"ثمة الحرس أيتها العالية"
(شهادة وتأمل)

ثَمَّتَ الحَرَسُ أيَّتَهَا العَالِيَة
وابْتِهاجك الاحتفالي
بعده ساعاتك الحريرية المتماوجة في البهو
وقهقهاتك المتناثرة عن زعفرانات وقرنفلات
ثمت جسدكِ المفعم بالزغب
الحاط لبرهة على الكرسي والدائر دائماً على الحاضرين
عيناك المشبعتان بالتلألؤات والرغائب اللتان تقولان ابتعدوا ثم عودوا
يداك الجانحتان بين المنضدة وريش الطيران
فخذاك المكتـنـزان بالرجَّات القادمان من بحيرتين قطبيتين
ثمت فمك القائل بالكبائر
شفتاك المأخوذتان بالرطوبة والندى
جبهتك الغامضة المكتوبة بالخط الكوفي
نهداك الذاهبان "قدُماً بالعزَّة
خصرك المنكسر في حرب الجسد
حوضك الخَجِل من ارتجاجاته
رقبتك المنحوتة بجلال إلهي
خداك المستريحان بين زمانين
رسغك النابض للكون
أهدابك الطويلة الطويلة، التي تمتدُ بعيداً حتى الملامسة الخفيفة للجسد الآخر
كتفاك المترنحتان كقاربين
أنفك العادي وأنفاسه الحكيمة
أذناك الناعمتان وأقراطهما
سأمدحك أيتها العزيزة
 ثمت بطنكِ وسهولها
ظهرك وسهوله
رائحتك وخصوبتها
شعْرك أيتها الساحرة وأناشيده
أصابعك وامتدادها في الضياء
أنوثتك وقلبها الصافي
ركبتاك واستدارة الهلال
ثمت حلمتاك وفجرهما الأمومي
حلمتاكِ والرجل المحدّق إليهما بذهول
ثمت حاجباك وإشاراتهما الحزينة
حاجباك والمد البحري وجزره
وسأمتدحك أيتها الغريمة من جديد
هناك الأصوات البعيدة وكنت تركضين إليها
عيناك المحروستان بالبياض المُصَفّى بالبياض
قدماك الناعستان المنذورتان لرخاء المياه
نهداك الأليفان وهما يقدمان عِظة الالتذاذ
شعرك وجماهيره الفرحة
يداك وقد تَرَبَّتَا مع الطيور والإتقان
يداك المخدرتان وأظافرهما النائمات كأميرات
قامتك وانسيابها في المكان
واضطراب الهواء بها
وانحراف المثال والتَشبُّه عنها
ساقاك والفضاء المحيط بهما
ساقاك المستنبطتان من الذرة والفُطْر
وسأمدحك أيتها الشريكة
حيث سرير نومنا هو قاربنا
ونحن نجدف بأيدينا في الهواء من لجُـة إلى لـُجة
حيث نجماتنا بعيدة واحتمال لذتنا كبير
حيث انضمام العواصف الكبيرة إلى العواصف الكبيرة
سريرنا المُوشك على الغرق
المُحاط بالأشنات والزَبَد
ونحن المغموران بفقاقيع القبلات
سريرنا الطافي الموشك ونحن بحارته اثنان على سرير طافٍ
يا إلهي أيتها الشريكة !
سأمتدح إبرتك وخيطها
وحدتكِ واكتمالها
صبركِ وفيافيه
عريكِ والنسر
يا خبَّيزة مفتوحة
يا جمرة على هيئة الآدمي
يا صقيعاً كاذباً
يا يقطينة
يا ثنائية...
ثمت الكثير من اليواقيت حولكِ:
رخاؤك المتمطي على الشرفة
البلبل الذي تسقينه من فرحكِ
الصباح المنظم تحت يديك
السجادة وهي تقلد دقتكِ
أحلامكِ الموغلة في البدء
حيث الشروق المتكرر للقلب
وحيث الرجل إلهكِ ومحميتك
وأنت الرطبة المنتظرة
ثمت الحرس تحت شباكك المُفعم بك
المكتـنـز بقامتكِ
 شباكك المُشرع للتنهدات الكونية
المتقوس فوقكِ كالأسطورة
وأنا أطل عليكِ من نافذتي البعيدة أيتها البعيدة
لأرى خفق فستانكِ وهو يمسح الرياح
ومرآتك النوَّاسة من سماواتي النوَّاسة
وأرى التماع أجزائكِ البعيدة
سأسميكِ القلقة وأجلس طيِّعاً بين راحتيك الخفيفتين
أدعوك الأفعى وأقدِّم القرابين
أيتها الملاسةْ
أيتها الملاسةْ
أني أنزلق في ظلامكِ
سأسميك الكوثر وأشرب من ينابيع الريف
أسميكِ الغزالة وأحرض عليكِ أسدي
أسميكِ الوردة وأمضغ تويجاتكِ المرًة
أيتها الثرثارة سأدور مع لبَّانكِ
أسميك البَطِرَة وأمدد سيقاني في شمس "البطرانين"
أسميك الربَّة وأرى إلى زهرة الحيض
أسميك السر ماذا تخفي حقيبتك؟
أيها الفرو، أيها الرخام، أيتها الحمائم، أيها الغرين على الحُلمات، أيتها المياه المشعَّة فوق الشفائف،
مَن يغوي مَن؟
سأمنـّي نفسي يا أنثاي بأنثىً
ساًسميكِ السميرة وأضجر منك
الطاهية وآكل شفتيك
الرتيبة وأعود إليك
أناديك.."

 بيروت 1982   

طالما سيتساءل الرجل الحاذق فيما إذا لم يكن عجباً أن يغيب الجسد في الشعر العربي الحديث، وتطغي التهويمة والفكرة، أن تغيب اللذة وتحضر كل أشكال التأمل والندب والصراخ الداخلي والاحتجاج العاطفي والنشيج الوطني. وهذه كلها شرعيات الحضور بالطبع، شرط أن لا تطغى وتتكبر كما تفعل حقاً منذ أكثر من نصف قرن.

أليس من العجب أن يؤجِّل الكائن إعلان الكلام الداخلي، الأكثر صدقاً، لجسده هو نفسه، وينفي مفردات رغائبه الأكثر حميمية ومخياله الأكثر صراحة واغتباطاً .
 
مستغرباً ساءلتُ نفسي، منذ منتصف السبعينات كيف أن صحافة اليسار في العراق- وكانت يومها (طريق الشعب) – لم تكن تقيم وزناً للشعر الغزلي، في الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه سبـّاقة في الخوض بمياه أكثر طليعية. أية علة يمكن أن تمنع القلب الوطني من أن يتحسر على أنثاه كما يتحسر على شعبه؟  ساءلتُ نفسي. عبثاً، فالوقت العربي لم يكن، وربما حتى اللحظة، وقت تساؤل من هذا القبيل، فهو يعيش كارثة إنسانية واقتصادية واجتماعية نشهد عواقبها المتتابعة في بداية القرن الحالي. عبثاً رغم شرعية التساؤل. واحدة من القصائد القلائل التي نشرتها في تلك الصحافة كانت قصيدة غزلية طويلة عنوانها (آه … أيتها الطفلة السماوية)  وفيها يتبدى هذا النـزوع إلى غزل حسي خَفِرٌ لكن مسكون بعمق، وبحساسية شاب في بداية العشرين، بخفة الجسد الأنثوي والتداعيات التي يثيرها في ذاكرته. كانت القصيدة تتمسك بتناقض ذاك الإحساس المبكر للذكر المتلمس بدايات فوراناته غير الرومانسية، وهو يتأرجح بين الرجس والطهارة إذا ما استعرنا مفردتين من قاموسنا الديني، أو بين الرغبة الصريحة والتأسي الـمُرمَّز، الغامض. ثمة دائماً إشارة إلى الغامض، الكوني، الرمزي والمقدس القابع في الإيروتيكي أي في تلك المساحة الواقعة بين التوق لامتلاك الجمال الحسي والتأمل فيه.

في سياق ثقافي مهموم بما يحسبه الضرورة والهوية والصراع، فان مثل هذا التأرجح، مثل هذا الموضوع لن يكونا مفهومين البتة ولن يكونا مقبولين إلا قليلاً. واحدة من ردود الفعل جاءتني من شاعر حزبي وكان يجادلني في بناية اتحاد الأدباء العراقيين، كأنه يعاقبني، عن جريرة نشر هذه القصيدة. كنت في بداية العشرين، لامع القلب ومنتصباً. مع موضوع مثل ذاك كنت أحسب نفسي أقع على جوهر الاستعارة التي تضيء الطرفين المعتم والمضيء من هذا القمر الغبي الذي هو الإنسان. قدر ما كنت شغوفاً برصانة الشريف الرضي، بفرادة المعري، بحكمة وذاتية المتنبي، بالعمق الذي يثير الشعر الجاهلي غباره، بطرفات جرير، باستعارة البحتري التي تقول الأشياء مداورة (أي بعمق اكبر) بروح علي بن الجهم المستوفزة، بوحدانية زريق بن علي، بشعر الخوارج في كتاب الأغاني، كنت أيضا وبذات الحماس مشدوداً ومشدوهاً بإيروتيكية امرؤ القيس وطرفة بن العبد، بأبيات أوس بن حجر:

وقــد لـهوتُ بمــثل الريــم آنسةٍ        تصبي الحليم عروبٌ غــير مكـلاحِ
كأن ريقتها بعد الــكرى اغتـــبقت       من ماء أصهبَ في الحانوت نضاحِ
أو مـن معــتقة ورْهــاءَ نشــوتهـا       أو مــن أنابيـــب رمـــان وتــــفـــاحِ

 ومن ثم بلغة عمرو بن أبي ربيعة، بأبي نواس وعصابته، بشعر سيدات العرب وخاصة الشاعرات الإماء التي تحتوي على بلاغات أخرى غير بلاغات الرجال. هؤلاء الشعراء والشاعرات الأيروتيكيون كانوا يستفزون، عبر الجسد، جرحاً كبيراً لدى الكائن الآدمي المشغول بالحكمة الصافية. هذه الأخيرة تبدو في تاريخ الفكر وكأنها امتياز للعرب وللساميين من قبلهم وللآسيويين من بعدهم. الحكمة الطاهرة التي تؤجل الرغبة.لكن أولئك الشعراء الإيروتيكيين كانوا يعلنون الحكمة ذاتها، ويا للغرابة، عبر تعطش الجسد للجسد. بين الشبقي والنبوي من يستطيع أن يُرسـِّم الحدود؟ ربما نبي الإسلام لوحده صلى الله عليه وسلم. كانوا يعلنون الطهارة عبر الرجس ومنهم تعلم المتصوفون المسلمون الكبار وهم ينهمكون بغزل محض حسي من اجل إعلان شأن اللاحسي. كم تبرهن على ذلك نبرات (ترجمان الأشواق) لابن عربي. من دون شك فان ابن عربي كان يعرف حق المعرفة الشوق الجنسي عينه ولم يكن يستعير، فحسب، قناع لغة غزلية مألوفة معروفة، ولكنه يتسامى بها نحو معانٍ أكثر جلالاً.

وعوداً إلى تجربة اللذة في الكتابة من دون أقنعة صوفية أو غيرها، فأظن أن إنجازها رهين بوعي مغاير إلى حد بعيد، وعي يشتبك بضراوة مع أشياء العالم، ويهجر الوعي المشاع المقيم على أفكار مريحة، لكي يذهب إلى المناطق الأكثر توهجاً. إن قصيدة حسية أي إيروتيكية ستصطدم بالضرورة مع الوعي المسترخي الـمُستند إلى نظام تعاطٍ جماعي، مقبولٍ للغة نفسها. إن تفجُّرَ اللغةِ يحتاج إلى موضوع متفجر منظور إليه من زوايا منسية أو مهجورة. لكم أراد الوعي العربي الراهن أن يطمس الجسد، أن يقلل من شأن الرغبة الجنسية أو يدجنها من دون جدوى، وهو يعلن تعارضاً بيِّناً مع التعاطيات الخفية للرجال والنساء العرب المقالة اليوم عبر الأنترنيت في إطار تعبيرات فجة لكنها دالة لجهة تفنيدها للحشمة الاجتماعية المنافقة.

سوى أن زاوية نظر مهجورة تحتاج إلى أفق حقيقي من الحرية الداخلية. ضمن منظومة من الاعتبارات الفكرية الفاسدة وممارسات القمع السافر للإرادة الإنسانية، خاصة بتعبيراتها الأدبية، فانه لم تتوفر لشعرنا (أو إلا للقليل منه) فرصة إنضاج قصيدة ايروتيكية. لن يتهيأ لنا بروز شاعرة معاصرة مثل الأيرلندية ماري دورسي التي ستكتب مثلاً مخاطبة الرجل:

"فخذاك، بطنك
في نعومتها وقوتها
 ثدياك فجأة؟
تكبر الحلمتان في يدي
لمعان ظهرك
تحت كفي
ردفاكَ في نعومة الشعلة
جلدك- ذلك الجلد الداخلي
مثل حرير
فمك، مثل بستان ملؤه الفاكهة
يقطر عسلاً على لساني
أزهار البحر المشدوهة تحت الماء
تترنح وتتمايل
مع كل لمسة يتغير جلدك
صوتك، فتنفتح الأرض
ويرتج القمر".

أنـّى لنا بذلك ونحن نتحرك في داخل غرفة معتمة محكمة الإغلاق؟ لهذا السبب فان وعياً يفارق المألوف الغزلي لا يظهر إلا لماماً وعلى استيحاء في الشعر العربي الحديث. إننا سنعثر على أبيات أو تعبيرات تود الانفلات من مدارات التعبير المقبول لكن هذه الشذرات لا تشكل نوعاً أدبياً إلا لدى البعض وفي السنوات الأخيرة فحسب.

لهذا فعندما أعاود قراءة نصي (العذراء)  سأعثر على محاولة تعبير ايروتيكي مقالة على وجل مرة أخرى. إنها تود اقتناص ما خُيّل إليّ تفكير صبية متفتقة للتو عن زهرة الرغبة في وحدتها. لكن نصي المعنون (أنثى) المكتوب سنة 1983 في طرابلس لبنان والمنشورة في مجموعتي (استغاثات) الصادرة سنة 1984 يصرِّح تصريحا. اسمح لنفسي بإيراد القصيدة كاملة هنا بسبب وضوح مقاصدها وأهميتها كذلك في تجربتي:

"ثم قالت:
لا تخفْ…لا تخف
ووضعت شمسها في يدي
وعلقت محبتها على قلبي
وكان العقل سعيداً في شرفته العاليه
لا تخف …لا تخف
رأيتُ ثدياً على العشب
ولذة تلمع كالسكين على كتفيها
وبروقاً تتطاير من الجسد
لا تخف…لا تخف
وتقلّب في السؤدد، في الأهواء، في النيران، في المس..
وكانت تتقدم نحوي برغوات وعصافير
كانت تتفتح
لا تخف… لا تخف
مثل هواء كانت تتسع
مثل موت يلبس تاجاً
مثل ورد يتفتح
لا تخف… لا تخف
خُذْ يدي، ودعْني ارتّل
كانت تخطر في الضوء
حيث نوارس تتمرغ قرب قدميها
وأبوابٌ تصطفق لعريها الظافر
كانت تتقلب بين شهقةٍ وخدَر
بين جرحٍ وأمومهْ
بين وعودٍ وقصب طري
كانت تتقلب تحت مطر احتفالي
حيث رجال يختضون وكأنهم خرجوا من أسطورة
حيث أحزمة وشرائط وميداليات للجنون
حيث خواتمٌ ربانية منذورة للكمال
حيث الجسد يغرّد
والعواصف مُعطـّرةٌ
والرخاء مطلق
لا تخف… لا تخف…يا حبيببي"

في هذا النص تظهر، صراحة، الاستجابة إلى لغة شعرية مشحونة بتصريحات إيروتيكية غير مترددة. سيندغم التوق العاطفي بالهيمان الجسدي ويتوحد العاشق بالمعشوقة عبر دلالات رمزية محض جنسية. لم يفوت عباس بيضون في مقالته المنشورة في (السفير)  عن المجموعة الإشارة إلى هذا النص عينه ولو بحس انتقادي. هل هي مصادفة أن يُكتب هذان النصان في أجواء الحرية الكاملة أثناء إقامتي في بيروت 1980-1982 ثم 1983؟ لا أظن أبداً. إن التجربة البيروتية هي تجربة الحرية بمعناها العميق. لحسن الحظ فإنني قد خرجت من العراق باكراً، أي أنني لم أتكون إلا جزئياً، إلا تجريبياً في بغداد. إن شدة التوتر الإنساني في بيروت كانت وحدها القادرة على مخض الأساسي لدى الكائن الحساس. شدته وكذلك أهمية التنوع في الرؤى والتيارات والأفكار والأساليب الأدبية كما أساليب العيش التي حكمت فترة بداية الثمانينات البيروتية تلك. في لبنان ثمة حرية من دون الكثير من الشروط المحبوكة على الطريقة العربية التي تلغي في النهاية أية إمكانية للحرية. بعد حصار بيروت وخروجنا، فان أية عودة إلى الشروط السابقة على تجربة الكائن الحر في بيروت لم تعد ممكنة بالنسبة لي. إن الأجواء الرخية لحركة الكائن وطلاقته في القول والتعبير ومن ثم في التصرف بجسده كانت حاضنة لتفتق نصوص لا تغترف من القاموس واللغة والأساليب الطاغية. حاضنة لتخصيب النص ومدّه بالنسغ الكافي لكي يزدهر. ليست مصادفة بالمرة أن أتحسس مواطن جديدة لتطوير نصي في بيروت.

سأروي كيف انبثقت في تلك الأجواء قصيدتي (ثمة الحرس أيتها العالية). كنت أتردد في سنوات 1980-1982 على مقهى كنا نسميها (مقهى جورج) باسم مالكها، وهي تقع أمام آداب الجامعة اللبنانية (حيث كان البناية التي يقع فيها منـزل الشاعر أدونيس). كنتُ أشعر على أية حال ببهجة كبيرة في التردد على المقهى حيث يلتقي ثلة من الطلبة اللبنانيين والعرب والصحفيين والكتاب وبعض الشعراء، أتذكر اللحظة عادل فاخوري وطالب يمني يدمن شرب البيرة. المتوسط كان على مقربة وهو يبعث بأنسام رخية والصبيات في غاية الطلاقة، تلك الطلاقة اللبنانية التي كانت تحتوي في آن على كرم جم وحضور طاغٍ. بعد أن أنجزتُ نصي (نص النصوص الثلاثة) كنتُ قد قررت العكوف نهائياً على أعمال نثرية طوال تحاول، فحسب، قطيعة مع الأنماط الشعرية المهيمنة، وتطلع شعريتها كل مرة من همٍّ مقيم حقيقي وتفترض أن الكتابة هي تجريب متواصل لكن حول موضوعات محددة. كنت فتى في بداية العشرين جامحاً، هاجماً بشفتين غليظتين، وكنتُ قد قررتُ إجراء نقدٍ واضحٍ لتربيتي ولأخلاقي ومجايليّ من العراقيين، والاندغام مع نمط تفكير آخر، روحي وأخلاقي، يجد في الثقافة الشامية (لو صح هذا التعبير وحُمل على محمل توصيف محايد) الأكثر رهافة في تقديري، ملاذاً روحياً وأخلاقياً. لنضف هنا أن حضور حركة المقاومة الفلسطينية في بيروت في تلك السنوات قد أنعش وخصَّب كل فكرة جديدة. فعلى الرغم من أننا يمكن أن ننقد اليوم (فكر المقاومة) من وجهات كثيرة وأن نعيد تقييم ممارساتها على الأرض، فأننا لا نستطيع إلا القول أن حضورها الثقافي كان قد ساهم بتفعيل الأفكار والاتجاهات والأساليب وخلق خلفية تتعايش عليها الأجيال والأشعار والتيارات المتناحرة ورفع الاختلاف المنظور إليه، عربياً، على أنه الشر الأكبر، على أنه الخروج من إجماع الأمة، إلى مصاف حقيقة أساسية من مصادر انتعاش المقاومة الفلسطينية نفسها التي، مداورة، أنعشت الفكر العربي: فلقد كان بالإمكان أن تتلاقح وتتخصب أراء وأفكار جد متباعدة قادمة من مصر وسوريا والعراق واليمن والبحرين وفلسطين وليبيا، وأن تقدم حركة المقاومة الدعم المادي للسينمائيين العرب وأن تشغِّل الصحفيين في مؤسساتها الإعلامية وأن تضم الجميع مثل طير كبير يقع على عش هائل. بين جناحه الأيمن وجناحه الأيسر كانت تتحرك كل الرياح واللغات، من (جماعة الرصيف) الهامشية إلى ورق مجلة (الكرمل) الثمين، من اليسار العراقي المتطرف إلى مئذنة جامع جمال عبد الناصر، المرابطون، من أبو أياد إلى النأمات الهشة، الرومانسية الخارجة فحسب من أجل جرعة كبيرة من الحرية والبيرة، من لكنة غزة إلى لهجة (مدينة الثورة) البغدادية، من بخور (القدس) إلى تجارات الشام. اختلاط خلاق منح للشعري، للروح الشعري نسغاً متصاعداً وللقصيدة العربية لغة أكاد أقول جديدة. إن جميع اللغات والأساليب الطالعة فيما بعد في الوطن العربي تجد أساساتها في تلك الفورة الشعرية في بدايات الثمانينات. كان يتوجب على الفلسطيني لكي يرفع جرحه إلى مصافٍ أكثر روحانية، أكثر تألقاً، وأن ينقل (نضاله) من السياق السياسي والعسكري، سأقول المعروف والمبتذل، إلى سياق الجرح الوجودي، كان يتوجب عليه أن يندغم بالجدة والجديد وأن يحتضن، ربما مرغماً، كل نبرة مارقة، كل صوت خافت لكن اصلي يدعِّم تألق ذلك الجرح. وهكذا كان. إن كل مغامرة في اللغة وكل نزوة عابرة وسريعة في الحياة اليومية السرية للكائن العربي، ستتحقق، ولو جزئياً، في بيروت في ظل المقاومة. كانت اللغات تتلاقح وكانت الكائنات تتفتح عن حريات مختلفة أكثر شهوانية.وكما كان الجسد يعلن عن نفسه في شواطئ (الرملة البيضاء) كانت مغامرات الشعر ومغامرات الرجال والنساء العرب المقموعة هناك، تفوح هنا.

كنتُ سعيداً وكانت غلظة عائلتي اللغوية تشف وتتحور يوما بعد يوم. كنتُ قد ورثت عن أبي حبه الجم للأنثى، الأنثى النوع (أو الجنسsex  كما نقول في العربية بخلط فادح) وليس بالضرورة للأنثى الجسد (على الأقل هكذا كان معروفا لدى بنات العائلة..)، لكنني، جهاراً، كنتُ مثاراً بالإضافة إلى ذلك ببيضوية تكوينها الذي يجد تعبيراته الواضحة في استدارات الخدود والأثداء والعجيزة، بل حتى في تكوين الكف الأنثوية المستديرة غالباً وفي التكويرة النهائية البينة لدى مشيتها، مقارنةً بخطوط الرجل المستقيمة وزوايا جسده الحادة في كل مكان التي تثير بدورها مخيلة المرأة كما يبدو. كانت هذه الاستدارة تبدو لي ملغزة وذات معان غامضة أردت اقتناصها في ذلك النص. لكنني لم اكن قد فكرت ملياً بمغزاها العميق بعد. لاحقاً عندما سأتعمق في النص التراثي سأجد تأويلاً لشغفي بتلكم التكويرة. ففي نص لإخوان الصفا يرد: "وكذلك إذا نظرتَ وتأملت واعتبرت وجدتَ أكثر ثمار الأشجار وحبوب النبات وبذورها وأوراقها مستديرات الأشكال، أو كُريّات أو مخروطات قريبة من الاستدارة. وهكذا الثُقَب التي في أبدان الحيوان إلى الاستدارة أقرب ما تكون. وهكذا أشكال أواني الناس، وأدوات الصناع وأرحيتهم، ودواليبهم، وآبارهم، والكيزان والغضائر والقدور والأقداح والقِصاع والخواتم والقلانس والعمائم والحلي والتيجان أقرب إلى التدوير"  وهو تفسير يبدو لي معقولا، معقولاً فحسب لجهة جمال وسرية وكونية الجسد الأنثوي البيضوي.

عندما أفكر اليوم بـهذه القصيدة يبدو لي أن هناك أشياء أردتُ قولها لا واعياً ربما: أردتُ اكتناه العالي، عبر الأنثوي، عبر غزل صريح يُخرِّج المعاني من شكل الشفة وتكوين الجبهة (المكتوبة بالخط الكوفي) والاندغام الجسدي بالآخر. عبر المفارقة كذلك. المفارقة الواقعة في أن الشغف بما هو أنثوي يحمل في طياته عنفاً خفياً، أو واضحاً كما هو الحال أثناء المباضعة، (أسميك الغزالة وأحرض عليك أسدي)، والواقعة من جهة أخرى في معرفتنا بالحقائق الأكثر ابتذالاً في الجسد الأنثوي (اسميك السر، ماذا تُخفي حقيبتكِ؟) وبالحقائق البيولوجية (اسميك الربة وارى إلى زهرة الحيض). هذا الوله متصاعد مع ذلك وغير منطفئ رغم هذه المعرفة. هنا يقع كل سر الإيروتيكية التي تتلامس تلامساً جلياً مع التصوف. يعلن الانهماك بالتصوف والإيروتيكية كليهما مفارقة ظاهرية لنتوقف أمامها ملياً. يبدو تاريخ الرسم قادراً على تقديم إجابات مقنعة لعلاقة من هذا القبيل. فان مسألة الجسدي تنطرح في تاريخ الفن بصفتها تعبيراً عن الإلهي، عن المقدس . تظهر هذه المسألة في الأشكال والتعبيرات اليونانية كتوصيف للتوازن الرفيع الذي يحكم الطبيعة والذي يعبر عنه الجسد الآدمي العاري .

لقد ظلت مسألة الجنسية Sexualité في التاريخ الفني، في أوربا  كما في الشرق الهندي والياباني، فاعلية أصلية للكائن لا تستدعي المخاوف ولا الطهرانية، فالأمثلة التي تقدمها على حد سواء بعض جداريات بومباي Pompéi، التماثيل الحجرية الفالوسية الكريتية، التماثيل النذرية figurines الصغيرة الرافدينية، رسوم الجرار اليونانية والمنحوتات البارزة في المعابد الهندية (دون أن ننسى الكاماسوترا)، تنقل الشبقي إلى مصاف التعبد وإلى مصاف الطقس الروحاني.

أما في التاريخ الإسلامي فلم ينظر إلى الجنسية هذه إلا على كونها الممارسة الأكثر لصوقاً بالطبيعة الآدمية. لم يكف النبي محمد (ص) عن التشديد على عاديتها والحث على استظهارها بإطار شرعي (ذاق عسيلتها وذاقت عسيلته). سنشهد، في العصر الذهبي للإسلام، ولادة أدب إيروسي رفيع المستوى (التيفاشي 1253 والنفزاوي 1324) مكتوب على أيدي شيوخ مبجلين ومحترمين ثقافياً. أما على مستوى تاريخ الفن الإسلامي،  فأن الاستبعاد المنافق للجسد لم يمنع من حضوره في رسوم وتماثيل أوائل الخلفاء الأمويين (في قصر عمرة مثلاً من القرن الثامن الميلادي) أو في قصور العباسيين (قصر الجوسق في سامراء في زمن المتوكل 861). لقد كان ما هو شبقي، مرة أخرى،  يعبر عن الإلهي في البشري. هكذا يظهر الإسلام، من بين جميع الأديان التوحيدية الأخرى، وكأنه الأكثر تماساً مع ما يعتبر دنساً، مع الرغبة المدانة ومن اللاتطهرية.

إن القاعدة العامة في تاريخ الفن هي الانحناء على الجسد الأنثوي  كموضوع  جمالي.  لقد كان يجري الافتراض بأنه  يختصر جميع مشكلات الجسد ويجسم الأشكال الأساسية في الطبيعة، ويصير مناسبة لطرح الأسئلة على الشبقي.
في بحث تشكيلي متواضع أنجزته في جنيف في سنة 1995 (27 عملاً منفذة غالباً بالحبر الصيني) كانت هناك رغبة بتحويل بؤرة الاهتمام هذه إلى الجسد الذكوري من أجل  طرح بعض الأسئلة عن جنسية الرجل، ضمن علاقة تشي بالطرفة كما بالمرارة كما بالغرابة. فالجو العام الذي يحيط هذه الشبقية الذكورية كما رسمتها يبدو وكأنه طقس سحري، كأن عالمه لا ينتمي إلى العالم، وان ثمة  عزلة عميقة تحكم العلاقة مع الأنثى. ثمة توكيد ساخر على القضيب (هذا الفالوس اليوناني Phallus) الذي يصير، على ما يبدو، في مخيلة الذكر العنصر الأهم من بين جميع عناصر جسده.  يبدو هذا الفالوس وقد تضخم بشكل غريب وتوتر وارتفع لوحده كتعبير عن ايروس الرجل. الأسئلة تنطرح كلها  إذن  ها هنا على الرجل الذي من دون أن يكون لوطياً أو مرضياً فأنه يبدو مهووساً ومتوثباً، في حين تبدو الأنثى في حالة من التراجع ومن الاستسلام الشارد لكن الذي يفصح عن قوة عميقة: المُسْتـَلِم والـمُسْتَسْلِم ليس بالضرورة ضعيفاً. إن الديكور الذي يوحي بعزلة مطبقة في هذه العلاقة يريد التشديد على الطبيعة الطقسية للفعل الجنسي، أي على القدر الذي يتضمنه هذا الفعل من المقدس. الرغبة المصرَّح بها التي تقولها الرسوم تخفي توقاً لنوع من اتحاد صوفي. لنعيد القول أن جميع المتصوفة المسلمين قد عبّروا عن رغبة بالاتحاد الإلهي عبر رموز محض جنسية. عندما نقرأ ابن عربي وابن الفارض على سبيل المثال فإننا في الحقيقة أمام نصوص جنسية بالدرجة الأولى، بل نصوص تتغزل مرات بالمذكر. وعلى أية حال فإن اتحاد الصوفي بربه مثل اتحاد العاشق بمعشوقته لا يمر إلا عبر تجربة الجسد الذي ينحني ويتعمد بماء اللذة الجنسية، المقدسة لهذا السبب. يغدو الجسد معبراً إلى تلكم الرعشة الكهربائية السامية والأخيرة التي هي القمة الأخيرة للعزلات كلها.

إن نبرة (ثمة الحرس أيتها العالية) تظل تنبض بنشيد، بغنائية تود أن تتعالى بالايروسي إلى مصاف سحري أو ديني. جلب الشاعر رسمي المدهون انتباهي مرة إلى أن هذا النص هو (نشيد إنشاد) معاصر، وهو يريد أن يصف الطقسية الدينية المتخفية في ثناياه. الدينية أي الصوفية ليس إلا.
لقد كُتب هذا النص في بيروت سنة 1982 في بيروت، وكان مؤملاً أن يُنشر في عدد من مجلة (الكرمل) سوى أن الحصار الإسرائيلي لبيروت أجل نشره ولم يظهر إلا في العدد 19/20 لسنة 1986 من المجلة نفسها ثم انه لم يُنشر إلا في مجموعتي (كيف) الصادرة سنة 1998. ويبدو أنه لك يمر مرور الكرام أمام أنظار قراء الشعر.

تبرهن كتابة هذا النص أن جيلنا من بين جميعاً أجيال الشعر العربي قد امتلك الحساسية المبكرة لإعلان موضوعات كانت إلى ذلك الحين من قبيل المكروهات، المحرمات أو المرفوضات التي لا تمت إلى عالم الشعر بصلة. إن كبار الشعراء العرب يعودون متأخرين إلى الإيروسي متأثرين في الحقيقة بأسلوبنا الصريح في التعاطي مع الموضوع.

أتذكر في هذا السياق أن الشاعر الكبير سعدي يوسف قد قدّمني، بكرم وأخوية شعرية، في نادي اتحاد الصحفيين اليمنيين (اليمن الديمقراطي سابقاً) سنة 1982 أو 1983. وقد فكرتُ انه من المستحسن أن أقرأ فحسب نصين طويلين، الأول يعبر عن هاجس اللحظة تلك وهو نصي (حصار بيروت) الطويل الضائع اليوم . والثاني يعبر عن حساسيتي وما أحسب فرادتي وهو (ثمة الحرس أيتها العالية). أثناء القراءة لا أدري لماذا شعر الكبير سعدي يوسف بالحرج الشديد، متدخلاً ومتوصلاً إلى مقاطعتي من إكمال القراءة، لتنتهي الأمسية بشكل بارد ولأشعر أنا بالارتباك الشديد من موقف شاعر أكنّ له، بالأمس واليوم، أكبر الاحترام . جاء الحرج في الغالب من الاعتقاد بان من غير المستحسن، بله المحرج الإعلان في بلد يساري عن نص فواح بالرغبة الجسدية، ففي ذاك البلد يتوجب، على ما يبدو، الوقوف فقط في مقام الخطاب السياسي، الوطني المبجل.

هذه المقاطعة تحتاج إلى وقفة نقدية، ذلك أن سعدي يوسف نفسه سيصدر سنة 1995 كتاباً شعرياً مزيناً بأعمال العراقي جبر علوان تحت هذا العنوان (إيروتيكا). ما الذي حدث بالضبط في وعي شاعر كبير لكي يمنع شاعراً شاباً، سنة 1982، من قراءة إيروتيكاه ليكتب هو بعد 13 سنة كاملة عن الموضوع نفسه. يتوجب البحث عن جواب لهذا السؤال المقلق في مكمنين:
شدة هيمنة السياسوي، اللاشعري، بله الأخلاقي (بمعناه القبلي) طيلة حقبة كاملة من عمر الشعر العربي، التي أثرتْ بعمق في لغة وروح الشعر ومن ثم أجّلتْ الإعلان عن نبرات ولغات جديدة.
 إمكانية تأثر الشعراء جميعاً من الأجيال كلها بعضهم ببعض.
لستُ الوحيد من أشار إلى النقطة الأخيرة، وقد سبقني آخرون. هذا التأثر طبيعي وموضوعي طالما أن حركة العالم لا تذهب باتجاه واحد، وإنما هي متعددة الاتجاهات. سوى أن مقاطعة قراءة (ثمة الحرس..) المريرة تبرهن بعد هذه السنوات على صواب التفكير بثيمات أخرى غير الثيمات المستقرة. لقد أثرت في روحي بعمق تلك المقاطعة وساءلتني، وعبرها تساءلتُ عن المسكوت عنه، عن المطمور الذي يراد طمسه نهائياً في الحساسية الإنسانية لدى العرب. انتهت الأمسية باردة لكن القصيدة بقيت ساخنة.

رجوع ....

أقرأ أيضاً: