حيث أن من لا يمتلكون أية سلطة أخرى قد تمكنوا من امتلاك واحدة، فريدة وجبارة، هي سلطة الكلام ذي المعنى الذي يحترم بعمق قوانين الكلام، أي ببساطة سلطة الكلام الخلاق. لم يكن (فوكو) معنياً بسلطة تشتغل ضمن سياق عربي محدد القسمات ومختلف المشكلات حيث الديمقراطية المعممة في ثقافته الأوربية تسمح بالتفريق بين (سلطة النص) و(السلطة السياسية) وما يشابهها، في حين أن التدخلات الفظة من كل نوع في ثقافتنا تقود إلى اختلاط مريب بين الإبداع وبين كل سلطة. لا يبدو لنا أن فوكو كان قد انتبه إلى مثل هذا الاختلاط العامل في سياق آخر غير السياق الأوربي، وهو ما يتوجب أن يتنبه إليه بعض النقاد ممن تشكل علاقتهم بكل سلطة مشكلة حقيقية.

ما هي سلطة الشاعر المحروم من أية سلطة مؤسساتية، والزاهد، جوهرياً، بكل سلطة؟
إنها سطوة الكلام لوحده في الضمير الحي.

 

 

رجوع ....

أقرأ أيضاً: