أية ضرورة يمكن أن تدفع شاعراً لأن يكتب كلمةً عن تجربته الراهنة؟
في اضطراب المشهد الشعري وزحمته لا نرى من ضير في أن يدلُّنا الشاعر العربي عن الضرورات التي تنبثق عنها قصائده، ويشير، خاصة أثناء غيبوبة وعي النقد، إلى درجات اختلافه أو اقترابه من الاستعارة السائدة والـمِخـْيَال الشائع والأساليب الجارية اليوم مجرى عمود شعري جديد.
وعلى ما يبدو فإننا بحاجة، إلى جوار النص الشعري المكتوب، إلى محاجـجـات نقدية قوية ليست من طبيعة التنظيرات الطائشة التي لا تقول شيئاً ذا معنى محدداً. إن إفراط وابتسار الكلام الأدبي الذي تشهده ثقافة العرب، خاصة فيما يتعلق بقصيدة النثر التي من الصعب أن تُقال فيها الكلمة الفصل، يعزز أهمية حضور حجج جديدة.
ثمة إذن نيّة في القصائد الرئيسية في هذا الكتاب أن تُـلَيـَّن وتُـطـرَّى قساوة قصيدة النثر التي نثق بقدراتـها، وذلك عبر استخدامٍ للقافية. إننا أمام القافية المغنية ولو حضرت في مقام قصائد غير موزونة.
وإذا ما تطابق البعض أو الكثير من أبيات المجموعة مع أوزانٍ عربية معروفة، فلأن النية كانت تتجه نحو إجراء تعديل جوهري على قصائد النثر السابقة المنشورة بدءاً من (نص النصوص الثلاثة) 1982 من أجل مصالحتها ومقاربتها مع الموسيقى العربية لكن من دون التخلي عن طلاقة الصورة الشعرية، أو هجران الاستعارة: جوهر الشعري. وبالطبع فإن بعض قصائد المجموعة الموزونة تود الإلـماح إلى أن القافية تدعم الوزن من دون أن تـتماهى معه.
قصيدة نثر إذن غير موزونة ولكن مقفاة.
بعد أكثر من ربع قرن من الكتابة، فإن هذا المسعى يقع في معاودة فحص الأشكال التي أثبتت فاعلية كبيرة في تاريخ الشعر العربي والعالمي، واستقراء التفصيلات الصغيرة، الطفيفة لكن الدالة في القصيدة مثل عملية التقفية.
يتعلق هذا الأمر بالإيقاع الداخلي للشاعر مؤلف هذا العمل الذي يجد نفسه، في هذا الوقت بالضبط، في حاجة ماسة، حاجة مطلقة إلى الغناء. هناك محاولة للمزاوجة بين كتابة نثر بالغ الوضوح في نثريته، سنقول في تطرفه النثري، وكتابة شعر مُـمَوْسَق يتشبث ببساطة الغناء.
سوى أن بساطة الغناء إنما هي ضرب آخر من ضروب التطرف، ذلك إنها قد تحيل، مثلما أثبتت تجربة الشعر الحديث، إلى شكل منـمـَّطٍ وسهل، مميت للشعر.
إن محاولة هذه القافية تود كذلك الاستهداء بالقصائد النيئة لهواة الشعر الذين لا يتقنون بحور الشعر العربي، وهم يظنون بأن مجرد إدراج القافية في نهايات الأبيات كفيل لوحده بمنح نصهم سمة الشعر وخصائصه. إننا ندرجها مثلهم لكننا نجري تعديلاً على قواعد اللعبة ونحن نزعم السعي الحثيث وراء صفاء الشعري، الصعب.
تغدو الكتابة الشعرية، ضمن هذا التصور، مغامرة محفوفة بكل العثرات الممكنة وتسمح بجميع النقود.
على أن قصيدة نثر، غير موزونة لكن مقفاة، لم تنبثق هكذا عبر إرادة صلبة فحسب من طرف الشاعر. إنها قد طلعت كذلك عفو الخاطر، وكأن الشاعر كان يلملم فيها خيوط تجربته السابقة الموزعة بين كتابة شعر موزون إلى كتابة نص نثري، بل التنظير لقصيدة النثر بحماس لم يهجره حتى إشعار آخر. طلعت هذه القصائد بسبب ضرورة روحانية تفوق الفعل الإرادي وتصير هي نفسها إرادةً. أنها نوع من صيرورة دائبة للقصيدة المتنقلة من حقول التجريب إلى مجالات المعرفة الـمتراكمة.
وكما هو معروف فإن الروح الشعري لا يتقمص شكلاً واحداً نهائياً. فهو يمكن أن يطلع من أماكن غير متوقعة بأشكال في غاية الاختلاف. الكتابة هي الجوهر الأساسي وهي تختار دائماً شكلها حسب التجربة الداخلية للشاعر.
الشاعر هو فلاح الحقل دائم الخضرة، الـمُطلـِّع الأصنافَ كلها تحت شمس العالم.
جنيف 14-4-2001
رجوع ....