عشرون سنة مرة من دون أن يزعم أحدٌ أن الشعر العربي قد قدّم (شاعراً كبيراً) جديداً.

لقد تقدمتْ، من دون شك، أصواتٌ شعريةٌ مهمة إلى الواجهة، ويبدو أن أسباب تقدم بعضها ليست من طبيعة شعرية دائماً. لقد توطّن بعضها (غير المقلل البتة من شأن منجزه الإبداعي) بسبب عناصر بعيدة بدرجات متفاوتة عن الشعر، كأن تكون وجوهاً إعلامية متنفذة في الصحافة وحقول النشر جرى طلب ودها والكتابة عنها والترويج لأعمالها وترجمتها ودعوتها لجميع مهرجانات الشعر.
هذه الحقيقة مدوية، وهي لا تعني أن الشعر العربي لا ينطوي، على الأقل، على أسماء أخرى من قامة تلك الأصوات. لكنه يشير إلى أن النظام الذي يحكم الحركة الثقافية قد تغيّر منذ عشرين سنة لصالح خفة الميديا مُبعِداً عن حقل عمل الثقافة قوانين الإبداع الأساسية.

ومن دون أي حنين طاغ للماضي فإن (بلاغة الصمت) وفضائل (التواضع) السابقة التي هي شغل من أشغال الشاعر قد استبعدت نهائياً، وحل محلَّها ضجيجُ العلاقات العابرة وتبادل المصالح وسبات الضمير النقدي أو تشتته.
هل يعقل أن الشعر العربي المعاصر لم يكن بقادر، منذ عشرين سنة، على إنجاب شاعر من نمط السياب وأدونيس والبياتي ودرويش، وهذه القلة من الأسماء الكبيرة؟ ماذا ينقص بعض الشعراء لكي يتحولوا نهائياً من موقع (الشاعر الصغير) أو المتوسط أو الجيد إلى مصاف (الشاعر الكبير)؟ أليس في الأمر تناقضٌ فادحٌ مع حركة العالم التي يُفترض، نظرياً في أسوأ الاحتمالات، أنها تسير قُدُماً نتيجةَ تراكماتٍ وخبرات معرفية وجمالية؟

هل ثمة نواة في الذهنية العربية تحبّذ الرسوخ على (الواحد) بدلاً من احتضان (المتعدد)؟

هل للأمر علاقة بسيادة (قصيدة النثر) التي صارت موطناً للخفة كذلك والعُجَالة والجَهَالة؟ أو أن للأمر علاقة أخرى بالرفض المقيم، في أذهان كثيرة، لفكرة التجاور، بالراء المعجمة، وتحبيذها لفكرة التجاوز بالزاي؟ هذه النقطة مهمة للغاية، لأن بعضاً مما خلق الشاعر الكبير المعاصر هي فرضيته بتجاوُز- بالزاي ذاتها- مجمل الشعر العربي القديم، وتقدمه، عن حق، واثقاً إلى فضاءات أخرى للشعر. لا أحد من جماهير الشعراء العرب الآخرين، بقادر على ما يبدو بتجاوز الشعراء العرب الكبار. ولا أحد يريد أن يرى تجاورا- بالمعجمة- بين أجيال الشعراء المختلفة، لأن تجاوراً معجماً كهذا سيؤول بصفته حالة من الضعف الشعري والثقافي في تكوين الشعراء الجدد غير القادرين على الانقلاب على أسلافهم بضربة واحدة، بضربة معلم كما فعل كبار الشعراء العرب المعاصرين، الرواد.
يُضاف إلى تلك العناصر جميعاً مشكلة عزوف القراء عن تتبع الشعر، بل عدم قراءته أصلاً، ثم سهو النقد المتحول إما إلى نقد مدرسي لا علاقة له بما يحدث، أو نقد صحفي علاقته مشبوهة بما يحدث.
ونظن أن البعض سيذهب إلى تأويل الظاهرة على أنها تتعلق بشاعر مقروء وآخر غير مقروء، جيداً كان أو متواضعاً. ونحسب أنه يتعلق بتقسيم ثنائي ما فتيء يشكل جزءاً من التفكير السائد الذي يفضل العظمة حتى لو كانت متخيَّلة و(الكبير) بالتالي على التواضع حتى لو كان عميقاً و(الصغير). وفي هذا التصنيف الثنائي بين (شعراء كبار) و(شعراء آخرين) – حتى لا نقول صغاراً- ثمة شيء لا يستقيم، فأين يمكن وضع شاعر مثل أنسي الحاج في هذا التقسيم، وأين سنضع أمل دنقل وفاضل العزاوي وأحمد عبد المعطي حجازي وحسب الشيخ جعفر ومحمود البريكان وعلي الجندي؟

على أن معادلة (الكبير-الصغير) تشابه، من طرف خفي، تلك المعادلة التي طالما قيلت في ثقافتنا المولعة بالثنائيات (الشاعر الشاب- الشاعر الشيخ) والتي كانت تضع السن، هذه المرة، معياراً ذهبياً للشعرية، وهي تخلط التجربة الإنسانية المصقولة بالزمن بالقدرات الشعرية. لقد أثبت الزمن أن تعاطي الشعر يتخطى معطيات خارجية مثل هذه لأنه من التعقيد بمكان. كل كتابة شعرية لا تنبثق من ضرورات داخلية لن يشفع لها التقدم بالسنّ، رغم الحكمة الذاهبة قدما مع التقدم بالسن. الصغير والكبير متداخلان هنا وملتبسان لأن الأمر يتعلق بالشعر وليس بالزمن القياسي.

الكبار مستقرون برخاء وسعادة في مجدهم غير المشكوك به، والمؤثرون في الميديا يقفون في الطابور البهي، لكي يصيروا كباراً في أية لحظة من اللحظات، وهو يتصرفون منذ الآن على أساس أنهم من كبار الشعراء. بينما المطلوب من جميع الشعراء العرب البقاء صغارا حتى من دون قراءتهم.

أبو ظبي 29-9-‏2002‏‏

رجوع ....

أقرأ أيضاً: