(لدي موعد معه لن يتحقق في بيته الريفي)

فاروق يوسف
(العراق/السويد)

1

سيرة حياة كاملة تلك التي استعرضها صخر فرزات امامي في بيته الباريسي. فرش مئات الصور التي تروي واقعيا مراحل بناء بيته الريفي جنوب فرنسا، لكن تلك الصور في حقيقتها وضعتني وجها لوجه امام الشخصية المكافحة والمثابرة والمجتهدة التي ينطوي عليها وجود ذلك الفنان. لقد استغرق تحويل ذلك البيت من مكان ريفي قديم ومهمل الي بيت يحتفي بالحياة المشتركة لرسام وشاعرة زمنا طويلا. ترك صخر بصماته علي كل صخرة من جدران ذلك البيت الواسع. في كل سنتيمتر منه هناك مساحة شاسعة ترك صخر في ثناياها شيئا من أحلامه. لا أحد في امكانه أن يعرف الشخصية الحقيقية لصخر ما لم ير ذلك البيت الشامخ أو علي الأقل صوره. وكنت أعد نفسي في المضي قدما في التعرف علي تلك الشخصية حين تتاح لي الفرصة لأري صخر في بيته الريفي. يومها ستكتمل في خيالي صورة الرسام العاشق. فصخر الذي كان امامي يومها كان قد ترك شيئا منه عالقا بكل صخرة هناك. شيء يشبه السحر جعل الرجل مقيما في مكانين: شقته الباريسية وبيته الريفي في الجنوب. كما في الرسم، فان المهنة تتراجع امام فيض النشوة التي يقترحها خطأ عشوائي غير مقصود لذاته. للحجر قوانينه الداخلية مثلما هي الصبغات التي تطلق الالوان من مخابئها. كان صخر في الرسم كما في الحياة رجل حرفة، يتفاني في اخلاصه لدقة في العمل مبالغ فيها، غير أن ذلك الاخلاص لا يذهب به الي درجة التماهي مع قسوة قد تفقد يديه لذة التماس بالاشياء. كان ماهرا لكن بحنان فائض. لذلك فقد كان الخطأ ممكنا في كل لحظة من لحظات الرسم بل ومرحبا به.

2

حول الرسام السوري صخر فرزات (الذي غادر عالمنا مؤخرا) العالم المرئي الي خطوط متلاصقة ومتداخلة. كانت هذه هي طريقته في النظر التي قادته الي اسلوب في الرسم تميز وعرف به. تلك الخطوط صارت في وقت مبكر من حياته الفنية مادته التي استغني بها عن المرئيات التي لم يكن يراها الا من خلال غلالة ضبابية. تجريديته المبكرة منحته مكانا متميزا في المحترف التشكيلي السوري. وذلك موقع جعله في منجي عن الوقوع تحت سطوة تأثيرات تجربة استاذه الفنان الرائد فاتح المدرس. رسوم فرزات كانت مفتتحا لمسار مختلف، لم تعد معه العودة الي التشخيصية ممكنة، كما كانت الحال مع المدرس. وهي عودة كانت ولا تزال مستحبة بالنسبة لعدد كبير من الرسامين السوريين. كما لو أن صخر اراد أن يبني سدا بينه وبين الآخرين ليكون وحده ابن تجربته وخزانة اسرارها كانت المسافة تزداد بينه وبين اولئك الاخرين كلما شحن خطوطه برؤي تعبير مستلهمة من مادتها لا من عالم وصفي لا تحيل اليه. كانت لوحته وليدة تجربة في الرسم الذي يرعي جمالا لا يصدر إلا عن تجربة روحية في النظر الي أمكنة سرية لا يعلن عن وجودها النظر المباشر. امكنة يخترعها الرسام لتكون بمثابة معادل تصويري لتلك التجربة البصرية المكثفة التي ينطوي عليها عالم الشعر. وكان صخر يستدعي الشعر ليرسمه. لقد اتعبني النظر الي مئات الكتب الشعرية التي رسمها صخر لعدد كبير من الشعراء الفرنسيين.

3

كان صخر فرزات يسعي من خلال الرسم الي تثبيت لحظة خلق فالتة والتثبت من وجودها، لذلك فقد كان يجد في الشعر خير معين له. ذلك لان الشعر لا يصف تلك اللحظة المعاشة بقدر ما يسعي الي استخلاص نتائجها المتوترة. وكانت رسوم صخر تحمل كل ذلك التوتر الخلاق الذي يحيلنا الي الداخل بصفتنا نوعا من الكائنات التي ترضي بالعيش علي الحافة والنظر من هناك. كل لوحة من فرزات كانت نزهة بصرية في عالم خلوي تتساقط عليه الالوان مثل شلالات لا يعرف مصدرها. في سوق الشعر بباريس (عام 2006) كان وجود صخر لافتا. فما فعله لم يفعله أحد من قبله، وقد لا يفعله أحد من بعده. تجربة مجنونة تلك التي جعلها صخر ناموس حياته: لقد صار يزين مئات الكتب الشعرية برسومه من غير أن يكرر تلك الرسوم. كل نسخة من تلك الكتب هي نسخة وحيدة ونادرة. كان يسيرا عليه لو أنه رسم نسخة واحدة وسلمها لمشغل كرافيكي ليعمل منها نسخا ويمهرها بتوقيعه لتكون كل النسخ أصلية. غير أن ذلك الفعل الميسر لم يكن ليشبع حاجته الي الشعر. لقد كان لديه ما يراه في القصيدة الواحدة بما لا تحققه عشرات الرسوم. هو صخر ذاته: في الرسم كما في انجاز بيته الريفي. لا يجد متعة إلا في العمل المضني والكدح المتفاني وصولا الي غيبوبة هي ملاذ الشعر وضالته.

4

لكي يصل الي جوهر الرسم جرب صخر فرزات ان ينفصل عن مصادره البصرية، مثلما فعل مع الشعر تماما. وفي الحالين كان يطرق سبلا جديدة في التعبير عن شغف مضاد. فعلي سبيل المثال يمكنني القول أنه اكتفي بان يكون الرسم وسيلته للبحث عن الضوء. دائما تحضر رسومه نقية من كل عتمة. هناك فراغ ما بين خط وآخر يقول ما لا تقوله تلك الخطوط المتراصة. كان ذلك الفراغ يبعث في الخطوط من حوله حساسية شكل، هو في حقيقته نوعا من الوهم البصري. ومن تلك الاوهام صنع فرزات اسئلته الناعمة والشقية التي كانت تتماوج بقوة الموسيقي التي تتسلل كالضوء من أعماقنا. صخر فرزات الذي غادرنا ترك وراءه ثروة من الرسوم يهب ضوؤها حياتنا معني جديدا في كل لحظة ينفتح فيها واحد من كتبه التي تعد بالمئات.
شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد

القدس العربي- 18/06/2007

أقرأ أيضاً: