Tiltle
الشاعر العربي بوصفه "دونجواناً"
Article
- لن يكفي التحليل النصي المُصفَّى على ما يبدو، وحده، في تقديم شروحات وافية للشعر العربي المعاصر، مثلما لن يكفي التحليل السوسيولوجي لهذه المتعة، خاصة إذا ما طبق على يد اجتماعيين عرب أقرب منهم إلى السياسة مما هم إلى المناهج، الحذرة والواسعة الأفق، لعلوم الاجتماع المعاصرة. توحي جميع التأويلات والنقود المكتوبة اليوم، أو تقول صراحة، أن النص الشعري متماهٍ ومندغم بالظاهرة الثقافية، لأنه كذلك تظاهرة من تظاهرات ثقافة من الثقافات، طالما أنه، ويا للأسف، يستشهد ويعود ويطلع من الواقع مواربةً ومداورةً. البداهة والحذر المنهجي واجبان في مقامِ كلِّ خطابٍ أدبيّ عربيّ وغير عربيّ.
- ـ إن مصطلحي (حضور) و(غياب) المستلهمين من الأدبيات الصوفية، أو (المرئي)visible و(اللامرئي)invisible المأخوذين من مصطلحات الأدب الأوروبي، قد يشوِّشان ويفسدان قراءة صحيحة ممكنة لشعرٍ عربي يعرِّش اللاشعوري في ثناياه، ويجرح أو يحرِّف حتى الميتافيزيقي فيه.
- لنستحث الشعر ولنفحصْ، في مقامات الحضور والغياب العالية هذه، فرضية تزعم تراجعاً (أو غياباً، الكلمة الأثيرة على قلوبنا المكتوية بالحداثة) للشعر المتعلق بالمرأة، أي الشعر المسمّى في الإرث العربي المجيد غزلياً، والراسخ دوماً، كما نتوهم في الفعالية الإنسانية الأكثر بداهة.
- لا يتعلق السؤال، وها هنا حذر منهجي آخر، بخطاب شعري يتوجه، شكلياً، إلى المرأة، أو خطاب من المرأة موجَّهٌ إلى الرجل (وقد تصاعد اليوم وتعالى صوته)، كما أنه لا يتعلق أبداً بمقولات تأملية، تحرّرية، صار لها أنصارها (الشفاهيون والحقيقيون) الذين يمكن رؤية تكاثرهم الداعي إلى الارتياح. هذه المقولات تشبه أحياناً الأقاويل ولا تتطابق في الواقع إياه، إلا قليلاً مع المفهومات اللغوية البليغة.
- يستطيع القارئ الفطن، إذا ما استثنى نزار قباني وقلة أخرى سنسميها، أن يلاحظ غياباً وغيبوبة لشعر له تاريخ عريق في الضمير العربي. غيابٌ مثيرٌ للحيرة على الرغم أن النساء العربيات ما زلن، والله اعلم، (حاضرات)، ولو أشباحاً محجَّبة، في الحقل التخيُّلي والمعرفيّ وفي الوعي والثقافة المُنتـَجَة.
- شكلياً وبنيوياً: كان (المطلع الغزلي) في القصيدة العربية التقليدية جزءً من البناء الكلي للنص، اللبنة الأولى من العمارة اللاحقة، بل (اللازمة) الضرورية للنص، أي نصاً أساسياً في الجسد العام للقصيدة. في حين انه سيتلاشى في زماننا، ويفنى، بالتدريج، لصالح عمارات أخرى لكي يُلغى كلياً في نهاية الأمر، كما لو كنا نشهد غياباً فيزيقياً للمرأة نفسها في المرجعية الثقافية وفي الدوافع التخيلية، ثم انحسارها النهائي خلف الحجابات والمقولات الحقيقية والمجازية.
- يرفض بعض الخطاب العربي الخوض في البداهة التي هي لفرط بداهتها أصلُ الفكر نفسه. تفترض البداهة أننا إزاء تهميش، لكي لا نقول إلغاء، لبعض الشعر الجوهري من الحساسية العربية إلى درجة إشهار همّ وحيد، فريدٍ، اجتماعي في جوهره، وسياسي في تمظهراته، ينبثق على أنه الموطن الممكن الكبير الذي على الخطاب الشعري أن يتوطن فيه. يرتدي السياسي خرقة المتصوف ويذهب التروتسكي إلى ألاعيب السوريالية. يصير (السياسي) رديفا (للعميق)، للكوني، للنبيل وللسامي، للتضحية بالذات وباستشراف آفاق المستقبل. ثمّة في الخطاب السياسي، المموَّه على يد لاعبي اللغة العظام في شعرنا المعاصر، بعض الوهم، طالما أن مفهومة الأمة أو الوطن الأم لم تعد مثلما كانت منذ حين، وطالما أن مسقط الرأس هذا يصير معادلا لألم أبنائه بل إلغائهم؟ سيقول العقل المفرط إنه لا يمكن أن تُحَبَّ أوطان تقتل أبناءها وتشردهم. هذا الإفراط ليس من مصطلحاتنا ولا يضيف شيئاً إلى المعرفة، خاصة معرفة لماذا مثلا يطرد السياسيُّ الغزليَّ من مملكة الشعر.
- إن طغيان السياسيِّ على الغزليِّ يُفسِّر مشاعر الاهتياج الوطني، حب الوطن الموازي للإيمان الديني، حب الوطن الذي ابتذل على يد (الشعراء الوطنيين) و(الشعر الوطني) الملقَّن للأولاد في المدارس، بمعنى طغيان الهموم الاجتماعية الموضوعيّ. سوى أنه لا يفسِّر تماماً غياب ذلك الشعر الغزلي الذي نحلم به .
- يمكننا التفتيش عن علّة للموضوع في أماكن أخرى، يمكن أن يضعها المصابون بجدل التأثير الوحيد للخارجي (الاجتماعي والسياسي) على النص الشعري المنغلق على ذاته والشائح بوجهه عن الواقع، في إطار تحليلهم السوسيو- سياسي، وفي نيتهم أن لا يتركوا لنا البتة متنفساً لموعظة من نمط آخر. ويمكننا على الدوام أن نتفهمهم ونسامحهم.
- ها هنا فرضية أخرى: يبدو أن المغامرة باتجاه المرأة لم تَعُدْ تشكّل، في الضمير المستتر من الجملة العربية الغامضة، كما كانت في ما مضى، مغامرةً وجوديةً، كما لو أن الكينونة الأنثوية لا تؤخذ على محمل الجد ولا يجري الإيمان بأنها تستأهل، هي ذاتها، شعراً يليق بها وليس بما يحيطها أو يُرضي، فحسب، السعادة المنغلقة على نفسها للذات الشاعرة. لم يكف الخطاب الشعري المعاصر عن استحضار المرأة رمزاً من كل نوع: للوطن، للأمة العربية، للحزب. لم تكن تـُخاطـَب، في الغالب، كجغرافيا آدمية، ككينونة مستقلةٍ وكفضاءٍ خاص.
- إذا استثنينا شهوانية نزار قباني المتأنقة، فإن الإنصاف يُوْجِبُ وضع أدونيس وأنسي الحاج في الطرف الآخر من المعادلة. ففي مجموعته (المسرحِ والمرايا) مثلاً لا يفعل أدونيس إلا كتابة تاريخ الأنوثة هذه وفي وقت مبكر نسبياً من تاريخ القصيدة العربية الأكثر حداثة. كان أدونيس يعالج الجسد الأنثوي بوصفه فضاء من نوع خاص، بوصفه عالما صغيراً microcosme يعبِّر عن العالم الكبير macrocosme ، حيث تتناوب وتتوازى الإشارات هنا وهناك. كان يخوض في تضاريس الجسد كما يمكن أن تخُاض تضاريس الطبيعة. في حين تصير المرأة، الحيّة والملموسة وليس الرمز، في (الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع) للحاج موضوعا للقصيدة ومقولة للشمولي الذي تطلع منه العِبر والخيالات، وتصير تماهياً مع الطبيعة. قبل هذين الشاعرين كان ثمة التماعات أصلية وثمة الكثير من الشعر لدى الياس أبو شبكة في (أفاعي الفردوس) حيث تبدو اللغة عنده منهمكة باستحضار أو إعلان اللذة الجسدية، وتبدو وقد فاحت بشبقية فادحة، وحلـَّت المرأة في قلبها. يُمنح الجسد الأنثوي لدى أبى شبكة معنى الغواية والخطيئة. كان أبو شبكة، وقلة أخرى من مجايليه، يذهبون إلى هذا النبع بوَلـَهٍ سنقول صوفي، وكانوا يمنحون الإيروسي مكاناً، ثم ينقلون هذا الإيروسي إلى مصاف الفاعلية الواجبة الوجود، أي البديهية. سيستلهم بدر شاكر السياب منهم، ومن مناخات يومئذ الثقافية، تلك النبرة الغزلية الحيّية الطالعة شعراً في (شناشيل ابنة الجلبي) مثلاً وفي قصائده الجميلة عن (شُباك وفيقة). بعد هؤلاء سيجيء قباني، ومن بعده سيشيع السياسيُّ ويطغى ويتكبّر.
- عندما نتحدث عن غياب فإننا نتحدث عن اللكنة المتسيِّدة في الشعر العربيّ التي صار عمرها أكثر من نصف قرن. إننا نعرف أن شعراً غزلياً قد أُنتج كذلك بكثافة لدى شاعرين أو عشرة من الشعراء، ولعل جميع الشعراء العرب قد كتبوا نصوصاً مُفردة عن الموضوع، ولكنه بقي هامشياً كظاهرة شعرية. ما زالت المرأة هامشية في حقيقة الأمر. وإذا ما كان صحيحاً وعتيقاً الافتراض أن القيم الراسخة في التقاليد الاجتماعية تتمظهر عن تقاليد شعرية مماثلة لا تتوازى مع تلك الأولى وتتحايل عليها عبر سمو مفترض للقول الشعري وقدراته المزعومة والصحيحة على تجاوز التقاليد البلاغية والأخلاقية في حقبة من الحقب. لا تتوافر، كما يبدو، هذه الوظيفة التجاوزية لكل شعر عربي. ما زالت نظرية الانعكاس الشائخة مفيدة هنا.
- إن غياب شعر غزلي، إيروتيكي إنما هو واحدٌ من أسباب رواج شعر نزار قباني الغزلي الذي يغدو شاعره في اللاوعي الشعبي العربي شاعراً صادماً، متجاوِزاً وفي مصاف الجريئين الأحرار. يخاطب نزار قباني بالأحرى وعياً متخلفاً للغاية ويتلاعب على المطمور في أعماقه. وعي سيثيره مجرد التلميحٍ اللغوي إلى أعضاء ومفاصل المرأة، ناهيك بحلمتها وثدييها، كما تثير مواطناً عربياً صالحاً ومؤمناً، بالضبط، رؤية قدمها أو طرف أذنها. وإذا ما كرّر نزار قباني مراراً بأنه (يناضل) من أجل رفع الأقنعة وتحرير السيقان والأثداء من ربقة الظلام فإن إيحاءات لغته، في الحقيقة، تستلهم الدفائن القديمة الخربة. لقد اشتهر قباني بشعره الأول الذي يستثمر تقاليد التخلف الثقافي خير استثمار.
- يمكن أن يكون شعر نزار قباني الغزلي إشارة ودليلاً على المقدار الذي يتماهى فيه المعضل الاجتماعي بالمشكل السيكولوجي ثم بقوة النص وحيله التعبيرية الفذّة. سنحبّ شعر نزار لأننا أمام نص شعري وليس خطبة نثرية، الأمر الذي لن يمنعنا من التوقف ورؤية كيف يختلط المحرَّم بالدفين، بغير المصرَّح له بالظهور. يُعالِج الشعر لديه موضوعة (المرأة) متوقفاً عند العناصر الأولية، الاستفزازية ويبقيها في إطار المتعارَف عليه، أي الجسد عضواً لإشباع لذةٍ وحيدة الطرف وذكورية، بحيث يبدو الشاعر وهو يلعب دور الدونجوان الجديد، الدبلوماسيّ الذي يثري مفرداته ويغطي نزواته بأدب جمّ .
- بعد أن اشتهر كشاعر للمرأة، وصّافها والمتغزّل بجسدها البديع، سيكرّس قباني معظم شعره اللاحق لنبرة سياسية تعلن التناقضات في الشخصية العربية والطرائف، وتروي الألم الحبيس في الذات السياسية العربية. إنه يتخلى هو نفسه عن شعره الغزلي بمعنى من المعاني. وليته ما فعل. ففي غزله الأول يكمن السياسي أيضاً بدلالته الأعرض، الإنسانية، وبمعناه اليوناني: فاعلية الكائن وفعله في الجسد الاجتماعي.
- لكن الشعر الغزلي سيحضر في الأدب الشعبي، بجمالياتٍ لا تـُضاهى، وفي أدب العامياّت العربية المعاصرة (مظفر النواب، طلال حيدر..). يصلح النواب عامياً مثالاً بارزاً لكتابةٍ إيروتيكيةٍ رفيعة المستوى، وهذا يُفسَّر على مستويين اثنين: حضور المرأة الفيزيقي في الريف العربيّ جنباً إلى جنب مع الرجل بسبب ضرورات العمل، ثم استلهام هذا الريف لتقاليد أدبٍ شفاهيٍّ يحتفظ الإنسانيّ العميق وما هو عفوي بمكان بارز فيه. لا الفقهيّ المتشدّد، وهو ضدّ المرأة عموماً، ولا المدينيّ المتحذلق الواصل عبر الطريق التركي، وهو مُحجِّـبُها الأول، قد غيّرا شيئاً يُذكر من الطبيعة الشفاهية للنص العامي ومرجعياته الحيّة.
- إن محاصرة المرأة لم تكن ممكنة على الدوام. تطلع (الحيلة)، وهي مفردةٌ لها إرثٌ في المعطى التراثي وامتدادات عميقة في جميع الأدب العشقي والإيروسي التقليدي، بصفتها وسيلةً لمجاراة النازع البديهي لدى الإنسان، بصفتها تحايلاً على الحيلة الفقهية والأخلاقية. ما لا يُمكِن تطمينه علناً سيُجري إشباعه خفية. من هنا وفرة المستتر والخفيّ من مغامرات الرجال والنساء العرب.
- هنا فرضية جديدة: ليس غياب الشعر الغزلي في الديوان العربيّ الحديث سوى تعبيرٍ عن الالتباس في دور الرجولة أو ليس سوى التشديد المرضيّ على دورها في الخليّة الإنسانية. فنحن، كما يبدو، أمام حالةِ ذكورةٍ لا يُشْبعها إلا التعدّد الكميّ والتنوّع اللامتناهي. تصلح هذه الذكورة إلى نقدٍ قاسٍ. الذكورة العربية، الذكورة بمعناها في الوعيّ الثقافيّ التاريخي الإسلامي إذن هي التي تهيمن في النصّ وتقدّم العالم من وجهة نظرها.
- في غياب الغزليّ وحضور الذكوريّ تتفتّح بعض الكِوى في تأويل الظاهرة. والسؤال في غاية البساطة: كيف يمكن لمجتمعٍ يقوم الذكر فيه بقمع الأنثى، أو يجعلها، فحسب، موضوعاً لنزقه، أن ينتج شعراً غزلياً؟ كيف يمكن، في مجتمع غير عادل، ولا توجد فيه مفردة تعادل مفهومياً المفردة الأوربية Couple (كما في الفرنسية والإنكليزية والمشتقة من اللاتينية copula )، التي سيترجمها المترجمون بـ "الزوج"، أن ينتج غزلاً أفلاطونياً أو ابيوقراطياً؟. إننا في قلب السوسيولوجي منتج النصوص كذلك. لا تذهب كلمة "زوج" العربية في استخداماتها، المتأخرة على الأقل، إلى المعنى اللاتيني مثلاً، المتأخر والمتقدم، الذي يحملها، منذ البدء، دلالة "الارتباط" و"العلاقة" بين ذكرٍ وأنثى من الجنس الحيّ نفسه، أو معنى الاتحاد بين "رجلٍ وامرأةٍ" مُقترنَيْن بكيفيةٍ من الكيفياّت. ثمة في العربية كلمتان تدلّ الأولى منهما على الرجل والأخرى على المرأة ولا توجد كلمة تدل على الوحدة العضوية، على "التعالق" بين نوعيهما مثل كلمة Couple التي سيحار القاموس بتعريبها. كلمة الزوج في العربية مرتبطةٌ بالأحرى بالعلاقة الشرعية فحسب، ومنه الزوجة الرسميّة، ثم ثمة الزوج، خلاف الفرد الذي يُبْعدنا كثيراً عما نسعى إليه.
- في مجتمع يتكون طبيعياً من ذكور وإناث، علينا أن نرى في غياب الغزل هيمنة مُطبقَة للذكر المُتـََمرْجـِل (وهو اشتقاقٌ عاميٌّ يصيب عيناً من عيون الحقيقة). في عدم تمكّن النساء من ارتياد المقاهي ثمة انعدامُ توازنٍ نفسيٍّ سيلعب الرجل فيه دوراً فريداً: إذا لم يكن الأمر متعلقا بالمحارم وبالمؤسسة القانونية (الزوجة) فإنّ دوره الآخر هو "الدونجوان" من غير مُنازِعٍ.
- لا يمكن للدونجوان أن يكتب شعراً غزلياً.
- يُعرََّف الدونجوان بأنه "شخصية من المسرح الإسبانيّ صارت تنميطاً للمُغـْوي. إنّه الذي يُغـْوي عديم الذمّة". علينا، منذ اللحظة، النظر إلى مفهومة الشاعر الدونجوان ضمن دلالتها الاستعارية، المفيدة هنا.
- ـ قد تُوصف حالة الدونجوانية من وجهة نظر التحليل النفسي كحالةِ خوفٍ دائبٍ من الإخصاء، كأن الدونجوان في طور التوكيد المثابر، في ممارسته اليومية وفي كتابته الشعرية، على خلوّه من حالة الإخصاء. هذا التحليل لا يهمّنا، ولا يقنع القارئ العربي المتوسط الذي سيرتعد من فكرة الإخصاء الرمزيّ. لا يُعرِّف هذا التحليل كذلك الخصوصيات النصية لدى الشاعر الدونجوان الذي لا يكتب نصاً غزلياً.
- يفضّل البعض أن يرى في هذا النمط من الرجولة الدونجوانية ممارسة لُعبية سالبة. لعبة موضوعها الوحيد، تقريباً، المرأة، لن يكتفي الدونجوان فيها بعلاقةٍ واحدةٍ وإنما يصير هدفه الكبير "إسقاط" أكبر عدد ممكن من العشيقات في حبال شباكه الغرامية والجنسية وفي وقت متقارب، كما لو كان هاوياً لجمع الطوابع أو تجميع الفراشات. كيف يتهيّـأ له إذن أن ينصرف إلى كتابة نص شعري متوازن عن المرأة؟ عندما تصير المرأةُ، وجسدُها على وجه التحديد، لعبةَ الرجل، فمن الواضح أنّ هناك عدم إشباع عميق وعدم اكتفاء جهنمي من الجسد الأنثوي الذي يجري تعاطيه كـ "حقل" للرهان، ومعاودة الرهان، أي المواظبة على البرهنة على إمكانياته الخارقة وعدم عطبها. سوى أن عدم إشباع من هذا القبيل إنما هو الاسم الآخر لعدم القناعة أو الاكتفاء من جسده الشخصي هو نفسه: من هنا غيابُ نصٍّ يتأمل الذات الشخصية للشاعر وغيابُ نصٍّ عن جسدِه هو نفسه.
- لا ينسجم التأمل الغزلي البريء، مثله مثل النص الإيروسي الأقلّ براءة، مع صورةِ رجلٍ ـ شاعرٍ يغامر بوضعيته الاجتماعية كلها ودفعة واحدة، ولا يهمه أن يخسرها. لو كان مقامرُ الروليت مثلا مهووساً بدفع ما يمتلك من مال إلى طاولة اللعب، فالدونجوان يفعل الأمر ذاته على الصعيد الاجتماعي. لذة المقامرة، في كلتا الحالتين، هي الجوهرية، وليس لذة النص. إنّه لكي يمتلك موضوعه مادياً عليه أن يخسر النص: لن تتهيأ له والحالة هذه الفرصة لكتابته.
- تغيب عند الدونجوان مفهومة (الكرامة) بمعنييها المُبسَّط والمُرْهف. أفضل القيم الأخلاقية منسية لديه، وتتحوّر لكي تكون مطلقة النسبية، ذلك أن آلية عمله، بوصفه مغازلاً مُحترِفاً، تقع فيما يلي: السعي الغزليّ المتواصل، المُصاغ مسبقاً من دون الكثير من الصدق، وخاصة من دون الالتفات إلى الصدود المحتمل، إلى ردّات الفعل العنيفة والضعيفة من طرف موضوعه الأثير: المرأة. نوعٌ من رجلٍ تجريبيٍّ يحاول مشروعه مع أكبر عددٍ ممكن من النساء لكي يصطاد فريسة واحدة في نهاية المطاف. إنه يبتلع، كل مرة، قوة الصدّ، بل الإهانة، ويجري لها عملية محو سريع من ذاكرته، منتقلاً إلى فريسة أخرى.
- وفي مقابل ذلك، وبتناقضٍ فادح، تظهر لديه نزعة تبجّحية تدفعه، بوصفه صائد نساء،"عديم الذمة" إلى إخفاء وطمر حالات الفشل المتكررة التي هي جزءٌ عضويٌّ من حياته الروحية. هنا ضعفه وقوته. هنا مقدرته على الاستمرار في كتابة نصه.
إنه لا يعلن إلا الناجح من مغامراته، إلا المجد المؤثل. ليس ماضيه سوى النصر المبين رغم وفرة الهزائم. لا يُعلِن إلا تفوقاً ظاهرياً فهو ليس معنياً سوى بالكمّ الفعليّ من تجارب اللذة. الرجولة هنا، والنص، والأمّـة دائمة الخوف من نفسها وغير مطمئنة إلى نفسها. أنها كليّة القدرة وقوية من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين، من المحيط إلى الخليج، ولا تحتمل نأمة من الضعف. يتجلّى كبح "الضعف" وعدم إعلانه في الندرة النسبية للنصوص التي يُعلن الشاعر العربي فيها لحظات انكساره الفردي ولحظات بكائه، ويغدو الوجه الآخر لضعف عميق لدى هذه الرجولة. - يصير المحو الواعي للتجربة الفاشلة طبيعة متأصلة لدى الدونجوان. يحتاج من أجل بلوغ مراميه إلى نسب مُعْتبَرَة من "الكذب" والالتواء على الآخر وعلى الذات. إنّ لعبة الإغواء الطبيعية بين رجلٍ وامرأةٍ تتحوَّر لديه لصالح أكذوبة مستمرة يجري إعادتها بإلحاح وبأشكال متنوعة. يختفي الدفق العاطفي ويحلُّ محله "كذاب محترف" ذو قدرة عالية على النسيان. تقع منطقة واسعة من ضميره في الظلمات طالما يتعلق الأمر بإرواءٍ فائقٍ للعادة لما هو شبقيٌّ فحسب، أي للأنا. (أنا) الدونجوان العربية المُبالَغ فيها لا تشابه (أنا) الدونجوان الإسباني الأناني وأحفاده الغربيين، لأنها لا تتوطّن، مثل الأوربية، في المؤسسات، ولا تطلع من مزاج الرأسمال، وليس لديها من تاريخ، بعد أن حطّمتْ وتحطّمتْ مدنُها ومواليها، سوى القبيلة، الريف، البداوة.
- يحضر الإيروس وحيداً، تقريباً، في وعيه ويختفي اللوغوس. وإذا ما كان هذان المفهومان مترابطين عملياً، ويشدّان أزر بعضهما، ويعاودان التجلّي على التناوب فإن الأول منهما يطغى لدى الدونجوان أو أنه، على الأقل، يَستبعِد الثاني.
- بصفته مهموما بالأنثوي، بإيروسه الأناني، فان الصداقات مع الرجال تختفي من حياته بعض الشيء. صداقاته عابرة ومؤقتة وزائفة جداً. الإيروس وحده هو الممكن. ولأنه لا يفصح عن نزعة مِثـْـليّة لِوَاطيّة فان الرجل ليس بمَوْضِعٍ مناسبٍ لتطمين إيروسه الأناني. هكذا لن نجد في تاريخ الشعر العربي المعاصر صداقات حميمة بين كبار الشعراء، ناهيك عن صغارهم. بدلاً من ذلك سيتوثب الإلغاء المتبادَل، وانتفاء الحوار الذي هو أسّ الصداقة. مع الرجال هو مشعِلُ الحروب. أنّه لا يرتاح إلى محضرهم: منافسيه المحتملين على قلوب عذراواته، ومن الأفضل استبعادهم عن مشروعه التأريخي.
- تتساوى لديه، في هوس حُمَّاه، النساء جميعاً: إنه يحبُّ كلَّ النساء بالطريقة ذاتها. كلّ الورود لها ذات الرائحة، كل الحقول متشابهة، كل الأجساد البضّة. هنا تغيب تقاليدُ خطابٍ غزليٍّ متنوّع. الدونجوان يستهدي بتنميط لغوي جاهز، بصُوَرٍ وأخيلةٍ متأسسةٍ، أثبتت تجربته الثقافية فاعليتها.
- سوى أن ثقافة الدونجوان تخفي نقيضها. ولأنّ الثقافة العربية غير محكومة، بالضرورة، بالموات رغم اصفرارات المرض البادي على وجهها، فإن أجيالاً جديدة في الشعر العربي ستتقدّم وهي تتأمل الظاهرة، نحو نقدٍ عنيف، غير منهجي مراتٍ وغير مسموح به مراتٍ متعددة، إلى المؤسسة الشعرية التي كلما تهدم جزءٌ منها صار هذا الجديد، بدوره، مؤسسة أكثر شراسة كأننا أمام طبيعة عصيّة على الفهم. ستتقدم هذه الأجيال، رغم تمادي الدونجوان في غيّه الموصوف، إلى منابع أخرى، إلى "موضوعات" أخرى ولن تخشى المَخْشيّ منه: الايروسي مثلاً. حذرة وقلقة ولكنها تهتدي بفضيلة المحاولة. إننا إزاء شعراء لا تختفي لديهم فحسب نزعة "التمرجل" السائدة ولكنهم يحاولون كذلك خلع عباءة الدونجوان. العالم كله جسد استعاري والجسد الحقيقي يصلح كذلك لإقامة النص الشعريّ.
- بعض الكتابة الشعرية الجديدة، رغم عثراتها وتهميشها، تقوم على أساس الاستبعاد والاستعلاء على فرضيات الدونجوان، ونصوصه. لقد طلـَّعتْ السنوات العشر الأخيرة نمطاً من الشعر المترّبي والنامي في تربة مُغايرة. إنه نتاجُ صدمةٍ قوية سبّبها الواقع اللاشعري للشعر العربي قامت بشرخه وقلقلتْ حتى مفهومة الحداثة بطبعتها المحلية فيه. ثمّ أن هذا الشعر يطلع من مناخات، اسمها الآخر: المنفى، وهو أوربي في معظمه وقد عَرَّف الشاعر المهاجر على سبل جديدة كانت جد لازمة لتخفيف وطأة ذكوريته المتضخّمة، من أجل التخلي النهائي إذا أمكن الأمر، عن شخصية الدونجوان: الشاعر والإنسان.
- ستحدث عودةٌ إلى علاقةِ عشقٍ مع موضوعٍ موصوفٍ، وإلى جسد مُتولـَّهٌ به إنسانياً وشبقياً، وليس إلى وَهْمِ العشق. إننا نعود إلى خيرة الأمثلة الغزلية التاريخية وإلى روح القصائد العشقية الشعبية.
- تمتد علاقة الذكوري والأنثوي، العشق والتولـُّه بالآخر المُختلٍف نوعياً من الناحية البيولوجية والجنسية، إلى أماكن غير نوعية، وتتصل، في النهاية، بطبيعة النص الشعريّ أي بالأدبي عموما. اللغة نفسها ستحاول التوغل في مجاهيل الموضوع. لن تنقصنا الأدلة على شعر من هذا القبيل. ثمّة نصوص ومجاميع (وليد خازندار... مثلا) لا تركن سوى إلى إيروسها العادل في مغامرة النص. يصير الايروتيكي في هذه الأمثلة بمثابة احتفال بالتفاصيل الحميمة، لكن الجسدية، بسعادة حسية أو مطلقة الحسية لا تركن، لكي تكون صافية وشعرية سوى إلى الشعر. إنها مكتوبة ومكتوية بما كان يريد النص- الأب نسيانه، وما كان المجتمع يحاول طمره، وما يسعى الظلاميون إلى تحويله إلى شيء مدنّس.
- ليس عبثاً ولا عبر المصادفة الخلاقة أن تجري الثقافة العربية في السنوات الأخيرة تحقيق الأعمال الكلاسيكية الايروتيكية (النفزاوي، التيفاشي، وأعمال أبي نواس المحرمة، مثلا) على يد شعراء جدد (جمال جمعة في هذه الحالة).
- ليس عبثا، بالمرّة، أن تهتم مجلة يصدرها ويكتب فيها شعراء جدد وأكثر جدة. (الكاتبة)، بموضوع الذكوري والأنثوي من وجهة جريئة، بل مفارقة. لا تستطيع ثقافة يسيطر على أجوائها الدونجوان أن تسامح مجلة مثلها.
- ليس الإقصاء المستمر لهذا الموضوع سوى نوع من الإخصاء الرمزي للمجتمع العربي (مثله مثل إقصاء الشعراء الشبان وعدم الإيمان بقدراتهم على الخلق) وليس حضور تلك النزعة التمرجلية والدونجوانية سوى توكيد لهذا الإخصاء .
- بينما تكون العودة إلى الموضوع بمثابة عود مبرور إلى تلك الوحدة الكلية الرمزية، سنقول الاحتفالية، (والدينية في جوهرها كما تبرهن أناشيد عشتار الجنسية)، للرموز والطقوس الجنسية التي هي جزء من الكوني رغم ظاهرها الطفيف وحميميتها.
- لقد أثّر الشعر الأكثر جدة، وليس الايروتيكي وحده، على "الكبار" أنفسهم كما أشار إلى ذلك نوري الجراح مرة في مجلة "الوسط". لذا فليس عبثاً، للمرة الأخيرة، أن يعنون سعدي يوسف إحدى مجموعاته بـ "ايروتيكا" متأثرا بهذا الروح الطاغي، الحر والمتدفق.
- ثمة حساسيات جديدة، تختلف وتتقدم مفهومياً، ربما، على حساسيات الأب الروحي الكبير.
*******
رجوع ....