في مقالتيه التي نشرتهما جريدة الزمان (العدد 1047 بتاريخ 15 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2001 والعدد 1068 بتاريخ 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2001) يعلِّق الشاعر والرسام عبد علي الرماحي على الأفكار والقصائد التي طرحت في مجموعتنا الشعرية الأخيرة (الحجر الصقيلي) التي أحاولُ فيها كتابة (قصيدة نثر بقافية).
وقبل الدخول بحوار مع مقالتي الرماحي، ولكي نلخِّص للقاريء الكريم طبيعة محاولتي، أقول بأن مسعى كاتب هذه السطور يذهب اليوم، عبر تلك المجموعة الشعرية، إلى التالي:
التأسيس لقصيدة لا تلتزم بأي شرط وزني ولكنها تنقاد، طوعاً وكلما التقتْ بضرورات جمالية عضوية، إلى تنغيم عالي الصوت، أي إلى (القافية) في ثنايا قصيدة النثر. أثناء كتابة نصي الشعري، فأنني لم أتوقف على الإطلاق إمام اعتبارات قانون العروض، الخارجي، العددي أو الرياضي كما يسمى أحياناً، رغم معرفتي الوثقى بشروط الأوزان العربية التقليدية التي طالما حاولتها.
إذا اتسقت الكثير من الأبيات الشعرية في (الحجر الصقيلي) مع قوانين العروض فقد حدث ذلك بمحض مصادفة سعيدة أو تراكم ثقافي مخزون لا يمكن إقصاؤه من الذاكرة. أقول هذا مستثنياً قصائد المجموعة الموزونة كلياً (الناس، ماتياس، رباعيتان إلى هاجر، جلال وغيرها)، أو الموزونة جزئياً وهي قصائد كنت انقاد إليها انقياداً ومنها طلع تفكيري الأول عن (قصيدة نثر بقافية). القصائد تلك كانت مُدرجة في المجموعة من أجل هدف سجالي إلا هو تفويت الفرصة على من يتهمني، مثلاً، بعدم معرفة العروض العربي، وللتدليل على عدم رفضي، بالضرورة له إذا قام بوظيفة شعرية (وهو ما قلته كذلك في: بيان من أجل قصيدة النثر).
محاولة (الحجر الصقيلي)، تود الاتساق والانسجام، في آن واحد، مع تاريخ الشعر العربي ومع حرية البحث الشعري. هذه الحرية يمكن أن تٌدْغِم في حقل عملها ما يمكن إدماجه من إرث الماضي ومن جدة الجديد، لهدف مخصوص محدد، وهو إنجاز نص شعري عارف ومندمج بالأصول ومنشق عنها في ذات اللحظة. إنني أظن أن الحداثات، إذا لم تكن منقولة حرفياً عن الثقافات الأخرى، غير مقطوعة الجذور عن أصولها بل هي تتأسس على أصول محددة. العودة إلى الأصول تجري من أجل تجاوزها وليس البقاء عندها.
ليست جميع الأصول سيئة بالضرورة ومن دون قيمة أو وظيفة شعريتين. ولا تشكل العودة إليها بالمعنى الذي نقوله هنا نكوصاً بفكرة الحداثة كما قيل لنا مرة في هولندا بمناسبة هذه التجربة نفسها.
ثمة لذلك قيمة ووظيفة شعرية، وليست شكلانية، في استعادة (القافية) إلا وهي مصالحة (النثري) (بالغنائي) ومزاوجتهما. وظيفة قد تبدو للوهلة الأولى ضرباً من المستحيل، وذلك لأن القواعد التي قامت عليها، وما زالت، قصيدة النثر العربية كانت مُستعارة من الفكر النقدي والتجربة الشعرية الفرنسية، ولا تشابـه قواعد تطور قصيدة التفعيلة التي حاولها السياب والملائكة: إنهما رغم تأثرهما بالمنجز الغربي فقد ظلال متوقفين فيما هو عضوي وتاريخي في الشعر العربي نفسه. ثمة مصالحة في مسعانا وليس تصالحاً ساذجاً ومفتعلاً، وهي مصالحة أوحى بها المأزق الراهن الذي تجد قصيدة النثر العربية نفسها فيه: جفافها وتجهمها وصرامتها وسلبيتها في قبول تاريخ الشعر العربي، حتى قريب العهد منه.
نعلم أن (الشعرية) لا تقع في (الغنائي) لوحده، وهدف القافية التي نحاولها إذن ليس بالضرورة غنائياً على مستوى الفكر، بمعنى (الفكر الغنائي) الذي لا يتأمل، قدر ما يقع في إعلائها من شأن الطراوة والانفتاح والتلقائية والسلاسة التي صارت تفتقدها كلها قصيدة النثر، من دون أن نتزحزح خطوة واحدة عن مباديء الحداثة.
أصل الآن إلى نقد عبد علي الرماحي لمحاولة (الحجر الصقيلي) وأقول من أجل بسط فكرته للقاريء الذي لم يقرأ مقالتيه بأن الرماحي يتأسس على فكرتين أساسيتين:
الأولى: أن ما أكتبه في المجموعة ليس (بالشعر المنثور) وإنما هو (شعر موزون).
الثاني: أن (قافيتي)، يقول كذلك، ليست بالقافية إنما هي نوع من (السجع).
عندما أخبرته عبر البريد الإلكتروني أن حلقته الأولى تنطلق من نية غير حسنة لتفنيد مشروعي فقد كنت أعني ما أقول تماماً. لأن هذين النقطتين تحتويان على تناقض فاحش أجلت أن أقوله له إلى هذا الحين. سأمضي أنا الآن معه بسجال وديٍّ وثقافي عميق.
بالنسبة للنقطة الأولى: يسعى الرماحي للبرهنة على أن كل بيت تقريباً من أبيات قصيدة مثل (الحجر الصقيلي) تقوم على وزن عربي (مختلف)، واشدِّد على كلمة مختلف. وبمعنى آخر فإن (الأبيات منفصلة) فيها، وليس الأبيات مجتمعة، تستند على أوزان وعروض عربية غير متشابه الإيقاعات. هذا النقد ليس جدياً، لأننا يمكن أن نجد ونشتق في كل جملة نثرية عربية عادية، محكية أو صحفية، انتماءاً لوزن عربي ما، هاكم هذا المثال الذي يمكن أن نقرأه في أي من جريدة يومية عربية:
"قال الرئيس التونسي أن الحدث الأمريكي الفاجع شديد الوطأة اليوم في العالمْ..".
ولو أنني قطعته عروضياً على طريقة عبد علي الرماحي لوجدت الأوزان التالية:
قالَ الرئيسُ التُوْنِسِيْ- مستفعلن مستفعلن (رجز)
أنَّ الَحَدثَ الأَمْرِيْكِيْ الفَاجِعْ- فعلنْ فَعِلُنْ فِعْلُنْ فعلن فعلن (متدارك)
شَدِيْدُ الوَطـْأَة اليوم في العالمْ – مفاعلين فعولن مفاعيلن
لكن الناقد الرماحي ينسى أن للكلام النثري إيقاعات وأوزان، هو بدوره، قد تتطابق عرضاً مع وزن ما، ولأنها أوزان غير متماثلة على طول الخط فإن عدم تماثلها هو ما يجعلنا نسمي (النثري) نثراً. كما أن احتفاظ الكلام الشعري بإيقاع ووزن واحد موحَّد هو ما يجعلنا نُدرج ذات الكلام بإطار (الشعري) من الناحية الشكلية التقليدية على الأقل.
لم يكن الوزن همَّاً من هموم (الحجر الصقيلي) حتى لو أنه دخل في أبياتها كما يدخل الوزن صدفة في مقال الجريدة. همها الأساسي هو (الاستعارة) التي هي أساس الشعري. في محاكمة الرماحي الشكلانية، ثمة فصل غير موجود عملياً بين ما هو (عروضي) وبين (الشعرية). فصلٌ يصير تعسفاً شديداً مع معرفة أن قصائد الديوان لم تكن تود أن تنتمي إلى أي وزن من الأوزان حتى لو التقت معه كما قلت في مقدمة المجموعة. إن انحناء الرماحي على (الوزنية) يحمِّل المجموعة كلها ثقلاً شكلانياً غير حاضر أبداً فيها عملياً. الشعرية إذن ملغاة تماماً في نقده لصالح محاكمة شكلانية يرتكب الرماحي في أثناءها أخطاءً فادحة جداً قادمة من رغبته الجامحة بتفنيد التجربة بأي ثمن الأثمان حتى لو كان ثمن تناقضاته الجذرية، المخجلة، وبلغة متعالية سأعود إليها بعد قليل.
حسناً سأتفق من أجل ضرورات المحاججة مع الرماحي بأنني أكتب (شعراً موزوناً) بأوزان متعددة – وهي المحاولة التي حاولها السياب كما يقول- لماذا إذن لا أستطيع أن أسمي (القافية) قافيةً في شعري الموزون المفترض ولماذا يتوجب عليَّ كما يريد مني أن أسميها (سجعاً)؟ إنني أكتب شعراً موزوناً حسب الرماحي ولكن لا يمكنني أن أطلق على قوافيه (قافيةً) وإنما (سجعاً). لماذا؟ كيف توصل الرماحي إلى هذه المفارقة المذهلة؟
ما الفرق يا ترى، بالنسبة للرماحي، بين (القافية) و(السجع)؟ هذا سؤال جوهري، في ثقافتنا قليلة الانتباه للفروق بين المصطلحات ولكن المنتبهة أكثر من ذلك إلى تفنيد معارضي مفاهيمها حتى لو كانت هذه المفاهيم اعتباطية جداً.
وفي الحقيقة فإننا لا نجد على طول وعرض التاريخ الأدبي (السائد) حجة دامغة للتفريق بين القافية والسجع على المستوى الظاهري. يُذكر السجع، في هذا السائد، في إطار كلام نثري مقفى النهايات، بينما تُذكر القافية في إطار كلام موزون مقفى كذلك. وبالطبع من دون الاهتمام بأهمية (أو شعرية) الكلامين كليهما الأدبية والإبداعية.
لا يفرق الرماحي في نقده الواثق و العارف جداً بين (القافية) و(السجع) كما لا يقيم اعتباراً لاثنين: لا (للشعري) الذي يتخطاه لسبب نجهله رغم أنه في سياق عمل شعري قبل أي أمر آخر (وهو ما نبهته إليه في رسالتي)، ولا اعتباراً (للشكلي) المحض الذي يزعم الانحناء عليه، أي تفريقه للحدود بين المصطلحات التي تهمه وعلى ضوئها يطلق أحكامه وتعريفاته واستنتاجاته. أنه لا يريد أن يرى بإصرار فيما إذا كانت هناك ضرورة لهذه القافية (أو السجع) أم لم تكن.
لو أن الرماحي قرأ جيداً تراثنا النقدي لعرف أن القافية تسمى قافية سواءً جاءت في السجع أو في الشعر كليهما. الكلام المسجوع هو الكلام المنتهي بقوافٍ كذلك مثل الشعر. لا يمكننا أن نضع المصطلحين، (القافية) و(السجع)، الواحد في مواجهة الآخر كما يفعل. أنه يقول لنا مقالة الواثق العارف: "بقي لنا الإشارة إلى إطلاقهِ مسمى (قافية) على نهايات مقاطع نصوصه، فان هذه التسمية إنما تطلق على الشعر الموزون سواء كان عموديا أم شعر تفعيلة ولم نعهد أن قيل عن نثر بأنه مقفى بل مسجوع". هذا يدل على الجهل المطبق للأسف الشديد، فأن التعريفات المقدمة للسجع في إرثنا تذهب إلى أن (السجع) هو، حسب ابن الأثير، "تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد" . والمقصود بحرف واحد قائم على قافية واحدة. وبعبارة الباحث التونسي محمود المسعدي فإن "السجع هو النثر الذي يحدث فيه نوع من الإيقاع بعينه يميزه عن النثر المرسل العادي" ، وبالتالي فان "الخاصيتين الأساسيتين الأبرز ظهوراً في كافة خصائص السجع، كما يقول المسعدي، هما القافية والازدواج، مع امتياز الازدواج بالأولوية لأنه لا يمكن تصور قافية بدون زوج" ، وهذا يعني من جديد أن القافية تسمى قافية عندما يَرِدُ توافق صوتي في نهاية الكلمات في النثر نفسه. بل أن العبارة (النثر المقفى) قد وردت عند القدماء ، كما أن "السجع – وهو النثر الموقَّع- يخضع لقانون النَفَس خضوع بيت الشعر له" . أما (القافية) فهي "أولاً هذا العنصر الإيقاعي الذي وظيفته أن يكون مَعْلَماً وعلامة على ما يحدث في سيلان الكلام من منقطعات زمانية تجزئه إلى أجزاء أعدادها وكمياتها الصوتية خاضعة لأحكام الإيقاع العددي" . والقافية هي، حسب تعريف م. غرامون "توافق الأصوات وليس لها من غاية أو من نتيجة في الأغلب سوى توفير علامات داخل الإيقاع تفصل بين مجموعات عناصر" . وبعبارة أخرى فاسمها هو (القافية) ولا يهم بعد إذا ما كان الكلام نثرا أم شعراً.
أورد هذا الإيضاح الجوهري للتدليل على الالتباس الشديد الذي يطوي الفكرة الأساسية التي كتبها الرماحي بثقة يحسد عليها.
في هذا السياق المحدد أقول مرة أخرى أن شعري ينقاد إلى القافية عندما تنقاد هي نفسها طواعية للنص عبر ضرورة اعتبرها شعرية وليس بحكم قانون خارجي، عبر ضرورات المعنى والاستعارة والدلالة وبانضباط الشكل مع مدلولاته. يتعلق الأمر، بشكل أساسي، لفهمي لمعنى الشعر ومعنى قصيدة النثر بينما يظل كل ما هو شكلي (وليس شكلانياً) هوامش جوهرية للتصالح والمواصلة مع تطور القصيدة العربية التاريخي الذاهب مرة للوزن ومرة أخرى للنثر. فهمي هذا لمعنى الشعر والتزامي الكامل بقصيدة النثر منفيٌّ في نقد الرماحي ومستهان به. وسيكون منفياً في حقل عمل أي ناقد آخر لا يأخذ بعين الاعتبار موقف الشاعر العام من مفهومتي الشعر والحداثة كليهما.
لذلك فإن هشاشة منطق الرماحي لا تظهر فحسب بالمفارقة الفظيعة التي يرتكبها باعتبار نصوص (الحجر الصقيلي)، من جهة، شعراً موزوناً ورفضه، من جهة أخرى، تسميه القافية فيه قافيةً بل سجعاً، وإنما تتجلى في استغفاله القراء في بعض النقاط التي يطرحها كعارف خبير وفي تجزئته العشوائية للأبيات الكاملة إلى منظومات صغيرة لكي تنسجم مع تقطيعه العروضي.
يقول: "نلاحظ أن الشاعر يلجأ في بعض المقاطع إلى تسكين أواخر ما يسميه قوافٍ لغرض أن تتسق ومحاولته، وفي الحقيقة لو أننا أعطينا تلك القوافي حركاتها الإعرابية فأن المقاطع ستفقد موسيقيتها التي يشتغل لعيبي على أساسها، لأن نغمتها الموسيقية ستتغير لمجرد إعادة الحركة الأعرابية إليها". لدينا الانطباع عبر هذا الفقرة أن الرماحي لا يجوِّز للشاعر تسكين نهايات الكلمات. لماذا لا يصح أن نسكِّن نهايات الكلمات لكي نحصل على القافية المتسقة؟ وبعبارة أخرى فالرماحي يقترح علينا، لا فُضَّ فوه، أن نضع علامات الشكل في نهايات القوافي التي نقترحها نحن ساكنة النهايات، ونقول مثلاً (السنونا) عندما تكون في حالة النصب مثلاً (والمجنونو)- أشبع عامداً الحركة لضرورات الطباعة- عندما تكون في حالة الرفع. لماذا؟ حتى لا نحصل على قافية متسقة (السنون-الجنون). إنه (يستـغبـي) قراءه. في أي نص تراثي أو حديث إلتقى الرماحي بهذه القاعدة؟ لا أظن بأنه سيحار جواباً، ويمكنني أن أورد له عشرات الأبيات من الشعر القديم والحديث الذي يلتزم فيه الشعراء بتسكين نهايات القافية دون اعتبارات حركاتها الإعرابية، مضمومة كان أو منصوبةً أو مجرورة. بل أنه حتى في النصوص النثرية يقوم المؤلفون التراثيون بتسكين نهايات القوافي من دون أدنى اعتبار لوضعها الإعرابي. هنا مثال صارخ للمقدسي الذي يتكلم عن مشاق رحلاته وأسفاره: "وأشرفتُ مراراً على الغرقْ وقُطعتْ على قوافلي الطرقْ وخدمتُ القضاة والكبراء وخاطبتُ السلاطين والوزراء وصاحبتُ في الطرق الفسـّاق وبعتُ البضائع في الأسواق وسُجنتُ في الحبوس وأخذتْ على أنني جاسوس وعاينتُ حرب الروم في الشواني وضرب النواقيس في الليالي وجلـَّدت المصحف بالكراء واشتريتُ الماء بالغلاء وركبت الكنائس والخيول ومشيتُ في السمائم والثلوج ونزلتُ في عرصة الملوك بين الأجلـَّة وسكنت بين الجهال في محلة الحاكة وكم نلتُ العز والرفعة ودُبـِّرت في قتلي غير مرة وحججتُ وجاورتُ وغزوتُ ورابطتُ وشربتُ بمكة من السقاية السويق وأكلتُ الخبر والجلبان بالسيق ومن ضيافة إبراهيم الخليل وجميز عسقلان السبيل وكُسيتْ خلع الملوك وأمروا لي بالصلات وعريت وافتقرتُ مرات وكاتبني السادات ووبخني الأشراف وعُرضت علي الأوقاف وخضغتُ للأخلاف ورُميت بالبُدَع واتهمت بالطمع ودخلت في الوصايا وكيلاً وأمْتَحَنت الطرارين ورأيتُ دول العيارين واتبعني الأرذلون ودخلتُ حمامات طبرية والقلاع الفارسية ورأيتُ يوم الفوّارة وعيد برباره وبئر قُضاعه وقصر يعقوب وضياعه" . ومن بين أمثلة كثيرة صريحة يُشْهرها هذا النص النثري المسجوع سأتوقف عند العبارة الأولى فحسب:
وأشرفتُ مراراً على الغرقْ - وقطعت على قوافلي الطرقْ
ويتبين فيها أن حكم (الغرق) الجر بينما حكم (الطرق) الرفع، الأمران اللذان لم يلتزم بهما المقدسي البتة.
رغم أنني مصر على أن الفصل بين (الشعري) و(الشكلي) هو فصل متعسف ويقود إلى منطق (شكلاني)، ولأنني غير قادر على أن أقول كلمة منصفة عن (الشعري) في نصوصي، فإنني سأمضي في مناقشة الشكلي لوحده. ماضٍ لكي أفضح التحايلات العروضية التي يلقيها الرماحي جزافاً بعض الأحيان. ففي تقطيعه الوزني لقصيدة (الحجر الصقيلي) التي يحمل الديوان عنوانها، نحن أمام تحايل صعب القبول. يأخذ الرماحي هذا البيت:
(حجر يهذي تحت وطأة الجذوع الملفوعة بالنار الأزلي)
هذا بيت واحد لم أكتبه إلا على هذه الشاكلة التي يراها القاريء الآن أمامه. إنني لم أقطعه أجزاءً ولم أسكن الكلام في أواسطه. وعندما نأخذه كاملاً، مثلما كتبته أنا، فإنه بيت لا ينتمي إلى بحر (المتدارك) الذي افترضه الرماحي له عبر تجزئته إلى وحدات منفصلة هي التالية:
حجر يهذي تحتْ: فعلن فعلن فعلن (متدارك).
تحت ثقل الجذوع: فاعلن فاعلن فاعلن (متدارك).
سأتوقف هنا وأقول لاحظوا دهاء الرماحي بإعادة الظرف (تحت) مرتين، وهو ما ليس موجوداً في أصل البيت على الإطلاق، وذلك لكي يجعل التقطيع مطابقاً لفرضيته عن بيت موزون من المتدارك. وحتى بالصيغة المتعسفة التي يقترحها لكي تطابق فكرته فإن:
(تحت ثقل الجذوع) (فاعلن فاعلن فاعلن) ليست من ذات الطبيعة النغمية لمتدارك البيت الأول. الأول هو من الخبب (فعلن فعلن فعلن فعلن)، قال الشاعر:
يا ليل الصب متى غدُهُ أقيام الساعة موعدُهُ
بينما الثاني هو المتدارك (فاعلن فاعلن فاعلن)، قال الشاعر:
جاءنا عامرٌ سالماً صالحاً بعدما كان ما كان من عامرِ
صحيح أنهما من الدائرة العروضية ذاتها لكنهما ليسا (المتدارك) نفسه كما يقول به الرماحي.
من جهة أخرى فأن الطبيعة (النغمية) لـ (حجرٌ يقولُ إلى حجرٍ: متفاعلن مستفعلن) من بحر (الكامل) ليست بالطبع من ذات الدائرة (النغمية) للمتدارك، شتّان بين بحرين يقوم الأول على الفخامة والإشباع الصوتي، ومتدارك يـمتاز بسرعته الإيقاعية وخفته الهوائية. مثل هذا التقطيع التعسفي سنلتقيه في تحليله للبيت:
(تطفو في غبطة المياه الوثيره)
ويكتبه بالشكل التالي:
تط - فو في غبطة المياه الوثيره
ولا نعرف لماذا وضع التاء والطاء منفصلين، كأنه افترض الآن بأنني أكتب (قصيدة مدورة) ينتمي فيها هذان الحرفان إلى بيت سابق وهو ليس شأني إطلاقاً ( لأن حكم القراءة العروضية هو كتابة الكلام كما يلفظ، يعني الكلام بصفته موسيقى) ويقول بأنه من بحر الخفيف، ولا تعرف على أي أساس يقول ذلك.
كما البيت:
(ينامان في حجرتها المضاءة)
ويكتبه مثل سابقه بالشكل التالي ، حسب قاعدة لا نعرفها نحن حتى الآن:
ي - نامان في حجرتها المضاءة
لكي يسـتـنـتج بأنه من بحر الرجز. أي أنه يلغي، كيفما اتفق، حرف الياء في (ينامان) لكي يمكن استخراج من (نامان في) تفعيلة الرجز: مستفعلن. نفس الشيء سيحصل للبيت:
(يتناوبان النظر) المكتوب على يد الرماحي هكذا:
ي - تناوبان النظر
من أجل نفس الهدف أعلاه. وبالنسبة لبحر الرجز المسمى في تراثنا العربي، لكثرة زحافاته، أي الجوازات النغمية فيه، بـ(مطيِّة الشعراء)، فإنه يمكن نسبة الكثير من الكلام العادي النثري إليه وإلى زحافاته، وهو أمر يفسر لماذا نسب عبد علي الرماحي في قصيدة قصيرة لي 12 بيتاً إليه. لدينا أيضاً التقطيع الاعتباطي الآخر من اجل إرجاع بيت شعري منثور إلى وزن معروف في المثال التالي:
(يسويان سكينة الأبد)
الذي يكتبه الرماحي على سطرين منفصلين:
يسويان
سكـِّينة الأبد
الذي لم أكتبه أنا على سطرين، ثم أنه يغضّ الطرف كلياً عن (يسويان) ويستنتج أن (سكَّينة الأبدْ) من بحر الرجز.
عندما قرأت بسرعة المقال الأول للرماحي ظننت أن غالبية ما يذهب إليه ربما يكون صحيحاً ودقيقاً، لكنني عندما تفحصته بانتباه بعدئذ اكتشفت مقدار عدم الدقة في طريقة عرضه، بل عدم أمانته. لنتبق في سياق القصيدة نفسها (الحجر الصقيلي)، سأتابع اضطرابات الرماحي العروضية. يقول أن البيت (في الضفة الهاذية الأخيرة) هو (مستفعلن مستفعلن مستفعلن) يعني من الرجز وهذا غير صحيح البتة فإن تقطيع البيت هو (مستفعلن مستفعلن فعولن)، متى جاز أن تزحف مستفعلن إلى فعولن؟ ربما جاز في القصائد العمودية المتساوية النغمات عددياً وهو موضوع سيطول الحديث عنه. ويقول أيضاً أن البيت (من العالم البحريّ) هو (مستفعلن مفاعلين). كيف استنبط الرماحي (مفاعلين) من الكلمة (البحريّ) التي هي (فعلن) وليست (مفاعلين) حتى مع افتراض انه يتحدث عن جواز زحافي؟.إنه يجعل جميع جوازات بحور الشعر العربي ممكنة بالنسبة لقصيدتي النثرية لكي تطابق فرضيته.
للمضي بعيدا باللعبة، يترك الرماحي جانباً الأبيات التي لا يجد لها وزناً معروفاً مثل الأبيات (يتوغل في عروق الأميرة النائمة) (ضفائرها الطويلة المسوّاة) (المشرع على البحر) (الفرحة والكرب) (يقبعان) (الصياد والصقر) (يسهران) (الصياد يغرق) (يبكي أمام شاهدة الهواء العليل) لكي يطلع بالاستنتاج الأخير التالي:
"عروضياً يتهاوى مدّعى قصيدة نثر لان ما كتبه لعيبي و قطعناه عروضيا لم يكن سوى مقاطع موزونةٍ كتبتْ على بحورٍ متعددة تخلل بعضها خروج بسيط عن الوزن وهي محاولة قديمة كتب فيها الكثيرون ومنهم السياب ولكن الأخير جانس بين بحور متقاربة بما لا يؤثر على موسيقية النص ككل فيما لعيبي يتقافز بين الأبحر المتعددة فلا هو حافظ على وحدة موسيقى النص ولا هو هشم تلك الموسيقى لصالح محاولته".
يتكلم الناقد إذن، متابعاً خفةً إصطلاحية، عن (مقاطع موزونة) وليس (أبياتاً موزونة) مكتوبة على بحور "يتخلل بعضها خروج بسيط عن الوزن" مخففاً إلى أبعد الحدود نثرية قصائدي، واجداً لها أساسات عروضية و(زحافات) متواصلة طالعة من بحور (غير متقاربة). أقول أنه عندما تكون النصوص محض مجزوءات ومقطعات مشحونة بالزحافات، وبالإضافة لذلك تكون خارجة من بحور غير متقاربة إيقاعياً وتتقافز بين الأبحر، فإنها تخرج، بهذا المقدار وذاك، عن دوائر الشعر الموزون، وتعمل في حقل آخر. هذا الحقل كان هدفاً عزيزاً علي قلبي ويهمُّ محاولتي.
لماذا يتوجب على الشاعر أن (يهشم الموسيقى) ولماذا يتوجب عليه، بالمقابل، الوقوف عند تخوم (وحدة موسيقى النص) الثابتة؟ هذا سؤال جوهري ضمن أسئلتي الراهنة بشأن الموسيقى التي لم يدركها الرماحي. أنه سؤال يطلع من إصغائي لموسيقى الجاز ومحاولتي لفهم مبناها. لم تتبق موسيقى الجاز عند تخوم الموسيقى المألوفة المعروفة ولا هي خرجت من عالم الموسيقى نهائياً، ولهذا الكلام تتمة طويلة مهمة.
كل ما قام به الرماحي من الناحية الشكلية لا يخرج عن اثنين:
- قام بتقطيع أبيات قصائدي بطريقة اعتباطية لم أقم أنا أبداً بوضعها على الورقة.
- قام باستخراج أوزان شعرية عربية، غير دقيقة مع ذلك، من تقطيع يفترضه هو، ولا أقدِّمه أنا في نصّي.
بصرياً، قام بتقديم أبيات لم أعملها ولم أقم بتحريكها ولا بتسكينها، إنما قام هو بذلك نيابة عني، مما يجعلني أرتجف من فعلته أمام القراء.
لكن لنلاحظ أن الرماحي الذي كان يقول بأنه معنيُّ (بالشكلاني) لوحده فإنه يقفز فجأة من الشكلاني إلى معالجة تاريخية ونصية متجاوزاً الحدود التي رسمها لعمله، فهو يقول: "وقراءة سريعة للتراكيب أعلاه تذكرنا ببدايات الشعر الحر – شعر التفعيلة – و بالذات بالنفس السيّابي في كتابة النص الموزون". هل يذكره شعري بالنفس الشكلاني أم الروحاني للنص السيابي؟ لا أظن أن نقد الرماحي سيتوصل للإجابة عن سؤال كهذا طالما أنه غير معني لا بالشكلاني ولا بالأسلوب الشعري في النصوص التي ينقدها.
في مقالته الثانية يضع الرماحي أمام القاريء النص الكامل للمستهل النقدي في مجموعتي، لكي يقيم الحجة النهائية عليَّ، وليته ما فعل. قلت في شرح ضرورات قصيدة نثر بقافية أشياء كثيرة منها قولي: "إن محاولة هذه القافية تود كذلك الاستهداء بالقصائد النيئة لهواة الشعر الذين لا يتقنون بحور الشعر العربي، وهم يظنون بأن مجرد إدراج القافية في نهايات الأبيات كفيل لوحده بمنح نصهم سمة الشعر وخصائصه. إننا ندرجها مثلهم لكننا نجري تعديلاً على قواعد اللعبة ونحن نزعم السعي الحثيث وراء صفاء الشعري، الصعب".
ومن الواضح إن قولي بشأن الاستهداء بالقصائد النيئة لهواة الشعر لا يعني إطلاقاً الكتابة النيئة الساذجة مثلها، لأنني أقول: "بأننا ندرجها مثلهم لكننا نجري تعديلاً على قواعد اللعبة ونحن نزعم السعي الحثيث وراء صفاء الشعري" وهو ما لم يقرأه الرماحي، أو لم يرغب بقراءته بدليل قوله: "يشير -الشاعر- في تقديمه مجموعته إلى تشابه ما يكتبه في محاولته الأخيرة مع النصوص النيئة للمبتدئين من الشعراء الذين يخيل إليهم أن استخدامهم النهايات المسجوعة ، معتبرين إياها قافية، سوف يدرج كتاباتهم تحت خانة الشعر، فهو يكرر الشيء ذاته بفارق واحد بسيط انهم يفعلون ذلك بجهل أما لعيبي فإنما يفعل ذلك عن وعي، وهو بذلك لا يبتكر جديداً في محاولته، غاية ما في الأمر انه أوضح معرفته بتشابه ما يكتبه مع خواطر المبتدئين في كتابة الشعر عديمي المعرفة بعروضه". وإذن فأنه استنتج من كلمتي هذه ما مغزاه أنني لا أبتكر جديداً في محاولتي وأنني فضحتُ نفسي بإعلان أن ما أكتب يتشابه مع خواطر المبتدئين. إضافة لذلك ففي أكثر من مكان يصف الرماحي ما أكتب من شعر (بالخواطر) أو يصف "نص (الأجَلّ) وبصراحة جد متناهية نص لا يستحق الوقفة عنده". حسناً سأتفق معه لضرورات الحوار الحضاري أن ما أكتب بعد من ربع قرن هو مجرد خواطر، لكنني أود التوقف عند هذا النقطة: أن قراءة النصوص بطريقة عابرة وجاهلة قد التقيناه مراراً وتكراراً في كتابات وتصريحات أصدقاؤنا الشعراء الخارجين منذ بعض الوقت من العراق. إنهم، من دون أن يكونوا بالضرورة جزءاً من الماكنة الثقافية الفاسقة للنظام، وحتى لو أنهم لو يتورطوا في معاركه ومؤسساته القمعية، فإنهم قد نشأوا في الخديعة والحذلقة والطيش والحيلة التي كان يفرضها النظام على مجمل الشعب العراقي. كيف استنتج الرماحي من قولي (بأنني استهدي بالشعر النيء لهواة الكتابة من أجل قواعد جديدة للعبة) بأنني أريد القول بأنني أكتب خواطر مثلهم بالضبط؟ يتعلق الأمر بطريقة القراءة التي تريد أن ترى في النصوص ما يعجبها وليس ما تقوله فعلاً. أن طريقة القراءة لدى قطاع واسع من مثقفينا هؤلاء من طراز جد خاص، لأنها تفتش فيها ما تعزز قناعاتها وليس ما تقوله النصوص المكتوبة بالضرورة، وأن أية كتابة، مهما كانت درجة صرامتها الموضوعية، لكنها لا تسير على نهج واحد، وحيدٍ، غير مقبولة في الشرط الثقافي العراقي الذي تتمترس كل فئة فيه حول مفهومات نهائية.
وبصدد ما تتيحه له فكرتنا عن المبتدئين والهواة (اللذين كنا نتحدث فقط عن إدراجهم القافية في نهايات نصوصهم وليس عن شيء سواه إطلاقاً)، فالرماحي يقول أشياء أخرى، لا تقل فجاجة وفضاضة عن نصوصي، خاصة، عن نصي (جوليانا):
"داعبت قطة
و سمتها ايطاليا
ثم دحرجت امامها الصوف
وسمته العالم"
ويتهمه بأنه مبتديء "ويشبه أسوأ أنواع الكلام المترجم حرفا بحرف"، وهو يستعير هذه العبارة مني لإفحامي. لكنه هنا يلقي بحكم (جمالي) لن أناقشه، بسبب عجالته وتهوره. أنه يريد الإيحاء الآن أن كلامي يشابه أسوأ أنواع الشعر المترجم.
وانطلاقاً من قراءة ساذجة لكنها لا تشك للحظة بمعارفها المطلقة، فإن الرماحي يفترض الآن ثلاث فرضيات جديدة:
- إن بعضاً من نصوص (الحجر الصقيلي) إنما كتبتْ أصلاً بلغة غير العربية. هكذا والله. وما عزَّز قناعته هو أن (الحجر الصقيلي)، المجموعة كلها، قد فازت بجائزة أوربية. يقول: "النصوص: فيرونيك ، باولو، جوليانا، ماري -كلير ، سيرجو، ماتياس، عبارة عن نصوص مترجمة حرفاً بحرف عن لغة أخرى لا اعتقد إنها إنجليزية وأغلب الظن أنها نصوص كتبت لغرض معين كأن يكون مشاركة في مسابقة شعرية خاصة إذا عرفنا أن مجموعة (الحجر الصقيلي) فازت بجائزة في إيطاليا، فاعتقادي أن تلك النصوص ذات الروحية الغربية لا تخضع لروحية النص النثري الذي نحن بصدد دراسته في هذه المحاولة..". هنا تطلع من جديد خفة القراءة والإدعاء المخجل لدى قطاع واسع من مثقفينا الجدد، لأن (الحجر الصقيلي) القصيدة الواحدة المخصوصة وليس كل المجموعة التي تحمل هذه القصيدة عنوانها هي من فاز بمسابقة إيطالية. والخبر عن فوز القصيدة، وليس المجموعة كلها، قد نشر في غالبية الصحف العربية، ومنها جريدتي (الزمان) و(القدس العربي) في لندن، وعلى أكثر من موقع في الأنترنيت البعض منها من المقربات للرماحي. كيف فاتَ عليه أن لا يقرأ الخبر كما يجب، وكيف لم يستطع إلا التحدث بلغة العارف الخبير في نقده لمجموعة؟ أقول للرماحي أن النصوص الأربعة تلك مكتوبة بالعربية ونشرت سابقاً تحت عنوان (نصوص جنيف) في مجلة (الكرمل)، وفيها سعيت للكتابة عما توحي لي به بعض الشخصيات التي أعرفها في هذه المدينة التي أعيش فيها منذ 18 عاماً، وإنها لذلك لم تكتب إلا باللغة العربية، وهي تود كذلك إقامة الدليل والبرهان على إمكانية قصيدة (نثر عربية) بقافية، مثل النص (ماتياس) الذي لا يمكن أن يكون مترجَمَاً مع وجود هذه القافية الصدَّاحة فيه:
"سارقُ الحجارةِ من المعبد الأثني
لن يسرق النصْ
سارق النارْ
لن يسرق الأثمارْ
خصَّبتْ روحه الصاعقهْ
وأجهش وحده في ظلمة الغارْ"
لا أظن بأنني سأكون قادراً على وضع القافية في سياق نصٍ مترجمٍ بهذا الشكل، حتى لو كان نصي الشخصي أنا نفسي. يتعلق الأمر مرة أخرى بطريقة القراءة لدى الرماحي. ومن دون أدنى شك فالتصريح بأن نصوصاً مثل هذه مكتوبة بلغة أجنبية ومترجمة لاحقاً إلى العربية يتضمن اتهام الشاعر بالاستخفاف بذائقة وذكاء قراء الشعر العربي، وهو ما لا يمكن أن أفكر فيه.
- ولأنه يفترض أن تلك القصائد قد كتبت بلغة أجنبية، فإنها نصوص تافهة ولا قيمة لها البتة. هذه الفرضية تتجاوز وتتجاهل طبيعة ولغة الشعر الذي ما زلتُ أشتغل عليه منذ مجموعتي الأولى (أصابع الحجر) 1976. لهذا السبب فإن تحليل الرماحي يتجاهل ويلغي جميع نصوص المجموعة التي لا تلائم مشرطه. لقد أخرج أولاً جميع النصوص (الموزونة) ثم أخرج بعد ذلك جميع النصوص (النثرية) المحض من حقل عمله. يقول: "النصان التاليان (جارات يوسف الناصر، وداعاً يا وحيد القرن)، كذلك يخرجان عن غرض المجموعة لأنهما نصان نثريان لا تكرار للقافية فيهما على الإطلاق، كما أن نص: (ليلة العاشق) يندرج معهما تحت نفس الوصف سوى أنه تتكرر فيه القافية مرة واحدة فقط (أخدود/ عنقود)- هو يسميها قافية، يقول الرماحي، واكرّر أنها ليست بقافية ولا يصحُّ أن نطلق عليها اسم قافية". انتهى كلام الرماحي. ما هو يا ترى غرض المجموعة في تصور ناقدنا؟ في هذه الفقرة، يتكلم الرماحي فجأة، من جهة، عن (المجموعة) كلها وليس عن قصائد مخصوصة فيها ولكنه، من جهة أخرى، يختار الحديث عن قصائد مخصوصة من المجموعة. هل يوجد يا ترى غرض آخر غير الشعر في القصائد التي يختارها هو بنفسه؟ يقع الرماحي الذي لا يجيب على مثل هذه الأسئلة في ارتباك بشأن القصيدة (ليلة العاشق) التي تمتلك روحاً نثرياً صافياً ولم يكن فيها البتة أية نية بإدراج قافية، لأن الكلمتين (أخدود) و(عنقود) قد حصلتا هنا بمحص الصدفة لوحدها وهو ما يمكن التحقق منه بقراءة مخلصة، غير شكلانية وغير مسبقة للنص. ها هو النص كاملاً للمزيد من البرهان على غياب القافية في هذا النص بعينه:
من الجسدِ الـمُبلل
يَغارُ الخبزُ الطازج
من أصابع الأموات تقطر الروعة
على عتبة طافحة بالأنوار
الهواء، وحده، مكان إقامته
الهواء، أُمُّ الصرخة المكظومة، يعبث
بالقش الحيّ، المجروح،
المتناثر على تلال صدرها
الفوّاح برائحة الصندل الرطب
الصائح في الليلة الرطبه
مفجوعة كانت من شدة النبض في حجر طاحونتها
مـيـِّت كان بـجفنين منغلقين على الفجر
زهرته تتدلى، بوجه غريب، على هوة الوادي
ثمة القمر الأبكم
وظل الزهرة المبسوط فوق الأخدود
ليس سوى الباب يئنّ في الليلة القائظهْ
القط القابع في ظلمة الحجرة يـهـرُّ
وعروة الدلو تتقلب تحت الندى
الريح مقوَّسة على الجسد
والنجم ضعيف
ستمنحه، عشيةً، التينة الملدوغه
ستهديه بقايا العنقود
ستناوله أطراف الريح التي خرجتْ للتو من صبابتها
الريحان سينام أخيراً في ملاسة القطيفه
بقامةٍ مترنحةٍ قاما إلى الماء العاري
نهضا من اشـتبـاك الـلاءات إلى
تعبِ
الحجلِ
الناشبِ
أظفاره
في
قلبيهما
الوردة تنتصب في آخرة الجبَّانه
النقش البديع يلوح على طرة الصبي حديث الولاده
كان رماداً مخصّباً بالنار (يا لعمى الإستعاره…)
كانت الحمامةُ تهرب من طيش الحصى
الرطوباتُ
والأعيادُ
والختاناتُ
هل مرقتْ عصفورةُ الموتِ من بوّابة الحيّ ؟
بين الكلمة (الأخدود) والكلمة (العنقود) مسافة 6 أبيات لا تسمح بأي تنغيم صوتي، فشرط القافية هو المزاوجة والتقارب. قراءته للنص هذا تطرح ثالثة مشكلة القراءة الموصوفة أعلاه.
المكان الرابع والأخير الذي تظهر فيه طبيعة قراءة الناقد تتعلق بالفقرة التي أقول فيها: "إذا ما تطابق البعض أو الكثير من أبيات المجموعة مع أوزانٍ عربية معروفة، فلأن النية كانت تتجه نحو إجراء تعديل جوهري على قصائد النثر السابقة المنشورة بدءً من (نص النصوص الثلاثة) 1982 من أجل مصالحتها ومقاربتها مع الموسيقى العربية لكن من دون التخلي عن طلاقة الصورة الشعرية، أو هجران الاستعارة: جوهر الشعري". ويعلق الرماحي بالقول أن قصائدي هي: "نصوص معدَّلة كتبتْ في فترات زمنية سابقة امتدت لأكثر من عشرين عاماً في قدمها". انتهى قوله، أي أنه، وهذا هو العجب العجاب، قرأ الفقرة (إجراء تعديل جوهري على قصائد النثر السابقة) بمعنى أنني أعدتُ كتابة قصائد قديمة وحشوتها بالقوافي. دون تعليق. عيب.
- فرضية الرماحي الزاعمة بأن النصوص التي كُتبتْ بلغةٍ أجنبيةٍ (وهو ما لم يحصل في عملي إطلاقاً) إنما هي نصوص لا قيمة شعرية لها، وهي فرضية تُماهي وتُدمِج، مُدَاوَرَةً، بين النص المترجم من لغة أوربية وبين التسطـُّح وعدم الشعرية. هل تمتلك الفكرة إذن جدية حقيقية؟ كلا. إنها تقترح مقولة برانيّة، لا علاقة لها بالنصوص، ولا تمتلك بالتالي الجدية الكافية لتكون موضوعاً للمناقشة.
وفي ظني فأن التجلي الأمثل لفكرتنا (قصيدة نثر عربية بقافية) يوجد في قصيدتيَّ (عربي على دراجة هوائية) و(الغريب). وأمام النص الأول يتوقف الرماحي طويلاً لكن من دون فائدة معرفية، مثلما توقف بالضبط أمام قصيدتي (الحجر الصقيلي) قبلها. سيتركز كل همّ الرماحي الآن بعدم العودة إلى إي تقطيع عروضي موسَّعٍ، فمن شأنه تدمير فكرته عن وجود أوزن عربية خالصة في النص. من الصعب البرهنة في هذا النص على ذلك بدليل قوله "تتفق هذه القصيدة مع روحية النصوص النثرية في مجملها" أي أنـها قصيدة نثر كما يتمنى، ولكن همّه سيتركز على تحليل طبيعة ورود (القافية) في النص. يستنتج الناقد بأنني عبر القافية وحدها الواردة بكثرة في هذا النص النثري أنزلق إلى الوزن. هذه الفكرة جديدة بالتمام والكمال. إنه يعتقد الآن أن "القافية تحتاج إلى مقدمة موزونة تسهل (على الشاعر لعيبي) عملية أدراجها في آخر تلك المقدمة". إن أمثلته عن وجود أبيات موزونة في (عربي على دراجة هوائية) لا تعادل عددياً حتى ربع أبيات القصيدة. تقطيعه العروضي هنا أيضاً يتابع الأكذوبة ذا الوجه العارف السابقة. ولأنني لا أستطيع أن أستشهد بكامل القصيدة (عربي على دراجة هوائية) بسبب طولها ولأنني أعتبرها واحدة من أفضل نماذج هذه التجربة فإنني أدعو القراء ممن لم يحصل على المجموعة بقراءتها كاملة في المجموعة الشعرية أو في صفحتي الشخصية على الأنترنيت.
أخلص من ذلك أن قراءة الرماحي العروضية للنصوص لم تكن سليمة، كما أن قراءته لنصي النقدي الإستهلالي هو فضيحة ثقافية بكل معنى الكلمة، لا تليق بناقد أدبي.
رجوع ....