لا أظن أن بمقدور الشاعر تعريف الشعر لأنه جزء  من طريقة حضوره في العالم. الشعر هو الضرورة القصوى لقول ما لا يُقال بكلام آخر. إن القول مُدَاوَرَةً  الذي هو أبرز مهارة من  مهارات الاستعارة (جوهر الشعر)، ليس رديفاً للالتباس، إنما العكس من ذلك تماماً إنه جلاءٌ لما هو  غامض في الفكر والوجدان.
القول الشعري هو لحظة اقتناص ما يهرب عادةً من الفكر والوجدان بسبب طريقة عمل اللغة العادية، المنطقية التي هي لفرط تكرار صياغاتها ومألوفية جملها لم تعد تقول، أحياناً كثيرة، شيئاً ذا بال.
الشعر هو المساحة الحرجة لكي يعبِّر السريِّ، المهجوس لكن الـمُراوغ، عن نفسِه.

الشعرُ هو الكلام المنشقّ عن قوانين الكلام رغم أنه يعاودُ شكلياً تقليد النحو السليم.

الشعر هو هذا التأرجح الخلاق بين المخيّلة السادرة والوعي الصاحي النادر الذي يخصِّبُ اللغةَ ويجعلها مليئة بالبهجة والحكمة والمروق.

الشعر هو التقاطٌ للصدف النادر على ساحل الحياة والموت، ومن هنا صعوبة اللقاء به دائماً بين ركام الكلام الذي ينحو منحاه ولا يفعل فعله.

الشعر يشتغل على نوعٍ أصيلٍ من الغرابة والغواية بينما يفكر ملياً وبشكل جدي بمصير الأشياء والكائنات. هذه المفارقة لا توجد إلا بالكلام الشعري الذي، لوحده، من بين جميع ضروب الكلام يبدو في آن واحدٍ سادراً ومفكراً. من هنا التقاء الأريحية واللذة بالعقل والفكر في الكلام الشعري. إنه جمال الداخلي الملتمع بخفوت ولكن الذي يبهر إشعاعه العيون.
لا أستطيع أن أعرف الشعر إلا عبر أدواته هي نفسها التي تبدو جد ملائمة لتقديم تعريف له.
أما الشاعر فهو فلاح الحقل دائم الخضرة.

رجوع ....

أقرأ أيضاً: