نثر: تعود الكلمة في الأصل إلى "نثرك الشيء بيدك ترمي به متفرقا مثل نثر الجوز واللوز والسكر، وكذلك نثر الحب إذا بذر {. فهو..} ما تناثر من الشيء {…} ورجل نثر: كثير الكلام..} - ج6 ص 4339 من لسان العرب. الغريب أن ابن منظور لا يعالج النثر بوصفه جنسا أدبيا تحت مادة {نثر} مقابلا للشعر، بل يروح في معانيه الأخرى الطالعة من هذا الأصلي أعلاه. سوى أنه يمكن، بسهولة، ملاحظة أن العرب قد استخدموا استعارة المنظوم في مقابل استعارة المنثور، فالقلادة منظومة أيضا أي محكومة بالتتابع والوحدة عبر خيطها، فالنظم، حسب اللسان هو: "التأليف .. ونظمت اللؤلؤ أي جمعته في السلك، والتنظيم مثله، ومنه نظمت الشعر، ونظم الأمر على المثل، وكل شيء قرنته بآخر أو ضممت بعضه إلى بعض فقد نظمته..} ج6 ص 4469 لكأن الحديث يجري، فحسب أو بالدرجة الأولى، عن مثال ووحده يسمان كلاما شعريا منتظما ذا قوانين تمنعه من الانتشار والانفراط، واضعين لهذا المنظوم قانونين {نظامين}: الوزن والقافية، كالسلك بالنسبة للقلادة. فالمنثور إذن في عنوان هذه المداخلة يطلع من هذه المقابلة الأساسية.
يشكل الوزن لعبة مزدوجة الحدين، فمن جهة يمكنه إضافة قيمة ما، قيمة حقيقية للشعر، ومن جهة أخرى يستطيع التحول إلى محض لهاث شكلي. إن مخاطر التوقف عنده اليوم لا حدود لها، وإن تاريخ الشعر العربي القديم الذي رغم اكتشافه لنظام موسيقي دقيق، للدستور وتدوينه إياه، فإنه قد أنتج سلالات من النظامين الحائكين على المنوال، بالضبط مثلما أنجب الشعر الحديث جمهرة من التنميطيين السعيدين موزونين وغير موزونين. بداهة ما بعدها من بداهة علينا التذكير بها ملحاحين. يبدو أن الموقف الصحيح يكمن في نقطة توازن أخرى لا ترتهن إلى النفي المطلق للأشكال التي برهنت فاعلية كبيرة.
لا تقف الحداثة، بالضرورة، على الند من الوزن، ويبدو أن صيرورتها، أي الحداثة، تتم عبر وعي رهيف وخيار طالع منه، بحيث لا يغدو القبول بالوزن أو نبذه حدسا يختار ما يلائمه من الكلام. يبرهن تاريخ الأشكال أن الموسيقى بوصفها فاعلية للكائن المتحول تتغير من عصر إلى آخر، لكي لا تكون إيقاعات الحداء هي ذاتها إيقاعات الشعراء الرجاز، ولن تكون نغمات الشعر الجاهلي هي نفسها نغمات شعر القرن الثالث والرابع للهجرة، ولكي لا نستطيع مقاربة إيقاعات الأعشى المتوترة، المتصاعدة، الرصينة تارة، والطرية تارة، بإيقاعات شاعر متأخر هو المعري الموسومة بجمود عصي على الوصف قد يقف عند تخوم النثر، هكذا يمكن العودة إلى إصرار الشعر الجاهلي على الأوزان الكاملة إزاء تخلي الشعر العباسي عن هذا الاكتمال لصالح المجزوءات والمقطعات الوزنية، ثم مقاربة ذلك كله بالتخلي عن النظام القديم والوصول إلى التفعيلة الواحدة، المكرورة، في الشعر الحديث "الموزون" الذي توصل، بوتيرة متصاعدة، إلى هجرانها من أجل توازن جديد ربما يقع في الهيمنة على الوزن وتجاوزه عبر "الاستعارات والأوصاف" على حد تعريف لابن خلدون للشعر سنورده بعد قليل، وها هنا درس ذو مغزى أكثر إثارة من التنظير الصافي، لم يتوقف الشكل عن التجدد أبدا مثلما لم يتوقف خصومه عن طرح الأسئلة ذاتها كل مرة. لا تتشابه اليوم لغة الشعر العربي الحديث مع لغته في العصور القديمة، الجاهلية أو الأموية أو العباسية، وفي ذلك دلالة واثقة من أن موسيقاه، بدورها، تختلف اختلافا جوهريا، لأن اللغة حساسية صوت تتغير بتغير العالم.
ما هي يا ترى وظيفة الوزن الرئيسية؟ يؤدي التنميط الوزني وظيفة مزدوجة: منح القصيدة وحدة عامة، دوزنتها لكي تنسجم مع التنفس الطبيعي للكائن أو مع تنفس حالة سيكولوجية له. لكي تتقارب هذه الوظيفة، من هذه الزاوية، مع مهمة غنائية، لكأن الشعر كان يكتب ليغنى، ولكأنه كان مهموما بأفق، برؤية غنائية، هي ضرب واحد فحسب من ضروبه الممكنة. إن هذا التنميط، هذا التكرار النغمي، المدوزن يشابه، بعمق، ذلك التكرار اللفظي في شعر طفولة البشرية: الأناشيد المقدسة في معابد سومر ومصر، الموحي بسذاجة محببة، بطفولية ما:
يا مليكتي التي هي ……
يا سيدي الذي هو……
مقطعان سيظلان يتكرران دون ملل في نشيد رافديني قديم لكي تتماهى الجملة مع طقوسية الاحتفال الديني التي، ربما، طلع الوزن الشعري منها. على المشتركين في الطقس التوحد، جسديا ولغويا، فيه، في النبرات والأصوات والتقطع اللفظي، أي الوزني للنشيد. إننا نتحدث إذن عن نشيد بدئي هو بالضبط ما وطد علاقة الشعر بالموسيقى، واستمر بتوثيقها إلى درجة منحها لاحقا صفة قانون أساسي للشعري، جاعلا الموسيقى الصادحة "مؤسسة" شعرية عن جدارة تماثل أيما مؤسسة أخرى، لجهة قابليتها على هدم نفسها بنفسها وخضوعها لقوانين التعرية الجغرافية والإندثار، خاصة عندما لا تستجيب لوظيفة شعرية. يعرف هوبكنس النظم باعتباره "خطابا يكرر كليا أو جزئيا نفس الصورة الصوتية" ويتساءل: "لكن أيعتبر كل ما هو نظم شعرا"، ويضيف رومان جاكوبسون أن سؤالا كهذا يمكن "أن يجاب عنه بصفة نهائية منذ اللحظة التي تتوقف فيها الوظيفة الشعرية عن أن تحصر، إعتباطيا، في الشعر". لقد التبست تلك العلاقة الأولية، المشحونة ببهاء الأول، فيما بعد بآثار الكائن البشري من كل نوع، بفكره على سبيل المثال، بمعنى اندغام الشعر بالفكر، بالتفكر على طريقته الخاصة بالعالم. يقول هايدجر: "إن بين الاثنين، الفكر والشعر، علاقة قرابة معتكفة اعتكافا عميقا، لأنهما كليهما منقطعان لخدمة اللغة ولا يدخران من أجلها جهدا. غير أنه لا يزال بينهما في الوقت نفسه هوة عميقة…" علاقة جديدة الآن ستزيح قليلا الوزن الممنوح للوزن، أو ستعدلها لصالح شيء آخر. فإن أبا العلاء المعري لا يهتدي موسيقيا، بالأنماط السائدة في شعر زمنه ويهجرها رغم أن وزنه هو الوزن الخليلي عينه. إنه لا يكشف عن موسيقى صافية، مصفاة وتقع أنغامه في مكان آخر، من هنا، ربما، انهماكه تلك الانهماكة "العمياء" بالنثر، في "رسالة الغفران" وغيرها من الرسائل بأصفى ما في النثر من قدرات شعرية.
ثمة تراكم كمي مهول من خطاب لا يحتفظ من اللغة الشعرية إلا ببنيتها الشكلية التي يبدو أنها أزعجت قرننا العربي العشرين فراح يفككها ويبنيها من جديد، في شعر أصر بجرأة على القيام بأمرين صارا بداهتين اليوم ولا بأس من إعادتهما من أجل أكبر وضوح مفيد هنا: إنه ألغى بنية البيت التقليدي المتكون من شطر وعجز العزيزة على 14 قرنا من الأدب. وأنه استغنى عن التفعيلات بتفعيلة واحدة ظن أن لن يستقيم البناء من دونها. لكنه ظل مترددا في المضي بعيدا في المغامرة كأنه يود الانسجام مع اتجاه "محافظ" لا يزال قابعا في "العقلية العربية" حتى وهي تزعم تحررها. ففي حين بقيت التفعيلة حاضرة نظريا، فإنه، عمليا، لم يتبق إلا وزن واحد أو وزنان يتيمان: المتدارك والكامل، وثمة الخبب الذي هو نوع من المتدارك لم ينفك الشعر العربي المعاصر لنا، منذ عشرين سنة على الأقل، على إعادتهما دون ملل، وفي ذلك إشارة إلى الضيق الحاصل بالأوزان الأخرى، والانحصار الذي حصر الشعر العربي نفسه فيه بحكم انشغالاته باللاشكلي من أجل الجوهري: الاستعارة، التعبير.
"ضيق أيتها المتدارك" كتب سعدي يوسف مرةً.
ومثلما ثمة تراكم مهول لشعر موزون فإنه سيحدث تراكم مماثل غير موزون. لن يستطيع طرف من الأطراف الزعم، بعد بعض الوقت، بامتلاكه الفضيلة لوحده. غير أن مهمات هذا الشعر المنفلت من القيد، اليوم واليوم بشكل خاص، تبدو أشد صعوبة في مواجهة إرث أدبي وشعري منظور إليه بوصفه المنجز النهائي. شعر منثور يوحي بسهولة مفرطة كان الشعر القديم يوحي بها هي نفسها. لكن الأمر في الشعر العربي المعاصر، كما يبدو في الحوار بين أنصار وأعداء قصيدة النثر، هو مجرد إعادة ترتيب للأولويات بين مانح للوزن قيمة أساسية، قيمة مضافة إلى "الاعتبارات الشعرية المحضة" مثلما قد يقول البعض، وزاعم أن تلك القيمة الشعرية المحضة تتقدم ما سواها وإنها تتضمن بالضرورة، لدى مهووس بالشعر الصافي، إيقاعها. إننا نشاطر الرأي الأخير دون تردد. ونزعم أن اختراقا عمقياً للنمط، ولما يصير يوما بعد آخر نمطا، لا بد أن يتوفر، لكي يكون عمله مقنعا، على ما يستلزم من عدة: الوعي بعالم الشعر المنبني، كله، على "الأوصاف والاستعارات" التي هي توصيف لما لا يوصف عبر الصورة الشعرية وملحقاتها والتي لا يمكن التحايل عليها بكتابة شبيه لها متقنع بالوزن.
تبدو مهمة الشعر المنثور أشد صعوبة لأنها لا تركن إلى المغريات والمغويات المنجزة، ولا إلى الجرع المقوية كالصياغات المعتبرة منذ البدء بداهة شعرية. كما أنها لا تستطيع الركون إلى مثال الشعر الأوروبي، مثلما يزعم الزاعمون، الخارج من تقاليد مختلفة ومن اعتبارات نغمية مغايرة لا يمكن فيها بحال من الأحوال وضع وزنه الإسكندراني في مقابلة أوزاننا الخليلية ولا طبيعة إيقاعات لغتنا العربية: شتان بين تنغيمات حروف العلة الفرنسية الوفيرة الخارجة من طريقة استخدام خصوصية للفم وللحنجرة وبين حروف علتنا. في الفرنسية ثمة 16 حرف علة هي: a, e, o, o, u, y, au, ou, e, e, eau, ei, on, ain, an بينما لا تمتلك العربية سوى ثلاثة، لا بد أنها ستؤثر في النهاية على الطقس اللغوي عامة، والشعري خاصة، هذه المقاربة بين الفرنسية والعربية هي مقابلة بين شعرين يطلع أحدهما من التأثر السريع بثقافة أو ثقافات ذات خصوصيات مهمة، ويود الآخر أن يطلع من وعي لغته، من روح الكلام العربي وطبائعه. إن مقلدي الشعر المترجم سيظلون يشكلون حضورا هامشيا مبتهجا بمعرفته المتواضعة التي تغفل طبائع لغتها من النواحي كلها ويشكل الغرب بالنسبة لها عقدة مباشرة بالمقلوب، وليس حقلا للمعرفة والحوار.
يود البعض، اليوم، التمييز بين "الشعر الحر" و "قصيدة النثر".
ليس هذا التمييز بالوضوح الكافي بالنسبة للكتابة العربية. ذلك أنه قد ينطبق ويتطبق على شروط لغات أخرى ذات طبائع بنيوية مختلفة من زاوية المصوتات وحروف العلة والتركيب… إلخ التي ستحكم لاحقا ما سيطلع منها. تعريفات قادمة من طريقة استخدام لغة ليست لغتنا. ففي استفتاء وجهه عبد القادر الجنابي إلى مجموعة من الشعراء بهذا الشأن تصاغ الأسئلة بطريقة لا نعرف على وجه الدقة لماذا سنسمي "شعرا حرا" شعر أولئك "الشعراء الذين يلتزمون الأشطر (الخالية من الوزن والقافية) شكلا .." بينما نسمي الشعر أو (القصيدة التي يكون قوامها نثرا متواصلا في فقرات تجانس فقرات أي نثر آخر..) "قصيدة نثر" ونعتبر التمييز هاما في الوقت الذي لا ندري فيما إذا كان الحديث يجري عن استبعاد أو قبول الوزن، أم عن الشكل نفسه، أي طريقة ترتيب الجمل على الصفحة، أم عن تعريف مغاير جذريا للقول الشعري بعيدا عن الشكل البصري والإيقاع المحسوب رياضيا. تمييزان نجد أن سريانهما في الكلام العربي سيلتقي صعوبة معتبرة بسبب اختلاف طرائقه في القول، وموسيقاه. إن عقل اللغة العربية ونظام أوزانها يشتغلان بطريقة أخرى. هذا التمييز مستمد مباشرة من الثقافتين الإنكليزية والفرنسية اللتين لم تعودا تمنحان "الغنائي" ذلك الدور الذي تمنحه الثقافة العربية له، كما المعنى الممنوح للشعر كله. لم تستطع ثقافتنا، حتى اللحظة استنباط مصطلحات تلائم مشكلات قولها الخاص. ماذا نفعل إذن إزاء قصيدة عربية دون وزن معترف به خليليا؟ قصيدة لا يمكن سوى الاعتراف بها اليوم؟
يتبلور المصطلح ويطلع عندما تغدو هناك حاجة ماسة، عندما تخلق الثقافة، أولا، شكلا جديدا لكي تسميه بعدئذ، من دون ذلك يغدو الأمر مستحيلا كاستحالة وحيرة تسمية "التراجيديا" و"الكوميديا" لدى أجدادنا مترجمي "فن الشعر" الذين لا بد أنهم ظلوا يتململون في قبورهم إزاء إخفاق موضوعي أنجزوه بجدارة. أمام قصيدة دون وزن، سواء كتبت، بصريا، على أشطر أو بفقرات نثرية ممتدة فإن المشكلة ليست، في الحقيقة، مشكلتنا، إننا نستعير جدل الآخرين بشأنها، وهو جدل قد يغني حوارنا، ولكنه لن يعفينا من التفكير بالموضوع في إطار وعي مشكلاتنا. إننا نغامر بإعادة الجدل الخمسيني حول تسمية النكهة الجديدة المنبعثة يومذاك في الشعر العربي: (شعر حر) أم (شعر حديث). لم يحسم الموضوع للسبب نفسه.
إننا نكتب قصيدة خالية من الوزن تراهن على اقتناص جوهر شعري مزعوم، وتضعه في المرتبة الأولى، كما تراهن على أهمية تفتيت واع للبنى القديمة، كلها، بحيث أن الاسم، والحالة هذه ومن هذا المنظور فحسب، لن يصير إلا بحثا شكليا صرفا.
لعل العودة إلى المراجع العربية القديمة ستكون مفيدة بهذا الشأن، ويمكنها مدنا ببعض الخطوط العامة في رؤية الكيفية التي عولجت بها الظاهرات الأدبية الجديدة آنذاك. سوى أنه سيكون من اللازم ربما تحوير كلمة "التراث" المشبعة بنكهة أيديولوجية، أو الاستعاضة عنها بما يشابهها: "الإرث" مثلا الذي لا يصير عقبة إلا في حالتين: الجهل به أو تقديسه (أو تقديس جوانب منه: التصوف، الجنس، الإلحاد…) لكنه في جميع الأحوال يمكن أن يقدم دروساً اصطلاحية مفيدة عبر تدقيقه ومساهماته في حقول القول "البلاغي" و"الشعري" دون تعويل نهائي عليها أو القطيعة النهائية مع البحث اللساني الأوروبي الراهن. من الصعب المرور بخفة على التوقفات النقدية الكلاسيكية التي تقدم ما يستحق التأمل. ثمة تقاطعات وأماكن تماس بين البحوث القديمة والجديدة. ثمة تراكمات معرفية تتداخل مستوياتها، تتجاور وتتجاوز بعضها في حركة معقدة. إن التعويل على الإرث، والتشبث به، سيقود إلى أصولية شعرية تشابه هذه الأصوليات الدينية، كما أنه لن يكون كافيا لتفسير ظاهرة جديدة كالنص المفتوح الخارج عن الأنواع والمحتوي لها أو كقصيدة النثر. ثمة التماعات تراثية متسامحة وعميقة قد تغني التأمل المعاصر. إن منح مرجعية الترجمة والاقتباس من اللغات الأوروبية الدور الأساسي لن يكون قادرا على التفاهم مع إرث العربية الاصطلاحي المتشابك، الغني. لن يكون ثمة تطابق متعسف بين مصطلحات لغتين تنهلان من رؤيتين مختلفتين للعالم رغم نقاط اللقاء الجوهرية بينهما، لن يكون بالمستطاع، مثلا إرغام العربية بسهولة على ضم المفردة Metonymie إلى حقل عملها كما حاولت مترجمة كتاب ميشيل لو غورون "الاستعارة والمجاز المرسل"، المترددة بين "الكناية" و"المجاز المرسل". ثمة مشكلة حقيقية تنطرح ولا نفتعلها، قادمة من البداهة ذاتها التي طالما أراد النقد العربي الجدي، الملتاع بين نارين، أن يشيح بوجهه عنها: إنها تنحدر من تقاليد كتابة أخرى. مثال لا يريد نفي التفاهم الممكن بين الثقافات وإنما إيضاح شمولية المأزق وتعدد مستوياته. ما هو مأزق العربي مع تراثه في الحقيقة؟ إنه يجهله عموما وغير معني به إلا انتقائيا بحيث أن من النادر أن تمتلك عائلة متوسطة المستوى التعليمي، اليوم، قاموسا للعربية، في المنزل، وبحيث يجري في أسوأ الأحوال وباسم حداثة تنضوي الغالبية المثقفة تحت بيرقها نسيان حقيقة تقاليد الكلام العربي الذي تكتب به أو يجري السعي إلى تحطيمها انطلاقا من معرفة مشكوك بها أحيانا. مأزقه مع التراث العربي الذي هو أرض مشاع للجميع هو أن هذا التراث قادر على التحول من صحراء إلى جنينة وبالعكس في الوقت نفسه، هو مهرجان يحتوي الضروب والأصناف كلها، الشيء ونقائضه بحيث لا يمكن الركون إليه من دون عدة نقدية مطلقة الحداثة، ذات معايير مبحوث فيها ومتفق عليها بحرية، وبموضوعية، بمعنى استبعاد هذه الأنا العربية المتضخمة المريضة التي تصيب الكبار والصغار بسعارها، المنطوية على كنز من قناعة بالذات لا تفني.
وفي سياق ثقافة ومجتمع مسرنمين مهمومين بالبسيط الواضح فإن المصطلح لن يجد إلا أخصائيين ممنوحين دورا استثنائيا ومصابين بالأنفة. يختفي الحوار وتحل محله المزاعم العارفة، العرفانية التي لا ينبغي من جهة أخرى التقليل من شأن بعضها. مشكلة التراث مثل مشكلة الحداثة إنهما يدوران، عندنا، في فلك ناقص، لن تكمله إلا المساهمة الأكثر شمولية، وانضواء الجمع الجميع: النخب والجامعات والمتعلمين وأنصافهم والقراء العاديين إلى الحوار. ثمة إيمان، نكاد نقول ديني بقضية الشعر في الثقافة العربية قد وطن مفاهيم قدسية، جرى تجاوزها اليوم. إن قضية المصطلح لم تصر جزءا من ممارسة ثقافية عامة، سيكون مستحيلا على الشاعر العربي المعاصر أن يرمي ميراثه إلى العدم، وسيكون خبالا أن يصفه بالاكتمال.
تحسم الإشكالية عبر وعي رهيف، متعدد الاتجاهات، حذر من التراث وقلق منه، عارف به ومتجاوز له، يضعه في النص كهامش وفي الهامش كأصل.
علينا لذلك القبول بمصطلح قصيدة النثر طالما لا يوجد شبيه له في إرثنا الشعري، وطالما تصير الحداثة مفهوما كونيا لا نخجل من استعارته.
الفرضية التي نقدمها تقول بأننا نجد في "الخطابة" نقطة يتقاطع فيها "الشعري" مع "النثري". لم تكن الخطابة في التاريخ العربي القديم إلا امتداداً مؤثرا لروح الموسيقى، إلا استيهاما للإيقاع وبحثا عنه. كان الشعر الموزون يعبر عن الإيقاع بطريقته الخاصة به فحسب دون أن يمنع أنماطا أدبية أخرى من التعبير بدورها عنه.كانت الخطابة تنهض في الضمير الأدبي كدرجة من درجات التعبير الذي يمس ويتجاوز، مرات، ذاك الفهم الموزون المقفى للخطاب الأدبي، أي للشعر بمعنى من المعاني. كان هناك ناثرون من الطراز الأول لم يستطيعوا البتة كتابة الشعر رغم أن خطاباتهم النثرية كانت مثقلة "بالشعري" وتوضع في مصافه، مثلما هناك من كان يعتبر شاعرا دون أن يكون لا شاعرا ولا ناثرا. هنا مثالان ساطعان: إن شعر شاعر عباسي اسمه محمود الوراق "… نحو 225 هـ…- نحو 840م" كان معروفا في العصور العربية المتأخرة ويستشهد به بوفرة في كتب العصر كما في "أغاني" الأصفهاني و "كامل" المبرد، لن يستطيع الدخول إلى المملكة رغم سيره على الصراط المستقيم، بينما سيترقى الكلام الصوفي في عيوننا إلى مصاف "نص شعري" حقيقي. صوفي وغير صوفي فإن خطبة الحجاج الشهيرة سنة 75 للهجرة بأهل الكوفة لا تحتفظ من السجع إلا ببقاياه وتروح بالأحرى في خطاب يستمد قوته كلها من استعارة محكمة، رغم نبرتها التهديدية القاسية ويا للعجب، ها هي بعض مقاطعها المشهورة: {إني لأحمل الشر محمله. وأحذوه بنعله.وأجزيه بمثله. وإني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها. وإني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى. ما أغمز كتغماز التين "……" لألحونكم لحو العود. ولأعصبنكم عصب السلمة…. إلخ" مقاطع لا ندري فيما إذا ذكرت القارئ الفاضل مثلما ذكرتنا ببعض من أقوى حوارات شكسبير الشعرية التراجيدية. إن قوة هذه الخطبة تقوم، أصلا على أساس نمط غير مباشر من القول: الاستعارة. أين نحن والحالة هذه من بعض الشعر الموزون؟
يقع السجع بين تاريخين، ويشكل حلقة وصل بين اللغة الموزونة وتلك المتوازنة عبر "أمر" خاص في بنيتها اللاشكلية، محتفظا بالقوافي لوحدها وليس بعدد المتحركات والسواكن المحسوبة رياضيا في كلماته. إنه يتوازن عبر حساب مختلف لجهة حركاته وسواكنه متابعا إيقاع الاستعارة التي قلما تخرج عن وزن ما، غامض، وخافت خفوتا شعريا.
إن اعتبار الوزن الخليلي هو الوزن الوحيد للشعر لم يكن يجد إجماعا تاما شاملا لدى الرجال الأكثر تنورا في الثقافة العربية، ها هو ما يقول ابن خلدون:
"الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي…". واضعا إنبناءه على الاستعارة في مرة نادرة في النقد العربي القديم، في المحل الأول. ثم يمضي إلى القول: "فقولنا الكلام البليغ جنس، وقولنا المبني على الاستعارة والأوصاف فصل له عما يخلو من هذه، فإنه في الغالب ليس بشعر…" ج2 ص 743 من المقدمة. فقوله: "في الغالب" ذو دلالة لا يجب المرور عليها بعجالة.
بينما يعبر عقل أبي الحيان التوحيدي الرهيف عن الرأي نفسه بوضوح أكبر في نص آخر نجده في "المقابسات":
ثم قال "أبو سليمان": ومع هذا ففي النثر ظل من النظم ولولا ذلك ما خف ولا حلا وطاب ولا تحلا.، وفي النظم ظل من النثر ولولا ذلك ما تميزت أشكاله، ولا عذبت موارده ومصادره، ولا اختلفت بحوره وطرائقه ولا ائتلفت وصائله وعلائقه." ص197 من طبعه {دار الآداب} الثانية 1989.
الأمر ذو دلالة هنا: هذان الاسمان، وقلة غيرهما، كانا يشكلان تفارقا جوهريا عن طرائق التفكير السائدة في عصريهما، ولربما ما زالت سائدة.
هناك ملاحظات تاريخية خجولة تنحو هذا المنحى المارق عن صرامة الشروط التاريخية التي لم تفعل إلا قنونة الشعر بأقانيم نهائية لا يحبها وليست من وطبيعته.
يحاول البعض الآخر، من جهة أخرى، ربط التجديد الشعري بتجديد مماثل في بنية المجتمع، والزعم أن "قصيدة النثر" إنما هي الشكل الأرقى من أشكال الوعي النقدي مع العالم. وفي ذلك تفكيك للظاهرة إلى مستويات مفتوحة سهلة لا تعمل في الحقيقة بالطريقة نفسها عمليا. قبل ذلك يجب التثبت من أن فكرة "النهضة" و"التجديد" العربيين ما انفكت تتعثر لأن ثمة، في سلطة العقل الجاهل السياسي والقبلي، من يعرقلها بعنف. تمشي حثيثا ولكنها تتعثر. كما التثبت من قدرة الماضي الأيديولوجي والشعري، حتى القريب العهد على التفلت من الزمن والحضور تحت مسميات وأشكال شتى. لكن لن يكون يسيرا في هذين الشرطين توكيد مثال قصيدة النثر بصفتها أعلى المراحل الشعرية للتطور الاجتماعي، إلا إذا كنا نتحدث عن مجتمع للنخبة التي لا يمثل مستواها، بالضرورة، تطورا اجتماعيا عاما. هكذا نخرج مع منطق السؤال من الأدبي إلى غيره. إننا نفضل الحديث عن "فضاء ثقافي" تتمفصل فيه المشكلات من كل نوع، زاعمين أن ثمة مخاطر جسيمة بوضع التحليل السوسيولوجي مكان التحليل النصي، خاصة وأن ميكانيكية نظرية الانعكاس لا تلائم تحليلا نصيا محايثا. يشكل النص الشعري المنثور كوكبا منفردا في الفضاء العربي، وصوتا نافرا، غير مفهوم إلا بصعوبة حتى في مناخات التجديد الأدبي المزعومة التي نشهدها. لو كان لدينا حركة جدل ثقافية تستند على التنوع والقبول بتعدد الأصوات والممارسات والكتابات ولو صار هذا الجدل مناسبة وحجة في نفي القديم الرث، فإن "الشعر" كله سيناقش من وجهة نظر أخرى. إن فضاءا متخيلا كهذا لن يمنح المجد لنمط شعري بعينه، ولن يؤيد ضربا شعريا يتيما، ولن يصير انعكاسا له. تكمن مشكلة النص العربي السائد، في أنه رغم تصريحه اللفظي بقبول الاختلاف، الشعري وغيره، فإنه ما زال يصر على أحادية تتوهم اقتناص الجوهري. مشكلة عقل يتحايل على نفسه بادئ ذي بدء.
يتداخل الكلام، في الوقوف أمام قصيدة النثر، بخطابات من كل نوع، ويختلط الأدبي بغيره. علينا هنا تثبيت البداهة: أن من يكتب القصيدة المنثورة بوفرة ويتبناها، بعمق، هو الجيل الأحدث سنا. لماذا لا يؤمن أحد إذن بقدرات هذا الجيل؟ سؤال قد يستفز مكانا حرجا من المنطق.
لا مفر الآن من الاعتراف أن العشرين سنة الأخيرة من عمر الثقافة العربية هي العصر الذهبي للانكسار. انكسار أنتج تناقضا جوهريا لن يدركه إلا القلائل على المستوى الشعري. إن الهجاء قليل التبصر للحاضر الشعري، الواقع اليوم، هو هجاء ملتو للحاضر كله الذي في خضم حماسه الهجائي يضع الجميع في سلة واحدة، ويراها بالمنظار الشامل للانكسار.
لقد حدث نقيض ذلك تماما في "عصر النهضة" العربي بدايات وأواسط القرن: مديح شامل، وفرح غامر بالإنجازات والمواعيد، حمل معه في خضم حماسه المدائحي ووضع من لا يستحق في السلة نفسها التي وضع فيها شعراء كبار. هجاء يتناسى، وهنا يقع التناقض الجوهري، إن عصور الانكسار لا تنتج بالضرورة أدبا منحطا. فالمتنبي طلع من تلك اللحظة القلقة التي تتماس مع لحظتنا القلقة. كان يتقلب على الجمر. سياسيا: ظل يعيد بطرائق متنوعة التذكير بتفتت الدولة إلى دويلات ويرى إلى هجمات الأعداء: "وسوى الروم خلف ظهرك روم. فعلى أي جانبيك تميل"، وثقافيا كثر هجاؤوه كالحاتمي صاحب "الرسالة الموضحة" التي يشرح فيها ضعف أدواته وأخطاءه اللغوية وسرقاته وعدم تجديده، ومعيشيا: كان مضطرا لمكاتبة حكام من طراز وضيع والتنقل من منفى إلى منفى. ولم ينه حياته إلا مقتولا شر قتلة على يد ضبة. لكأنه الأخ الكبير لجيلنا.
يتفق الرأي اليوم بأن العالم العربي قد شهد بدءا من سنوات السبعينات واحدا من أردأ الفصول في تاريخه المعاصر على المستويات كلها. هكذا سنرى أن الجيل الطالع في السبعينات قد كتب في فترة من التمزق والقطيعة التي سمحت بأن يغيب صوته إلى حين، ويجري المرور على إنجازه بخفة ما بعدها من خفة. كان المشهد السبعيني العام يعتمل ببوادر الفاجعة: طفرة نفطية بهلوانية مؤثرة سلبيا على العالم العربي برمته، حرب سوداء في شهر أيلول في الأردن، توقيع لكامب ديفيد في مصر المنفتحة، استتاب للحزب القومي في العراق، صواعق حرب أهلية في لبنان، كثافة لحى الأصوليات الدينية في المغرب العربي وفي كل مكان، إنقطاعات تراجيدية للثقافة العربية عن فضائها الجغرافي مهاجرة إلى أوروبا…… ماذا يتبقى للكتابة في هذه الأجواء الموسوسة؟. لم يكن سهلا أن يحضر المرء في الساحة الشعرية أثناء الإنهدامات والإنثلامات التي ما فتئت تنهش مجموع البنى العامة في العالم العربي المشغول طيلة فترة السبعينات والثمانينات بالحروب والهجرات والمآزق الأخلاقية والإشكالات الأكثر بداهة، لم تكن الاستمرارية سهلة كذلك، ليصير الصمت قاعدة ذهبية ثمينة وليصير بلاغة. وعلى العكس مما كان مأمولا من هذه الأجواء فإنها كانت مناسبة ثراء وغنى بالنسبة لهذا الجيل، فقد وطدت قناعته بهشاشة المفهومات الفكرية، والشعرية خاصة، التي كانت مارس غواية عنيفة فيما سبق.
لقد كانت الأجيال السابقة تنام على مجدها القديم، المشرف، وكانت المناسبة مناسبة تناس للفاعليات الشعرية الجديدة قضية رد فعل مبتذل، فإن واحدا من خياراتها في مثل هذه الظروف كان الإصرار على مواجهة استتاب المؤسسة، الشعرية أيضا، وتطوير أدواتها واختراع طرائق جديدة في القول. من الواضح تماما، في وضع ظلامية الموقف الثقافي السائد، إنه بالقدر الذي كانت الأجيال الشابة تحاول أمرا جديدا "كالإصرار على شعر جديد، وعلى قصيدة النثر" كان الرأي المهيمن يحاول التقليل من شأن إنجازاتها.
هذا الدرس التاريخي لن يقنع من يهجو الحاضر الشعري ويحتاج إلى فحص من نوع آخر فلنقل روحي، لعل البعض أقرب إليه، فإن وضعية الانكسار والانحسار الشامل "وفيما يتعلق بالشعر تبرز في السنوات الأخيرة ظاهرة جديدة يمكن أن يطلق عليها مسميات من قبيل: عدم التصديق بالشعر. استبعاده. الترفع عليه. عدم قراءته أصلا. فقدان الثقة به تأخذ بعدا أكثر رعونة مع الأجيال الأدبية الأكثر شبابا. ها نحن هنا إزاء ريبة مهولة بشباب الكائن الإنساني، المجرم بعدم الفاعلية والمحكوم عليه بها. إن الحياة، الخصوبة القومية تصير الآن موضع المحاكمة. سنبقى نمجد الماضي لوحده، حتى لو كان ماضيا قريبا، نمجد صوت الشيخ الجليل، الحكيم لوحده الذي ستنقرض السلالة الشعرية بانقراضه. إن حكما من هذا القبيل يؤيد، نظريا، إمكانية اندثار الشعر العربي. لكن المروجين للحكم، هجائي اللحظة، لا يمتدحون في الحقيقة إلا أنفسهم. سيكولوجيا يشكلون حالة مثالية للتحليل النفسي، فموقفهم يتأسس على "الإلغاء" التام للموضوع الخارجي من أجل تطمين الأنا. نفيه من أجل تأبيدها. ينتفي الحوار: شرط الازدهار في دواخلهم، ولا يؤمنون إلا بعصفور واحد، وشجرة واحدة.
لذا لا يصير غريبا أن ينحرف، كل مرة، حوار الأجيال الذي يبدو بداهة عن مساراته وذلك لسبب جوهري لا ينبغي المرور عليه مرور الكرام: إن نسق العقلية العربية يظل أبويا في جوهره. أبويا ليس بالمعنى النمساوي مثلا وإنما القبيلي العربي. إنه يلتقي بمبرراته الإيديولوجية في تاريخ نظام العشيرة الطويل، المستحكم، وفي نسق التراتبات العائلية كما في الأواليات الدينية: بالنسبة للسُنة ثمة أربعة خلفاء راشدين، لا ينظر لمن جاء بعدهم بذات العين، وبالنسبة للشيعة الإمامية ثمة 12 إماما معصوما لا يُقبل ما سواهم، وبالنسبة لكتب الشعر العربي القديم ثمة "الطبقات" المتراتبة على هيئة التراتب القبلي نفسه بالضبط، حيث ينظر للأولى، الضاربة بالشيخوخة، بإجلال شبه ديني، سيتناقص كلما هبطنا إلى الطبقة التالية….. دواليك. لم يختلف النسق، اليوم، إلا قليلا. ثمة ثلة من الشعراء "الكبار" لا غير، أفرادا أجلة، مبجلين هم من يمنح الشعري شعريته والأنساق تراتباتها، يعتقد بأنهم لم يدخلوا جميعا فردوس العظمة لأسباب محض شعرية، فالبياتي مثلا مشكوك تماما بأهليته الشعرية الأصلية، وآخرين لأسباب أخرى. لا يثق البعض اليوم بأبوات شعرية مدعاة، لأسباب موضوعية وليس من باب التمرد المريض على الآب الفرويدي السليم كما قد يقول البعض لكي يبتسر الظاهرة ويهمشها. وعود إلى ذلك النسق سنرى بأنه قد أحكم اللعبة وهو يحاول جاهدا الإيحاء بتنوعه، الإيحاء فحسب، ليختار، إلى جانب أولئك، اسما من هنا وآخر من هناك من أجل ذر الرماد في العيون بمثابة هوامش للمخطط الأصلي: شاعر واحد من المغرب، وشاعر واحد من السودان. وواحد أويخر من اليمن. ثمة تأبيد "للواحدية" التي تحمل دلالة لا تخفي على أحد. وثمة تصنيف سهل.
يغدو الأمر في حالة من الالتباس الكبير في الوضع المضطرب الحالي للثقافة العربية، القادم دوما من تبلبلات من نمط لا- ثقافي يشرخ الثقافة بعنف، بحيث يجري نسيان بعض البداهات: أن قلة قليلة هي ما يمكن فرزه لدى جيل أو جيلين من الشعراء، فلننظر إلى أعداد السنة الأولى من مجلة "شعر" التي التمعت فيها أسماء كثيرة سرعان ما خبا بريقها بعد أقل من عقد واحد رغم أنها كانت تطلع في حالة من الانتعاش الشعري ولم تشهد منافسة شديدة مثل التي نشهد اليوم بفضل التراكمات الثقافية.
كان "الرواد" يتبارون على أرض عذراء، وهذه فضيلة تحسب لهم وعليهم في آن، وكانت طباعة ديون شعري بمثابة فعل يحتفل به بفعل الندرة والتخلف الثقافي العام. بالمقابل يرث غالبية الشعراء اللاحقين، بمن فيهم المهمومون بنثر الوزن الشعري القديم، نضوج الثمرة، ولا يطلعون من المقولة السياسية. يبدو أن واحدة من الأساسيات التي تنتظر الحل في الشعر العربي تكمن في ضرورة إعادة النظر بمفهوم الريادة، هذا المعادل الخفي لفكرة الواحدية التي ما فتئت تؤكد أن الأجيال التي جاءت بعد مجد جيلها لا تفوح بأنفاس الكبار. أجيال محكوم عليها بالهامشية، وبالبقاء في الظل، رغم أنها تطلع في زمان وأفق آخرين. موضوعيا، لا تتوفر لقصيدة النثر ذات الظروف الثقافية التي توفرت بالأمس للأجيال السابقة، ولكن لصالحها: إن من كان يقرأ من ذاك الجيل بلغة أجنبية كان يعتبر حدثا استثنائيا، ومن كان يسافر إلى اسطنبول كان يتخيل نفسه رحالة الرحالة. كانت المجتمعات العربية ضاربة الإطناب بالأمية وكان، ذاك الجيل، في وسطه سيدا مسيدا. كانت المنابر الثقافية محدودة بينما كان التوق للمعرفة دون حدود بحيث أن مقالة رصينة أو قصيدة ناضجة لم تكن تجري مجرى العدم كما هو الحال اليوم. هل ما زالت موسيقى التخت الشرقي ترن بآذان البعض لكي يرفض دوزنة موسيقى أخرى قادمة من وعي ولا وعي جديدين كليا؟. لقد أختلف الحال. ثمة احترام حقيقي لهذا الجيل، على الرغم من أن شرط الإلغاء ما انفك واحدا من الشروط الثقافية العربية العامة. هل ينبغي التأكيد بان القضية بين الأجيال ليست قضية صراع إلغائي: سمة أخرى في "بنية العقل العربي"، إنما نمط من الحوار الذي يدفع فيه الجيل السابق أجيالا لاحقة إلى التجدد، ويستفز قواها على الإنجاز وحتى على أن تخلق أفضل منه. في حين أن الأجيال الأسبق لا تفعل لدينا سوى إشاعة اليأس وهي تكرر فكرة عقم الشبان وضعف أدواتهم المعرفية والتخيلية. لسنا ميالين إلى فكرة "التكريس" و"البديل" فأرض الشعر من الرحمة والخصب إلى درجة أنها تسمح بتعايشات وأُلفات يمكنها تخصيب التاريخ الأدبي في حقبة ما.
لا نضع هؤلاء على الند من أولئك فهذه لعبة سريعة العطب.
لا يستطيع اليوم أحد أن يرفع عقيرته، بنكران جميل لا يليق بالشعراء، أمام أدونيس ومحمود درويش ونزار قباني وسعدي يوسف اللذين صرحوا أكثر من مرة بنقد شباب الشعر العربي منتزعين عنه العافية. هكذا سيتحدث قباني عن "أقلية" شعرية حداثية غامضة في مقابل الأغلبية الواضحة "جريدة الحياة "6-3- 1993" ويتحدث يوسف عن "مراوحة" الشعر العربي في مكانه في السنوات الأخيرة، وينتقد الشعراء الجدد في مجلتي "الحوادث": مرة و"الحرية" في عددها 49 شباط 1993 بصدد الفكرة الأخيرة، وبالنبرة ذاتها سيقول الشاعران الآخران. سندافع عن هؤلاء الشعراء وغيرهم لأننا ندافع عن أفضل ما في الشعر العربي ولأنه إذا لم يحترم إنجازهم فمن سيحترم من، غير أننا لا نستطيع الموافقة على خلط جميع الشعراء في سلة واحدة، واستخراج حكم واحد، كما يفعلون. هذا الخلط يأتي من غياب نقد "لم يدرسهم هم أنفسهم" يقدر أن يستل الزائف من الأصيل كما يستل الشعرة من العجينة. وهذه المهمة لا تقدر عليها ثقافة تكتفي "بالعمومي" كأنه واحدة من طبائعها المتأصلة في كل حقل معرفي، وتكره مشقة "التفاصيل".
إن هجاء الحاضر الشعري هو هجاء للحاضر برمته وليست قصيدة النثر والشعراء الشبان سوى واحدة من الذرائع.
عندما نشك بالتحليل السوسيولوجي لصالح التحليل النصي فإننا لا نستبعد، في الوقت نفسه، أثر عوامله الفاعلة، قبولا ورفضا، في تحديد قصيدة النثر "الجديدة" ونعتبر أن ثمة ترددا عربيا أمام الجديد. سوى أننا نحاول الاحتفاظ برؤية أكثر انسجاما مع طبائع الأشياء، ونحن نقول بأهمية حضور الممارسات الأدبية جنبا إلى جنب، بحيث سنتوقف أمام أطروحة الشاعر الأمريكي فيرلنغيتي القائلة بأن "الشعر الحديث نثر" بحذر لأنها، ثانية، تطلع من مكان مختلف، من إشكالية غربية تبدلت فيها المعاني ومراكز القوى، ومنحت الحداثة، بل ما بعد الحداثة "أين نحن من ذلك"؟ في الشعر والفن معنى القطيعة النهائية، كما انتقل، حرفيا، مجال عمل الموزون المقفى الشعري إلى حقل الأغنية. صار الموزون يغني، والمنثور يقرأ، الأول للقول بصوت عال والثاني للتأمل الخافت الرصين. لا نرى وجها للمقابلة إلا من بعيد، الأمر الذي لا يمنع شاعرا مصرا على المضي مع هاجس حداثي من الانحياز النهائي إلى قصيدة النثر، متحسبا قليلا ومتزنا في وضع مواطئ قدميه. لو استطاع المرء العودة، وهو يجيب على من يقول بأن "قصيدة النثر هي أعلى المراحل الشعرية للتطور الاجتماعي" وأن "الشعر الحديث نثر" إلى مختص في الأدب الياباني، ليريه فيما إذا كانت الكتابات الشعرية الراهنة في اليابان تستبعد نمط "الهايكو" الغنائي، الموزون في غالب الظن، لما اعتبر تساؤله ساذجا تماما. ولأجابه، في الأعم الأغلب، بأنها لا تفعل.
يبدو لنا متأولين ومفترضين، إنها ستظل تجاورها وتحاورها حتى النهاية، وهو ما سيظل يحصل في شعرنا العربي.
يتقاطع الموقف من قصيدة النثر مع الموقف من مسألة "الحداثة" في الشعر العربي.
مسألة لم تحسم بعد. يخيل للمرء وهو يقرأ التأويلات والتفسيرات المقالة بصدد الراهن الشعري كأن الحداثة قد أصيبت بعطل لا يرجى شفاؤه في السنوات الأخيرة.
تضمر الكثير من النقود القول أن علة ما تمنع اللاحقين من تقديم مساهمة، ولو كانت طفيفة، إلى التجديد الجذري، الذي قد أنجزه السابقون الأوائل. لا يكف الخمسينيون عن ترداد مديح مشابه لإنجاز جيلهم، في حين أننا أمام شبه إجماع على أن الفعل الشعري الستيني، "المتمرد" على الصيغ والأنماط يشكل الإضافة الأخرى التي لا تنكر.
لقد توقفت الحداثة في الزمن العربي عند سنوات الستينات. هل يمكن ذلك، وحسب أي المعايير؟
إن مفهومة تتمحور، من بين محاور أخرى، حول الأسبقية الزمنية، مفهومة مرحلية، لا منطقية، مثل هذه للحداثة تفتح الباب على مصراعيه للشك بها.
أو على الأقل لإعادة النظر بأساساتها: واحدة منها كانت تقوم على أساس معالجة العناصر الشعرية الخارجية كالوزن والقافية، والتشديد عليهما وليس على معالجة الجوهر "الشعري" بمعنى الانحناء على العناصر اللغوية والبلاغية والاستعارية، منفردة ومجتمعة، كما على أساس الاكتفاء بمفهوم غامض لمفهوم "الصورة الشعرية". كان الشكل "وحدة التفعيلة" هو الجدير لوحده، في بعض الحالات "نازك الملائكة" برهانات تلك الحداثة، وليس إعادة النظر بمفهوم الكتابة ووظيفتها وأدواتها ومعارفها. كان تكسير الشكلي: ما بدا قانونا في الذاكرة الأدبية، يأخذ الحيز الأوسع من الجهد والحوار والإبداع، يكفي أن يتطلع المرء إلى الصحافة الأدبية في ذلك الوقت ليتيقن من المنسرب الذي انسرب فيه النقاش. كانت الثقافة العربية مشبعة بتفكير مضاد لحداثة تذهب إلى الأعماق، ولم يكن بالإمكان تخيل كتابة أخرى تنفلت بعيدا عن ثقل ميراث القصيدة العربية، ومعنى "القصيدة" نفسها، المبجلة والمحددة الملامح عبر قرون طوال. وإذا كان ذاك الحديث يتخذ اتجاها مغايرا فلسوف يتأمل علة "الوضوح" و"الغموض" ويدور في فلكهما، أو أنه سيقرن التغيرات الشكلية بتغيرات مفهومية ولكن على نحو غير مدقق. كان يجري تحريك سطح العالم وليس الذهاب إلى أعماقه. إننا لا نتحدث عن الاستثناءات القليلة، رحبة الصدر والذهن، للظاهرة، فلقد كانت تعاني على الدوام من شرط الحوار نفسه.
لا يستطيع امرئ منصف سوى رؤية الإنجازات الشعرية العربية الحديثة، لكنه لن يستطيع إلا القول بأنها طلعت، غالبا، من اجتهاد شخصي خلاق، من أفراد كانوا يتسابقون على حيازة مفهومات تتجاوز السياق الثقافي السائد، قبل أن تطلع من سياق ثقافي حداثي عام،ساهم، واعيا، بصياغة جذرية للمفهومة.
لقد أجرى الجيل ذاك مهمة التغيير الشكلي ، بل إنه أدخل بعض المفهومات الغريبة والجريئة بالنسبة إلى سنوات الأربعينات والخمسينات، بشكل يستحق التقدير، غير أن البعد الوحيد، مثلم الأطراف لحداثته سينتظر جيلا آخر من الشعراء، لن يعترف، أبدا بهويتهم الشعرية.
إننا نتساءل الآن عن جوهر تلك الحداثة وفيما إذا كانت تمتلك أصلا، مفهوما راديكاليا، يليق بحداثة جديرة باسمها، غير متردد، جريء وحاسم. هل كانت "حداثة مطلقة" كما يتمنى رامبو، من دون اشتراطات مسبقة جماليا وأيديولوجيا، قائمة على الحرية والمعرفة على التوغل في الهدم والبناء، أم حداثة مشروطة بالتخلف الموضوعي، "حداثة نسبية" تستبدل قانونا بغيره؟
إننا نتشبث بهذا السؤال.
لو أن الثقافة العربية كانت قد طرحت، منذ البدء فكرة الحداثة كقطيعة جذرية، كبعد "لتغيير مطلق" هل كان سؤال قصيدة النثر وغيرها من البداهات يطرح اليوم على هيئته بهذه؟
لم تتوفر، تاريخيا، هذه الإمكانية، سيجيبنا العقل المنطقي.
واليوم؟
لماذا توضع العراقيل، اليوم، أمام قطيعة كهذه القطيعة؟.
إننا نجد الجواب في الأصل الأول لفكرة، لحداثة لم تطرح الأسئلة كلها وظلت تتردد. لم تتجوهر، وكانت تهاب الذهاب حتى النهاية. لقد كانت تتوقف في منتصف الطريق من جهة، وما زالت، من جهة أخرى، تحسب أن قد وصلت إلى نهايته. حداثة ما زالت في طور التأسيس، في مقام السؤال، لكنها اعتبرت في طور النضوج والاكتمال. لم يطرح سؤال الحداثة من وجوهه كلها، على الرغم من العمل الجبار المبذول.
هل يتوجب علينا طرح فكرة الحداثة من جديد؟
هناك قناعة خفية، اللحظة، تقول بأن شعر كبار شعراء العربية الأحياء، المكرسين "صفة لا تريد الإيحاء بشيء سالب" تقف يتيمة، في قلب هذه الحداثة. حداثتها. وليس شعر الآخرين، زاعمي المزاعم، المثقل بمواطن الضعف القاتلة. هنالك تعجيز عن الإتيان بآية شعرية حديثة تضاهي المنجز، كأن لا يراد رؤية المزيد من الورثة الشرعيين لتاريخ القصيدة العربية. إنهم هم الكبار بدورهم يتزاحمون جهارا وعلانية، على هذا الإرث. يتبنى البعض حداثة نهائية أنجزت وانتهى الأمر، ويبدو وكأنه يقول بامتلاكه للكتابة برمتها التي لن تطلـِّع شعراء جدداً. في الوقت الذي يستمر العالم بإنتاج نفسه، بيولوجيا وشعريا، ينحكم على الشاعر العربي المولود لسوء طالعه، بعد سنوات الثلاثينات، بالريبة من موهبته الممكنة؛ الممكنة للغاية، لكن المهتدية بطريق آخر غير الطريق المعروف. ربما تكمن العلة هنا: في الطرق التي تقود إلى فضاء الشعر اللاحب الذي يراد تثبت قوانين نهائية له من جديد. أليس مثيرا للفضول إنه في الوقت الذي يتشبث الجميع بمفهوم الحداثة العتيدة وبإمكانيتها على الحضور لا يرى أحد تقريبا تحققات فعلية لها، اكثر جدة وبسبل أخرى، متصورا، عمليا استحالتها.
إنها تقبع في الماضي مرة أخرى.
إن تصوراً جدياً لحداثة محكمة الحداثة، منسجمة مع طبيعتها، لا بد أن يضع نصب عينيه إمكانياتها المتوالدة على الابتكار والتجدد، وعلى تخريج الشعراء المختلفين كليا، لكن الطالعين من النسغ نفسه.
نهاية 1992- بداية 1993.
* نشر هذا البيان كاملا في مجلة "أدب ونقد" المصرية عدد يوليو 1995.
بيان من أجل قصيدة النثر/ شاكر لعيبي، دار الفارزة - جنيف، الطبعة الأولى - خريف 1995
اللغة الغريبة في المكان الغريب
(شهادة عن ترجمة الشعر)
في كل مرة نترجم بها شاعراً فان الأمر يتعلق بتحد معرفي وجمالي. لقد حاولت إيليتس ورينيه شار وفيليب جاكوتيه ومن ثم ريلكه لأسباب مختلفة. كان التحدي يقع، بالنسبة لإيليتس، في الإمكانية والكيفية التي يمكن بها أن نترجم إلى العربية قصيدة وحيدة منتشرة على أكثر من مئة واربعين صفحة. قصيدة عظيمة ذات مستويات متباينة وشجون متفرقة تمس ثقافتها الشرقية، اليونانية، مفاصل من ثقافتنا الشعرية، بل تستشهد بها مواربة. نقطة الضعف الواضحة في ترجمة إيليتس انها جرت عبر لغة وسيطة هي الفرنسية. لا يمكن التحايل على ضعف وساطة من هذا القبيل رغم معرفتي الأكيدة بمساهمة الشاعر اليوناني (الذي يتقن الفرنسية تماما) بوضع اللمسات الأخيرة على ترجمة عمله، ورغم مكاتبتي الشخصية له التي نشرت واحدة منها في مقدمتي للقصيدة. لقد شرحت في تلك المقدمة إستعانتي غير المباشرة بالنص اليوناني أثناء المشكلات الحقيقية للنص عبر من يتقن اليونانية. حصيلة هذه الترجمة هي تساؤل عن إمكانية إقتناص ثراء العالم الداخلي للشعر في لغة جديدة. بالطبع فلا يوجد أيما قانون يقود إلى تطابقات كاملة بين مفردات اللغات المختلفة. ثمة فقط تماسات، ثمة فضاءات مشتركة على الترجمة التقريب فيما بينها. أما أثناء ترجمة رينيه شار فقد كان جل إهتمامي ينصب على إمكانية التملص من مشكلات لصيقة بطريقة عمل الفرنسية التي لا يوجد لها بالضرورة تماثلات في العربية، وكمثال على ذلك فان صيغة الفعل المصدرية في اللغات اللاتينية (التي ليست تماما المصدر العربي) والصيغة الشرطية الفرنسية التي تفترض زمانا خاصا لا توجد في عقل لغتنا إذا صح التعبير. أسلوب شار العصي وجملته الطويلة، الملتبسة عمدا مرات، صفاته ونعوته تتبقى كذلك مستوى واحدا من بين صعوبات أخرى يتوجب على الترجمة ايجاد مخرج لها. نتكلم إذن عن الاداء هنا بينما العالم الشخصي لرينيه شار فهو دافع رئيسي ساهم بترجمة نصين مهمين له (مشاطرة شكلية) و(صحائف هيبنوس)، حيث تختلط في القصيدة الأخيرة نزعة سوريالية بهاجس سياسي، أو فلنقل بهاجس جد مباشر أي الإحتلال الألماني لفرنسا. ما كان يهم الترجمة هنا هو بالضبط نقل مناخ قد يثير فضول الشعر العربي المتأرجح بين هم موضوعي مباشر، سياسي، ومزاعم لغة متمردة تقف على تخوم مخيلة سوريالية. ما كان يهم هذه الترجمة هو تقديم رؤية شار لمثل هذا التأرجح.
الترجمة هنا ليست خيانة الا بمعنى إنتحال لغتي، أنا المترجم، لغتي الشخصية ولساني العربي لعالمٍ ولمخيلةٍ إخترعها الشاعر الفرنسي. إثناء الترجمة فاننا على الدوام بصدد إعادة كتابة نص أصلي ولسنا بمعرض إدارة تطابقات قاموسية مزعومة. إن فرادة وغرابة وتمرد شاعر من الشعراء في لغته الأم هي التي تعقد إعادة الكتابة هذه وتحولها إلى كتابة جديدة تماما. الشعراء السهلون أي الأقل إهتماما بأدائهم اللغوي والتخيلي لا يستعصون، كما أزعم، على الترجمة. تتدرج المسافة لذلك من صعوبة مطبقة إلى سهولة كاملة نسبيا. خلافا لإيليتس وشار، فما بدا لي جديرا بالإهتمام عند ترجمة فيليب جاكوتيه هو عناية اللغة الشعرية بفضائها الداخلي وحده تقريبا، المثار والمهتز باشارات خارجية جد بسيطة وجد عادية. سوى ان صفاء لغة جاكوتيه وحذره في التقاط مفرداته وايقاعاته قد يثير عصبية العربية المتعودة على المترادفات وعلى الطرب والتطريب. كيف يمكن للغتنا، عبر وساطة المترجم، ان تتبقى في حدود الإقتصاد الأصلي لجاكوتيه في الوقت الذي يتوجب عليها نقل دلالات وإشارات القصيدة؟ هنا تقع كل مغامرة الترجمة.
كان ريلكه، الشاعر الذي يكتب بالفرنسية، كشفاً أنا مدين به كلياً إلى صديقي أبرهة الأرتيري، هذا من جهة. من الجهة الأخرى فقد كان التعرف على إمكانية نص مهم لريلكه مكتوب بلغة ليست لغته تطميناً لي على جرأة شخصية. ففي زيارة إلى لندن أواخر هام 1995 أخبرني إبرهة، بـمحضر صديقنا الرسام يوسف الناصر انه سيهديني أعمال ريلكه الشعرية المكتوبة باللغة الفرنسية مباشرة. عشية اليوم التالي كنت أتصفح مجلداً باللغتين الفرنسية والإنكليزية، وفور قراءتي للرباعية الأولى من قصيدته (الوردة) أثار جمالها الفوري فضولي الشديد. ثم شرعت بالترجمة وكنت مدفوعاً، خفية كما يبدو، بالبرهنة لنفسي على ان كتابة الشعر بلغة أخرى، وهو ما حاولته أنا بتواضع جم، ليس حماقة أصلية كما حاول أحد الأصدقاء أن يبرهن لي بشأن ريلكه نفسه. لقد كتب الشاعر الألماني أكثر من 400 قصيدة بالفرنسية وهو ما يبرهن ان الشاعر هو بمعنى من المعاني معجزة من طراز خاص.
إن الدوافع العميقة لجميع تلك الترجمات انما هي التودد للشعر والتقرب اليه أيا كانت لغته، ضمن رهان على إمكانية كتابة الشعري بلغة جديدة. أن اشتراطات أخرى من نمط لا شعري لم تكن تمارس غواية كبيرة علي، كأن أترجم أعمالا كاملة مدفوعا بتسجيل مجد شخصي أو كأن أفكر بإستلام تمويل مجز من جهات ثقافية دولية معنية بشأن الترجمة مثل بعض المنظمات الألمانية واليونسكو. كل ذلك مازال اللحظة بعيدا عن مشاغلي. يتعلق الأمر فحسب بخفقة شعرية وددت دوما نقلها إلى العربية وأنا أمارس في آن نوعا من التمرين الصعب على نقل المدلولات. بهذا المعنى فقط فانني أعتبر نفسي هاويا للترجمة ولست محترفا لها، وهو أمر لا يمنع ابدا من الإلتزام بتدقيق شديد يجد تعبيرا له في وفرة الهوامش والتعليقات. يستنكر البعض إثقال الترجمة بالهوامش، لكن سوء طوية ارهابيي الثقافة وتشكيكهم المستمر بقدرات المترجمين طرا يظل دافعا مهما لمثل تلك الهوامش في هذه اللحظة الصعبة في العالم العربي. أن عدم التفريق بين الإجتهاد والخطأ يظل موطنا للتشكيكات تلك. إذا ما كان الإجتهاد واجبا فان الخطأ جزء من الفعالية الإنسانية العاقلة كذلك.
بغياب مؤسسات ثقافية، عربية وأوربية، معنية منهجيا بشأن الترجمة فان إمكانية الإستشراق على ترجمة الشعر العربي يظل هدفا بعيد المنال. لا يحسب عاقل يعيش في أوربا ان المستشرقين، أيا كان مستوى ممارستهم للغة العربية، بقادرين تماما على ترجمة نص شعري عربي معاصر إلى لغاتهم. هذه الحقيقة مؤسفة وتبين نمط الممارسة الإستشراقية المنصبة بالدرجة الأولى على الثقافة العربية بتجلياتها التراثية (أي العتيقة) أو الإجتماعية أو السياسية. ان عدم ترجمة الشعر العربي من طرف المستشرقين تبين كذلك وبشكل أساسي حدود قدرات الإستشراق. هذه النقطة جوهرية كما أزعم. فإذا كان ممكنا ترجمة الرواية فلان مدلولاتها تتبقى أقل إستعصاءا بالمقاربة مع الطبيعة الصوتية والإستعارية لقصيدة عربية ذات تاريخ تتفلت من بين الأيدي. لهذا السبب نرى ان من يترجم الشعر في الغالب إلى اللغات الأوربية انما هم العرب الذين يتقنون الإنكليزية أو الفرنسية، دون أن يعني ذلك عدم حضور المستشرقين الذي يظل، في الغالب كذلك، عنصرا مساعدا ويتركز على تحسين أداء النص في اللغة المترجم إليها.
الشاعر اليوناني إيليتس في العربية
مقدمة الطبعة العربية لترجمة عمل إيليتس (له المجد)
أظن أن ترجمة قصيدة واحدة، طويلة، مثل (له المجد) تشكّل بالنسبة للمترجم، أيما مترجم، مغامرة حقيقية، محفوفة بالمخاطر ومليئة بمشكلات الترجمة، خصوصا ترجمة الأصعب: الشعر. إنها قصيدة، علينا الاعتراف، صعبة وملغومة في كل سطرٍ منها تقريباً بمختلف الدلالات والمراجع والمراجعات والتـنويعات بل الأساليب والاستعارات والمجازات، كان عليَّ الانتباه إلى مصادرها، وعليَّ تنبيه القاريء إليها، التي من دونها يكون من الصعب قليلاً الدخول في فضائها الرحب. قصيدةٌ معاصرةٌ، نال شاعرها جائزة نوبل للآداب سنة 1979، تستلهم الحداثات دون التـنكر لتراثها اليوناني والتراث الإنساني عموماً، الشرقي خصوصاً، والعربيّ بعض منه (يمكننا أن ننظر إلى علاقة الأرقام المستوحاة فيها بالصوفية الاسلامية وإلى سماواتها بعالم السهروردي) دون أن تتنكر، وياللغرابة، لاثنين: أولهما السوريالية التي انطلق ايليتس منها في حداثة تأسيس مشروعه الشعري، وثانيهما الهاجس السياسي، بالمعنى العميق والشامل للكلمة كما بالمعنى اليوناني العتيق لها، وبينهما تقف فضاءات شتى بالغة التـنويع والتعقيد: رؤيا نبوية نيتشوية، ورؤيا إشراقية من بين أمور أخرى. لا أطمح في هذه المقدمة بتقديمٍ شاملٍ للنص، فلقد تركت هذه المهمة لمقدمة المترجم الفرنسي (الذي ترجمتها بشكل موسَّع)، وأسعى فحسب إلى برهان إخلاصي للنص، إخلاصي الخياني طالما تعلقت الترجمة بخيانة، وخيانة مزدوجة طالما تُرجم النص من اللغة الفرنسية. توبيخٌ نصغي إليه، قلقين، كلما حاولنا أمراً من هذا القبيلِ، دون أن تتوفر لثقافتنا العربية الراهنة بدائل معقولة وفاعلة في مجال الترجمة. أرجو ألا أبرّر لنفسي، ولا يرميني القاريء، لوحدي، بالتهمة، لأن شطراً أساسياً من ترجماتنا، لسوء الحظ، قد نُقل إلينا من لغاتٍ ليست لغة النص الأصلية. توبيخٌ علينا أن نتقبله، ولو على مضضٍ، وأن نلتفت، قبل ذلك، إلى بُنية مؤسساتنا الثقافية التي تـنسى أو تتجاهل لغات أقل عالميةً من الإنكليزية والفرنسية مثلاً، كاليابانية واليونانية والإيطالية، بل الإسبانية التي تتحدثها وتكتبها قارة كاملة. توبيخٌ أتقبله، وكان عليً، مرة أخرى، مخلصاً للنص، أن أتحايل عليه، ذاهباً إلى:
1 - الشاعر نفسه الذي كتبتُ إليه بشأن نقل (له المجد) من الفرنسية. وكان أن ردّ على رسالتي، ورسائلي اللاحقة، بمثابرة وتواضع لا يمتلكهما البعض من كبار شعرائنا، موافقاً على الأمر، ولهذا أهميته الإستثناثية ذلك أن إيليتس لم يتقبل برهة طويلة من الزمن الترجمات الفرنسية التي عُرِضت عليه، هو متحدثها بطلاقة، القاضي شطراً من حياته دارساً الشعر الفرنسي في السوربون، الملتقي أبرز الوجوه الشعرية: إيلوار، تزارا، جوف، بريتون، رينيه شار، ريفيردي، المترجم جزءاً كبيراً منها إلى لغته اليونانية الأم. لقد صدرت (له المجد) سنة 1959 ونُشرت أولى ترجماتها الأجنبية سنة 1969 في اللغة الألمانية ولحقتها 11 ترجمة أخرى في سنوات متفاوتة لاحقة ولكنها لم تُترجم إلى الفرنسية إلا سنة 1987 وذلك بسبب تردد الشاعر إزاء الترجمات المطروحة أمامه. النص الذي نترجم منه إذن هو نص يقبله الشاعر وجرى بإشراف ومساعدة منه، ومنه وافق أن نجري ترجمتنا كما يُلاحظ القاريء في نص رسالته إلينا التي ننشر صورة عنها في هذه الطبعة.
2- ذاهباً إلى النص اليوناني نفسه كلما أشكلت فقرة أو بيت، وكلما لم تتضح قسمات الصورة الشعرية في النص الفرنسي، بمساعدة قيمة من الآنسة (هيدي كرابر) التي تجيد اليونانية الحديثة التي يكتب الشاعر بها، والآنسة المذكورة متخصصة بتاريخ الفن وناقدة تشكيلية في جريدة (فاتر لاند) التي تصدر في لوسيرن السويسرية.
3- مراجعاً بعض الإشارات والتلميحات الميثيولوجية بمساعدة مشكورة من أستاذي لويس شنادير المحاضر بمادة تاريخ علم الجمال فى المدرسة العليا للفنون البصرية في جنيف، وهو بدوره متخصص باليونانية الكلاسيكية.
4- عائداً إلى كتاب تاسوس لينياديس المشهور في (شرح) القصيدة، وهو الكتاب المشار اليه في المقدمة الفرنسية، والمتوفر لحسن الحظ في سويسرا، وبمساعدة من زوجتي السابقة سيلفيا نيف. هذه الترجمة، إذن، جاءت بعد جهد جهيد، واستغرق أنجازها ما يُقارب السنتين، كانت أيضا مجال تأمل في شعر إيليتس واستغراق في عالمه، من أجل إعادة صياغة شعرية له، لروحه على الأقل. عالمٌ لا نعرفه إلا قليلاً في لغتنا العربية التي لم تهتم به قدر اهتمامها بمعاصريه، كفافي ورتسوس خاصة، رغم قربه الشديد منا، أو فلنقل اقترابه من تراثـنا الروحي ومعرفته الأكيدة به وتماسه مع موضوعات تهمنا كثيراً. كما رغم حجمه المُعتَبَر عالمياً. نذكر هنا أن مركز (جورج بومبيدو) قد كرَّس له معرضاً شاملاً في غاليري (دو فوروم) في باريس في شهر شباط 1989 وطبع، بهذه المناسبة، كتاباً أساسياً عنه يتضمن مقالات مهمة حول أعماله وشعره كما أعمالاً في الرسم أنجزها له، أو استيحاءاً من قصائده، بعض من أكبر رسامي القرن.
إن هذه القصيدة بمقاطعها الثلاثة الطوال (الخلق) و(الآلآم) و(الترانيم) المستمدة من التراث الديني دون أن تستلهمه أو تـنفيه، وتروح في الروحي وفي السياسي، محتفظة لنفسها ببناءٍ خاص، بمعمار لبُنيتها يتلبَّس شكل المعبد القديم، كانت، بالنسبة للمترجم، مناسبة لإثارة بعض مشكلات الترجمة، نجد لزاماً علينا النظر بها.
مشكلة حروف البداية (التاجي)
وهي الحروف المكتوبة والمطبوعة بشكل كبير ومختلف، الواقعة في بدايات الجمل وأسماء الأعلام في معظم اللغات الأوربية، المُسماة أيضا بالتاجية. إن حروفاً من هذا القبيل تلعب دوراً بارزاً في هذا النص. إنها لا تتوفر في لغتنا لأنها ليست من طبيعة عقلها، إنها تعرِّفنا، في اللغات الأوربية خاصة على دلالة الكلمة وأهميتها في النص.إن كلمة مثلِ Mal (شرّ...) في الفرنسية الواردة في مناسبات عديدة في النص الإيليتسي بالتاجي تودّ الإشارة إلى دلالات أبعد من المعنى الحرفي لها، أن تستفز تاريخ الكلمة، وتحشّد كل ما يتعلق بها في ذهن القارئ عند كتابتها بالحرف التاجي وإن كلمة مثل (غورغون) في القصيدة ستذهب مباشرة إلى الميثولوجيا عند كتابتها بالتاجي (تُـراجع الهوامش بهذا الشأن) بينما ستشير بالحرف العادي إلى إحدى الزهور وهي زهرة البحر. إن نص إيليتس يحتشد بهذه الاستخدامات، مبتدئاً بكلمة (الشرق) في المقطع الأول من القصيدة، قادماً إلى كلمات (التاريخ) (إلهي) (الزمن) (معرفة) (كهنوتي) (شر) (ضرورة) (فراغ) (الموت) (طفل) (ولادة) (الآخر) (كشف )....إلخ. هل نستطيع أن نفعل ذات الأمر لو طبعنا الكلمة بالأسود في اللغة العربية؟ هذا ما أردنا محاولته دون يقين، لنَعْدِلَ عن الفكرة بعد أن جربناها وأعطتنا نصاً شعرياً مطبوعاً صعب القبول من الناحية البصرية. لكن مشكلة التاجي تذهب في بعض المقاطع إلى أبعد من ذلك. إنها تدلُنا أين تبدأ الجملة وأين تنتهي، الأمر الذي يمتلك ضرورته المطلقة في القصائد المُسماة من قبل المترجم الفرنسي (بيزنطية)، أي القصائد التي تُكتب على عمودين متقابلين، كما لو أنها قصيدة عمودية عربية على سبيل التشبيه فقط، ويمكن ان تـُقرأ مرتين، مرة عموديا، ومرة أفقياً. كانت هذه واحدة من المشكلات الكبيرة في هذه الترجمة. إننا لن ننجح في قراءة قصيدة من هذه القصائد (رقم 9) حتى مع وضع التاجي، لأن أبياتها مرتبة ترتيبا خاصاً بناءاً على فكرة خاصة بالشاعر تـتعلق بالأرقام. إنها تـُقرأ حسب اجتهادي، ثلاث قراءات مختلفة، الأولى: علينا أن نبدأ القراءة من أول الأبيات ثم نهبط للذي تحته ثم نصعد إلى البيت في العمود المقابل ثم نهبط إلى البيت الذي يليه مباشرة في العمود نفسه، وهكذا إلى نهاية القصيدة، بهذه الطريقة:
________ * ________
.............. < .............<
________ *
وإذن ولكي نسهِّل على القاريء هذا النص نثبته كاملاً كما يجب أن يُقرأ:
"تماثيل الحجر / تقوم برحلتها / تترك السحاب / يقتفي آثارها/ مشرعة الصدور كما/ لو للاندفاع / في قلب الرياح التي هي / المستقبل / خوفاً من أن تقوم / النسور بالهجوم عليها!
الأجراس تصلصل / للموت / وقطعان القرى / تهبط / منحدرات يُرى منها / البحرُ من بعيد / ويُسمع الصوت الذي عكَّر / قلب الرياح / ياللتعاسة أيّها الأبناء / لقد أعتم الجوع أرواحنا!
المناجم المعتمة / عند العمل / تحوَّل الأممُ ذهبَ الحنطة / قطعاً من حديد / تُطعمِ الوحش / مالا يُقدَرُ عليه / فيتضخم حجمه / المزيد من الضخامة / فلا يتبقَ رجلٌ / ويُسمع صليل العظام!
لكن قبل الهزة الأرضية / في الوادي / قيل أن هاديس المتأوه / قد أعول / وعندما تساقطت / سقوف المنازل / رأينا / المعجزة غير المنتظرة / النساء يتسمعن بصمت / إلى صراخ ولائدهن!
هذه الحياة التي ذاقت / الموت كثيراً / عارية مثل الشمس / كانت تعاود البزوغ / ليس لديها لسوء الحظ / شيئاً سواها فإنها / قد بذرت / دوماً كل شيء / ووضعتْ على الأنقاض / خشخاشة متوهجة!
إذا أعاد الصقر / يوماً / صوت الحمل الذي / أُخترمتْ / أذنه على العشب / فإن غضب الأموات / يمكن أن يُسمع / كما لو كان يحاول / إدراك الجهة اللامرئية / وجعل الأخرى مرئية!
ولكن ثمة قراءتين أخريين ممكنتين لان الشاعر يريد منا أن نقرأها عمودياً مرة وأفقياً مرة كما بالطريقة التي كتبناها (يظل مقطعها الأخير غير منسجم مع الترتيب الأصلي ). لقد حاولنا بصدد هذه القصيدة نفسها ان نُبقي على قراءة عمودية أيضا، ولكنها قراءة صعبة في قصائد أخرى من هذا النمط بسبب طبيعة العربية التي تمتلك ميزاتها الخاصة، فإن المذكر والمؤنث يلزمان الكلمة، وإن المثنى لازمٌ (وهو جمعٌ على كل حال في لغات أخرى) وإن الحال يجب، أيضاً، أن يتذكر ويتأنث "وصل القطارُ مسرعاً" و"وصلت البنتُ مسرعةً" الذي هو (مسرعْ) فقط في الفرنسية مثلاً مما يسمح بعلائق وترابطات وثيقة بين الأبيات بالطريقة التي يقترحها الشاعر. يمكننا في القصيدة البيزنطية الآنفة أن نقرأ كل المقاطع بنجاح سوى الأخير:
تماثيل الحجر
تقوم برحلتها مشرعة الصدور كما
لو للاندفاع
خوفاً من أن تقوم * النسور بالهجوم عليها !
الأجراس تصلصل
للموت
منحدرات يُرى منها
البحر من بعيد
يا للتعاسة أيّها الأبناء * لقد اعتم الجوع ارواحنا !
المناجم المعتمة
عند العمل
تُطعم الوحش
ما لا يُقدَر عليه
فلا يتبق رجل * ويُسمع صليل العظام !
لكن قبل الهزة الأرضية
في الوادي
] و[ عندما تساقطت
سقوف المنازل
النساء يتسمعن بصمت * إلى صراخ ولائدهن !
هذه الحياة التي ذاقتْ
الموت كثيراً
ليس لديها لسوء الحظ
شيئاً سواها فإنها
] و[ وضعت على الأنقاض * خشخاشة متوهجة !
هذا بصدد مقاطع الجهة اليمنى التي علينا ملاحظة أن حروف الواو فيها الموضوعة بين قوسين يجب أن تُهمل أحيانا لدى القراءة، أما مقاطع الجهة اليسرى فإنها يمكن أن تلتم وفق هذا المبدأ بصعوبة ويجب قراءة البيت الأخير من كل مقطع تاماً على الدوام كما في القراءة السابقة:
تترك السحاب
يقتفي آثارها
في قلب الرياح التي هي
المستقبل
خوفاً من أن تقوم * النسور بالهجوم عليها !
وقطعان القرى
تهبط
ويُسمع الصوت الذي عكَّر
قلب الرياح
يا للتعاسة أيها الابناء* لقد أعتم الجوع أرواحنا !
تحوِّل الأمم ذهب الحنطة
قطعاً من حديد
فيتضخم حجمه
المزيد من الضخامة
فلا يتبقَ رجل * ويُسمع صليل العظام !
إلى نهاية القصيدة. هذا المبدأ يتبع، كما يـبدو، تقطيع أوزان الأغاني اليونانية القديمة (راجعْ هوامشي لمقدمة المترجم الفرنسي في النص المطبوع من العمل). سوى ان القصيدة أعلاه تبدو الأصعب نسبياً من بين الجميع والأنجح في الترجمة ويا للعجب، بينما مثلاً، القصيدة الأولى من هذا النمط المُصاغة بهذه الطريقة تـنجح ترجمتها أفقياً، وتتلكأ عمودياً:
فمي في الصلصال * لمَّا يزل مأخوذاً ينطق باسمكِ
طفل وردي مبلل * بالأنداء الأولى
كانت تصوغ منذئذ * لكَ من عمق الفجر
خطوط الشفاه * وخصلات الشعر
ثُم أُعطيتََ للنطق * حروف الألفباء الأغريقية
رخاء الذهاب الهوائي * بخطوة عصماء
سوى البيتين العموديين الأولين فإننا نحتاج، ربما، إلى قليل من المخيلة لكي نربط الابيات عمودياً. هذه المشكلة تتركز في جميع القصاند البيزنطية، بنجاح واضح تارة وبنجاح أقل تارة أخرى، مشكلة تعانى منها أية ترجمة تتعامل، كما أحسب، مع قوانين لغة ليست لغتها الاصلية وفي سياق خاص كهذا.
مشكلة كتابة أسماء الأعلام
واحدة من مشكلات العربية التي لم تُحَل حتى اللحظة، ها هنا يمكن ان نجد بعض التفارق ني كتابتنا لبعض الأعلام وكتابة آخرين. لقد ترجم البعض (أوليس) إلى (عوليس) مدخلاً عيناً لا توجد في أصل الكلمة، أو تُرجم (بوسيدون) إلى (بوزيدون) وهو دريني خشبة موحياً باسم عربي، أو خارون إلى كارون ومثل هذا يمكن، أيضاً، اللقاء به في ترجمتـنا.
مشكلة العنوان
إن AXION ESTI المتبقي، غالباً، بحروفة اللاتينية نفسها على أغلفة جميع الترجمات التي صدرت حتى الآن (راجع القائمة المرفقة في نهاية ترجمتنا المطبوع في البحرين) لم يحدث محض صدفة، ويجيء بسبب علاقته الوثيقة بروح النص، بالطقوس الأرثوذوكسية اليونانية خاصة. إن بمكنَتـنا أن نترجمه إلى (له المجد) (طوبى) (طوبى له) (ليتمجَّد) (له الحمد)- كما ترجمها أحد الأدباء مرة وهو يستعرض أعمال الشاعر وهي ترجمة تُوحي بطقسى اسلامي - (من يستحق أن يُمجَّد )...إلخ. عنوان عصيٌّ على الترجمة الدقيقة. لقد فضَّلنا إثباته بحروفه اللاتينية إلى جوار ترجمتـنا العربية، لأننا لانستطيع، يقيناً، أن نثبته لاتينياً فقط على الغلاف ولا نستطيع كتابة أصواته فحسب بالحروف العربية (آكسيون استي) لأنه قابل للترجمة أيضاً. إن خيار صيغة (له المجد) التي انتقيناها من بين جميع الامكانيات المطروحة، لم يكن خياراً عفوياً، ولا جمالياً فحسب. إن لها علاقة بالجزء الثالث من العمل (الترانيم) الذي تتكرر فيه هذه الصيغة التي ترجمها الفرنسي بـ Loué(e) soit أي (ليتمجَّد) بينما ترجمناها بـ (المجدُ لــ....) الأكثر سلاسة وذات بعد جمالي يتطابق مع ذلك الجزء بما يُرضي بُنية الجملة العربية.
الهوامش
لقد فضَّلت هذه الترجمة ترك الهوامش في مجالها البعيد عن النص، مثبتةً في نهاية الكتاب حيث جرت الإشارة إلى المصادر المستخرجة منها كلما استحسن الأمرُ، وهو ما يجنبنا محنة التأويل، وما قد يثبت لدينا تقليد الأمانة.
عن المقدمة الفرنسية
لعله من المفيد الاشارة هنا إلى أن المقدمة الفرنسية تُقدِّم وجهة نظر معينة، لعلها وجهة نظر قيمة، لكنها تتبقى على كل حال وجهة نظر لا غير يمكن تقبلها ويمكن رفضها. إنها تتأسس على مفهومات فكرية وجمالية يونانية من جهة. إن محوري العمل، من زاوية الفكرة، هما اللوغوس والايروس.
إن اللوغوس كلمة تعرضت لتحولات كثيرة، وإن أصلها اليوناني يتجذر في (الكلام) بشكل عام وفي (الكلمة) وفي الخطاب والخطبة والعقل، ثم امتدت لتشمل اللسان ووعيه وامتدت في الفلسفة الإفلاطونية الحديثة للاشارة إلى كائن بين البشر والإله. بينما الايروس فإنه، بالنسبة للميثيولوجيا اليونانية، اسم إله الحب، النزق، الحسي والشهواني، وبالنسبة للسايكولوجيا المعاصرة فالكلمة تشير إلى القوة الجنسية التي يحركها اللبيدو. كما أن هذه المقدمة تتأسس من جهة أخرى، على مفهومات معاصرة، نسميها لسانية أو بنيوية. إن مفهومات مثل الكلامِ Parole والدال Signifiant والمدلول Signifié ينبغي أن توضع بإطار مصطلح بنيوي، معرَّف تعريفاً دقيقا في الكثير من المصادر الأجنبية والمؤلفات العربية. وتتأسس على مفهومات فلسفية يونانية كلاسيكية، فإن ما ترجمناه بـ (المدينة) للكلمة (Cité) يعود إلى مفهومة الاتحاد المستقل لجماعات إغريقية متجمّعة في ظل دستور ديني وسياسي مشترك، كان لكل منها آلهتها ومشاريعها في التنافس والسيطرة. تعمَّق الإغريق باستنباط قوانين لها وحقوق وواجبات لمواطنها.
لكنني لم أترجم تلك المقدمة كلها، مختصراً إياها وأنا أجتهد بتقديم فقرات ضافية منها تهمُّ القاريء العربي. ولقد فكرت طويلاً قبل أن أفعل، وفكّرت أن أكتب أنا نفسي مقدمة وحيدة تخصني، ولكنني وجدت بأني سأخذ الكثير من تلك المقدمة، خصوصاً حول حياة الشاعر، وحول استخدامه الدلالي للأرقام وسألتهم منها التهاماً، ما دفعني للعدول عن الفكرة، مكتفياً بملاحظاتي الحالية التي تتعلق بمسألة الترجمة بشكل أساسي، وبإشارات لا تبعد كثيراً عن هذه المسالة.
لقد جرت ترجمة هذا العمل بموافقة مباشرة من إيليتس، فقد كتب إليَّ يقول:
"الصديق العزيز... تلقيت رسالتك بسرور. كلِ شيء يشير إلى أنك تمتلك الحساسيَّة الشعرية المطلوبة لكي تشرع بترجمة مثل التي تقترح عليَّ. سأكون مسروراً برؤية (له المجد) في اللغة العربية (لقد تُرجمت القصيدة حتى اللحظة إلى 11 لغة). ورغم الصعوبة التي لا بدَّ منها فإني أنصحك بالمحاولة. إعلمني بمجريات العمل على العنوان.... أشكرك وأحييك).
والحق أن الصعوبة كانت مُعْتبَرة، وما أتمنى أن يشفع لاخطائي الممكنة هو أنني حاولت فحسب.
*****
رجوع ....