الموقع الأساسي الذي يحتله رينيه شار ( ولد في 14 حزيران 1907 وتوفي في شباط 1988) في الشعر الفرنسي الحديث يقع في انحنائه على لغة شعرية مغايرة عليها أن تتضمن الفكر ذاته. سيتلبس الفكرُ اللغة وتتلبسه لدى شار، وهو يهتم بالشعر بوصفه ممارسة منغلقة على نفسها قليلا لكنها ممارسة تقول. كما يستثمر كتابة شعرية لا تتجاهل رامبو وهيغل، بودلير وهايدغر في آن واحد. ويطلع من تقاليد الشعر والفلسفة كليهما.
"شعر وحقيقة، كما نعلم، هما رديفان" يقول شار في (مشاطرة شكلية).
تتفتح قصيدة رينيه شار على تخوم بعيدة، لغوية ووجودية، حتى أن المفردتين: الكائن والوجود، وملحقاتهما مثل الشرط البشري والفعل، تتكرران في شعره وتسكنان لغته، كأن الكينونة في تفتيش دائب عن شرطها. شرط مقذوف ومتروك إلى المطلق، إلى الشمولي، إلى الكون، لكي لا يكون شار لذلك شاعرا أرضياً، شاعر التفاصيل أو الحالات رغم أنه ظل يستثمرها كلها في شعره، ويلتصق بها، خاصة أثناء انخراطه في المقاومة ضد الاحتلال الألماني لفرنسا، لكن مانحاً إياها على الدوام معنى شعرياً، عبر أرضي، وواضعاً إياها في سياق رؤيته للعالم. إن نصوصه في هذه الفترة دالة، ولا ينبغي تهميشها أو التفريط بشعريتها المختبئة في ثنايا النثر: النثر والشعر مَعْنَيَان يختلطان لدى شار مثلما يختلط الشعر بالفلسفة، ومن الصعب فك الارتباط بينهما إلا بعسف شديد. تلك القصائد، خاصة (مشاطرة شكلية) تكشف عن وجهي شار المزدوجين، الشاعر مفكراً، والشعر منثوراً (أو النثر وقد انداح إلى أفق الشعر، سيَّان). لقد مارس شار الأنواع الشعرية المتاحة في لغته: القصيدة المنثورة، نثر البداهات (أو الحِكَمي)، البيت الشعري (أي الوحيد)، المقطع الشعري، القصيدة المسجَّعة وغير المسجًعة، المقسَّمة إلى مقاطع (أدوار) كمية غير متعادلة، البيتين المتكونين من صفين، المقطع الثلاثي، الرباعية الحرة، السطر غير المتساوي ، القصائد الطوال والقصار، مكتنزاً بالحماس نفسه والسيطرة على الأدوات ذاتها، لكنه لم يتوقف عن اختطاط طريقٍ ولغةٍ له هو وحده، تتجمهر حول مفهوم مغاير في الكتابة، يشي ويفضح في عيون قارئ أجنبي، عربي وغير عربي عن صعوبة مؤكدة، أصعب، على ما يقول الناقد الإنكليزي س. أ. هاكيت من "أعمال إيلوار أو فاليري، أو من شعر أندريه فرينو وايف بونفوا من بين شعراء عصرنا". ويعتقد أن "نوعية هذه الأعمال نفسها هي التي تجعلها صعبة: كثافة مادتها والتوتر الحاد لأسلوبها". كما احتشادها بالتفكير. إنه يستخدم في (مشاطرة شكلية) كلمات تنتهي إلى الفلسفة بصلة وثـقى: Démiurgie القادمة من الاسم Démiurge الذي منحه أفلاطون للإله مهندس الكون، والتي تعنى في المجال الأدبي خالق أو منشِّط العالم. والمفردة immanent(e) التي هي مشكلة حقيقية بالنسبة للترجمة العربية ويقدِّم لها (المنهل) التعريفات: "ماثل (في طبيعة أخرى)، متأصل في. سبب ملازم: علة موجودة في الموضوع الفاعل. عدالة ثابتة: عدالة يرتكز مبدؤها على الأشياء نفسها" وهذه ترجمةٌ مختصرةٌ أمينةٌ لمعنى المفردة في القاموس الفرنسي (روبير). كما مفردتان من حقل النحو: إسنادي attributive ولازم intransitif. هاته المفردات تشتغل بالطبع في السياق، وتتخذ معنى في النص الفرنسي إلا أنها تستعصي قليلا على عربيتنا وتنمحي معانيها الأصلية التي يريدها الشاعر، ربما وضع المترجم بالنسبة للأولى (نار خلق) التي لا تحتوي على الظل والمرجع اليونانيين، وسيضع بالنسبة للثانية (ماثلة) دون نكهة فلسفية، بل صفة عائمة وتعميمية. في حين أن الكلمتين (الإسنادي) (لازم) لا تقولان إلا غامضاً لا ينتمي إلى الحقل الدلالي الذي تريده إشارات النص الفرنسي. إن فعالية شار الشعرية المتنقلة من رحبٍ إلى رحب، من حقل في القول إلى آخر تستوجب، بداهةً، مقدرة رفيعة على تطويع اللغة واستثمار الخصائص التي تضعها تحت تصرف الشاعر، وهو أمر يضع المترجم، خاصة الناقل إلى لغة لا تنتمي إلى لغة الأصل بقرابة عائلية (كالعربية مقارنةً بلغات لاتينية تتبادل المفردات وطرائق القول فيما بينها أو بالمجموعة الهندو-أوربية التي تظل من بعيد على الأقل تتفاعل وتتماس عبر بعض الأساسيات كامتلاكها لفعل الكينونة من بين أشياء أخرى...الخ)، نقول يضع المترجم في الحيرة ويفتح أحياناً باب الاجتهاد على مصراعيه. تصير ترجمة شار بمثابة امتحان على عملية الترجمة برمتها التي ليس عليها فقط استبعاد الحرفية وإنما التفكير مجدداً بوظائف اللغة ودلالاتها. يقول مترجم شار إلى الألمانية فرنتس فورم أن "الترجمة الحرفية تقوم على أساس الوهم القائل أن قانوناً أعلى يمكن أن يدير التطابقات بين الكلمات من لغة إلى أخرى، عندما يتحقق هذا القانون فإن التطابق يصير بداهة. لكن القوانين لا تفسِّر شيئاً: إنها تصف فحسب..." . يغدو مهماً هنا التذكير أن لا جدوى من أية مقارنة بين اللغات وطرائقها في القول، والتذكير أن محاولتنا لا تسعى إلى ذلك وأن الحوار العنيف أحيانا الذي قد يدور حول دقة الترجمات إلى العربية والتشكيك بقدرات المترجمين ومعارفهم ليس حوارنا ولا يعنينا، فإننا سنتوقف حتى عند ترجمتـنا ونعاود طرح الأسئلة عليها. نشير نحسب إلى العوامل التي تبدو لنا مؤثرة مباشرةً في تكوين لغة شار وفي ترجمتها. مناسبته هي مناسبة لطرح الإشكاليات المتنوعة المتعلقة بنقل لغة إلى لغة أخرى، نقل الشعر من موطنه الأصلي إلى تقاليد تختلف لغوياً وتخيليّاً، إلى جغرافيا مغايرة، ليزداد الأمر تعقيداً إذا تعلق بتقاليد مارقة أصلاً على التقاليد كما هو حال شار في الشعر الفرنسي. إن أوّل الحقول اللغوية - الشعرية: حقل المفردة نفسها إنما هو، لدى شار، صرامة اختيار كبيرة ومعرفة ضاربة الجذور باللغة الأم، وهو تلاعب على المعاني التي يمكن أن تتضمنها وتمنحها هاجسها الشعري ومعناها المتأرجح بين إمكانيتين أو أكثر. ثمة الكثير من المفردات التي يتلاعب شار على معانيها الفرنسية المتعددة. بداهة في لغة الشعر، نعم. لكنها تتعقد وتتداخل لدى شار وتبعث على الاحتراس والريبة، فمفردات مثل: Ovaire الدالة على مَبيْض المرأة والنبات والتي قد تعني جرن البيض (ترجمناها: حاضنة)، souteneur التي تعني قوَّاد القادمة من الفعل أيَّد، ناصر، affranchi المتنوعة المعاني الذاهبة من العبد الطليق إلى الرجل المتحرر من الأفكار المسبقة أو العائش على هامش الأخلاق الساندة (هاتان المفردتان تأتيان في قصيدته "صحائف هيـبنوس" وفي سيان الحديث عن جاسوس في صفوف المقاومة، لذا يستخدم شار مفردات سلبية لكن غير مباشرة). وchiendent التي تعني نبات النجيِّل أو العكرش المضر والمستخدمة استعارياً بمعنى صعوبة أو ارتباك، والمفردة pieuvre التي تعني إخطبوط ولكن أيضاً، كما في العربية، بمعنى جشِع، و flair بمعنى الفطنة ولكن أيضاً حاسة شم الكلب، و timbre المتنوعة المعاني: طابع، رنَّة...الخ وعندما يتحدث عن لندن أثناء المقاومة فهو يستخدم لها الصفة ondée التي تعني أشياء كثيرة مثل التموج من الموج والغيمة القادمة متماوجة (المزنة)..الخ، لكن شار لم لا يريد سوى إذاعة لندن التي كان يسمع عبرها أخبار المقاومة!. والمفردة furieالتي يلعب على معناها الميثيولوجي الإغريقي المشير إلى ربات الجحيم: اليكتو وميجير وتينزيفون المكلفات بتعذيب المجرمين، ودلالتها الراهنة المشيرة إلي الغضب والسخط والسِعَار. هي كلها مفردات تشتغل في مجال عملين اثنين: حرفي واستعاري. إنها تُستخدم في الحقيقة كاستعارات بحد ذاتها. إن ترجمته تغدو، في المرات القليلة التي تُرجم فيها إلى العربية، محض تأويل صافٍ (أليست الترجمة تأويلاً بمعنى من المعاني على أية حال؟) ومحض قراءة ممكنة للجملة كما هو الحال في ترجمة وضاح شرارة التي يمكن مناقشتها بوصفها توكيدا على صعوبة شار في لغة أخرى. بينما تحافظ ترجمة كاظم جهاد ، وهو مترجم ممتاز، على المسافة الضرورية مع النص الأصلي وتتبقى دالة لجهة قدرتها على تبين شذوذ وخصوصية شار التي يمكن أن تُصيب أفضل المترجمين بالارتباك، وفقدان السيطرة، والإنحكام بممارسة تأويل بعيد إزاء شاعر أساسي. تتبقى هاتان الترجمتان، من الناحية الكمية، غير وافيتين . لم يفعل شرارة سوى نشر بضعة نصوص قصيرة في كتاب من 24 صفحة فحسب من القطع المتوسط يتضمن الأصل الفرنسي. بينما نشر جهاد في إحدى الدوريات منتخبات قيمة من 24 صفحة أيضاً من القطع الكبير، محاولاً إعطاء فكرة وافية عن مختلف مراحل شار. لم نقرأ في أي منهما ( لأننا سنترك ترجمة بول شاوول المبتسرة، المختصرة، التي يبدو جلياً تجنبها لشار الحقيقي في كتابه عن الشعر الفرنسي المعاصر) نصاً أساسياً طويلاً يستطيع منحنا بهجة المثال الأكيد لقصيدة شار. وفي ذلك إشارة أخرى إلى الاحتراس والحذر الذي يسم التعاطي العربي مع رينيه شار. ينبغي اعتبار الأمثلة أعلاه والإشارات المرافقة لها كأمثلة جد عمومية عن صعوبات يحتمل أن شعر شار مثقل بها رغم أن بعضها وافرة الحضور لدى شعراء آخرين من لغات أخرى، لأن الصعوبة الحقيقية والأمثلة الأكثر خصوصية عن الصعوبة المزعومة في نقل شار تكمن في مكان آخر:
في بنية اللغة الشعرية ذاتها وطرائقها في استخدام الجملة، أو بعض تفاصيلها، وفي طريقة اشتغال المخيلة نفسها، الممتدة، المتراكضة، المترامية الأطراف غالباً، وهذا أمرٌ مهم يتوجب الانتباه إليه. إنها صعوبة تقع في مكمنين اثنين محتملين: طول جملته الشعرية، المنثورة خاصة، التفافاتها، تقديمها وتأخيرها لبعض الصيغ والفواعل والمصادر وغيرها، التي تتراكم كلها في بعض المقاطع، كما في المقطع رقم XV مثلاً من قصيدته (مشاطرة شكلية) من ترجمتنا: " في الشعر، كم من المتدربين في أيامنا يتعهدون في الحبة الواقعة في الصيف الباذخ، من بين أحصنة الكوريدا النبيلة المختارة حصاناً خيطت للتو أحشاؤه التي تخفق بالغبار المقزز! حتى يعلن الصمَّام الجَدَليُّ حكمه العادل على هذا الخطأ غير المقبول في شخص كاتب كل قصيدة معمولة بغش". هذا احتمال لترجمة قلقة ذات طبيعة تأويلية، قادمة من الاستطالة المريرة للجملة الأصلية. وفيه يمكن مثلاً الاستعاضة بالمسارِّين عن المتدربين، وإضافة الفعل (يلزم) بعد(كم) كما إضافة قبل الفعل ( يعلن ) العبارة (حتى الوقت الذي يعلن فيه)، وقوله باختصار كله بشكل آخر. وفي ترجمة جهاد نقرأ: "... ومع الزمن، فجَّر العرقوبان التوأمان الليل المخيف للمعدن المتضايق في جوف الأرض" التي لا يُكتفى فيها بتوابع الفعل الأساسي وإنما يُستمر في الامتداد والتحدث عن الملاحق وإسباغ الصفات على البقايا، كأن النص يتسرب في الاتجاهات كلها مسبباً لترجمة أمينة وحرفية إزعاجات من كل نوع. إنها جملة تتراكم وتتشعب فجأة حتى وهي تتول سهلاً، ففي ترجمة شرارة نقرأ: "تؤدي العوالم القديمة إلى أخرى، ضريرة، شموسها"، وبغض النظر عن دقة أو عدم دقة الفعل يؤدي فإن الشاعر قد وضع مسافة طويلة بين الفعل في بداية الجملة وبين محموله في نهايتها، شاحناً جملة قصيرة مثل هذه بصفة اعتراضية (الضريرة). هذا مثال مباشر وأولي, لأن هناك أمثلة مدوِّخة للتشعب. تشعب لا يشير سوى إلى غنى عالم الشاعر الداخلي واحتفاظه بروح سوريالية عزيزة عليه وإن اتخذت نمط خيال لا يجمح مجاناً كما في أسوأ ضروب الشعر السوريالي. امتدادٌ موزونٌ، أكاد أقول مدروس ومتزن. بل إن مقدرة شار على اللعب على مذكر ومؤنث بعض الكالمات في المقطع الواحد يمكنها أن تحيل إلى التباس مقصود، ذي مغزى، لا يُعرَف معه فيما إذا كان الشاعر يتحدث عن هذا أو ذاك. وعلى سبيل المثال ففي القصيدة المذكورة نفسها ربما كان الحديث يجري عن (القصيدة) و(النار) - بل عن (الشاعر) طالما أنه لا يتوقف عن استحضاره في ثنايا النص- جميعاً، وهي مفردات مذكرَّة في اللغة الفرنسية، ستُستخدم في المقطع التالي على الشاكلة أدناه:
" لنَجْتَزْ مع القصيدة نشيد الصحارى،]لنَجْتزْ[ الاستسلام لجنيات الغضب، ]لنَجْتزْ[ النار التي تعفِّن الدمَوع، لنَدُرْ على كعبـ (ـا)، لنصلي لهـ(ـا) ، لنُهِنْهـ(ـا)، لنُعرِّفهـ(ـا) كتعبير عن عبقريتـ(ـه) أو كحاضنة عوز (ـه) المهشَّمة. ومن ثمَّ لنقتحم، ليلةً، أعراس الرمانة الكونية إثرهـ(ـا)"
Traverser avec le poème la pastorale des déserts, le don de soi aux furies, feu moisissant des larmes, courir sur ses talons, le prier, l’injurier, l’identifier comme étant L’expression de son génie ou encore l’ovaire écrasé de son appauvrissement. Par une nuit, faire irruption à sa suite, enfin, dans les noces de la grenade cosmique”
إننا لا نعرف على وجه اليقين فيما إذا كان المقطع يتحدث عن الشاعر أم عن القصيدة أم النار رغم بداية خطابه الواضحة "لنجتز (ليُجتز...) مع القصيدة" موحياً أن الجمل اللاحقة ستتعلق بها هي وحدها الأمر الذي لا ينسجم بالضرورة مع المقاطع السابقة كما لا ينسجم مع قراءة متسقة للجملتين اللاحقتين في المقطع نفسه، لأننا يمكن أن نقرأ المقطع بطريقتين: معتبرين أنه يتحدث بدءاً من الجملة الثانية في المقطع، عن القصيدة أو النار كليهما بالتباس مقصود، لنقرأ:
لندرْ على كعبها، لنصلي لها، لنهنْها، لنعرفها كتعبير عن عبقريتها أو كحاضنة عوزها المهشَّمة. ومن ثم لنقتحم، ليلةً، أعراس الرمانة الكونية أثرها.
وهو قراءة لا نثق بها، لأن من الصعب أن تـُعرَّف القصيدة أو النار كتعبير عن عبقريتها هي نفسها. لكننا يمكن أن نعتبر النص يتحدث عن الشاعر نفسه، لنقرأ:
لندر على كعبه، لنصلي له، لنُهنْه، لنُعَرًفُها كتعبير عن عبقريته أو كحاضنة عوزه المهشَّمة. ومن ثم لنقتحم، ليلةً، أعراس الرمانة الكونية إثرها.
وهي قراءة لا نثق بها أيضاً، لأن ليس ثمة من رابط قوي يسمح لنا بتأويل أنه يتحدث بالفعل عن الشاعر بسبب عدم اتساق المعنى الداخلي للجملة. أو يمكننا ثالثة الافتراض بأن الشاعر أراد القصيدة والشاعر في آن (الاثنان مذكران بالفرنسية) تكون معه قراءة من قبيل قراءتنا معقولة ودالة:
لندر على كعبها، لنصلى لها، لنُهنها، لنعرفها كتعبير عن عبقريته أو كحاضنة عوزه المهشًمة. ومن ثم لنقتحم، ليلةً، أعراس الرمانة الَكونية أثرها.
هذا مثال دال للغاية على المُضْمَر، على التباس مقصود في قصيدة شار عليه تنشيط الترجمة والمخيلة، لأنه يندغم، من جهة أخرى، بطريقة استخدام المصدر اللاتيني الذي سنشير إليه لاحقا ببعض التفصيل. سنلتقي بمثله في جُمَلٍ أقل طولاً، يترجم جهاد: "أن نكون (رواقيين) هو أن نتجمد في عيني (نرجس) الجمليتين. لقد أحصينا الألم كله الذي كان الجلاد سيقدر أن ينتزعه من كل بوصة من جسدنا، ثم بقلب معصور، ذهبنا، وواجَهْنَا". واجهننَا ماذا؟ لا يقول النص شيئاً وينقطع فجأة، انسجاما مع إرادته بالانفتاح على أكثر من احتمال ولأنه يودّ مواجهة (الأمر) كله وليس الجلاد مثلاً، لوحده.
بينما تقع الصعوبة الثانية في استخدامه الوفير لمفردات يسميها موريس بلانشو بالمحايدة أو القريبة نحوياً من الحياد. وهى صنف من الكلمات التي لا يعرفها عقل اللغة الفرنسية وغير موجودة في قواعدها المرتكزة، فحسب، على المذكر والمؤنث، كما لا تعرفها، بالطبع، لغتنا العربية. إنها موجودة في الألمانية مثلاً. سوى أن بلانشو في مقالته المعنونة (رينيه شار والفكر المحايِد) يسوق أمثلة يمكنها الاقتراب الحثيث من حيادية ما كامنة في صيغ فرنسية معينة، من قبيل Le prévisible, mais non encore formulé المتوقــَّع لكن غير المُصاغ بعد و l'absolu inextinguible المطلق متعذَّر الإخماد وl'impossible vivant المستحيل الحيّ و essentiel intelligible'L الجوهريّ المعقول و I'infini impersonnel المطلق اللاشخصي و Transir الارتعاد و Attenants المُلطــَّف و I'obscur المُعْتِم. ويمكن إضافة "المفاجئ", "الذي لا يمكن محاكمته" "الممكن" "المفهوم" "اللامحدود"....الخ. إنه قاموس من الصفات والتعبيرات بل الأفعال المحايدة جنسياً تستخدم بوفرة لاحظها بلانشو، واستـنبط منها وظيفة جوهرية، وذلك عبر ربطها بمفهومه المجهول inconnu المتكرر بإلحاح في شعر شار. إن المحايد، أي المفردة التي تتقنع بحيادية شكلية معينة إنما تريد الفرار من نمط تفكير، من صرامة الوعي المؤطَّر بثنائية (المذكر والمؤنث) نحو اندغام آخر بالمجهول الكوني. إنها تهجر، إذن، انشطار الكائن إلى مذكر ومؤنث، وتروح كما يقول بلانشو "فيما هو غير عام، غير نوعي (أو جنسي) مثلما في ما هو غير ذاتي" مشدداً على أن " المجهول هو فكر على الحياد، وأن الفكر المحايد هو تهديد وفضيحة للفكر" وخالصاً إلى أن "احتضان المجهول في الكلام بتركه مجهولاً (يعني) بدقة عدم أخذه، عدم الاشتراك بأخذه، هو رفض التماهي به (....) هو الدخول في مسؤولية الكلام هذه التي تتكلم دون ممارسة أي شكل من السلطة..." . إنها تشكّل لذلك طبيعة خفية في الفرنسية يفتش لها بلائشو عن أصول في تاريخ الفكر الفلسفي الغربي، ملتقياً ببعضها لدى هيراقليط. وفي العودة إلى مسألة الترجمة فإن ترجمة صيغ حيادية، لا جنسية، لا يوفِّر شار مناسبة من أجل وضعها في نصه، ربما أدت إلى الارتطام ببنية تفكير القاعدة العربية الصارمة في هذا المجال، وأدت إلى تذكير الجملة برمتها، لأن ترجمة أيما صيغة من هذه الصيغ ستميل عبر ضرورة لغوية عربية ما إلى استبعاد الشحنة المحايدة فيها، فـ "المتعذر الإخماد" يأخذ طابعاً ذكورياً واضحاً في العربية لا تتضمنه الصيغة الفرنسية، لكي تنطفئ أو، أقلها، تقل دلالة المفردة ومفعولها، مترجمةً. من جهة أخرى لا تحتفظ العربية بنفس الاقتصاد الذي يسم هذه المفردة الفرنسية الوحيدة. فالعربية تميل إلى تشكيلها من أكثر من كلمة واحدة: (الذي- لا- يمكن- إخماده) أو (لا يُخمد) ساحبة معها ظلالاً من غموض كثيفة، وإلى تطويل للجملة ومدَّها، مفقرة الدلالة ظاهرياً وموحية بالافتعال. يترجم شرارة: "...(الخارج على المتعارف) يدعو بإشارة بيضاء من ذراعه ما يأتي صوبها، وساكتاً يذهب بها" هي ترجمته الحرفية للصفة inconvenable (غير ملائم، غير لائق، غير مناسب، غير موافق) التي نقلت قليلاً مركز الاهتمام بسبب طولها من الأساسي في الجملة إلى حقل عمل آخر. ونقرأ في ترجمة كاظم جهاد: "...قبل أن يصبح الليل متعذراً على العثور" التي يمكن قولها بطريقة أخرى ملائمة للعربية: قبل أن يُفتقد الليل، قبل افتقاد الليل، قبل أن يُضاع. في ترجمة نصوص شار المتضمنة محايداً يبدو أن لا مفرّ من اثنين: أما الخضوع لمنطق لغة الشاعر، أي اللجوء إلى الحرفية. وأما التفكير بالطرائق العربية وبمنطقها، أي منح التأويل أوسع حيز ممكن.
وبين هاتين الصعوبتين ثمة عناصر بنيوية أخرى في طبيعة العربية لا تساهم إلا بتعقيد الترجمة عموماً ولدى شار خصوصا: افتراق العربية في النظر إلى معنى المصدر infinitif. والطبع فإن هذا الأخيرة يُستخدم في الفرنسية العادية، النثرية والمحكية، وهو من طبعها الأصيل وليس خصيصة لأحد. غير أنه يبدو لنا وكأن شار يلح عليه إلحاحاً ذا مغزى. فثمة لدى شار بدايات وفيرة من الخطابات والنصوص تستند وتتوقف لدى مصادر الأفعال الفرنسية التي لا نمنح إلا الحالة البتول للفعل والتي هي على حد تعبير أحد القواميس الفرنسية: "الشكل الإسمي (الصيغة اللا شخصية) المعبِّر ببساطة عن فكرة النشاط أو الحالة، بطريقة تجريدية ونكرة". حالة ل يكون شار بمنأى عنها بسبب استثماره لصيغة المصدرية كحالة شعرية: تجريدية من جهة، وذات مسحة من المجهولية، من التـنكير من جهة أخرى، من أجل اكتمال مشروع الشاعر الفيلسوف المعنيِّ بالمعنى الأشمل، بالنشاط الأكثر تجرداً.
لكن صيغة المصدر الفرنسية لا توجد في العربية ولا تطابق معنى المصدر العربي، فالفرنسي يتبقى (فعلاً) بينما هو في العربية (أسم) وحالة من حالات الفعل واشتقاق منه. ففي اللسان (ج 9 ص 2413) نقرأ:"قال الليث: المصدر أصل الكلمة التي تصدر عنها صوادر الأفعال، وتفسيره أن المصادر كانت أول الكلام، كقولك الذهاب والسمع والحفظ، وإنما صدرت الأفعال عنها، فيقال ذهب ذهاباً وسمع سمعا وحفظ حفظا، قال ابن كسيان: أعلم أن المصدر المنصوب بالفعل الذي اشتق منه مفعولٌ، وهو توكيد للفعل، وذلك نحو قمتُ قياماً وضربته ضرباً إنما كررتُه..". سوى انه يمكن الافتراض أن الكثير من مؤلفي المعاجم العرب الأقدمين يعتبرون صيغة الفعل الثلاثي أصلا، لكنه أصل سيحيل دوماً أما إلى الماضي: ذَهَبَ، وأما سيشيع صيغة مُتحذلقة: قَوَلَ مثلاً لتفسير قال، صيغة قاموسية لا ترِدُ في الاستخدام اللغوي السائد، في الكلام وتتبقى دوما في حدود الماضي. أنها جزء من اللغة، القاموس، وليست جزءا من طريقة الاستخدام الأدبية والشخصية للغة.
سنحاول توضيح الفكرة عبر مثالين. عندما يقول شار في المقطع XXV من (مشاطرة شكلية): "أن نرفض ]ترفض، يُرفض، رفض [Refuser قطرة المخيلة التي تـنقص العدم هو أن تـتكرس ]نـتكرس، يُتكرس، التكرُّس [se vouer لصبر إعادة الشر إلى الأبدي الذي منحنا إياه" مستخدما الفعل بصيغته المصدرية، فإنه لا يُخاطب أحداً بعينه، راغباً بالإنقذاف في حالة كينونة غير مُشَخْصَنَةٍ وعصيّة على الزمان، ستُجهد الترجمة باختراع فاعل واضح لها أو الاكتفاء بإحلال الاسم (رَفْض) محل الفعل الفرنسي. لهذه الملاحظة أهمية استثنائية وليست مجرد تحذلق شكلاني، لأن الشاعر يصرّ على البقاء في حالة الفعل، النشاط، الديمومة، ولو كانت مجردة وعريضة، ولم يكن يريد اسم الفعل أو مصدره المتوفرين بالطبع في الفرنسية. إننا لا نستطيع القيام بذات الأمر في العربية، فالبقاء في حالة الفعلية إذا صحّ هذا التعبير يستلزم إيجاد اثنين: مخاطـَبٌ بصيغة جمع أو مفرد ثم زمان للفعل محدد تحديداً صارماً يراهما القارئ الكريم في الفرضيات التي وضعنا أمامه، لا يفعلان سوى الابتعاد بهذا القدر أو ذاك عن المعنى الأصلي، بل يميلان بوضوح، ولهذا دلالة أخرى، إلي تذكير الفعل بالضرورة، إلى شحنه بقوة مخاطـَب وفاعل مذكـَّر، وللموضوع تتمة طويلة لا مجال لها هنا.
المثال الثاني أكثر إحراجا وأبعد دلالةً، بسبب ورود الفعل mourir في حالته المصدرية الهندو- أوربية هذه، وهو من المقطع التالي مباشرة من النص ذاته: "أن تموت ]نموت، يموت، الموت[ هو فحسب أن ترغم وعيك...الخ" من ترجمتنا. وفي ترجمة وضاح شرارة نقرأ كلمتي الدخول والموت: "آه إنه لخاسر مواضعته ذلك الذي لا يميز على مرآة بيته الزائلة إلا كلمتي دخول وموت" مثال يضيء، جلياً، المشكلة في إطار نص رينيه شار. إننا إزاء فعل واضح وليس اسماً، بل فعل أساسي من أفعال الوجود. شار يريد الموت بصفته (نشاطاً) وجودياً: إنه لا يتحدث عن موت رجل يموت، بل عن فعل الموت نفسه. لا يبدو التفارق طفيفاً هنا بل هو من طبيعة حاسمة، ومؤثرة مباشرة في التركيب المزاجي والفكري لشعر شار، وقبل ذلك لتلك اللغات التي تستخدم أصول الأفعال، أي ما نسميه في العربية بالمصدر، كتوصيف للفعل في حالته المجردة.
وبعبارة أخرى فإن هجران الجملة الاسمية لصالح جملة فعلية في شعر شار، عبر المثالين الموصوفين أعلاه، يؤديان وظيفة شعرية لا تخطؤها العين: المشاركة الدائمة . المثابرة كما قد يقول شار، في فعل الوجود. على الترجمة، أو القراءة الواعية، أن لا تتجاهلها. وإذا فعلت مجبرة فإنها ستمنح ترجمة ملتبسِة كما يفعل شرارة وهو يترجم: "النوم في الحياة، اليقظة بالحياة، معرفة الموت ، يترك ]المرء[ مدقعاً موسوس الفكر، مرتث الجنبات" مستعيضاً عن جميع المصادر الفرنسية في الأصل، أي أفعال: النوم واليقظة والمعرفة، بمصادر عربية (أي بأسماء صارخة)، كما متأولاً الفعل (يترك) بطريقة غريبة. هل يمكن للترجمة أن تتجاوز ذلك؟ حسناً فعل شرارة بوضع كلمة المرء بين مزدوجين، لأننا نجدها تقدم حلاً معقولاً للإبقاء على الفعلية والمجهولية في آن، ولكنه وضعها هنا في غير مكانها. إننا بدورنا يمكن أن نقدم ترجمة أخرى وفق هذا الحل:
"أن ينام ]المرء[ في الحياة، أن توقظه الحياة، هو أن يعرف الموت، ]هو[ عوزنا، ]هو[ الخواصر المرضوضة".
هناك عنصران آخران عموميان جداً من الزاوية اللغوية ومتداخلان يتعلقان بادئ ذي بدء بنظرية الترجمة، من الفرنسية إلى العربية بوجه خاص. لكنهما يَسِمَان لغة شار ويؤديان الوظيفة نفسها أعلاه، أولهما وفرة حضور صيغ المبني للمجهول التي تريد تخفيف حمولة الزمان وإلقاء تبعية الفعل على فاعل (غامض)، لنسمه (مجهولاً) منسجمين مع فرضية بلانشو بصدد طبيعة لغة وفكر شار. إن مَبنيَّه المجهول يتبقى متوحداًَ مع النية في خلق عالم شعري دون سلطة، يشترك الجمع الجميع فيه وفي قوله، لم يفعل الشاعر سوى التذكير به عبر طرائق القول المتوفرة لديه، إنه لا يفعل سوى تشييده، بنائه مجهولاً والتشديد على مجهوليته: "يُحتـفظ بمستوى من البرد الداخلي عبر عمل عضلي مكثف ولهذا يُلغى خطر الكائن المُلحَق بنفسه..." . إن العصي على الترجمة يغدو بشأن المبني للمجهول ممكنا لدينا، ثمة نقاط اتصال وثيقة رغم الإنهاك الذي فد يُصيب جملة عربية جرَّاءه. جملة لن تترجِم بدقة ثاني العنصرين: الزمن الشرطي الذي يسعى إليه شار والذي تعرفه لغتـنا بطريقة مختلفة جوهرياً. إن دلائل وأبعاد الشرطي في لغة كالفرنسية تـتـفارق بشكل شبه حاسم عن نظائره لدينا. وما قد يزيد الأمور تعقيداً هو هذا التداخل بين المجهول والشرطي في بعض الجمل. لا يفعل الشرطي ثانية، ودائماً ضمن مخطط سار الوجودي، سوى تبديد صرامة الأزمنة وضيق الأفعال وحدتها، كما، ولعله عنصر جديد هاهنا، إلقاء ظلال من الاحتمالية على الفعل: ففي جملة معتادة نحوياً، في الفرنسية مثل قول شار: "(إذا لم يستطع) الشاعر التأثير سراً في قول حقيقة الآخرين سوف لا تمتلك حقيقته مراتٍ معنى بالنسبة إليه" - ترجمتنا والأقواس (..) منا ثانية - نقف أمام ترجمة تجاهلت، مجبرة، فكرة الفعل الشرطي الفرنسي وقدمت بدلاً منه حلاً عربياً. لا يريد الشاعر في الحقيقة إلا شرطياً يمكن قوله حرفياً بطريقة من قبيل "إذا لم يكن بإمكان الشاعر التأثير سراً...الخ".
يتفتح الشرطي على الاحتمال فرنسياً ويُثري الزمان في حين أنه ضيقٌ أمام ترجمة حرفية عربية ومنغلق على إمكانية واحدة تقريباً، أو يحتاج إلى تحوير من نوع آخر يستجيب لعبقرية العربية. تزدوج الصعوبة أمام الشرطي وتتفرع.
من العبث التفتيش عن شبه مع أزمنة الماضي الفرنسية التي تلعب دوراً معتبراً في بناء عالم شار. مشكلة سيعاني منها حتى مترجم شار الألماني فرانتس فورم وهو يشير عن حق إلى عدم جدوى معارضة لغة بلغة ولكن يلتقي في جملة شار في "صحانف هيبنوس":
شفاء الخبز، وتجليس النبيذ (على الطاولة)
Guérir le pain, attabler le vin
(المقطع 184 من القصيدة) كل أنواع الصعوبات القادمة، يقول: "من قابلية الفرنسية على وضع الفعل بصيغته المصدرية قبل المفعول، بحيث تسقط في النتيجة من المصدر كل صرامة البداية. وخاصة عندما يجرى، في جملة شار، حذف كل معنى متعارَف عليه للفعل" . ماذا يقول المترجم العربي إذن؟
في ترجمة شرارة (قصيدة "الارتحال الطويل" مثلاً) ثمة تأويلات متعمدة لصيغ الماضي الفرنسية، نضعها أمام القراء مشيرين إليها بالحرف ( و) ونضع بعدها ترجمتـنا مشيرين إليها بالحرف (ن):
(و) لم أصرف همي إلى وجود آثار أكثر قِدَماً.
( ن) كنت قليل الاهتمام بإيجاد آثارٍ أقدَم.
( و) وبرغم أن العمر استولى عليها ، رَسَمت الأشكال الرهيفة على الغيمة شطوراً قلقة.
( ن) ورغم أنَّ الزمن قد أستحوذ عليها فإن الأشكال الأكثر رهافة كانت ترسم على الغمامة بقعاً مترجرجة.
( و) على هذا الوجه إلتقيتُ رجلأ غير مرهق، مُكوكِباً حوله أصناف الحرمان. رغبت بقوة في الابتعاد، إلا أنني من غير أن أميد ركضتُ إلى جنبه، صرتُ أكثر بديهة!
(ن) هكذا كنت ألتقي برجل غير منهَك محاط بكواكب الحرمان. كانت لدي رغبة شديدة بالابتعاد، وبدون اهتزاز ركضتُ إلى أطرافه، نحو (ما هو) أكثر بداهة!
وبالطبع فإن ليس ثمة تطابق بين الأزمنة الحقيقية وطريقة قولها، فصيغة مضارع عربية يمكنها التعبير مرات عن الماضي، كما هو حال الفرنسية أحيانا، حسب المعارف اللغوية والذائقة الجمالية للمترجم. إن التوقف عند صيغة واحدة في قول ماضي شار قد لا تضيء، في نهاية المطاف، النص نفسه. وإن قولها حسب شروط العربية وتقاليدها، قد تفعل: يترجم جهاد: " يُسِّرُّ لي أرشيدرك بأنه أكتشف حياته عندما تزوج المقاومة..." ويمكن أن تـُترجَم: "أسَرَّ لي أرشيدوك بأنه قد اكتشف حقيقته عندما اقترن بالمقاومة..."، مفضِّلاً هو ترجمة حرفية للزمن وقد يفضِّل آخرون زمنا لعله أقرب لروح العربية، من بين فروقات أخرى. لسنا معنيين هنا لا بنقد الترجمات المشار إليها، ولا بتوكيدها. أن همنا ينصرف، فحسب، إلى التثبُّت من صعوبة شار على المستويات كلها التي منعت ترجمة واسعة لأعماله في عربيتنا رغم التسابق المحموم بترجمة الأعلام، ووفرة العارفين باللغتين الناقلة والمنقول عنها.
تؤكد ترجمة وضاح شرارة لقصيدة شار (قبل القطاف) الصعوبة وتضيئها، لأنها مزدحمة بما هو خاص بلغة شار نفسها. إننا نجدها تلخيصاً بليغاً لصعوبة نقل شار من النواحي كلها. سنحاول أن نناقش الترجمة بدقة على ضوء الأفكار أعلاه وغيرها، مقترحين ترجمة أخرى. هاهو نص شرارة:
"بين النجوم الغضبى، مُخاطِبتـنا من غير تكليف، واحدة ترفع عقيرتها بالصيحة في وجهنا ثم تموت، وأخريات يلمعن عشية مستعَجلة ثم، وكأن أمراً لم يكن، يعارضننا. هل سيكنَّ دوما مشرفات في المجرَّة حيث نختنق أو نخنق؟"
Parmi les sorties violentes d’étoiles, nos tutoyeuses, une qui pousse un cri contre nous puis meurt, d’autres qui brillent une soirée d'impatience puis s’opposent, comme si de rien n'était, d'elles à nous. Seront-elles toujours surplombantes dans la Voie où nous étouffons où nous étranglons ?
الإلفة المروعة بين المواد السديمية وبين جوارها المتلألئ، الموشوم بالأحمر البشري، من قبل أن يُصنع هؤلاء، بل من قبل أن يُحفظوا أو يُرتـَّبوا، أو آن رَفَعتْ لهم رغبات اللاعبين المتألهين حظهم من التعاسة. القمر الأقرب، العطشان، يظهر في عين لحظة مياهنا الجارية".
L'effrayante familiarité des matières avec leur entourage rutilant baisé ou rouge des hommes, ceux-ci non encore composés, moins encore archivés, ou seulement dés que des forains divins les ont révèles à leur possible de malheur. La plus proche lune, I'assoiffée, se montrera au juste instant de nos eaux vives
"تنتهي صورة كثير من الوضاعة ومن الجرائم الفالقة الفراغ والرجاء على قدر الغثيان، المعلقة في البقية الباقية من الهواء. لسنا مادة ارتياب حيال الشعيرة الرملية المتروكة على ساحل القديسات المرهَق".
Prend fin le portrait de tant de nullité et de crimes fendant le vide autant que la nausée, en suspension dans le peu d'air restant. Nous ne sommes pas matière à douter devant le rituel sablonneux laissé au rivage exténué des Saintes
وهاهي محاولة أخرى:
ثمة من بين المطالع العنيفة للنجوم، تلك التي تخاطبنا من غير تكلف ، ] نجمة[ تطلق نحونا صرخة ثم تموت، وثمة أخريات يضئن في أمسية من التلهف ثم يعارضننا، كأن شيئاً لم يكن بينهنَّ وبيننا. هل سيبقين مطلات على الدرب الذي تضيق فيه أنفاسنا ونختنق؟
الإلفة المرعبة بين المواد السماوية ومحيطها المتوهج، الملثوم بأحمر البشر غير المتكونين بعد بل غير المتأرشفين، أو ]المتكونين والمتأرشفين[ فحسب عندما كشفتهم رغائب ]رجال[الاحتفالات الإلهيين إلى نصيبهم من التعاسة. سيطلع القمر الأقرب، الظمآن، في اللحظة ذاتها ]طلوع[ مياهنا الجارية.
لقد تمت لوحة الكثير من العجز والجرائم التي تُصدِّعُ الفراغ والأمل مثلما ]تصدِّع[ الغثيان المعلق في الهواء القليل المتبقي. لسنا مادة للشك أمام الشعائر كثيرة الرمل المهجورة في ضفة القديسات المنهكة".
مثال صارخ لصعوبة شار وما قد يمكن أن تجر إليه من أخطاء وعثرات. يحذف شراره الكلمة sortieالمؤنثة ويترجم الصفة (عنيفة) violente بالغضبى، معتقداً أن النجوم هي الغضبى وهذا ليس صحيحا فالنص يريد المطالع الغضبى =العنيفة ولا شيء سواها sortie violente !. ثم إنه يتوقف أمام عبارة شار nos tutoyeuses العصية التي لن تفيد معها ترجمة حرفية طالما لا تفرِّق العربية اليوم بين صيغة التبجيل وصيغة الخطاب الودي من غير كلفة، واضعاً المفردة (تكليف) الذاهبة إلى معنى الطلب أو الإلزام بدلاً من (التكلف) الذاهبة إلى معنى الاصطناع والقسر الروحي. ويترجم (أمسية مستعجلة) التي تختلف بالدرجة واللون والظل عن (أمسية من التلهف) التي هي استعارة جلية من قبل شار وليست صفة وموصوف. لكي يتوقف أمام جملة شار الغامضة المستغلقة التي يترجمها: (ثم، وكأن أمراً لم يكن، يعارضننا) غاضاً الطرف كلية عن البقية: d'elles à nous التي، يجب الاعتراف بأنهـا محيرِّة جداً ولا يمكن إلا تأويلها بمعنى (ما هو بيننا وبينهن) أو ( كأن شيئاً لم يكن طيلة المسافة بيننا وبينهن). ليتوصل لترجمة Voie المكتوبة بالحرف التاجي، وربما لأنها مكتوبة بالحرف التاجي، بمعنى (المجرة) مستهدياً بالمناخ العام للقصيدة المتحدث عن النجوم. وفي الحقيقة فإن المجرة هي La vioe lactée وهذا يُترجم حرفيا بالطريق الحليـبي، استعارة فرنسية جميلة لمرأى المجرة. هل كان شار يريد هذا اللبس بين الدرب العادي، الطريق، والمجرة؟ ِلمَ لا. نحن نقول في العربية درب التـبـَّانة. لكن ِلمَ لا نعتبره يتحدث ببساطة عن الدرب العادي الذي تشرف فيه علينا النجوم وتخنقنا وتضيق أنفاسنا كما يقول. هاهنا يستخدم شار فعلين رديفين تقريباً ترجمهما شرارة (نختنق ونخنق) ولم يُشكـِّل الفعل الأخير على جاري عادته في تحريك الكلمات المُشـْكِلة، وحتى لو فعل فلن يؤدي الفعل تماما وظيفته كما يريد الشاعر. تصيب النص كله عدوى هذا اللبس، فها هو يستخدم الصفة baisé القادمة من الفعل قبَّل، لـثـَمَ، في موضع مغاير للمألوف لتُـترجَم بالموشوم، ِلمَ لا مرة أخرى، لكن النص سيؤدي بمترجمه إلى ارتباك فادح للغاية عندما يترجم: "الموشوم بالأحمر البشري، من قبل أن يُصنع هؤلاء، بل من قبل أن يُحفظوا أو يُرتـَّبوا، أو آن رَفَعتْ لهم رغبات اللاعبين المتألهين حظهم من التعاسة". أين النص الفرنسي من ذلك؟ يبدو أن استطالة الجملة الأصلية أو طريقة قراءتها قد قادت الترجمة إلى تشوش بالغ. بوضعه لاسم الإشارة (هؤلاء) يتابع شرارة نقلاً محض حرفي مع الأسف الشديد. من هم هؤلاء؟ إنهم البشر: كلمة تسمح برباط وثيق مع ما سيلي وليس الصفة (البشري)، أما الفعل (يُصنع) فلا يُعادل الفعل الفرنسي composer: يتشكّل، يتكون. ولا يُعادل الفعل (رفع) الفعل الفرنسي révéler: كَشـَف، تجلى، وإنما يعادل الفعل relever. ثم ما الذي تعنيه "آن رفعت الرغبات.. حظهم من التعاسة"! جملة مضطربة كأنها مقطوعة من سياق ما، كأنها نسيت سياقها لأن النص يتفلت بين يدي المترجم ويتشظى ولو كان معناه متخفياً في ثناياه. هناك الكلمة forain التي لا تعني (لاعبا) بل أولئك الرجال الذين يأتون أثناء الأعياد والاحتفالات وينصبون أراجيحهم وألعابهم مثلما يحدث عندنا قليلاً أثناء العيد. لقد وضع المترجم الفعل (يظهر... القمر) بصيغة المضارعة وهو في المستقبل في النص، الأمر الذي تسمح به العربية للتعبير عن الآتي، في حين أن ترجمتنا تضع الفعل (تمَّ) في المقطع اللاحق بصيغة الماضي وغم أنه في النص في المضارع ضمن تقدير جمالي بأن فعل الانتهاء ينبغي أن يتسق مع الماضي. لا يتوقف النص في هذا المقطع عن إثارة المشكلات، فشرارة يترجم (صورة) لكلمة بورتريه مثلما يصرف النظر في نص آخر غير هذا عن الكلمة paysage (منظر طبيعي، رسم طبيعي) بما يدل على عدم اشتغال أحد حتى اللحظة في اللغة العربية المعاصرة على اشتقاق وتوليد ما يكفي من المصطلحات التشكيلية. يقول: "...ومن الجرائم الفالقة الفراغ والرجاء على قدر الغثيان، المعلقة في.." وترجمة (على قدر) لـ Autant que ليس صحيحاً لأن هذه تعني هنا (مثلما، مثل، كما) بينما (المعلقة) فلا تتعلق بالصورة أو الجرائم وحدهما بل بالغثيان كذلك. ثمة كلمتان في الفرنسية لصفة (الرملي)، الأولى رملي بمعنى متمازج بالرمل sableux والأخرى بمعنى كثير الرمل (يترجمها المنهل: مُرْمِل) sablonneux لا يستخدم الشاعر إلا هذه الأخيرة التي من الصعب نقلها بمفردة واحدة .
لماذا يتقيد المترجم بالفواصل والنقاط والتقديم والتأخير على طريقة النص الأصلي؟
نطرح السؤال بمناسبة شار دوماً الذي يصير التقيد الحرفي بوسائل الفصل والوصل الفرنسية ضرراً عربياً. في النص السابق لن نتوانى عن حذف الفواصل أو تقديم وتأخير الفاعل أو الفعل. يُلاحَظ أن الكثير من المترجمين العرب يلتزمون التزاما بيِّناً بحرفية تقطيع الجملة الفرنسية من درن مسوِّغ جمالي وبشكل لا يستقيم أحياناً مع الجملة العربية.
إن شعر شار يمكن أن يقود، ثانية، إلى خطورتين: النقل الحرفي الذي لا يفعل سوى تبديد الشحنات الداخلية، بل إلى تفتيت الوحدة الداخلية لشعر شار، أو يقود إلى تأويل بعيد جداً يمكن أن يمنحنا نصاً آخر لا يمُتُّ، إلا من بعيد، إلى شعره بصلة. صعوبتان تجعلان من شعر شار وهو الأرض الحرجة, الحرش النابض بنباتات مشدودة إلى أنساغ وشموس عارفة، مجرد أرض وعرة، سيتجنبها العابرون. ويجعل منها صفحات غير مقروءة حتى بالنسبة لقراء محترفين.
عن هذه الترجمة
لا تزعم هذه الترجمة المزاعم وتحاول أن تقدِّم، على الأقل، نصين طويلين لرينيه شار فعلا الكثير من أجله، نصين وافيين، ربما تقع أهمية أحدهما (صحائف هيـبنوس) في أنه قد كُتب أثناء المقاومة بين السنوات 943I944 - I، عندما كان ينتمي إليها تحت اسم الكابتن الكسندر ، ويسميه شار متواضعاً ملحوظات، ويقتنص فيه بروح الشاعر الكبير تلك اللحظات اكثر إحراجا وحسما في حياة الكائن وهو يواجه حقيقة الموت والبطولة، عندما كانت مسألة الوطن تنطرح بإلحاح ما بعده من إلحاح . وإذا ما كانت الترجمة نفسها، في يقيننا، فعلا غير محايد، بمعنى أن المترجم يختار نصا بسبب ملاءمته لهوى، لغرض ودافع يمكنه أن يتطابق في لحظة من اللحظات مع قراء لغته، كما مع نفسه، فنحسب أن ترجمة هذا النص عينه يمكنها أن تجيب على سؤال علاقة الأدبي بغيره، ولو من زاوية أخرى، تهم قراء العربية بسبب كثرة النقاشات حولها. إنه نص يقدم دروساً في ذلك سيستطيع القارئ لوحده اكتشافها من دون تدخلنا.
أما بالنسبة إلى (مشاطرة شكلية) الذي ترجمناه هنا فهو نص أساسي آخر رغم طبيعته المغايرة تماماً تقريباً: إنها تنبع من أن شار يتحدث فيه عن فن الشعر، عن الشعري، وعن هذا وعلاقته بالأخلاقي. بالنسبة للناقد الإنكليزي جيرولد ب. لينس في مقالته (قراءة في مشاطرة شكلية) فإن " الأخلاقي والشعري ليسا إلا شيئاً واحداً". يقول: " لنلاحظ أنه في فرنسا ما بعد الحرب كان يوجد سابقتان لأخلاقية الشعر: الحركة السوريالية ثم المقاومة اللتان تهيأ لشار أن يساهم شخصياً فيهما كليهما. قبل الحرب كانت السوريالية تحمل المشعل وحيدة (...) ومع مضي الوقت بدا أن المقاومة لوحدها لم تكن كافية لمنح الشعر الفرنسي ذلك البعد الأخلاقي، الذي كان يبدو وكأنه قد تبقى وقفاً محصوراً على أولئك المساهمين بطريقة جد حميمة في الحركة السوريالية. لاًنه عبر تناقض فادح فإن هذه الحركة التي بددت نفسها بتظاهرات طفولية، هذه الحركة التي خربت مساهمات ]ذات أهمية[ لا تُناقـَش في الأدب عبر مسارات أكثر اصطناعاً من أي من الأساليب التي كانت تحتج عليها، هذه الحركة التي لم تكن تبحث دوماً إلا عن مزيد من الصدم وفي مجالات غريبة جداً عن الأدب- الحركة السوريالية إذن كانت تنتعش عبر فكرة عالية جداً عن حق . فكرة، لنقل الكلمة، نبيلة عن دور الشعراء في مجتمع ليس كل أعضائه بشعراء. يكون من المستحسن التذكير بذلك لأن شار في (مشاطرة شكلية) يحاول أن يحدد قليل وكثير دينه للسوريالية..." . بذلك نستطيع الوقوف على أهمية النص، ليكون هذا الاستشهاد بمثابة مدخل لا غير لقراءته. أما لجهة مادة شار عن (رامبو) فنظن أننا بترجمتها هنا لا نفعل سوى تقديم نص لا يختلف من ناحية الصعوبة أو الرهافة، والعمق خاصة، عن أي من نصوصه الشعرية، عن شاعر ملعون، عن أب من الأباء الذين يكنُّ شار لهم أكبر الاحترام عن جدارة. وبالطبع فقد ترجمنا نصوصاً قليلة أخرى. إحداها (نهر السورك) الذي يعبِّر عن شار شاعراً غنائياً من طراز رفيع، سوى أنها تفتقد في الترجمة النثرية، مع الأسف الشديد، إيقاعها الصادح وقوافيها الثنائية الرنانة.
مصطلحات استخدمت في هذا البحث
بيتان من صفين | | Distique |
مقطع ثلاثي | | Le tercet |
رباعية حرة | | Le quatrain Libre |
قصيدة | | Poème |
إسنادي (فعل يربط الخبر بالفاعل) | | Attributif |
لازم (فعل) | | Intransitif |
استعارة | | Métaphore |
حرفي (معني) | | Sens littéral |
تأويل | | Interprétation |
ترجمة | | Traduction |
جملة | | Phrase |
نص | | Texte |
المخيلة | | Imagination |
فاعل (قواعد) | | Sujet |
مصدر(لغة) | | Infinitif |
محايد(لغة) | | Neutre |
الكلام | | Parole |
صفة | | Adjectif |
نثر | | Prose |
لغة محكية | | Langue parlée |
الشكل الاسمي (للفعل) | | Forme nominale |
قافية | | Rime |
مبني للمجهول | | Passif |
الشرطي (الزمن) | | Conditionnel |
المفعول | | Objet |
صيغة الألفة (أنت) | | Tutoiement |
صيغة الاحترام (أنتم) | | Vouvoiement |
مرادِف | | Synonyme |
حرف تاجي | | Majuscule |
حرف مائل | | Italique |
فاصلة | | Virgule |
شعري: (ماهو شعري) | | Le poétique |
أخلاقي: ( ما هو أخلاقي ) | | Ēthique |
إيقاع | | Rythme |
رجوع ....